← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12531–12570 · переход к 12536.

стр. 12531

وقال الكسائي: المعصر التي قد راهقت العشرين (١). وقال ابن الأعرابي: المعْصِر: ساعةَ تطمُث؛ لأنها تُحبس في البيت يجعل لها عَصراً، قال: وكل حِصن يتحصَن به فهو عَصَر (٢). وقال غير الفراء: إنما قيل للسحابة معصر تشبيهاً بالجارية المعصر لانعصار دم حيضتها، ونزول ماء تريبتها للجماع، يقال: اعتصرت الجارية إذا بلغت هذه الحالة (٣). وقال أبو إسحاق: المعصرات: السحائب؛ لأنها تعصر الماء. وقيل: معصرات كما يقال: أجزَّ (٤) الزرع أي صار إلى أن يجز، وكذلك صار المطر إلى أن يمطر فيعصر (٥). وقال المبرد: من قال في المعصرات إنها السحاب فمعناه: أنها ممسكات الماء من العصر، وهو الملجأ الذي يمنع اللاجئ إليه، وكذلك العصر، والمعتصر (٦). وقال المازني (٧): أعصرت السحابة إذا ارتفع لها غبار شديد، وهو

стр. 12532

الإعصار (١). وعلى هذا: يجوز أن تكون المعصرات ذوات الأعاصير من السحاب. واختار الأزهري أن تكون المعصرات في هذه الآية بمعنى السحاب. قال: وهو أشبه بما أراد الله ؛ لأن الأعاصير من الرياح ليست من رياح المطر، وقد وصف الله المعصرات بالماء الثجاج (٢). وقال البعيثُ (٣) في المعصرات، فجعلها سحائب ذوات مطر: وذي أُشُر كأقحوان تشوفُه ... ذهابُ الصبا والمعصرات الدوالح (٤) والدوالح: من نعت السحاب، لا من نعت الرياح، وهي التي أثقلها الماء (٥)) (٦). وقوله: ﴿ثَجَّاجًا﴾ الثج: شدة الانصباب، يقال: مطر ثجاج، ودم ثجاج أي: صباب (٧). قال الأزهري: يقال: ثججته الماء، وأثججته فثج يثج، وقد ثججته

стр. 12533

أثج، وثَجَّ الماء ثجاً، ومطر ثجوج إذا انصب، وماء ثجاج شديد الانصباب، وقد ثبت أن الثج يكون لازماً بمعنى الانصباب، ويكون واقعًا بمعنى انصب (١). والثجاج في هذه الآية: المتدفق المنصب. قاله قتادة (٢)، ومقاتل (٣). وقال أبو إسحاق: معنى ثجاج: صَبَّاب (٤)، وعلى هذا هو من الثج الواقع، كأنه يثج نفسه، أي يصب. ١٥ - قوله تعالى: ﴿لِنُخْرِجَ بِهِ﴾، بذلك الماء. ﴿حَبًّا﴾، يعني: ما يأكله الناس من الحبوب. ﴿وَنَبَاتًا﴾، مما تنبته الأرض مما يأكله الأنعام. ١٦ - ﴿وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا﴾، قال أبو عبيدة: ملتفة من الشجر، ليس بينها خلال (٥). قال الأخفش (٦)، والكسائي (٧): واحدها: (لِفٌّ) بالكسر، وزاد الكسائي: (لُفٌ) بالضم.

стр. 12534

وأنكر أبو العباس الكسر، وقال: لم يسمع شجرة (لَفٌّ)، ولكن واحدها: (لَفَّاء)، وجمعها (لُفٌّ)، وجمع (لُفّ) (أَلْفاف) (١). قال المفسرون: يعني: بساتين ملتفة النبات والشجر (٢). قال أبو إسحاق: أعلم الله بما خلق أنه قادر على البعث فقال: ١٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا﴾ (٣) يعني يوم القضاء بين الخلق كان ميقاتاً. قال عطاء: يريد ميقاتاً للأنبياء والمرسلين (٤). وقال غيره: يعني لما وعد من الثواب والعقاب (٥).

стр. 12535

١٨ - قوله تعالى: ﴿فَتَأْتُونَ أَفْوَاجً﴾ قال مجاهد (١)، ومقاتل (٢): زمراً زمرًا من كل مكان للحساب. وقال عطاء: كل نبي يأتي معه أمَّته (٣). ١٩ - ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ﴾: لنزول الملائكة. ﴿فَكَانَتْ أَبْوَابًا﴾: والآية من باب حذف المضاف؛ لأن التقدير: وكانت ذات أبواب. ٢٠ - ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ﴾: عن أماكنها. ﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾: أي هباء منبثاً لعين الناظر، كالسراب بعد شدتها وصلابتها (٤). ٢١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ جَهَنَّمَ كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ قال الأزهري: المرصاد: المكان الذي يرصد الراصد فيه العدو نحو (المضمار) الموضع الذي يضمر فيه الخيل (٥).

стр. 12536

وقال المبرد: مَرصاداً محلاً يرصد، أي هو معد لهم (١). والمرصاد -على هذا- المكان والمحل الذي يرصد به، أي هو معد لهم، وجهنم مرصاد يرصد به خزنتها الكفار. قال أبو إسحاق: يَرْصُدُ أهل الكفر، ومن حق عليه العذاب (٢)، وهو قول الحسن قال: يرصدهم والله (٣). وعلى هذا يجوز أن يكون المرصاد مفعالاً من الرصد، وهو الترقب. بمعنى: ذلك يكثر منه، والمفعال من أبنية المبالغة، كالمعطار، والمعمار، وهو لمن دام منه الفعل) (٤). ثم بين أنها مرصاد لمن، فقال: ﴿لِلطَّاغِينَ﴾ قال ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦): يريد للمشركين الضالين. وقوله: ﴿مَآبًا﴾ بدل من قوله: (مرصاداً). ٢٣ - قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ وقرأ حمزة (لبثين فيها) (٧)، .......

стр. 12537

وهما بمعنى واحد (١)، يقال: لابث، ولبث، مثل: طامِع، وطَمِعَ، وفارَه، وفره، وهو كثير. قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣). وقوله: ﴿أَحْقَابًا﴾ (واحدها: حُقُب، وهو ثمانون سنة -عند أهل اللغة-، والحقب: السنون، واحدها: حِقْبة، وهي زمان من الدهر لا وقت له) (٤)، ومنه قول متمم (٥): وكنَّا كَنَدْمانَيْ جّذِيمَةَ حِقْبَةً ... من الدَّهْرِ حتَّى قيلَ أنْ يَتَصّدَّعا (٦). وذكرنا تفسير الحقب عند قوله: ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠]. قال عطاء عن ابن عباس (٧)، ومقاتل في قوله: (حقباً): الحقب

стр. 12538

الواحد بضع وثمانون سنة، والسنة: ثلاث مائة يوم وستون يوماً، اليوم: ألف سنة من أيام الدنيا (١). وروي عن علي أنه سأل هلالاً الهجري: ما تعدون الحقب فيكم؟ قال: نجده في كتاب الله مائة سنة، والسنة: اثنا عشر شهراً، والشهر: ثلاثون يوماً، واليوم: ألف سنة (٢). وقال قتادة: الحقب ثمانون سنة من سني الآخرة (٣). وقال الحسن: الأحقاب لا يدري أحد ما هي، ولكن الحقب الواحد سبعون ألف سنة، اليوم منها كألف سنة مما تعدون (٤).

стр. 12539

ونحو هذا قال الفراء (١)، والزجاج (٢) في الحقب: (أنه ثمانون سنة، كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا. فإن قيل: الأحقاب وإن طالت، فإنها إلى انتهاء، وقد أخبر الله تعالى أنهم خالدون في النار؟ قيل: ليس في الأحقاب ما يدل على غاية، وإنما يدل على الغاية التوقيت، كقولك: خمسة أحقاب، أو عشرة أحقاب، فالمعنى: أنهم يلبثون فيها أحقاباً، كلما مضى حقب تبعه حقب آخر) (٣). وهذا معنى قول الحسن: لم يجعل الله لأهل النار مدة؛ بل قال: (أحقاباً)، فوالله ما هو إلا أنه إذا مضى حقب دخل آخر، كذلك إلى الأبد (٤). وقال أبو إسحاق: المعنى أنهم يلبثون أحقاباً لا يذوقون في الأحقاب برداً، ولا شراباً، وهم خالدون فيها أبداً، كما قال الله تعالى (٥) (٦). وعلى هذا: الأحقاب توقيت لنوع من العذاب، وهو [مدمهم] (٧)

стр. 12540

البرد، والشراب، لا لمقدار اللبث (١). وقال الأزهري: والقول ما قاله الزجاج، وهو بين لا ثواب فيه (٢). ٢٤ - قوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤)﴾ يجوز أن يكون الضمير في قوله: (فيها) لجهنم (٣). ويجوز أن يكون للأحقاب (٤) على ما قاله أبو إسحاق (٥). وأما (البرد) فقال عطاء عن ابن عباس: يريد النوم، و (لا شراباً) يريد الماء (٦). وقال مقاتل: لا يذوقون في جهنم برداً ينفعهم من حرها , ولا شراباً ينفعهم من عطشها (٧).

стр. 12541

وذكر الكلبي القولين في البرد (١). قال الفراء: وإن النوم ليبرد صاحبه، وإن العطشان لينام فيبرد بالنوم (٢)، وهو قول أبي عبيدة (٣)، والمبرد (٤) في البرد: إنه النوم في هذه الآية، وأنشد (٥): بردت مَراشِفُها عليَّ فصدني ... عنها وعن رشفاتها البرد (٦) يعني النوم. قال المبرد: ومن أمثال العرب: يمنع البرد البرد (٧)، أي أصابني من البرد ما يمنعني النوم (٨)، وأنشد للعَرْجي (٩):

стр. 12542

فإن شِئْتِ حرَّمْتُ النِّساءَ سواكُمُ ... وإنْ شِئْتِ لم نطعمْ نُقاحاً ولا بَرْدا (١) قال (٢): النقاخ: الماء العذب، والبرد: النوم (٣). وجعل أبو إسحاق البرد برد كل شيء له راحة، فقال: لا يذوقون فيها برد ريح، ولا ظل، ولا نوم (٤). ٢٥ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ معنى تفسيره في سورة ص (٥)، والاستثناء من غير الجنس (٦).

стр. 12543

قوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا﴾ قال مقاتل: يقول وافق عذاب النار الشرك؛ لأنهما عظيمان، فلا ذنب أعظم من الشرك، ولا عذاب أعظم من النار (١). وهذا معنى قول مجاهد: وافق الجزاء العمل (٢). قال الزجاج: أي جُوزوا جزاء وفق أعمالهم (٣). قال الأخفش: يقول: وافق أعمالهم وفاقاً، كما تقول: قاتل قتالاً (٤). وعلى هذا: (وفاقاً) ينتصب انتصاباً (٥)، ويجوز أن يكون نعتاً لقوله: (جزاء)، ويكون معنى (وفاقاً) موافقاً. ثم أخبر عنهم فقال: ٢٧ - ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا﴾ لا يخافون أن يحاسبوا. قاله مقاتل (٦)، والمفسرون (٧).

стр. 12544

وقال الزجاج: معناه لا يؤمنون بالبعث، ولا بأنهم محاسبون فيرجون ثواب حسناتهم (١). ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ قال ابن عباس: بما جاءت به الأنبياء (٢). ﴿كِذَّابًا﴾ (تكذيباً، وفعال من مصادر التفعيل، وأنشد الزجاج: لقد طال ما ريَّثْتِني عن صحابتي ... وعن حِوج قَضَّاؤُها من شِفائيا (٣) من قضيت قضاء) (٤). وقال الفراء: هي لغة فصيحة يمانية (٥)، وكل فعَّلتُ فمصدره في لغتهم: فِعَّال، نحو: خرَّقت القميص خِرَّاقاً، وقال لي أعرابي منهم (٦): على المروة (٧) يستفتيني الحلق أحب [إليك] (٨) أم القصَّار (٩). ٢٩ - قوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ﴾ قال أبو إسحاق: (كل) منصوب بفعل

стр. 12545

مضمرٍ تفسيره: (أحصيناه)، المعنى: وأحصيناه كل شيء (١). قوله: ﴿كِتَابًا﴾ (توكيد ل: (أحصيناه)؛ لأن معنى أحصيناه، وكتبناه واحد فيما يحصل ويثبت، فالمعنى: كتبناه كتابًا) (٢). قال المفسرون (٣): وكل شيء من الأعمال بيناه في اللوح المحفوظ، كقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ١٢]. ٣٠ - قوله: ﴿فَذُوقُوا فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا﴾، أي فيقال لهم: ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون، فلن نزيدكم إلا عذاباً. قال الضحاك: هي أشد آية سمعها أهل النار، كلما استغاثوا من نوع العذاب أغيثوا بأشد منه (٤). ٣١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا﴾ قال ابن عباس: يعني: الذين لم يجعلوا لله شريكاً (٥)، والمفاز: مصدر كالفوز، والمعنى: أن لهم فوزاً بالنجاة، ونجاة من النار، وهو معنى قول المفسرين (٦).

стр. 12546

ثم فسر ذلك الفوز فقال: ﴿حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا﴾ يعني أشجار الجنة وثمارها. ﴿وَكَوَاعِبَ﴾ جمع كاعب (١)، وهي النواهد (٢). قال مجاهد (٣)، ومقاتل (٤): يعني: النواهد. وقال الكلبي: المفلكات (٥)، وهن اللواتي تكعبت ثديهن، وتفلكت (٦). ومعنى تفسير الأتراب في سورة ص (٧).

стр. 12547

﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾ قال الليث: أدهقت الكأس إذا ملأتها جداً (١)، وكأس دهاق: ممتلئة (٢). وكذلك قال الكسائي (٣)، والمبرد (٤)، قالوا: هي الملأى تطفح، وليس فيها فضل مخلى، وأنشد المبرد قوله: ألا اسقني صرفاً سقاك الساقي ... من مائها بكأسة ماء الدهاق (٥) [وقال] (٦) ابن عباس: الدهاق: الملأى المترعة التي إذا زدتها فاضت (٧).

стр. 12548

قال (١) مسلم (٢): دعا ابن عباس غلاماً له، فقال: اسقنا دهاقاً، قال: فجاء الغلام بها ملأى، فقال ابن عباس: هذا الدهاق (٣). قال عكرمة: وربما سمعت ابن عباس يقول: اسقنا، وأدهق لنا (٤). وقال آخرون (٥): هي المتتابعة. وأهل اللغة على القول الأول، وأصل القول الثاني من قول العرب: (ادَّهقت الحجارة ادِّهاقاً، وهو شدةٌ تلازمها، ودخول بعضها في بعض) (٦). والمتتابع كالمتداخل. عكرمة في قوله: (وكأساً دهاقاً) قال: هي الصافية (٧).

стр. 12549

والدهاق على هذا القول يجوز أن يكون جمع (دَهَقٍ، وهو خشبتان يغمز بها ويعصر) (١). والمراد بـ (الكأس) الخمر. قال الضحاك: كل كأس في القرآن فهو خمر (٢)، ويكون التقدير: وخمراً ذات دهاق، أي عصرت وصفيت بها فقال: ٣٥ - قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا﴾ قال مقاتل: يعني في الجنة إذا شربوها (٣). ﴿لَغْوًا﴾ باطلاً من الكلام (٤). ﴿وَلَا كِذَّابًا﴾ لا يكذب بعضهم بعضاً (٥). قال ابن عباس: وذلك أن أهل الدنيا إذا شربوا الخمر تكلموا بالباطل، وأهل الجنة إذا شربوا لم يتغير عقلهم، ولم يتكلموا عليها بشيء يكرهه (٦). وذكرنا آنفاً تفسير (الكذاب) (٧).

стр. 12550

وروي عن الكسائي التخفيف في هذه الآية (١). قال الفراء: لأن (كذاباً) في هذه الآية ليس بمقيد بفعل يوجب تشديده، كما في قوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا﴾ [النبأ: ٢٨]، وكذبوا يقيد الكذاب بالمصدر، والتخفيف -هاهنا- حسن، والمعنى: لا يكذب بعضهم بعضاً (٢). ونحو هذا قال أبو عبيدة (٣) في الكذاب، مخفف أنه مصدر المكاذبة، وأنشد للأعشى: فصَدَّقْتُها وكَذَّبْتُها والمرء ينفعُه كِذابُهْ (٤) وهو قول الأخفش، قال: هو مثل قولك: قاتل قِتالاً (٥).

стр. 12551

وقال أبو علي الفارسي: (كِذّابًا) مصدر كذب، كالكتاب في مصدر كتب (١). ٣٦ - قوله تعالى: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّك﴾ قال الزجاج: المعنى: جازاهم بذلك جزاء، وكذلك (عطاء)؛ لأن معنى جازاهم وأعطاهم واحد (٢). قوله تعالى: ﴿حِسَابًا﴾ قال أبو عبيدة: كافياً، يقال: أعطاني ما أحسبني، أي ما كفاني (٣). قال ابن قتيبة: (عطاء حِساباً) أي كثيرًا، وأحسبت فلاناً، أي أكثرت له. قال الشاعر: ونُقْفي وليدَ الحيِّ إن كان جائعاً ... ونُحْسِبُه إن كان ليس بجائع (٤) قال: ونرى أن أصل هذا أن تقول: حسبي، حسبي (٥). وقال الزجاج: (حِساباً) معناه: ما يكفيهم، أي فيه كل ما يشتهون،

стр. 12552

فقال: أحْسَبَني كذا وكذا، بمعنى كفاني (١). وهذا معنى قول قتادة: (عطاء حساباً) عطاء كبيرًا (٢). وقال الكلبي: يعني حاسبتهم بالحسنة واحدة، وجزاؤها كبير (٣). وقال مجاهد: حساباً بأعمالهم (٤). ونحو هذا قال مقاتل (٥). وعلى قول هؤلاء هو من الحساب الذي بمعنى العد. قال صاحب النظم: قد اختُلف في قوله: (حساباً) على وجهين: أحدهما: أن يكون بمعنى كافياً مأخوذ من قولهم: أحسبني الشيء، أي كفاني، وحسبي هو، ومنه قوله: فما حللت به ضمني قائـ ... ـلاً جميلاً وأعطى حسابا (٦) أي أعطاني ما كفاني. والوجه الآخر: أن يكون قوله: (حساباً) مأخوذاً من حسبت الشيء إذا عددته، وقدرته، فيكون بمعنى: (عطاء حساباً)، أي بقدر ما وجب لك فيما وعده من الإضعاف؛ لأنه قدر الجزاء على ثلاثة أوجه: وجه

стр. 12553

منها على عشرة أضعاف (١)، ووجه على سبع مائة ضعف (٢)، ووجه على ما لا مقدار له، كما قال: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠] (٣). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرَّحْمَنِ﴾ فيه ثلاثة أوجه من القراءة: (الرفع في: (ربّ السموات)، و (الرحمن) (٤)، والخفض فيهما (٥)، والخفض في الأول، والرفع في الثاني (٦)، فمن رفع قطع الأول من الخبر الذي قبله في قولك: (من ربك) فابتدأه، وجعل: (الرحمن) خبره، ثم استأنف: (لا يملكون منه). ومن خفضهما أتبع الاسمين الجر الذي قبلهما، ومن خفض الأول دون الثاني أتبع الأول الجر الذي قبله، واستأنف بقوله: ﴿الرَّحْمَنِ﴾، وجعل قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ﴾ في موضع خبر، فقال: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ (٧).

стр. 12554

ومعني: ﴿لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا﴾ قال مقاتل: يقول: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه (١). وهذا كقوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]. وهذا كقوله: عام في كل أحد إلا من استثني في قوله: ﴿لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [هود: ١٠٥]) (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: لا يخاطب المشركون، والمؤمنون يشفعون ويخاطبون، فيقبل الله ذلك منهم (٣)، وهذا يوجب أن قوله: (لا يملكون منه خطاباً) للكفار (٤). ومعنى: (لا يملكون) من الله أن يخاطبوه؛ لأنه لم يأذن لهم، يدل على هذا قوله: ٣٨ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾

стр. 12555

وانتصب قوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ بالظرف، والعامل فيه قوله: (يملكون) (١). اختلفوا في الروح المذكور -هاهنا-، فروى مجاهد عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "هو جند من جند الله؛ ليسوا بملائكة، لهم رؤوس وأيد، وأرجل، يأكلون الطعام، ثم قرأ: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ فقال: هؤلاء جند، وهؤلاء جند" (٢). وهذا قول مجاهد (٣)، وأبي صالح (٤)، وقتادة، قال: هم خلق على صور بني آدم، كالناس، وليسوا بالناس (٥).

стр. 12556

وقال عطاء عن ابن عباس: الروح ملك من الملائكة، ما خلق الله مخلوقاً بعد العرش أعظم منه، فإذا كان يوم القيامة قام هو وحده صفاً، وقامت الملائكة كلهم صفاً واحداً، فيكون عظم خلقه مثل صفوفهم (١). قال الشعبي: هو جبريل ﵇ (٢). وقال الحسن: الروح: بنو آدم (٣). وعلى هذا معناه ذوو الروح. وقوله: ﴿صَفًّا﴾ يجوز أن يكون المعنى: أن الروح على الاختلاف الذي ذكرنا، وجميع الملائكة يقومون صفاً واحداً. والصف في الأول مصدر، فينبني عن الواحد، والجمع كالعدل والزور، وظاهر قول المفسرين (٤) أنهم يقومون صفين: الروح صف، والملائكة صف. وقال ابن قتيبة: صفوفاً، ويقال ليوم العيد: يوم الصف (٥).

стр. 12557

وقوله: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الظاهر أن هذا من صفة الملائكة الذين يقومون صفاً. والمعنى: أنهم لا يتكلمون إلا بإذن الله، فمن أذن له الرحمن وقال: ﴿صَوَابًا﴾ تكلم. ومعنى الصواب: شهادة أن لا إله إلا الله في قول ابن عباس (١). والمفسرون قالوا: هو التوحيد، ونفي الشرك، وتنزيه الله عن كل فرية (٢). والصواب هو السداد من الفعل والقول (٣)، يقال: فعل صواباً، وقال صواباً، وهو اسم من أصاب يصيب إصابة، كالجواب من أجاب يجيب إجابة (٤). ويجوز أن يكون الاستثناء من جميع الخلق على قول من قال: لا يملكون منه خطاباً للخلق كلهم، فاستثنى من ملك منهم الخطاب، وهو الذي يتكلم بإذنه، وقال في الدنيا صواباً، أي شهد بالتوحيد، وهم المؤمنون.

стр. 12558

وقال مقاتل: لا يتكلمون بالشفاعة، يعني الملائكة (١). ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ أي حقاً، وهو التوحيد، وهذا معنى قول ابن عباس، يريد: يشفعون لمن قال: لا إله إلا الله، وهذا قول بعيد، واللفظ لا يدل على هذا المعنى إلا باستكراه. قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ﴾ أي الكائن الواقع، يعني يوم القيامة. ويجوز أن يكون المعنى أن الشكوك زائلة في ذلك اليوم، وكل من يرتاب فيه عرف باطله، وأن ذلك اليوم الحق، فهو اليوم الحق عند كل أحد، وهذا معنى قول عطاء (٢). ثم حض العباد على الطاعة: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ أي مرجعاً بالطاعة، أي فمن شاء رجع إلى الله بطاعته قبل ذلك اليوم، والظاهر أن فعل المشيئة مسند إلى (من). وقال عطاء عن ابن عباس: فمن شاء الله أن يهديه ﴿اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا﴾ (٣) ثم خوف كفار مكة فقال: قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ يعني العذاب في الآخرة، وكل ما هو آت فهو قريب، ويدل على أن المراد عذاب الآخرة فقال: ٤٠ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ يجوز أن يكون:

стр. 12559

ينظر إلى ما قدمت، فحذف (إلى). قاله الأخفش (١). والظاهر أن (المرء) عام في كل أحد؛ لأن كل أحد يرى ذلك اليوم ما كسب، وقدم وأخر من خير وشر مثبتاً عليه في صحيفته. وقال عطاء: هو أبي بن خلف، وعقبة بن أبي معيط (٢). وقال الحسن: هو المرء المؤمن (٣). يرى عمله، فيرجو ثواب الله على صالح عمله، ويخاف العقاب على سوء عمله، وأما الكافر فإنه يقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا﴾. قال جماعة المفسرين (٤): وذلك أن الله تعالى يحشر الدواب، والبهائم، والوحش، فيقتص لبعضها من بعض، ثم يقال لها: كوني تراباً، فيتمنى الكافر عند ذلك أنه كان تراباً، وكان واحداً من الوحش: خنزيراً، أو ما كان فلا يحاسب بعمله، ويصير تراباً.

стр. 12560

قال أبو إسحاق: وقيل إن معنى: (يا ليتني كنت تراباً): أي ليتني لم أبعث (١).

стр. 12561

سورة النَّازعات

стр. 12562

تفسير سورة النازعات (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ أكثر المفسرين على أن هذا قسم بملك الموت، وأعوانه من الملائكة الذين ينزعون أرواح الكفار عن أبدانهم (٢)، وهو قول علي (٣) ﵁، (ومسروق (٤)، ومقاتل (٥)، وأبي صالح (٦)، وعطية

стр. 12563

عن ابن عباس (١)) (٢). قال الفراء: ذكر (٣) أنها الملائكة، وأن النَّزعَ نزعُ الأنفس من صُدور (٤) الكفار، وهو كقولك: والنازعاتِ إغراقًا، كما يغرق النازعُ في القوس (٥)، هذا كلامه. ومعنى إغراق النازع: أن ينتزع في القوس، فيبلغ بها غاية (٦) المد حتى ينتهي إلى النصل (٧). قال الأزهري: والغَرْقُ اسم أقيم مُقام المصدر الحقيقي من أغْرَقْت (٨).

стр. 12564

(قال ابن مسعود: هي النفس (١)، و) (٢) قال [بهذا] (٣) قتادة (٤)، والسدي (٥)، (وعطية عن ابن عباس (٦)) (٧). والنازعات على هذا القول من قول (فلان ينزع نزعا إذا كان في سياق الموت) (٨)، والأنفس نازعات عند السياق. ومعنى "غرقًا" على هذا: أي نزعًا شديدًا أبلغ ما يكون، وأشده من اغراق النازع في القوس. وقال الحسن: يريد النجوم تنزع -هاهنا،- وتغرق -هاهنا- (٩). (وهو قول الأخفش (١٠)،

стр. 12565

وأبي عبيدة (١)) (٢). ومعنى النازعات على هذا القول: أنها النجوم تنزع من أفق علي أفق، أي تذهب، من قولهم: (نزع إليه، أي ذهب نزوعًا، ويجوز أن يكون من قولهم) (٣): نزعت الخيل، إذا جرت. قال الليث: يقال (٤) للخيل إذا جرت (٥): لقد نزعت سننًا، وأنشد: والخيلُ تنزع قُبَّا في أعِنَّتِها ... كالطير تَنْجُو (٦) مِنَ الشُّؤْبُوبِ (٧) ذي البَرَدِ (٨) ومعنى الغرق: أنها تغرق فتغيب، وهي تطلع من أفق فتجري حتى تغيب في أفق آخر، ولعل الغرق في لغة الفرق، فإن فعلًا يأتي في مصادر

стр. 12566

هذا الباب في اللازم، نحو: لبث، وحبط عمله حبطًا (١). وقال (٢) عطاء (٣)، وعكرمة (٤): هي القِسِيّ. على هذا القول: النازعات: ذوات النزع فيها، وهي التي تنزع أوتارها، ويكون هذا من اللابن، والتامر. وغرقًا بمعنى إغراقًا، أي تنزع فتغرق فيها إغراقًا. وقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده (٥) التي تنزع الأرواح نزعًا شديدًا (٦). ٢ - قوله: ﴿وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطًا﴾ قال ابن عباس (٧)، ومقاتل (٨): هم الملائكة ينشطون (٩) روح الكافر

стр. 12567

من قدميه إلى حلقه نشطًا بالكرب، والغم، كما تنشط الصوف من سفود (١) الحديد. (وهذا النشط، وهو الجذب، يقال: نَشَطْتُ الدّلوَ أنشِطُها، وأنشُطها نَشْطًا: نزعتها) (٢). [وهذا قول الل] (٣). وروي عن ابن عباس (أيضًا) (٤) أنه قال: الناشطات الملائكة (٥) تنشط نفس المؤمن فتقبضها (٦). واختاره الفراء، فقال: هي الملائكة تنشط نفس المؤمن فتقبضها، وتنزع نفس الكافر (٧). وإنما اختار ذلك لما بين النشط والنزع من الفرق في الشدة واللين،

стр. 12568

فالنزع: جذب بشدة , والنشط برفق ولين (١). قال أبو زيد: نشطت الدلو من البئر نشطًا، وهو جَذْبُكَ الدَّلْوَ من البئر بغير قامة (٢). (فالناشطات: الملائكة تنشط أرواح المؤمنين، كما تنشط الدلو من البئر) (٣). وقال مجاهد: هي الموت، يعني شدائده (٤)، كما ذكرنا في الآية الأولى. وقال الحسن: هي النجوم (٥)، وهو اختيار أبي عبيدة (٦). (والمعنى أنها تنشط من أفق إلى أفق، أي تذهب، يقال: حمار ناشط

стр. 12569

من بلد إلى بلد، والهموم تنشط بصاحبها. قال [أبو عبيدة: الهميان] (١) بن قحافة (٢): أمست هُمومي تَنشِطُ المناشِطا ... الشَّامَ بي طوْرًا وطورًا واسِطا (٣) أي تذهب بي) (٤). وقال عكرمة (٥)، وعطاء (٦): هي الأوهاق (٧)، وعلى هذا هي من النشط الذي هو الجذب.

стр. 12570

٣ - قوله: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾، قال علي (١)، ومقاتل (٢)، (ومسروق (٣)) (٤)، وابن عباس (٥) (في رواية الكلبي) (٦): هم الذين يقبضون أرواح المؤمنين؛ يسلونها سلًا رفيقًا، ثم يدعونها حتى تستريح رويدًا (٧). والمعنى على هذا: والسابحات بالأرواح سبحًا، أي يجعلونها (٨) على السَّبح (٩) تنزعها، والسابح بالشيء في الماء يرفق به لئلا يغرق ذلك الشيء، ولئلا يتعب هو في سبحه، فجعل الملائكة الذين يقبضون روح المؤمن برفق سابحات بها.
следующие страницы →