← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12706–12745 · переход к 12711.

стр. 12706

الصَّادِقِينَ﴾ (١)، قال مقاتل: يعني لا تقدر نفس لنفس، يعني للكفار شيئا من المنفعة (٢). قوله تعالى (٣): ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾، قال: يقول: لا يملك الأمر غيره وحده، قال قتادة: ليس ثم أحد يقضي شيئًا (٤) أو يصنع شيئًا إلا الله رب العالمين (٥). والمعنى: أن الله تعالى لم يُمَلِّك في ذلك اليوم أحدًا شيئًا من الأمور كما ملكهم في دار الدنيا.

стр. 12707

سورة المطففين

стр. 12708

تفسير سورة المطففين (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قال أبو عبيدة (٢)، والمبرد (٣): المطفف الذي يبخس في الكيل، والوزن، ولا يوفي، والمطففون: الذين ينقصون المكيال والميزان. وقال أهل اللغة: يقال هذا طَفُّ المِكْيال أو طِفافُه إذا قارب ملأه ولما يمتلئ، ولهذا قيل للذي يُسيء الكيل ولا يُوَفِّيه مطفِّف، يعني: أنه إنما يبلغ (٤) الطِّفاف، وهذا إنما أخذ (٥) طَفّ الشيء وهو جانبه، يقال: طف الوادي، والإناء إذا بلغ ما فيه حَرفه ولم يمتلئ فهو طَفافه وطِفافه وطَفَفُهُ. وقال أبو إسحاق: إنما قيل الذي ينقص المكيال والميزان مطفف،

стр. 12709

لأنه لا يكاد يسرق في المكيال، والميزان إلا الشيء اليسير الطفيف (١). قال الكلبي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وهم يسيئون كيلهم ووزنهم لغيرهم، ويستوفون لأنفسهم فنزلت هذه الآية (٢). وقال أبو هريرة: نزلت في عمي أبي جهينة (٣): كان له صَاعان يأخذ

стр. 12710

بواحد، ويعطي بالأخرى (١). ثم بين أن المطففين من هم فقال: ٢ - (قوله تعالى) (٢): ﴿الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ الاكتيال: الأخذ بالكيل كالاتزان: الأخذ بالوزن (٣). قال الفراء: يريد اكتالوا من الناس. و"على"، و"من" في هذا الموضع تعتقبان، لأنه حق عليه فإذا قال: اكتلتُ عليك، فكأنه قال: أُخُذتُ مَا عليك، وإذا قال: اكتلتُ منك، فهو كقولك: استوفيت منكْ (٤). وقال أبو إسحاق: المعنى: إذا اكتالوا من الناس استوفوا عليهم الكيل، ولم يذكر اتَّزَنوُا؛ لأن الكيل والوَزن بهما (٥) الشراء والبيع،

стр. 12711

فأحدهما يدل على الآخر (١). قال المفسرون (٢): يعني الذين إذا اشتروا لأنفسهم استوفوا في الكيل والوزن، وإذا باعوا أو وزنوا لغيرهم نقصوا. وهو قوله: ٣ - ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ أي كَالُوا لهم أو وَزنوا لهم تقول: كلتني الطعام، كِلْتُك الطعام، تريد كِلتَ لي، وكلت لك (٣). قال الفراء: وهذا من كلام أهل الحجاز ومن جاورهم (٤). وأنشد (أبو عبيدة) (٥): يصيد قاصدًا والمخُّ رَارُ (٦)

стр. 12712

أي يصيد لك، ومثله: نصحت لك، ونصحتك، وأَمَرْتُكَهُ وأمرتك به، ومنه أمرتك الخير. وقال الكسائي يقول: زني كذا، كلني كذا. كالوهم يكيلونهم (١)، ووزنوهم يزنونهم (٢). في موضع نصب (٣). ولا يجوز الوقف على كالوا حتى تصل بـ"هم" كما تقول: ضربهم. ذكر ذلك الفراء (٤)، والزجاج (٥)، وزاد الزجاج فقال: ومن الناس من يجعل "هم" توكيدًا لما في "كالوا" ويجيز الوقف، والاختيار الأول (٦)؛ لأنه لو كان بمعنى "كالوا" "هم" لكان

стр. 12713

في المصحف ألف مثبتة قبل "هم" (١). قوله: ﴿يُخْسِرُونَ﴾ أي ينقصون كقوله: ﴿وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ وقد مر (٢). قال المفسرون (٣): يريد إذا باعوا وكَالوا لغيرهم، أو وزنوا نقصوا في الكيل والوزن. ثم خوفهم فقال: ٤ - ﴿أَلَا يَظُنُّ﴾ (٤) أي ألا يعلم أولئك الذين يطففون. ٥ - ﴿أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ وهو يوم القيامة. قال ابن عباس: يريد ألا يستيقن المطفف في الكيل والوزن بالبعث يوم القيامة (٥). ثم أخبر عن ذلك اليوم فقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ (٦) قال الزجاج: يوم منصوب بقوله "مبعوثون"،

стр. 12714

المعنى: ألا (١) يظنون أنهم يبعثون يوم القيامة (٢). وقال (٣) الفراء: وقد يكون في موضع خفض إلا أنه أضيف إلى (يفعلُ) فنصب (٤). وهذا كما ذكرنا في قوله: ﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ﴾ [الانفطار: ١٩]. وقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أي: من قبورهم (٥). ﴿لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي لأمره ولجزائه وحسَابه، وروي مرفوعًا، وبه قال جماعة المفسرين أن المعنى يقومون في رشحهم إلى أنصاف آذانهم (٦).

стр. 12715

٧ - ﴿كَلَّا﴾ (ردع وتنبيه، أي ليس الأمر على مَا هم عليه، فليرتدعوا) (١) (٢). وتمام الكلام هَاهنا (٣). وعند أبي حاتم "كلا" ابتداء يتصل بما بعده (٤). على معنى حقًا إن كتاب الفجار لفي سجين. وهو قول الحسن (٥).

стр. 12716

واختلفوا في معنى: "سجين". فالأكثرون على أنه: الأرض السابعة السفلى، وهو قول قتادة (١)، ومقاتل (٢)، ومجاهد (٣)، والضحاك (٤)، وابن زيد (٥)، (ومُغِيث بن سُمَيّ (٦) (٧)، وعبد الله بن عمرو (٨)، وابن عباس (٩) في رواية عطاء) (١٠). وروي ذلك مرفوعًا من طريق البراء بن عازب أن النبي ﷺ قال:

стр. 12717

"سجين أسفل سبع أرضين" (١). قال عطاء الخراساني: وفيها إبليس وذريته (٢). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "سجين جُب في جهنم" (٣)

стр. 12718

وقال الكلبي: سجين صخرة تحت الأرض السَابعة (١). وهو قول مجاهد (٢) (في رواية ابن أبي نجيح) (٣). وقال عكرمة: (لفي سجين) لفي خسارة (٤). هذا مَا ذكره المفسرون في تفسير (سجين). وقال (٥) أبو عبيدة (٦)، والمبرد (٧) ﴿لَفِي سِجِّينٍ﴾ لفي حبس (٨). وهو فِعّيْل من السجن، كما تقول: فسِّيق من الفِسق. ونحو هذا حكى الزجاج عن أهل اللغة (٩).

стр. 12719

ولم يزد من تكلم في معاني القرآن من أهل اللغة على هذا (١). وليس هذا بكاف ولا مقنع؛ لأنه غير موافق لما ذكره المفسرون بوجه، ولأنه لو كان من السجن لكان معناه الذي يكثر منه السجن، كالفسيق، والشريب، وبابه كما قيل في بيت ابن مُقْبل (٢). ضَرْبًا تواصتْ به الأبْطالُ سِجِّينا (٣) (هو فعيل من السجن كَأنه يلبث من وقع به فلا يبرح مكانه، وقال أبو عمرو: السجين في هذا البيت الشديد. وأما ابن الأعرابي فإنه رواه: سِخيِنًا، أي سُخْنًا) (٤) (٥) فإذًا ليس السجِّين المذكور في القرآن من كلام العرب، وما كانت تعرفه (٦)، وهو على ما قاله المفسرون، والمعنى: إن كتاب عملهم لا يُصَعد

стр. 12720

به إلى السماء كما يصعد بكتاب المؤمن وهو قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾ [المطففين: ١٨]، وإنما يوضع تحت الأرض السابعة، وذلك علامة خسارهم ودليل على خساسة منزلتهم. وهذا معنى ما ذكره ابن عباس عن كعب لما سَأله عن تفسير سجين (١)، ومن قال إنه: صخرة تحت الأرض السَابعة قال: فقلت تلك الصخرة فيجعل كتاب الكفار إذا مَات تحتها. ذكره ابن أبي نجيح عن مجاهد (٢)، والكلبي (٣). والدليل على أن سجين ليس مما كانت العرب تعرفه.

стр. 12721

٨ - (قوله تعالى) (١): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ (٨)﴾ (٢)، قال أبو إسحاق: أي ليس ذلك مما كنت تعلمه أنت ولا قومك (٣). ٩ - (وقوله) (٤): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾، (٥) ذكر الكلبي (٦)، (ومقاتل (٧) (٨) أن هذا تفسير وبيان للسجين. قال الكلبي: ثم أخبره فقال: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (٩). وهذا بعيد؛ لأنه لا يمكن أن يجعل الكتاب المرقوم تفسير لسجين وليس السجين من الكتاب المرقوم في شيء على ما حكينا عن المفسرين في تأويله (١٠). والوجه أن نجعل هذا بيانًا للكتاب المذكور في قوله: ﴿إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي﴾ على تقدير: هو كتاب مرقوم، يعني كتاب الفجار.

стр. 12722

وأما معنى المرقوم في اللغة: (فقال الليث: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ قد بينت حروفه بعلاماتها من التنقيط، والتاجر يَرْقُم ثَوبَه بِسَمته. وقال أبو العباس (١): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ أي مكتوب، وأنشد (٢): سأُرقُمُ في المَاءِ القُرَاحِ إليكُمُ ... على بُعدِكُم إن كان في الماء راقم (٣) أي سَأكتب) (٤). وأما التفسير، فقال قتادة: رُقِم لهم بشرٍّ (٥). ونحوه قال مقاتل (٦). وعلى هذا من الرقم. الذي هو العلامة، كأنه أعلم بعلامة يعرف بها أنه لكَافر. ويجوز أن يكون المعنى: مرقوم في سجين، على قول من يقول: إنها صخرة.

стр. 12723

والمعنى: إن عمل الكَافر، وما أُعد لَهُ من العقاب أثُبت ذكره في تلك الصخرة فهو مرقوم فيها. وهذا معنى قول الكلبي: مكتوب في صخرة تحت الأرضين (١). ويدل على هذا ما روى عن البراء مرفوعًا قال: يقول الله اكتبوا كتابه في سجين (٢). وذكر أيضًا أن المرقوم معناه: -هَاهنا- المختوم (٣). وهو صحيح، لأن الختم علامة، فيجوز أن يسمى المختوم مرقومًا (٤)، و ﴿سِجِّينٌ﴾ على قول من يقول إنه اسم لصخرة إنما صرف ذهَابًا إلى الحجر الذي فيه الكتاب، فلا يجتمع التأنيث، والعجمة. ذكره الفراء (٥). وذكر بعض المفسرين -أيضًا- أن معنى الكتاب مثبت عليهم، كالرقم في الثوب لا ينمحي (٦). ١٠ - فقال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾، ذكر صاحب النظم: أن هذا منتظم بقوله: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ﴾ وإن قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ﴾ ما اتصل به، معترض بينهما:

стр. 12724

قال: ويحتمل أن ينتظم بما هو متصل به على كتاب مرقوم، يظهر يوم القيامة، ثم دل على هذا الإضمار بقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٠)﴾ (١). ١١ - ثم أخبر بهم فقال: ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ﴾ وهو ظاهر، إلى قوله: "كلا" قال مقاتل: أي لا يؤمن (٢). ١٤ - ثم استأنف: ﴿بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ قال أبو عبيدة: ران على قلوبهم غلب عليها، والخمر تريِن على قلب السكران، والموت يَرين على الميِّت فيذهب به، وأنشَد لأبي زُبيد (٣) فقال (٤): ثمَّ لَمَّا رَآه رانتْ به الخمر ... وأن لا تَرِينَهُ باتِّقاءِ (٥) (٦) أي غلبت الخمر على قلبه وعقله (٧). وقال الليث: ران النعاس، والخمر في الرأس: إذا رسخ فيه، وهو

стр. 12725

يَرين رَيْنًا ورُيُونا (١). ومن هذا حديث عمر ﵁ في اسَيفِع جُهَينة لما رَكِبه الدين أصبح قَدْ رينَ به (٢). قال أبو زيد: يقال رِين بالرَّجُل رَيْنًا، إذا وقَع فيما لا يَستطيع الخروج منه ولا قِبلَ له به (٣). وقال أبو عبيد (٤): كل ما غَلبك وعَلاك فقد ران بك، وران عليك، وأنشد بيت أبي زُبَيْد (٥). وقال أبو معَاذ النحوي: الرين، أن يسوَّد القلب من الذنوب، والطبع أن يطبع على القلب، وهو أشد من الرين، والإقفال أشد من الطبع وهو أن يقفل على القلب (٦). وقال الفراء: هو أنه كثرت المعاصي والذنوب فأحاطت بقلوبهم فذلك الرَّين عليها (٧). وقال أبو إسحاق: ران على قلوبهم بمعنى غطى على قلوبهم، يُقال

стр. 12726

ران على قلبه يَرينُ رَيْنًا أي غشيه، والرَّيْن كالصدأ يغشى القلب، ومثله الغين (١) (٢). قال الحسن (٣)، ومجاهد (٤) هو: الذنب على الذنب حتى تحيط الذنوب بالقلب وتغشاه فيموت القلب، ونحو هذا قال مقاتل: غمر بها أعمالهم الخبيثة (٥)، ومن المفسرين من يجعل الرين: الطبع (٦)،

стр. 12727

والصدأ (١) (٢)، وسواد القلب. وهو قول عبد الله، قال: كلما أذنب نكِت في قلبه نكته سوداء حتى يسود القلب كله (٣)، وروي نحو هذا مرفوعًا في حديث أبي هريرة (٤) ١٥ - قوله (تعالى (٥)): ﴿كَلَّا﴾ (٦) قال ابن عباس: يريد لا

стр. 12728

يصدقون (١). ثم استأنف: ﴿إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ قال مقاتل: يعني أنهم بعد العرض والحسَاب لا ينظرون إليه، وينظر المؤمنون إلى ربهم (٢). وقال الكلبي: يقول إنهم عن النظر إلى رؤية ربهم لمحجوبون، والمؤمن لا يحجب عن رؤيته (٣). وقال أبو علي البجلي (٤): كما حجبهم في الدنيا عن توحيده، حجبهم في الآخرة عن رؤيته (٥). وسئل مَالك بن أنس عن هذه الآية: لمَّا حجب أعداءه فلم يروه، تجلى (٦) لأوليائه حتى رأوه (٧). وروى مالك لنا عن الشافعي ﵀ (٨) - أنه أجاب في هذه الآية لمَّا حجب قومًا بالسُّخْطِ دل على أن قومًا يرونه بالرضا (٩).

стр. 12729

وقال أبو إسحاق الزجاج: في هذه الآية دليل على أن الله (١) - يُرى في القيامة ولولا ذلك مَا كَان في هذه الآية فائدة، ولا خُسِسَتْ منزلة الكفار بأنهم يحجبون عن الله، ولمَّا أعلم الله أن المؤمنين ينظرون إليه في قوله: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٣] أعلم أن الكفار يحجبون عنه. وقوم ذهبوا إلى (أن) (٢) معنى أنهم محجوبون عن رحمة الله وما أعد لأوليائه من النعيم (٣).

стр. 12730

وذلك عدول عن سنن الخطاب، وظاهر الكلام.

стр. 12731

١٦ - (ثم أخبر أنهم بعد حجبهم عن الله يدخلون النار) (١) وهو قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيمِ (١٦)﴾ ١٧ - ثم يقول لهم الخزنة: ﴿هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾. ١٨ - ﴿كَلَّا﴾ (٢) قال مقاتل: لا يؤمن بالعذاب الذي يصلاه (٣). (ثم أعلم أين محل كتاب الأبرار، فرفع كتابهم على قدر مرتبتهم، كما خَسّسَ كتاب الفجار بقوله: ١٨ - ﴿إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ﴾) (٤) قال مقاتل: يعني المطيعين لله (٥). واختلفوا في تفسير "عليين": فقال ابن عباس (في رواية الوالبي (٦)): هو الجنة (٧). وقال في رواية عطية: هي السماء (٨). (وقال في رواية عطاء: هي

стр. 12732

السماء الرابعة (١)) (٢) وقال قتادة (٣)، ومقاتل (٤): هي قائمة العرش اليمنى فوق السماء السابعة. وقال الضحاك: هي سدرة المنتهى (٥). وقال مجاهد: في السماء السَابعة (٦) (هذا قول المفسرين) (٧). وأما أهل اللغة والمعاني، فقال الفراء: يعني ارتفاعًا بعد ارتفاع لا غاية له (٨).

стр. 12733

وقال الزجاج: أعلى (١) الأمكنة (٢). وقال غيرهما: هي مراتب عالية بعضها فوق بعض محفوفة بالجلال قد عظمها الله بما يدل على عظم شأنها (٣). وأما إعراب ﴿عليين﴾ فقال الفراء: إذا جمعت جمعًا (٤) لا يذهبون فيه إلى أن له بناءً (٥) من واحد، واثنين -قالوا- في المؤنث، والمذكر بالنون، لأنه جمع لما لا يحد واحده نحو ثلاثون، وأربعون، وكذلك قول الشاعر: قد رَوِيتْ إلا دُّهَيْدهيْنا ... قُلَيِّصاتٍ وَأُبَيْكرِينْا (٦).

стр. 12734

فجمع بالنون؛ لأنه جمع ليس واحده محدودًا معلوم (١) العدد (٢). وقال الزجاج: إعراب هذا الاسم، كإعراب الجمع؛ لأنه لفظ الجمع، كما نقول: هذه قِنَّسْرون، ورأيت قنّسرين (٣). وقال أبو الفتح الموصلي: "عِلّيِيّنَ" جمع "عِلِّيّ" وهوَ فِعِّيْل من العُلُوّ، وكأنه مما كان سبيله أن يكون عِلّيّة، فيُذهب بتأنيثه إلى الرِّفْعَة والنَّبَاوة كما قالوا: للغرفة: عِلّية (٤)؛ لأنها من العُلُوّ فلمَّا حذفت الهاء من "علِّىّ" عوضوا منها الجمع، بالواو، والنون، كما قلنا في أرضين (٥)، وقدم تقدم القول في هذا الكتاب (٦). ٢٠ - وقوله (تعالى) (٧): ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾ (ليس بتفسير "عليين" (٨)، والكلام كما ذكرنا فيما تقدم.

стр. 12735

قوله كتاب مرقوم (١)) (٢) وهو يحتمل تأويلين: أحدهما: أن الكتاب المرقوم كتاب أعمالهم (٣). والثاني: أنه كتابه في عليين كتب هناك مَا أعد الله لهم من الكرامة والثواب (٤). وهو معنى قول مقاتل: مكتوب (٥) لهم بالخير في سَاق العرش (٦). وروي عن ابن عباس أنه قال: هو مكتوب في لوح من زبرجده (٧) معلق تحت العرش (٨).

стр. 12736

وقال أهل المعاني (١): هو كتاب مرقوم، بما يقر أعينهم، ويوجب سرورهم وذلك بالضد من رقم كتاب الفجار؛ لأنه بما يسؤهم، ويسحت أعينهم. ويدل على هذا المعنى قوله: ٢١ - ﴿يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ يعني: الملائكة الذين هم في عليين يشهدون ويحضرون ذلك المكتوب (٢). ومن قال إنه كتاب الأعمال قال: يشهد ذلك الكتاب إذا صعد به إلى عليين المقربون من الملائكة، كرامة للمؤمنين (٣). وقوله (٤) تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ﴾ (٥) أي إلى ما أعطوا من النعيم والكرامة (٦).

стр. 12737

وقال مقاتل: ينظرون إلى عدوهم حين يعذبون (١). (قوله تعالى): ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ قال: إذا رأيتهم عرفت أنهم أهل نعمة مما ترى في وجوههم من النور والحسن والبياض (٢). قال عطاء: وذلك أن الله -تعالى- زاد في جمالهم، وفي ألوانهم ما لا يصفه واصف (٣). وتفسير النضرة قد سبق عند قوله: "ناضرة" (٤). قوله تعالى: ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ﴾ (٥) قال الليث: الرَّحِيق الخَمْر (٦)، وأنشد لحسان: بردى (٧) يُصَفّقُ، بالرَّحِيِق السَّلْسَلِ (٨)

стр. 12738

وقال أبو عبيدة (١)، والمبرد (٢)، (والزجاج (٣)) (٤): الرحيق من الخمر مَالا غش فيه، ولا شيء يفسده. ونحو هذا قال المفسرون في الرحيق أنه: الخمر (٥). قوله تعالى: ﴿مَخْتُومٍ﴾ قال أبو عبيدة (٦)، والمبرد (٧)، (والزجاج (٨)) (٩) يعني الذي له ختام،

стр. 12739

أي عاقبة، وأنشد أبو عبيدة: مَّمّا يِفَتّق في الحانوتِ ناطِفُها ... بالفُلفُل الجَوْنِ (١) والرُّمَّان مختومٌ (٢) أي عاقبة طعم هذا الشراب -ما ذكرنا-. وروى عن عبد الله في مختوم: ممزوج (٣)، وهو معنى وليس بتفسير، لأن الختم لا يكون تفسيره المزج ولكن لما كان له عاقبة بريح المسك، فسره بالممزوج، لما يوجد معه من ريح المسك، ولو لم يمازجه لم يعلق به ريحه. وقال مجاهد: مختوم: مطين (٤)، كأنه ذهب إلى معنى الختم بالطين ويكون المعنى على هذا: أنه ممنوع من أن تمسَّه يد إلى أن ينفك ختمه للأبرار. ٢٦ - ثم فسر المختوم بقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ (٥)

стр. 12740

أي آخر طعمه ريح المسك، وهذا قول علقمة (١)، وأبي روق (٢)، (والضحاك (٣)) (٤)، وسعيد بن جبير (٥)، (ومقاتل (٦)) (٧)، وقتادة (٨)، (والحسن (٩)) (١٠) قالوا: عاقبته ومقطعه، وريحه (وطعمه (١١)) مسك إذا رفع الشارب فاه من أخر شرابه، وجد ريحه كريح المسك. وهذا اختيار جميع أهل المعاني (١٢)، قالوا: ختامه: عاقبته

стр. 12741

(وما) (١) يتختم به. (والمعنى: إنهم إذا شربوا هذا الرحيق ففنى (٢) ما في الكأس وانقطع الشرب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته) (٣). (والمعنى لذاذة (٤) المقطع (٥)، وذكاء الرائحة وأرجها مع طيب الطعم) (٦). والختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، ونحو ذلك الخاتَم والخاتِم، وهو قراءة علي ﵁ (٧)، (واختيار الكسائي (٨) فإنه يقرأ خَاتَمُهُ مِسكٌ أي آخره، كقوله: ﴿خاتم النبيين﴾ (٩). قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى (١٠) إلا أن الخَاتِم الاسم،

стр. 12742

والختام المصدر نحو قولهم هو: كريم الطباع والطابع (١). وقال عبد الله: خلطه مسك (٢). وقال مجاهد: طينه مسك (٣)، وهو قول ابن زيد، قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين (٤). ٢٦ - ثم رغب فيه فقال: (قوله تعالى) (٥): ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، يقال: نَفِسْت عليه الشيء أنفسه نفاسهَ إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه (٦). والتنافس: تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به دون صَاحبه وهو تمني كل واحد من النفيسين أن يكون له (٧).

стр. 12743

(والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله) (١). وهذا معنى مَا ذكره المفسرون (٢). ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي مَا يمزج به ذلك الشراب من تسنيم، وهو اسم عين في الجنة. (قاله عبد الله (٣)) (٤): وهو قول أكثر المفسرين (٥). وروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سئل عن قوله: "تسنيم"، فقال: هذا مما يقول الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٦).

стр. 12744

ونحو هذا قال الحسن: خصايا أخفاها الله لأهل الجنة (١). وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق، وهو اسم معرفة كالتنعيم (٢) (٣). وذكر أهل المعاني، وجماعة من المفسرين اشتقاقه، قال مقاتل: هو مَا يتسنم (فينصب) (٤) عليهم انصبابًا من فوقهم (٥). (وهو قول مجاهد (٦)) (٧). وقال أهل المعاني: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (أي يتنزل عليهم من معَالٍ) (٨) و (تَتسنمُ (٩) عليهم من فوق الغرف) (١٠).

стр. 12745

يقال: سنمتهم العين تسنيمًا، إذا أجريتها عليهم من فوقهم. وموضوع هذه الحروف على هذا الترتيب (للعُلو، والارتفاع، ومنه سنام البعير. وتسنمت الحائط، إذا علوته) (١). وهذا معنى قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: تسنيم يعلو عليهم من فوقها (٢). ٢٨ - (وقوله (٣) تعالي) (٤): ﴿عَيْنًا﴾ (٥) في انتصابه وجوه: إن جعلنا "التسنيم" اسمًا للماء، فـ"عينًا" تنتصب على وجهين، أحدهما: أعْني عينًا. والثاني على الحال، والقطع؛ لأن "تسنيم" معرفة، وعينًا نكرة، وإن جعلنا التسنيم مشتقًا من السنام انتصب "عينًا" على أنه مفعول له، كما قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله "يسقون عينًا"، أي من عين. وهذا قول الفراء (٦) والزجاج (٧)، (والأخفش) (٨) (٩).
следующие страницы →