(وما) (١) يتختم به.
(والمعنى: إنهم إذا شربوا هذا الرحيق ففنى (٢) ما في الكأس وانقطع الشرب انختم ذلك بطعم المسك ورائحته) (٣). (والمعنى لذاذة (٤) المقطع (٥)، وذكاء الرائحة وأرجها مع طيب الطعم) (٦).
والختام آخر كل شيء، ومنه يقال: ختمت القرآن، والأعمال بخواتيمها، ونحو ذلك الخاتَم والخاتِم، وهو قراءة علي ﵁ (٧)، (واختيار الكسائي (٨) فإنه يقرأ خَاتَمُهُ مِسكٌ أي آخره، كقوله: ﴿خاتم النبيين﴾ (٩).
قال الفراء: وهما متقاربان في المعنى (١٠) إلا أن الخَاتِم الاسم،
стр. 12742
والختام المصدر نحو قولهم هو: كريم الطباع والطابع (١).
وقال عبد الله: خلطه مسك (٢).
وقال مجاهد: طينه مسك (٣)، وهو قول ابن زيد، قال: ختامه عند الله مسك، وختامها اليوم في الدنيا طين (٤).
٢٦ - ثم رغب فيه فقال: (قوله تعالى) (٥): ﴿وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾، يقال: نَفِسْت عليه الشيء أنفسه نفاسهَ إذا ضننت به ولم تحب أن يصير إليه (٦).
والتنافس: تفاعل منه كأن كل واحد من الشخصين يريد أن يستأثر به دون صَاحبه وهو تمني كل واحد من النفيسين أن يكون له (٧).
стр. 12743
(والمعنى: وفي ذلك فليرغب الراغبون بالمبادرة إلى طاعة الله) (١). وهذا معنى مَا ذكره المفسرون (٢).
٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَمِزَاجُهُ مِنْ تَسْنِيمٍ﴾، أي مَا يمزج به ذلك الشراب من تسنيم، وهو اسم عين في الجنة. (قاله عبد الله (٣)) (٤): وهو قول أكثر المفسرين (٥).
وروى ميمون بن مهران أن ابن عباس سئل عن قوله: "تسنيم"، فقال: هذا مما يقول الله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: ١٧] (٦).
стр. 12744
ونحو هذا قال الحسن: خصايا أخفاها الله لأهل الجنة (١).
وعلى هذا لا يعرف له اشتقاق، وهو اسم معرفة كالتنعيم (٢)(٣).
وذكر أهل المعاني، وجماعة من المفسرين اشتقاقه، قال مقاتل: هو مَا يتسنم (فينصب) (٤) عليهم انصبابًا من فوقهم (٥). (وهو قول مجاهد (٦)) (٧).
وقال أهل المعاني: ﴿مِنْ تَسْنِيمٍ﴾ (أي يتنزل عليهم من معَالٍ) (٨) و (تَتسنمُ (٩) عليهم من فوق الغرف) (١٠).
стр. 12745
يقال: سنمتهم العين تسنيمًا، إذا أجريتها عليهم من فوقهم.
وموضوع هذه الحروف على هذا الترتيب (للعُلو، والارتفاع، ومنه سنام البعير. وتسنمت الحائط، إذا علوته) (١).
وهذا معنى قول مجاهد في رواية ابن أبي نجيح: تسنيم يعلو عليهم من فوقها (٢).
٢٨ - (وقوله (٣) تعالي) (٤): ﴿عَيْنًا﴾ (٥)
في انتصابه وجوه: إن جعلنا "التسنيم" اسمًا للماء، فـ"عينًا" تنتصب على وجهين، أحدهما: أعْني عينًا.
والثاني على الحال، والقطع؛ لأن "تسنيم" معرفة، وعينًا نكرة، وإن جعلنا التسنيم مشتقًا من السنام انتصب "عينًا" على أنه مفعول له، كما قال: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ [البلد: ١٤ - ١٥] ويجوز أن يكون منصوبًا بقوله "يسقون عينًا"، أي من عين. وهذا قول الفراء (٦) والزجاج (٧)، (والأخفش) (٨)(٩).
стр. 12746
(قوله تعالى) (١): ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾
(كقوله ﴿يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٢) -وقد مر (٣).
قال عبد الله: يشرب بها المقربون) (٤) صرفًا، ويمزج لأصحاب اليمين (٥).
ونحو ذلك قال مالك بن الحرث (٦)(٧)، ومقاتل (٨)
٢٩ - وقوله (تعالى) (٩) ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ (١٠)، يعني كفار
стр. 12747
قريش (١). ﴿كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، يعني أصحاب النبي ﷺ مثل: عَمَّار (٢)، وخَبَّاب (٣)، وبلال (٤) وغيرهم.
﴿يَضْحَكُونَ﴾ على وجه السخرية (٥) منهم.
٣٠ - وقوله (٦): ﴿يَتَغَامَزُونَ﴾ (٧)
(يتفاعلون من الغمز، وهي الإشارة بالجَفنِ، والحَاجبِ، ويكون الغمز بمعنى العيب، غمزه إذا عابه، وما في فلان غميزة، أي مَا يعاب به (٨)). والمعنى أنهم يشيرون إليهم بالأعين استهزاء، ويعيبونهم.
٣١ - ﴿وَإِذَا انْقَلَبُوا﴾ (٩) يعني الكفار إلى أهلهم، ﴿انْقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾ معجبين بما هم فيه، يتفكهون بذكرهم. قاله الفراء (١٠)، ومقاتل (١١)
стр. 12748
(والزجاج (١)(٢)). وتفسير الفاكهة -قد تقدم (٣) -
٣٢ - ﴿وَإِذَا رَأَوْهُمْ﴾ (٤) رأوا أصحاب النبي ﷺ ذاهبين إليه.
﴿قَالُوا إِنَّ هَؤُلَاءِ لَضَالُّونَ﴾
٣٣ - قال الله (تعالى (٥)): ﴿وَمَا أُرْسِلُوا﴾ (٦) يعني الكفار، ﴿عَلَيْهِمْ﴾ على الذين آمنوا ﴿حَافِظِينَ﴾ يحفظون عليهم (أعمالهم) (٧) ﴿فَالْيَوْمَ﴾ (٨) يعني في الآخرة. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ قال المفسرون: إن أهل الجنة إذا أرادوا نظروا من منازلهم إلى أعدائهم وهم يعذبون في النار فضحكوا منهم، كما ضحكوا هم في الدنيا منهم (٩).
قال كعب: إن بين أهل الجنة، وأهل النار كُوى (١٠)، لا يشاء رجل
стр. 12749
من أهل الجنة النظر إلى عدوه من أهل النار إلا فعل (١)، وهو قول مقاتل (٢).
وقال أبو صَالح: يقال لأهل النار وهم فيها أخرجوا، ويفتح لهم أبوابها فإذا رأوها قد فتحت اقبلوا إليها يريدون الخروج، والمؤمنون ينظرون إليهم على الأرائك، فإذا انتهوا إلى أبوابها غلقت دونهم، فذلك قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ﴾ (٣).
٣٥ - ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُو﴾ إلى عذاب عدوهم
٣٦ - (قوله تعالى) (٤): ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ (أي هل جوزوا بسخرتهم (٥) بالمؤمنين في الدنيا) (٦).
ومعنى الاستفهام -هَاهنا- التقدير: و"ثوب" يعني أثيب، وهو فُعل
стр. 12750
من الثواب، وهو مَا يثوب، أي يرجح على فاعله من جزاء مَا عمله من خير أو شر، والثواب يستعمل في المكافأة بالشر (١).
أنشد أبو عبيدة:
ألا أبلغ أبا حنش رسولًا ... فما لك لا تجيء إلى الثواب (٢)
وذكر بعض أهل المعاني وجهًا آخر في قوله: "هل ثوب" فقال (٣): (هل) في موضع نصب بقوله "ينظرون" أي ينظرون أهل الجنة هل جوزي الكفار بفعلهم في الدنيا (٤).
(وقُرِىءَ "هل ثوب" بالادغام، والاظهار (٥).
وذكر سيبويه: إدغام (اللام) في (الثاء)، قال: وإدغامها حسن فيها؛ لأنه قد أدغم في الشين (٦)، فيما أنشده.
стр. 12751
هل شيء يكفيك لائق (١)
والشين أشدُّ تراخيًا عن "اللام" من "الثاء"، وإنما أدغمت فيها؛ لأنها تتصل مخارجها لتفشيها، والإظهار لتفاوت المخرجين) (٢).
(تمت) (٣)
стр. 12752
سورة الانشقاق
стр. 12753
تفسير سورة انشقت (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾، قال المفسرون: انشقاقها من علامات القيامة (٢) ، وذكر ذلك في مواضع من القرآن (٣).
٢ - ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ قالوا: سمعت لربها وأطاعت في الانشقاق (٤). من الأذن، وهو الاستماع للشيء، والإصغاء إليه، وأنشد
стр. 12754
أبو عبيدة (١)(٢)، و (المبرد (٣) ، والزجاج (٤)(٥) قول قعنب:
صُمُّ إذا سَمِعوا خيراً ذُكِرْتُ به ... وإذا ذُكِرْتُ بُسوءٍ أَذِنوا (٦)
وقوله: ﴿حَقَّت﴾ أي وحُقَّ لها أن تطيع ربها (٧) الذي خلقها (٨).
٣ - (قوله) (٩): ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ﴾ قال ابن عباس: تمد مد
стр. 12755
الأديم (١) ويزاد في سعتها كذا وكذا (٢). قال (٣) مقاتل: سويت كمد الأديم، فلا يبقى (٤) عليها بناء، ولا جبل، إلا دخل فيها (٥).
٤ - ﴿وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا﴾ من الموتى، والكنوز (٦). ﴿وَتَخَلَّتْ﴾ منها.
قال الفراء: وجواب ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ وما بعده كالمتروك؛ لأن المعنى معروف قد تردد في في القرآن معناه فعرف، وقد فسر جوابه فيما يقى الإنسان من ثواب أو عقاب، وكأن المعنى: إذا السماء انشقت يرى الإنسان الثواب والعقاب. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ﴾ (٧) الآية.
ونحو هذا قال الزجاج: وجواب ﴿إذا﴾ يدل عليه قوله :
стр. 12756
﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ (١).
المعنى: إذا كان يوم القيامة لقي الإنسان عمله (٢).
وقوله: ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ﴾ ([..] (٣) معنى الكدح في اللغة: السعي والدؤوب في العمل في باب الدنيا والآخرة) (٤).
وقال الليث: الكدح عمل الإنسان من الخير والشَّر (٥). وقال أبو عبيدة: فلان يَكدَح في عيشه (٦) أي يجهد، وأنشد (٧) لابن مقبل:
ومَا الدهر إلا تارتان فمنهما أَمُوت ... وأخرى أبتغي العيش أكدح (٨)
أي: وتارة أبتغي في طلب العيش وأدأب (٩). قال الكلبي (١٠)،
стр. 12757
(والضحاك) (١)(٢): إنك عامل لربك عملًا. وقال مقاتل: سَاعٍ بعملك إلى ربك سعياً (٣).
وقوله (٤): ﴿فَمُلَاقِيهِ﴾ قال أبو إسحاق: فملاق ربك. وقيل: فملاق عملك (٥).
والمعنى: ثواب عملك.
٧، ٨ - (قوله تعالى) (٦): ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ قال مقاتل: (لأنه) (٧) يغفر ذنوبه، ولا يحاسب بها (٨). وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "من نوقش الحساب فقد هلك"، قلت: يا رسول الله، ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾؟ قال: "ذلك العرض، ولكن من نوقش الحسَاب عُذب" (٩).
فمعنى قوله: ﴿يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا﴾ أي تعرض عليه سيئاته، ثم يغفرها
стр. 12758
الله له، فهو الحساب اليسير (١). ﴿وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ﴾ في الجنة، يعني أزواجه من الحور العين، والآدميات، مغتبطاً قرير العين بما أوتي من الخير والكرامة. قاله ابن عباس (٢)، ومقاتل (٣).
١٠ - ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ﴾ قال الكلبي: لأن يمينه مغلولة إلى
стр. 12759
عنقه، وتكون يده اليسرى خلف ظهره (١). وقال مجاهد: تجعل يده وراء ظهره (٢). وقال مقاتل: تخلع يده اليسرى فتكون وراء ظهره (٣)(٤).
﴿فَسَوْفَ يَدْعُو﴾ إذا قرأ كتابه قال: (يا ويلاه (٥)، يا ثبوراه.) (٦) كقوله ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا﴾ [الفرقان: ١٣].
﴿وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ (يقال صلى (٧) الكافر النار. قال الله تعالى: ﴿وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠]) (٨) وقرئ (٩): "يُصلّى" بضم الياء وتشديد اللام (١٠).
стр. 12760
وقوله: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤] (١).
١٣ - (وقوله تعالى) (٢): ﴿إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ﴾ (٣) يعني في الدنيا (٤) ﴿مَسْرُورًا﴾ مستبشرًا باتباع هواه، وركوب ما منته نفسه من شهواته.
١٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ﴾ لن (٥) يرجع إلى الآخرة (٦) أي: لن يبعث.
قال ابن عباس (٧)، ومقاتل (٨): حسب لا (٩) يرجع إلى الله.
والحور: الرجوع، والمحار: المرجع والمصير (١٠). أنشد أبو
стр. 12761
عبيدة (١) للبيد:
ومَا المرءُ إلا كالشهاب وضوءه ... يحورُ رمَاداً بعد إذ هو سَاطِعُ (٢)
وأنشد أيضًا للمُنَحّل اليَشكُريّ:
إذا كنت عاذلتي (٣) فسيري ... نحو العراق ولا تَحُوري (٤)
قال الله تعالى: ﴿بَلَى﴾ (٥) ليحورن، وليبعثن. قاله مقاتل (٦)،
стр. 12762
(والفراء) (١)(٢).
١٥ - ثم أستأنف (قوله تعالى): ﴿إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا﴾
قال الكلبي: بصيراً به من خلقه إلى أن بعثه (٣)(٤).
وقال عطاء: بصيراً بما سبق عليه في أم الكتاب من الشقاء والخزي (٥).
قال (٦) مقاتل: بصيراً متى يبعثه (٧).
وقال أبو إسحاق: كان به بصيرًا قبل أن يخلقه، عالماً بأن مرجعه إليه (٨).
١٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالشَّفَقِ﴾ قال الكلبي: هي العمرة التي تكون في المغرب (٩).
وقال مقاتل: الشفق الذي يكون بعد غروب الشمس في الأفق قبل الظلمة (١٠).
стр. 12763
وقال عكرمة: مَا بقي من النهار (١).
وقال مجاهد: هو النهار كُلَه (٢).
هذا ما ذكر المفسرون في تفسير الشفق، وأهل اللغة على أن الحمرة من بعد غروب الشمس إلى وقت صلاة العشاء الآخرة (٣).
وهو قول الليث (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦)، (وعمرو عن أبيه) (٧)(٨) قالوا: الشفق الحمرة في السماء (٩).
стр. 12764
وأصل موضوع هذه الحرف: لرقة الشيء، ومنه يقَال: شيء شفق لا تماسك له، لرقته؛ ولذلك يقال للرديء من الأشياء (١): شفق، وأشفق عليه إذا رق قلبه عليه، والشفقة رقة القلب (٢).
وأهل اللغة إذا فسروا "الشفق" قالوا: بقية ضوء الشمس وحمرتها, فيذكرون الحمرة كأنهم حققوا أن تلك الرقة من ضوء الشمس، وأن الغالب عليها الحمرة، (وإنما جعل غيبوبة الشفق وقتًا للعشاء الآخرة (٣)، واعتبرت الحمرة فيه دون البياض؛ لأن البياض (٤) يمتد وقته، ويطول لبثه، والحمرة لما كانت بِقية ضوء الشمس، ثم بعدت (٥) الشمس عن الأفق ذهبت الحمرة).
стр. 12765
قال (١): سمعت بعض العرب يقول: عليه ثوب مصبوغ، كأنه الشفق، وكان أحمر، فهذا شاهد للحمرة) (٢) هذا كلامه.
قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ وَمَا وَسَقَ﴾ أي: وما جمع، وضم، وحوى، ولفَّ. قاله مجاهد (٣)، ومسروق (٤)، والحسن (٥)، (وأبو صالح (٦)(٧))، وأبو العالية (٨)، (ورواية ابن أبي مليكة عن) (٩) ابن عباس قال: ما جمع (١٠).
واختيار (١١) الفراء (١٢)، والزجاج (١٣)، (والمبرد (١٤)) (١٥)،
стр. 12766
وأنشدوا (١):
مُسْتَوْسِقات لَوْ يَجِدْنَ سائقاً (٢)
أي مجتمعات.
ومنه الوَسْق في الطعام؛ لأنه مكيلة معلومة (٣) تجمع قدرًا معلومًا (٤)، والمعنى: جمع، وضم ما كان منتشرًا بالنهار في تصرفه، وذلك أن الليل إذا أقبل أوى كل شيء إلى مأواه (٥).
قال الليث: الوسق: ضمك الشيء بعضه إلى بعض، واستوسقت الإبل إذا اجتمعت، وانضمت، والراعي يسقها: أي يجمعها (٦).
стр. 12767
وقال (١) الكلبي: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يقول: ما ساق من شيء إلى حيث يأوي (٢).
والوسق على هذا القول معناه: الطرد، (ومنه يقال للطريدة (٣) من الإبل والغنم والحمر: وسقة) (٤).
روى عطاء عن ابن عبَّاس: ﴿وَمَا وَسَقَ﴾ يريد وما حمل (٥).
والوسق: يكون بمعنى الحمل، وكل شيء حملته فقد وسقته، ومعنى حمل في الليل: يعني ضم وجمع، أي ما أتى عليه الليل، وحمله في ظلمته، وذلك أنه يجلل الأشجار والجبال، والبحار، والأرض كلها، فإذا جللها فقد وسقها (٦).
١٨ - قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرِ إِذَا اتَّسَقَ﴾ قال أبو عبيدة: إذا تم (٧). وقال الزجاج: اجتمع واستوى (٨)، وقال الفراء: اتساقه: امتلاؤه واجتماعه، واستواؤه ليلة ثلاثة عشر، وأربعة عشر إلى ستة عشر، وهو افتعل من الوسق الذي هو الجمع (٩).
стр. 12768
قال (ابن عباس (١) و) (٢) المفسرون (٣): إذا استوى، واجتمع , وتكامل، وتم، واستدار. كل هذا من ألفاظهم.
١٩ - قوله تعالى: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ﴾ فيه قراءتان (٤): فتح "الباء", وضمها، فمن فتح "الباء" قال: الخطاب لمحمد ﷺ .
والمراد بالطبق: السماء. وهو قول مسروق (٥)، (والشعبي) (٦)(٧)،
стр. 12769
وابن عباس (١) في رواية مجاهد. والمعنى: لتركبن يا محمد سماء بعد سماء. قال الكلبي: يصعد فيها (٢).
ويجوز أن يريد درجة بعد درجة، ورتبة بعد رتبة في القربة من الله تعالى، ورفعة المنزلة (٣).
ويجوز أن يكون المعنى: لتركبن السماء حالاً بعد حَال من تغير حَالاتها التي وصفها الله من الانشقاق، والطي، وكونها مرة كالدهَان، ومرة كالمهل، وهو قول عبد الله (٤).
وروى الفراء بإسناده عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس: لتركبن، بفتح (٥) "الباء"، وفسر: لتصيرن الأمور حَالاً بعد حَال (٦).
стр. 12770
ويجوز أيضًا أن يكون الخطاب للإنسان المتقدم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ﴾
والمعنى: لتركبن أيها الإنسان حَالاً بعد حَال من كونه نطفة، وعلقة، وَمُضغة، وحياً، وميتاً، وحياً بعد الموت، وغنياً، وفقيراً، وجميع الأحوال المختلفة على الإنسان في دنياهُ وآخرته. وهو قول مقاتل (١)، وعلى أيضًا قراءة من قرأ بضم "الباء" إلا أن الخطاب للجماعة، وهو اختيار أبي عبيد قال: لأن المعنى: بالناس أشبه منه بالنبي ﷺ لما ذُكر قبل الآية (من يؤتى كتابه بيمينه، ثم فسر هذه الآية) (٢): قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وذكر ركوبهم طبقاً بعد طبق (٣)، وهذا قول أكثر المفسرين؛ قالوا: لتركبن حَالاً بعد حَال، ومنزلاً بعد منزل، وأمرًا بعد أمر. وهذا قول الحسن (٤)، وقتادة (٥)، ومجاهد (٦)، (وعكرمة (٧)، وابن
стр. 12771
زيد (١)، وسعيد بن جبير (٢)) (٣) [قالوا] (٤): لتكونن في الآخرة بعد الأولى، ولتصيرن أغنياء بعد الفقر، وفقراء بعد الغنى، يعني في الآخرة.
قال (٥) عطاء: يريد شدة بعد شدة، يعني شدائد القيامة (٦).
وقال أبو عبيدة: لَتَركَبُنَّ سنة الأولين، وسنة من كان قبلكم (٧). يعني في التكذيب والاختلاق على النبي ﷺ .
والطبق في اللغة: يكون بهذه المعاني التي ذكرهَا المفسرون.
قال الليث: السموات طباق، وكل واحد من الطباق طبقة، وقد يُذَكر طبق -قال- والطبقة: [الحال] (٨)، يقال: كان فلان من الدنيا على طبقات شتى؛ أي حالات (٩).
وقال ابن الأعرابي: الطبق [الحال] (١٠) على اختلافها (١١).
стр. 12772
وقد يكون الطبق بمعنى الشدة، قال الفراء: العرب تقول: وقع في بنات طبق (١) إذا وقع في الأمر الشديد (٢).
وقال الأصمعي: يقال: جَاء بإحدى بنات طبق، وهي الداهية, وأصلها من الحيّات (٣). (يقال للحية: أم طبق لحسها (٤) لتَرحَيها (٥) وتحوَّيها (٦)) (٧).
وقوله: ﴿عَنْ طَبَقٍ﴾ "عن" بمعنى: بعد (٨).
قال أبو علي: ومثل ما فسروا من "أن" بمعنى "عن" بمعنى "بعد" قول الأعشى:
سادوا (٩) وألقَى رهَطه سَادةً ... وكَابرًا سادوك عن كَابِرِ (١٠)
стр. 12773
قال: والمعنى: كابرا بعد كابر.
فـ"عن" متعلق بسادوك، ولا يكون متعلقاً بكابر، وقد تبين ذلك في قول النابغة:
بَقِيَّةُ قِدْرٍ من قُدورٍ تُوُرِّثت ... لاَلِ الجلاحِ كَابِرًا بَعْدَ كابرِ (١)
وقالوا عن الحمى أي عَرِقَ بعدها (٢).
وتم الكلام عندها لتمام جواب القسم (٣).
ثم قال: ﴿فَمَا لَهُمْ﴾ يعني كفار مكة ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بمحمد، والقرآن.
والمعنى: أي شيء لهم غير مؤمنين، وهو استفهام (٤) إنكاري، أي: أي شيء لهم من النعيم والكرامة؛ إذ ألم يؤمنوا.
ويجوز أن يكون استفهامًا معناه التعجب، أي: اعجبوا منهم لم يؤمنوا بعد البيان ووضوح البرهان.
(قوله (٥): ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ قال عطاء (٦)، والكلبي (٧): لا يصلون لله .
стр. 12774
وقال غيرهم (١): لا يخضعون، ولا يستكينون.
٢٢ - (وقوله) (٢): ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾ بالبعث، والقرآن , والثواب، والعقاب.
٢٣ - (قوله) (٣): ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ﴾
في صدورهم من التكذيب، ويضمرون في قلوبهم، ويكتمون. قاله ابن عباس (٤)، وقتادة (٥)، (ومقاتل (٦)) (٧).
وتفسير الإيعاء قد تقدم (٨).
٢٤ - قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
(أي اجعل ذلك لهم بدل البشارة (٩) للمؤمنين بالرحمة) (١٠)، وقد
стр. 12775
قدم مثل هذا (١).
٢٥ - وقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٢)
قال مقاتل: استثنى مَن آمن مِن الكفار بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٣).
وقوله تعالى: ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير منقوص ولا مقطوع؛ لأن نعيم الآخرة يزيد وينمو (٤)، ولا ينقطع. (قاله عطاء عن ابن عباس (٥)) (٦).
وفسرنا ﴿غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ وفي أول سورة القلم (٧). (والله تعالى أعلم) (٨)
تفسير سورة البروج (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ذكرنا تفسير البروج كاملاً (٢) عند قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (٣) وهي النجوم (٤)، أو منازلها.
٢ - ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ قالوا جميعاً: يعني يوم القيامة (٥).
стр. 12779
٣ - ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ واختلفوا فيه، (و) (١) الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول أبي هريرة (٢)، والحسن (٣) , وعلي بن أبي طالب (٤)، (وابن الزبير (٥)، وقتادة (٦)، ورواية يوسف المكي (٧)
стр. 12780
عن ابن عباس (١)) (٢)، وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٣) (رواه أبو هريرة) (٤)(٥)، وعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهداً؛ لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود؛ لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.