تفسير سورة البروج (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾، ذكرنا تفسير البروج كاملاً (٢) عند قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ (٣) وهي النجوم (٤)، أو منازلها.
٢ - ﴿وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ﴾ قالوا جميعاً: يعني يوم القيامة (٥).
стр. 12779
٣ - ﴿وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ واختلفوا فيه، (و) (١) الأكثرون على أن الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة، وهو قول أبي هريرة (٢)، والحسن (٣) , وعلي بن أبي طالب (٤)، (وابن الزبير (٥)، وقتادة (٦)، ورواية يوسف المكي (٧)
стр. 12780
عن ابن عباس (١)) (٢)، وروي ذلك مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٣) (رواه أبو هريرة) (٤)(٥)، وعلى هذا سمي يوم الجمعة شاهداً؛ لأنه يشهد على كل عامل بما عمل فيه، وكذلك كل يوم، ويوم عرفة يوم مشهود؛ لأنه يشهد الناس فيه موسم الحج، وتشهده الملائكة.
стр. 12781
وعلى الضد من هذا روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "شاهد" يوم عرفة، "ومشهود" يوم الجمعة) (١)، فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة.
وقال آخرون: الشاهد محمد ﷺ ، والمشهود يوم القيامة، وهو (٢) قول الحسن بن علي (٣) ﵁، ومحمد بن علي (٤)، وتلا الحسن بن علي ﵁ قوله : ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ [الأحزاب: ٤٥]، وقوله: ﴿وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ﴾ [هود: ١٠٣]، وتلا محمد ﵁ قوله: ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النحل: ٨٩].
وقال جماعة: الشاهد: ابن آدم، والمشهود يوم القيامة، (وهوقول مجاهد (٥) ,
стр. 12782
وعكرمة (١)، وابن عباس (٢)، في رواية مجاهد) (٣)، وقال (في رواية الوالبي (٤)) (٥)، (قال ابن عباس) (٦): الشاهد الله، والمشهود: يوم القيامة.
٤ - قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، قال الأخفش: هو جواب القسم، وأضمر اللام (٧) كما قال ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] يريد: لقد أفلح، قال: ولئن شئت على [التقديم] (٨)، كأنه قيل: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ (٩).
стр. 12783
وقال أبو إسحاق: جواب القسم: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ (١)، وهو قول ابن مسعود (٢) ﵁، وقتادة (٣).
وقال صاحب النظم: جواب القسم قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾ (٤).
(وقال غيره (٥)) (٦): كما تقول: والله إن زيداً لقائم، وقد اعترض بين القسم وجوابه قوله: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ﴾ وما يتصل به إلى قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا﴾، وقال غيره من أهل المعاني: جواب القسم محذوف بتقدير: الأمر حق في الجزاء على الأعمال (٧).
و"قتل (٨) " معناه: لعن في قول جميع المفسرين (٩) كقوله تعالى: ﴿قُتِلَ
стр. 12784
الْخَرَّاصُونَ﴾ (١)، وقد مر.
واختلفوا في أصحاب الأخدود من هم؟ فروي عن صهيب بطرق مختلفة أن النبي ﷺ ذكر مَلِكًا فيمن كان قبلنا أسلم في عهده قوم، فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدوها، وأضرم فيها النار، وقال: من لم يرجع عن دينه (٢) فأقحموه فيها ففعلوا.
وهو حديث طويل (٣)
стр. 12785
نذكره في مسند (١) التفسير إن شاء الله.
وقال مقاتل: إن قوماً باليمن عمدوا إلى أولياء الله فخدوا لهم أخدوداً، وأوقدوا فيها النار، ثم عرضوا على الشرك، فمن تابعهم خلوا عنه، ومن لم يتابعهم قذفوه في النار (٢)، وهو قول الحسن (٣).
وقال الكلبي (٤)، ومجاهد (٥): هم قوم من نصارى "نجران" (٦)(٧) عذبوا بالنار قوماً من المؤمنين على التوحيد.
وروى علي ﵁ أنهم كانوا قوماً من المجوس، وذلك أن ملكاً منهم
стр. 12786
واقع أخته على السكر، ثم أراد أن يجعل ذلك شرعاً في رعيته، فلم يقبلوه، فأوقد لهم النيران في الأخدود، وعرضهم عليها، فمن أبى (١) قبول ذلك قذفه في النار، ومن أجاب خلى (٢) سبيله (٣).
وقال الضحاك: (أصحاب) (٤) كانوا من بني إسرائيل (٥).
(والأخدود: الشق في الأرض يحفر مستطيلاً) (٦)، وجمعه: الأخاديد، ومصدره (٧): الخد، وهو الشق، يقال: خد في الأرض خداً، وتخدد لحمه: إذا صار فيه طرائق كالشقوق (٨)، وانشد (المبرد (٩)) (١٠) فقال:
يا مَن لِشيخٍ قَدْ تَخَدَّدَ لَحْمُهُ ... أفْنَى ثلاث عَمَائمٍ ألْوَاناً
سَوْداءَ حالِكةً وسَحْقَ مُفْوفٍ ... وأجَدَّ لوْناً بَعْدَ ذَاكَ هِجْاناً (١١)
стр. 12787
٥ - قوله: ﴿النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ قال أبو علي: هذا من بدل الاشتمال, كقوله: سلب زيد ثوبه، ومنه "أصحاب الأخدود النار"، فالأخدود يشتمل على النار (١).
و ﴿ذَاتِ الْوَقُودِ﴾ يعني ذات الحطب الذي جعل لها وقوداً.
٦ - ﴿إِذْ هُمْ﴾ العامل في "إذ" "قتل"، والمعنى: لعنوا في ذلك الوقت؛ إذ هم قعود عند الأخدود يعذبون المؤمنين.
﴿وَهُمْ﴾ يعني أولئك: الملك وأصحابه الذين خدوا الأخدود.
قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا قُعُودٌ﴾. قال ابن عباس: عندهَا جلوس (٢)
قال مقاتل: يعني عند النار قعود يعرضونهم على الكفر (٣).
قال مجاهد: كانوا قعودًا على الكراسي عند الأخدود (٤)، وهو قوله:
стр. 12788
٧ - ﴿وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) أي من عرض منهم على النار، وإرادتهم أن يرجعوا إلى دينهم.
﴿شُهُودٌ﴾. حضور، قاله ابن عباس (٢).
ويكون "على" بمعنى "مع" كأنه قيل: وهم مع مَا يفعلون بالمؤمنين شهود حضروا ذلك التعذيب (٣).
قال أبو إسحاق: أعلم الله قصة قوم بلغت بصيرتهم وحقيقة إيمانهم إلى أن صبروا على أن أحرقوا بالنار في الله (٤).
قال الحسن: كان رسول الله ﷺ إذا ذكر أصحاب الأخدود تعوذ بالله من جهد البلاء (٥)
стр. 12789
٨ - قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
قال ابن عباس: ما كرهوا منهم إلا أنهم آمنوا (١).
وقال مقاتل: مَا عَابوا منهم (٢).
وقال أبو إسحاق: أي ما أنكروا عليهم ذنباً إلا إيمانهم (٣)، وهذا كقوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ٥٩]، ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٧٤] وقد مر.
قوله (٤): ﴿وَاللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ﴾ (٥)
أي من فعلهم بالمؤمنين شهود، لم يخف عليه ما صنعوا.
ثم أعلم مَا أعد لأولئك فقال:
١٠ - (وقوله تعالى) (٦): ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ (٧)، قال
стр. 12790
ابن عباس (١)، (ومقاتل (٢)) (٣): حرقوهم بالنار. وهو قول قتادة (٤).
(قال الزجاج) (٥)،: يقال: [فتنت] (٦) الشيء: أحرقته، والفتين: حجارة سود كأنها محرقة (٧). ومنه قوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣].
قولى تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا﴾ قال ابن عباس: يريد من فعلهم ذلك، ومن الشرك الذي كانوا عليه (٨).
﴿فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾. (بكفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ بما أحرقوا المؤمنين. قاله الزجاج) (٩): والحريق النار، ويكون عذاب جهنم نوعاً من التعذيب غير الإحراق للتفصيل في الذكر (١٠).
وقال الربيع بن أنس: ﴿وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ يعني في الدنيا، وذلك أن
стр. 12791
النار ارتفعت من الأخدود إلى الملك وأصحابه فأحرقتهم (١). وهو قول الكلبي (٢)، وذكره (٣) الفراء (٤).
قال مقاتل: ثم ذكر مَا أعد للمؤمنين الذين أُحرقوا بالنار فقال:
١١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٥) الآية (٦)
١٢ - ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ قال ابن عباس: إن أخذه بالعذاب إذا أخذ الظلمة، والجبابرة لشديد (٧)، كقوله: ﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ (٨).
١٣ - ﴿إِنَّهُ هُوَ يُبْدِئُ وَيُعِيدُ﴾ الخلق يخلقهم أولاً في الدنيا، ويعيدهم أحياء بعد الموت. وهذا قول المفسرين جميعاً (٩).
стр. 12792
وذكر ابن عباس في رواية عطاء: هو أن أهل جهنم تأكلهم النار حتى يصيروا فحماً، ثم يعيدهم خلقاً جيداً (١).
١٤ - ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ﴾ (٢) قال ابن عباس (٣)، ومقاتل (٤): لذنوب المؤمنين من أوليائه وأهل طاعته.
﴿الْوَدُودُ﴾ المحب لهم (وهذا قول أكثر المفسرين (٥)) (٦).
стр. 12793
وقال الكلبي: الودود: المتودد إلى أوليائه بالمغفرة والجزاء (١).
والقول هو الأول.
قال ابن الأنباري: الودود في السماء، الله المحبّ لعباده (٢).
وذكرنا اللغات في الود عند قوله: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ (٣)
وقال (٤) الأزهري في تفسير أسماء الله (٥): قال بعض أهل اللغة: يجوز أن يكون "ودود" فعول بمعنى المفعول، كركوب، وحلوب، ومعناه أن عباده الصالحين (٦) يودونه ويحبونه لما عرفوا من فضله، ولما أسبغ عليهم من نعمائه، قال: وكلتا الصفتين مدح؛ لأنه جل ذكره إن أحب عباده (المؤمنين) (٧) المطيعين، فهو فضل منه، وإن أحبه عباده العارفون فلِما تقرر عندهم من كريم إحسانه (٨).
стр. 12794
١٥ - قوله تعالى: ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ ﴿الْمَجِيدُ﴾ بالرفع مُتبعاً لقوله: ﴿ذُو﴾، وهو أكثر القراءة (١)، والتفسير (٢)، والاختيار؛ لأن الله تعالى هو المجيد الموصوف بالمجد؛ لأن لفظ المجيد لم يسمع في غير صفة الله خالى كما (٣) سمع الماجد.
قال أبو علي: لم أعلم في صفة الأناسي "مجيد" كما جاء في وصفهم "عليم" "وحفيظ" نحو قوله: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ (٤) [يوسف: ٥٥]، وقد ذكرنا تفسير المجيد فيما تقدم (٥).
стр. 12795
ومن كسر "المجيد" (١) جعله صفة العرش، ووصفه بالمجادة كما قال: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: ٢١] فوصف القرآن بالمجادة، هذا قول الفراء (٢)، (والزجاج (٣)) (٤)، وأكثر النحويين (٥).
(ومنهم من قال: أجعله صفة للرب في قوله: ﴿إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ﴾ ولا أجعله وصفاً للعرش، حكى ذلك أبو علي؛ قال: والفصل والاعتراض بين الصفة والموصوف في هذا النحو لا يمتنع؛ لأن ذلك يجري مجرى الصفات) (٦)
قال عطاء عن ابن عباس: قال: من قرأ بالخفض فإنما يريد العرش وحسنه (٧)، ويدل على صحة هذا أن العرش وصف بالكرم في قوله ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون: ٢٣]، فجاز أن يوصف بالمجد، لأن معناه الكمال، والعرش على ما ذكر أحسن شيء وأكمله، وأجمعه بصفات الحسن (٨).
١٦ - قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ أي من الإبداء والإعادة، (قاله
стр. 12796
مقاتل (١)) (٢).
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد أنه لا يعجزه شيء يريده، ولا يمتنع منه شيء طلبه (٣)(٤). ثم ذكر خبر الجموع الكَافرة فقال:
١٧ - قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْجُنُودِ﴾ قال مقاتل: يريد قد أتاك (٥)؛ كقوله: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] وقد مر (٦).
قال عطاء: يعني الذين تجندوا على أنبياء الله وأصفيائه، يعزي نبيه بذلك (٧).
١٨ - ثم بين من هم فقال: ﴿فِرْعَوْنَ وَثَمُودَ﴾.
والمعنى: أتاك حديث الجنود، وما كان منهم إلى أنبيائهم، أو اصبر كما صبر الرسل من قبلك، وهذا معنى قول ابن عباس: يريد تعزية النبي ﷺ (٨) وقيل معناه: تذكير الكفار من أهل مكة حديث الجنود قبلهم ليعتبروا ويتذكروا ما كان منهم إلى أنبيائهم، وما فعل الله بهم (٩)، ويدل على هذا
стр. 12797
المعنى:
١٩ - قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ﴾ بل أعرضوا عما يُوجبه الاعتبار بفرعون وثمود، وأقبلوا على ما يوجبه الكفر والتكذيب، فكذبوك، وكذبوا ما جئت به من القرآن.
٢٠ - ﴿وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ﴾ يقدر أن ينزل بهم مَا أنزل بفرعون وثمود.
قال أبو إسحاق: أي لا يعجزه منهم أحد، قدرته مشتملة عليهم (١).
٢١ - قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ قال ابن عباس (٢)، (ومقاتل (٣)) (٤): كريم لأنه كلام الرب ليس هو كما يقولون: شعر، وكهانة، وسحر (٥).
وقال أهل المعاني: لما كان القرآن يعطي المعَاني الجليلة، والدلائل النفيسة، كان كريماً، مجيد: كريم، كثير الخير بما يعطي من الحكم والمواعظ والحجج (٦).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ عند الله، وهو أم الكتاب، منه نسخ الكتاب القرآن، والكتب، وهو الذي يعرف باللوح المحفوظ من الشياطين، ومن الزيادة فيه والنقصان (٧).
стр. 12798
وهذا قول [ابن عباس (١)، ومقاتل (٢)، ومجاهد (٣)، والحسن (٤)] (٥).
(وقرأ نافع (محفوظٌ) رفعاً (٦) على نعت القرآن، كأنه قيل: بل هو قرآن مجيد محفوظ في لوح، وذلك أن القرآن وصف بالحفظ في قوله ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فكما وصف بالحفظ في تلك (٧) الآية، كذلك وصف في هذه الآية بأنه محفوظ , ومعنى حفظ القرآن أنه يؤمن من تحريفه، وتبديله، وتغيره، فلا يلحقه من ذلك شيء، قال أبو الحسن: والأولى: هو الذي نعرف). (٨)
وقال أبو عبيد: الوجه الخفض, لأن الآثار الواردة في اللوح
تفسير سورة الطارق (١)
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ قال المفسرون (٢): أقسم الله بالسماء، والطارق: يعني: الكواكب تطرق بالليل وتخفي بالنهار (٣).
وقال الفراء ﴿الطَّارِقُ﴾ النجم؛ لأنه يطلع بالليل، وما أتاك ليلاً فهو طارق (٤) (ونحو هذا) (٥) قال (الزجاج (٦)، والمبرد (٧)، قال) (٨): ولا يكون
стр. 12802
الطارق نهارًا.
والعرب تستعمل الطروق في صفة الخيال كثيرًا، قال ذو الرمة:
ألا طَرَقَتْ مني هيومًا بذكرها ... وأيدي الثريا جنح في المغارب (١)
٢ - ثم (٢) قال لنبيه ﷺ (٣): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ﴾
وذلك أن هذا الاسم يقع على مَا طرق ليلاً، ولم يكن النبي ﷺ يدري ما المراد به لولا تبيينه بقوله: ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، أي المضي (٤)، ولقد فسرناه عند قوله: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ (٥)، و ﴿الطَّارِقُ﴾، و ﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾، اسم الجنس، وأُريد به العموم في قول أهل المعاني، وأكثر أهل التفسير، وهو قول (الكلبي (٦)(٧)، ومقاتل (٨)، (وقتادة (٩)، والحسن (١٠)، والفراء (١١)،
стр. 12803
والزجاج (١)(٢)
وقال ابن زيد (٣): أراد به الثريا، والعرب تسميه النجم (٤)، وقد ذكرنا ذلك عند قوله: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ (٥).
وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس أنه - زُحَل (٦). والقول هو الأول.
وجواب القسم: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ أقسم الله -بما ذكر- أنه ما من نفس إلا عليها حافظ من الملائكة تحفظ عملها وقولها وفعلها، وتحصي ما تكسب من خير أو شر. (ذكر ذلك ابن عباس (٧)، والكلبي (٨)،
стр. 12804
وقتادة (١)، ومقاتل) (٢)(٣).
وفي قوله ﴿لَمَّا عَلَيْهَا﴾ (٤): التخفيف، والتشديد، فمن خلف كان لغوًا (٥)، والمعنى: لَعَلَيْها حافظ.
ومن شدد جعل ﴿لَمَّا﴾ بمعنى "إلاَّ"، وهي تستعمل بمعنى "إلا" في موضعين، هذا أحدهما، والآخر في باب القسم تقول: سألتك لمَّا فعلت. بمعنى: "إلا فعلت" (٦) هذا كلام أبي إسحاق.
وقال أبو علي: (مَن خفف كانت "إن" عنده المخفّفة من الثقيلة، والسلام في "لما"، هي التي تدخل مع هذه المخففة لتخلصها من "إن" النافية، و"ما" صلة كالتي في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ﴾ (٧)، ﴿عَمَّا قَلِيلٍ﴾ (٨)، وتكون إن
стр. 12805
متلقية للقسم كما تتلقاه) (مثقلة) (١)، (ومن ثقل فقال: "لمّا عَلَيْها" كانت "إن" عنده النافية كالتي في قوله) (٢): ﴿فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ (٣)﴾، و"مال" في معنى "إلا".
قال سيبويه عن الخليل في قولهم (٤): نشدتك الله لَمَّا فعلت -قال-: المعنى: إلا فعلت (٥).
وقال أبو الحسن: الثقيلة في معنى "إلا"، والعرب لا تكاد تعرفه (٦)، وقال الكسائي: لا أعرف وجه التقيل) (٧).
وقال أبو عبيد (٨): لا يوجد ذلك في كلام العرب يعني "لمَّا"، بمعنى "إلا" (٩)، وقد روي عن ابن سيرين أنه كره التشديد وأنكره (١٠).
والكلام في هذا قد سبق في آخر سورة هود (١١).
стр. 12806
ثم نبه على البعث بقوله:
٥ - ﴿فَلْيَنْظُرْ﴾ (١) قال مقاتل: يعني: (الذي يكون منه) (٢) المكذب بالبعث (٣).
﴿مِمَّ خُلِقَ﴾. أي من أي شيء خلقه الله، والمعنى: فلينظر نظر التفكير
والاستدلال حتى يعرف أن الذي ابتدأه (٤) من نطفة قادر على إعادته.
ثم ذكر من أي شيء خلقه فقال:
٦ - ﴿خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ قال ابن عباس (٥) ومقاتل (٦): يعني: المني الذي يكون منه الولد.
قال الكلبي: من ماء مهراق في رحم المرأة (٧).
والدَّفْق صَبُّ الماء، يقال: دفقت الماء أي صببته، وهو مدفوق
стр. 12807
(ومندفق) (١) أي منصب (٢) و ﴿دَافِقٍ﴾ هَاهنا معناه - مدفوق.
قال الفراء: وأهل الحجاز أفعل لهذا من غيرهم، يجعلون الفاعل مفعولًا إذا كان في مذهب نعت كقولهم: سرُّ كاتم، وهمٌّ ناصب، وليلٌ نائم، قال: وأعان على ذلك أنها وافقت رؤوس الآي التي هي معهنّ (٣).
وقال الزجاج: معناه من مَاءٍ ذي دَفْقٍ، وكذلك: سرٌّ كاتم، وهذا قول جميع النحويين (٤).
وقد أحكمنا الكلام في هذه المسألة عند قوله: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ﴾ (٥).
стр. 12808
٧ - ثم وصف الماء فقال: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾، قال الليث: التريبة ما بين الثندوتين (١) إلى الترقوتين (٢)(٣).
وبَعضهم يقول: كل عظم من ذلك تريبة، والجمع الترائب (٤).
قال المبرد: هي ضلوع الصدر (٥).
وقال أبو عبيدة: الترائب مُعَلَّق الحَلْي على الصدر (٦)، وهو قول جميع أهل اللغة (٧)، وأنشد (٨) (قول الْمُثقِب (٩):
стр. 12809
ومِنْ ذَهَبٍ يَلُوحُ على تَريبٍ ... كَلَوْن العَاجِ لَيْس بذي غُصُونِ (١)
وحكى الزجاج أن أهل اللغة [أجمعون (٢)] (٣) قالوا: الترائب موضع القلادة من الصدر، وأنشدوا (٤):
ترائبها مصقولة كالسَّجَنْجَلِ (٥)(٦)
стр. 12810
قال (عطاء عن) (١) ابن عباس (٢)، (والكلبي) (٣)(٤)، وسفيان (٥)(٦): يريد صلب الرجل، وترائب المرأة، وهي موضع قلادتها: الولد لا يكون إلا من المائين. وقال عكرمة (٧)، وسعيد (ابن جبير (٨)، وابن زيد (٩)، ومجاهد) (١٠)(١١): الترائب: الصدور.
стр. 12811
وقال مقاتل الترائب: موضع القلادة (١) بين الترقوة والثدي.
وقال الفراء: وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يريد من الصلب والترائب، وهو جائز أن تقول للشيئين: ليخرجن من بين هذين خير كثير، ومن هذين خير كثير (٢).
٨ - قوله (تعالى): ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل (٣)(٤).
وقال عكرمة (٥)، (والضحاك) (٦)(٧): على أن يرد الماء في الصلب.
وروي (عن الضحاك (٨)(٩) أيضًا: على رد الإنسان ماءً كما كان قبل، لقادر.
стр. 12812
وقال مقاتل (بن حيان) (١): تقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا (٢)، ومن الصبا (٣) إلى النطفة (٤).
وقال قتادة: إن الله [على] (٥) بعث الإنسان وإعادته لقادر (٦)، وهو قول الحسن (٧)، ومقاتل (ابن سليمان (٨)، وابن عباس (٩)، في رواية عطاء، واختيار أهل المعاني (١٠)) (١١)، قال أبو إسحق: ويشهد له قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. (أي) (١٢) إنه قادر على بعثه يوم القيامة (١٣).
стр. 12813
ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حَاله (١)، والله -تعالى- قادر على أن يرد الماء في الإحليل، أو في الصُلب، وأن يرد الإنسان صبيًا بعد كبره، وأن يرده حيًا بعد موته، وهذا هو الوجه المراد لانتصاب قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وهو ظرف للرجع (٢).
قال صاحب النظم: يريده أن يبعث فيرد، ويرجع في هذا اليوم (٣).
ومعنى ﴿تُبْلَى﴾ (٤) تختبر. قاله (ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦)، وقتادة (٧)) (٨).
وقال (٩) الكلبي (١٠)، ومقاتل (١١): [بمعنى] (١٢) تظهر.
стр. 12814
و ﴿السَّرَائِرُ﴾: أعمال بني آدم من الخير والشر، فرائضه التي أوجبت عليه، وهي سرائر بين الله والعبد، فتختبر تلك يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها عن مضيعها، وهذا معنى قول ابن عمر: "يبدي الله يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في الوجوه، وشينًا في الوجوه"، يعني من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر (١).
وقال أهل المعاني (٢): معنى ﴿تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تختبر بإظهارها، وإظهارها موجبها، ففي الطاعة الحمد والثواب، وفي المعصية الذم والعقاب، وهذا كقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أي نكشفها ونظهرها، وقد مر (٣).
١٠ - قوله تعالى ﴿فَمَا لَهُ﴾ (٤) (أي لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله) (٥).
﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾. (ينصره من الله) (٦).
ومعنى نفي القوة والناصر هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ على
стр. 12815
قول من لا يجعل الرجع بمعنى البعث في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾ [الطارق: ٨] (١).
١١ - ثم ذكر قسمًا آخر فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قال أبو عبيدة: الرجع في كلام العرب: الماء، وأنشد للهذلي يصف السَّيف:
أبْيَضُ كالرّجْع رَسُوبٌ إذا ما ... ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يختلي (٢)(٣)
قال الفراء: تبتدئ بالمطر، ثم ترجع به في كل عام (٤).
وقال أبو إسحق: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر (٥)(٦). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يبتدي بالمطر، ثم يرجع به في كل عام (٧).