← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12811–12850 · переход к 12816.

стр. 12811

وقال مقاتل الترائب: موضع القلادة (١) بين الترقوة والثدي. وقال الفراء: وقوله: ﴿مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ يريد من الصلب والترائب، وهو جائز أن تقول للشيئين: ليخرجن من بين هذين خير كثير، ومن هذين خير كثير (٢). ٨ - قوله (تعالى): ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾، قال مجاهد: على أن يرد الماء في الإحليل (٣) (٤). وقال عكرمة (٥)، (والضحاك) (٦) (٧): على أن يرد الماء في الصلب. وروي (عن الضحاك (٨) (٩) أيضًا: على رد الإنسان ماءً كما كان قبل، لقادر.

стр. 12812

وقال مقاتل (بن حيان) (١): تقول: إن شئت رددته من الكبر إلى الشباب ومن الشباب إلى الصبا (٢)، ومن الصبا (٣) إلى النطفة (٤). وقال قتادة: إن الله [على] (٥) بعث الإنسان وإعادته لقادر (٦)، وهو قول الحسن (٧)، ومقاتل (ابن سليمان (٨)، وابن عباس (٩)، في رواية عطاء، واختيار أهل المعاني (١٠)) (١١)، قال أبو إسحق: ويشهد له قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ [الطارق: ٩]. (أي) (١٢) إنه قادر على بعثه يوم القيامة (١٣).

стр. 12813

ومعنى الرجع: رد الشيء إلى أول حَاله (١)، والله -تعالى- قادر على أن يرد الماء في الإحليل، أو في الصُلب، وأن يرد الإنسان صبيًا بعد كبره، وأن يرده حيًا بعد موته، وهذا هو الوجه المراد لانتصاب قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾، وهو ظرف للرجع (٢). قال صاحب النظم: يريده أن يبعث فيرد، ويرجع في هذا اليوم (٣). ومعنى ﴿تُبْلَى﴾ (٤) تختبر. قاله (ابن عباس (٥)، ومقاتل (٦)، وقتادة (٧)) (٨). وقال (٩) الكلبي (١٠)، ومقاتل (١١): [بمعنى] (١٢) تظهر.

стр. 12814

و ﴿السَّرَائِرُ﴾: أعمال بني آدم من الخير والشر، فرائضه التي أوجبت عليه، وهي سرائر بين الله والعبد، فتختبر تلك يوم القيامة حتى يظهر خيرها من شرها، ومؤديها عن مضيعها، وهذا معنى قول ابن عمر: "يبدي الله يوم القيامة كل سر، فيكون زينًا في الوجوه، وشينًا في الوجوه"، يعني من أداها كان وجهه مشرقًا، ومن ضيعها كان وجهه أغبر (١). وقال أهل المعاني (٢): معنى ﴿تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ تختبر بإظهارها، وإظهارها موجبها، ففي الطاعة الحمد والثواب، وفي المعصية الذم والعقاب، وهذا كقوله: ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ [محمد: ٣١] أي نكشفها ونظهرها، وقد مر (٣). ١٠ - قوله تعالى ﴿فَمَا لَهُ﴾ (٤) (أي لهذا الإنسان المنكر للبعث من قوة يمتنع بها من عذاب الله) (٥). ﴿وَلَا نَاصِرٍ﴾. (ينصره من الله) (٦). ومعنى نفي القوة والناصر هو العامل في قوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ﴾ على

стр. 12815

قول من لا يجعل الرجع بمعنى البعث في قوله: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ﴾ [الطارق: ٨] (١). ١١ - ثم ذكر قسمًا آخر فقال: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ قال أبو عبيدة: الرجع في كلام العرب: الماء، وأنشد للهذلي يصف السَّيف: أبْيَضُ كالرّجْع رَسُوبٌ إذا ما ... ثاخَ في مُحْتَفَلٍ يختلي (٢) (٣) قال الفراء: تبتدئ بالمطر، ثم ترجع به في كل عام (٤). وقال أبو إسحق: الرجع: المطر؛ لأنه يجيء ويرجع ويتكرر (٥) (٦). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يبتدي بالمطر، ثم يرجع به في كل عام (٧).

стр. 12816

وهو قول مقاتل (١)، وسعيد (بن جبير (٢)، وعكرمة عن ابن عباس (٣)) (٤)، ومجاهد (٥) قالوا: ذات المطر تمطر، ثم تمطر، ثم ترجع تمطر بعد مطر. وقال أهل المعاني: رجع السماء إعطاء الخير الذي يكون من جهتها حالًا بعد حال على مرور الأزمان، ترجعه رجعة، أي تعطيه مرة بعد مرة (٦). وقال ابن زيد: هو أنها ترد وترجع شمسها وقمرها بعد مغيبهما (٧)، والقول هو الأول (٨).

стр. 12817

قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ وصدعها إنما يكون عن (١) المطر والماء، ومعنى الصدع (٢) في اللغة: الشق، يقال: صَدَعه إذا شقه فتصدع، ومنه قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ [الروم: ٤٣] أي يتفرقون، والعرب تقول: صَدَعْتُ غنمي صِدْعَتَيْن، كقولك: فرقتها فرقتين، فالصدع مصدر، ثم يقال في الزّجاجة والحائط صَدْع، فيسمى به (٣)، والذي في الآية هو الاسم لا المصدر. قال أبو عبيدة (٤)، والفراء (٥)، والزجاج (٦): تتصدع بالنبات، وهو معنى قول ابن عباس (٧)، والمفسرين قالوا: تنشق عن النبات، والأشجار (٨).

стр. 12818

وقال مجاهد: هي [السدان (١)] بينهما طريق نافذ (٢) يعني -الجبلين بينهما شق. وقال الليث: الصدْع (٣) نبات الأرض؛ لأنه يصدع الأرض، فتتصدع به الأرض، وهذا قول مجاهد في رواية الليث (٤)، قال: ذات النبات (٥) وعلى هذا سمي النبات صدعًا؛ لأنه صادع للأرض. ١٣ - وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ أي إن القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منها (٦). والمفسرون يقولون: جِدٌ حق (٧)، لقوله: ﴿وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾

стр. 12819

قالوا: باللعب (١)، والمعنى أن القرآن نزل للفصل بين الحق والباطل، ولم ينزل باللعب، وهو جد ليس بالهزل. ١٥ - ثم أخبر عن مشركي مكهَ فقال: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا﴾. قال أبو إسحق: إنهم يخاتلون (٢) النبي ﷺ ويظهرون ما هم على خلافه (٣). ١٦ - ﴿وَأَكِيدُ كَيْدًا﴾ قال (٤): كيد الله استدراجهم من حيث لا يعلمون (٥). ١٧ - (قوله تعالى (٦)) ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ﴾ (٧) قال ابن عباس (٨)،

стр. 12820

ومقاتل (١): هو وعيد (٢) من الله تعالى لهم. (قوله تعالى (٣)): ﴿أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾، قالا (٤): يريد قليلًا (٥)، حتى أهلكهم، ففعل ذلك ببدر، ونسخ الإمهال بآية السيف (٦)، ومعنى مهل وأمهل: أنظر ولا تعجل، ويقال: مَهْلًا يا فلان، أي رفقًا وسُكونًا لا

стр. 12821

تَعْجَلْ (١). وأما ﴿رُوَيْدًا﴾ فروى أبو عبيد عن أصحابه أن تكبير ﴿رُوَيْدًا﴾ رُوْد، وأنشد (٢): يمشي ولا تَكْلِمُ البَطحاء مِشيتهُ ... كأنه ثَمِلٌ يمشي على رُودِ (٣) (٤) أي على مُهْلَة ورفق وتؤدة. وذكر أبو على في باب الأسماء التي سمي بها الأفعال: رُويدًا زيدًا، تريد: أرْوِدْ زيدًا، معناه: أمهله، وأرفق به (٥). قال النحويون: رويدًا في كلام العرب على ثلاثة أوجه: يكون اسمًا لفعل الأمر ينصب "بها"، لأنها جعلت بدلًا من اللفظ بالقول، كقولك: رويدًا زيدًا، تريد أرود زيدًا، أي خله ودعه، وارفق به (٦).

стр. 12822

ومن هذا ما ذكره سيبوبه (سماعًا عن العرب: رويد الشعر يَغِبَّ، قال: يريدون: أرُوِدْ الشعر، كما تقول: دَع الشعر، وأنشد (١): رُوَيدًا عَلِيُّا جُدَّ ما ثَدْيُ أمِّهِم (٢) ... إلينا ولكن وُدُّهُم مُتَمايِنُ (٣) (٤) ولا ينصرف "رويد" في هذا الوجه؛ لأنها غير متمكنة. الوجه الثاني: أن تكون بمنزلة سَائر المصادر، فتضاف (٥) إلى ما بعدها كما تضاف المصَادر، تقول: رويد زيد، كما تقول: ضرْب زيدٍ، قال الله : ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ [محمد: ٤]. الوجه الثالث: أن يكون نعتًا منصوبًا كقولك: سَاروا سَيْرًا (٦) رويدًا

стр. 12823

ويقولون "أيضًا" (١): سَاروا رُوَيْدًا. يحذفون المنعوت، ويقيمون "رويدًا" مقامه، كما يفعلون بسائر النعوت المتمكنة. (و) (٢) من ذلك قول العرب: ضَعْهُ رُوَيْدًا، أي وضعًا رُوَيْدًا. وتقول للرجل (٣) يعالج الشيء: رويدًا، إنما تريد أن تقول: علاجًا رُوَيْدًا، ويجوز في هذا الوجه أمران: أحدهما: أن يكون رويدًا حالًا. والثاني: أن يكون نعتًا. (فإن أظهرت المنعوت لم يجز أن يكون للحال) (٤). والذي في الآية (هو) (٥) ما ذكرنا في الوجه الثالث، لأنه يجوز أن يكون نعتًا للمصدر كأنه قيل: إمهالًا رويدًا، ويجوز أن يكون للحال، أي أمهلهم غير مستعجل مستأنيًا بهم (٦). فهذا بعض ما قيل في هذه الكلمة، وشرحها يطول.

стр. 12824

سورة الأعلى

стр. 12825

تفسير سورة الأعلى (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال الفراء: "سبح اسم ربك"، و" [فسبح] باسم ربك (٢)، كل ذلك قد جاء، وهو كلام العرب (٣). هذا كلامه، وكأنة جعلهما (٤) بمعنى واحد، وبينهما فرق؛ لأن معنى "سبح باسم ربك" نزه الله بذكر اسمه المنزه المنبئ (٥) عن تنزيهه وعلوه عما يقول الظالمون. و"سبح اسم ربك" (نزهه من السوء، وقيل: سبحان ربي الأعلى) (٦)،

стр. 12826

وهذا معنى قول المفسرين (١)، وقد روى عن علي (٢)، وابن عباس (٣)، وابن الزبير (٤) (٥) ﵃ أنهم قرؤوا (قوله (٦): ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ﴾ فقالوا: سبحان ربي الأعلى، فإذا قلت: سبح باسم ربك، كان المعنى: سبح (بذكر اسمه، وإذا قلت: سبحان اسم ربك، كان المعنى سبح) (٧) ربك، لأن الاسم هو المسمى. قال صاحب النظم: قد احتج بهذا الفصل من يقول: إن الاسم، والمسمى واحد؛ لأن أحدًا لا يقول: سبحان (اسم) (٨) الله، وسبحان اسم

стр. 12827

ربنا، فمعنى "سبح اسم ربك": سبح ربك، والرب أيضًا اسم، فلو كان غير المسمى لم يجز أن يقع التسبيح عليه (١). ٢ - قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى﴾ قال عطاء: أحسن مَا خلق (٢). وقال الكلبي: خلق كل ذي روح، فجمع خلقه وسواه: اليدين، والعينين، والرجلين (٣). وقال مقاتل: خلق لكل دَابة مَا يصلح لها من الخلق (٤). وقال أبو إسحق: خلق الإنسان مستويًا (٥). وعلى هذا معنى: "سوى"

стр. 12828

عَدّل قامته (١). ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ﴾ وقرئ بالتخفيف (٢)، وهما بمعنى واحد (٣)، وقد ذكرناه (٤) في مواضع (٥). قال عطاء: قدر من النسل مَا أراد (٦). وقال مقاتل: قدر خلق الذكر

стр. 12829

والأنثى من الدواب (١). ﴿فَهَدَى﴾. الذكر، والأنثى كيف يأتيها، وهو قول ابن عباس (٢)، (والكلبي) (٣) (٤). قال عطاء: مثل قوله: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ (٥) يريد الذكر والأنثى (٦). واختاره صاحب النظم، قال: معنى هذا (٧) هداية الذكر لإتيان الأنثى كيف يأتيها؛ لأن إتيان ذكران الحيوان مختلف لاختلاف الصور والخلق، والهيآت، فلولا أنه جعل كل ذكر على معرفته (٨) كيف يأتي أنثى جنسه لما اهتدى لذلك (٩). وذكر مقاتل قولًا آخر فقال: هداه لمعيشته ومرعَاه (١٠). وقال مجاهد:

стр. 12830

هدى الإنسان لسبيل الخير، والشر، والسعادة (١)، والشقاوة (٢). وقال السدي: قدر مُدة الجنين في الرحم، ثم هدى للخروج (٣). وقال الفراء: قدر فهدى وأضل، واكتفى من ذكر الضلال بالهدى (٤) لكثرة ما يكون معه (٥).

стр. 12831

قوله (تعالى) (١): ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ أنبت العشب، وما ترعَاه السوائم. ﴿فَجَعَلَهُ﴾ (٢) بعد الخضرة. ﴿غُثَاءً﴾ هشيما جافًا كالغثاء الذي تراه فوق السيل. قال المبرد: الغثاء: مَا تحطم من يبس البقل يأتي به السيل فيقذفه على جانب الوادي (٣). قال الكلبي: غثاء يبيسًا (٤). وقال مقاتل: يابسًا (٥). وقوله (٦) (تعالي) (٧): ﴿أَحْوَى﴾. فيه وجهان أحدهما: أنه من نعت الغثاء، والمعنى فجعله يابسًا أسود بعد الخضرة. قال عطاء: يريد بعد الخضرة والحسن صَار متغيرًا إلى السواد (٨). وقال الكلبي: حال عليه الحول فاسودّ (٩). وقال مقاتل: يعني باليًا بعد الخضرة (١٠). هذا مذهب المفسرين (١١)، وذلك أن الرطب إذا جف يبس

стр. 12832

واسودّ كما قال (١): ربع الخمائل في الدرين الأسود (٢) وذكر أبو عبيدة (٣)، والفراء (٤)، (والمبرد (٥)، والزجاج) (٦) (٧)، وأبو علي (٨) وجهًا آخر، وهو أن ﴿أَحْوَى﴾ في موضع نصب حال من المرعى، المعنى: الذي أخرج المرعى أحوى، أي أخضر يضرب إلى الحوَّهَ ﴿فَجَعَلَهُ غُثَاءً﴾، وأحوى على هذا صفة للمرعى، والمعنى أسودّ من الري لشدة الخضرة كقوله: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤]، وقد مر (٩). والحوّة:

стр. 12833

السواد، قال ذو الرمة: لَمياءُ في شَفَتَيْها حُوَّةٌ لَعَسٌ ... وفي اللثَّاتِ (١) وفي أنيابِها شَنَبُ (٢) (قوله تعالى) (٣):

стр. 12834

﴿سَنُقْرِئُكَ﴾ (١) أي سنجعلك قارئًا بأن نلهمك القراءة. ﴿فَلَا تَنْسَى﴾ ما تقرأه. والمعنى: نجعلك قارئًا للقرآن تقرأه فلا تنساه. قال أبو إسحق: أعلم الله أنه سيجعل للنبي ﷺ آية يتبين له بها الفَضْيلة (٢)، وهي أن ينزل عليه جبريل حتى يقريه، فيقرأ، ولا ينسى شيئًا من ذلك، وهو أمي لا يكتب كتابًا ولا يقرؤه (٣)، وهذا معنى قول قتادة (٤). وقال مجاهد (٥)، ومقاتل (٦)، (والكلبي) (٧) (٨) كان النبي ﷺ إذا نزل عليه القرآن أكثر تحريك لسَانه، مخافة أن ينسى، وكان لا يفرغ جبريل من

стр. 12835

آخر الوحي حتى يتكلم (١) هو بأوله مخافة النسيان، فقال الله تعالى: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ أي سنعلمك فتحفظه، وهذا كقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى (٢) إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١٦]، وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ (٣) [القيامة:١٦]. قوله (تعالى) (٤): ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ (٥). قال عطاء عن ابن عباس: إلا مَا شاء الله أن ينسيَك (٦). ونحوه قال مقاتل: إلا مَا شاء الله أن تنسى منه (٧). وعلى هذا معنى الاستثناء يعود إلى مَا ينسيه الله بنسخه من رفع حكمه (٨) وتلاوته، كما قال ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦]، والإنساء (٩) نوع من النسخ، (وهذا معنى قول الحسن (١٠)، وقتادة) (١١) (١٢).

стр. 12836

وقال الكلبي - ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ استثناء منه، وله الاستثناء في كل شيء، ولم ينس بعد نزول هذه الآية شيئا (١) واختاره الفراء، فقال: لم يشأ أن ينسى شيئًا (٢) وهو كقوله ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ (٣) ولا يشاء، وأنت قائل في الكلام لأعطينك كل مَا سَألت إلا مَا شئت، وإلا أن أشاء أن أمنعك، والنية أن لا تمنعه، وعلى هذا مجاري الأيمان يستثنى فيها ونية الحالف (٤) قال أبو إسحق: إلا مَا شاء الله، ثم يَذْكُره بعد (٥). يعني أنه قد ينسى مَا شاء الله، ثم يَذْكُر بعد ما قد نسيه، ولا ينسى نسيانًا كليًا. وقوله (٦) (تعالى) (٧): ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ﴾ أي من القول، والفعل (٨). ﴿وَمَا يَخْفَى﴾ منهما. والمعنى يعلم العلانية، والسر. وهذا يتصل بما قبله على معنى يعلم ما تجهر به يا محمد مما تقرؤه على جبريل، ويعلم ما تخفيه في نفسك من القراءة مخافة النسيان (٩).

стр. 12837

وكثير من المفسرين (١) قالوا: هذا ابتداء كلام آخر معترض بين قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ وقوله (٢) (تعالى) (٣): ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ قال عطاء: نيسرك يا محمد في جميع أمورك لليسرى (٤). وقال مقاتل: نهون عليك عمل الجنة (٥)، وهو معنى قول ابن عباس: نيسرك لأن تعمل خيرًا، واليسرى عمل الخير (٦). وروي عن ابن مسعود أنه قال: اليسرى الجنة (٧)، والمعنى على هذا: نيسرك للعمل المؤدي إليها. وذُكر قولان آخران: أحدهما: نهون عليك الوحي، وتحفظه، وتعمله (٨)، وتعمل به (٩). والآخر: نوفقك للشريعة اليسرى هى الحنيفة

стр. 12838

السمحة (١). ٩ - (قوله تعالى) (٢): ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ أي: عظ يا محمد أهل مكة بالقرآن إن نفعت الموعظة والتذكير. قال صاحب النظم: وهذا الشرط غير معزوم عليه، ولا محتوم؛ لأن التذكير قد كان في بعض الأوقات غير نافع، والأمر به واقع في كل وقت؛ نفع أو لم ينفع، قال: وهذا كقوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، فقوله: "إن ظنا" شرطًا لإطلاق المراجعة، ولو كان محتومًا (٣) لما جاز أن تراجع حتى يظن أن يقيم حدود الله (٤). هذا كلامه. ومعنى الشرط -هاهنا-: إن الله تعالى علم أن التذكير نافع في بعض الأوقات، وهو تذكير من يتذكر ويتعظ، وعلم أنه لا ينفع المستكبر المصرّ، فنصّ على ذكر إحدى الحالتين، وهو مضمنة بالحالة الثانية، على معنى: إن نفعت الذكرى أو لم تنفع، لأن النبي ﷺ بُعث مبلغًا للإعذار (٥) والإنذار، فعليه التذكير في كل حَال؛ نفع أو لم ينفع، ولم تذكر الحَالة

стр. 12839

الثانية كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ (١). (وله نظائر كثيرة في التنزيل (٢)) (٣)، وكلام العرب (٤)، وقد نبه الله -تعالى- على تفصيل الحالتين- ١٠ - قوله (٥): ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ سيتعظ بالقرآن من يخشى الله. قال عطاء: يريد (٦) عثمان (٧) بن عفان. وقال الفراء: أنزلت في ابن أم مكتوم (٨).

стр. 12840

﴿وَيَتَجَنَّبُهَا﴾ (١) يعني: ويتجنب الذكرى، قاله الفراء (٢)، والزجاج (٣) (٤). (قوله تعالى) (٥): ﴿الأشقى﴾ يعني: ﴿الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى﴾ قال عطاء: يريد العظيمة، الفظيعة (٦) (٧). قال: مقاتل: لأنها أعظم وأشد حرًا من نار الدنيا (٨). وقال الكلبي: هي النار السفلى (٩). يعني أن نار تلك الطبقة التي هي الدرك الأسفل أعظم وأشد حرًا. ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا﴾ (١٠) فيستريح. ﴿وَلَا يَحْيَى﴾ حياة تنفعه. قال مقاتل: قال: ونزلت هذه الآيات في: الوليد، وعتبة، وأمية (١١). (قوله تعالى) (١٢): ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد

стр. 12841

عثمان بن عفان (١). ومعنى (﴿تَزَكَّى﴾ (٢). قال: لا إله إلا الله (٣). ﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ﴾ (٤) قال: ذكر معاده، وموقفه بين يدي الله فصلى (٥). والمعنى على هذا: قد أفلح من تطهير من الشرك، وذكر ربه بالخوف والخشية، فعبده وصلى (له) (٦)، يعني (٧): الصلوات الخمس (٨)، (ونحو هذا روى جابرًا مرفوعًا) (٩) (١٠).

стр. 12842

وقال الحسن: أفلح من كان عمله زاكيًا (١)، وعمل صالحًا (٢)، وهو قول قتادة (٣)، قال أبو إسحاق: معنى تزكى تكثر بتقوى الله، ومعنى الزاكي: النامي (٤) الكثير (٥). وجماعة (من) (٦) المفسرين يحملون (٧) الآيتين على زكاة (٨) الفطر، وصلاة العيد.

стр. 12843

قال الكلبي: أفلح (١) من تزكى قبل مروره إلى العيد، وصلى مع الإمام (٢). وهو قول (عكرمة (٣)، وأبى العالية (٤)، وابن سيرين (٥)، وابن) (٦) (عمر (٧)) (٨)، وروي ذلك مرفوعًا إلى النبي ﷺ قال: "قد أفلح من تزكى": أخرج زكاة (٩) الفطر، "وخرج إلى المصلى فصلى" (١٠).

стр. 12844

قال أستاذنا أبو إسحاق الثعلبي ﵀ (١): ولا أدري ما وجه هذا التأويل، لأن هذه السورة مكية بالإجماع، ولم يكن بمكة عيد ولا زكاة، ولا فطر. والله أعلم (٢). قلت: يجوز أن يكون الله أنزل إلينا (٣) على من فعل ذلك إذ أنزله، وأمر به، وكان في معلومه أن ذلك سيكون، فأثنى (٤) على من فعل ذلك، وأثنى (٥) على من ائتمر به، وأطاعه فيما يأمر به (٦) من زكاة الفطر، وصلاة العيد، إذ أنزل الأمر بهما. وقال مقاتل: قد أفلح من تصدق (الفطر) (٧) من ماله، وذكر ربه

стр. 12845

بالتوحيد في الصلاة، فصلى له (١). وهذا يجوز أن يحمل على الزكاة (٢) والصلاة المفروضتين، وأن يحمل على التطوع بهما. قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ (٣) الدُّنْيَا﴾ (قراءة العامة بـ"التاء" (٤) لما روي في حرف أبي: "بل أنتم تؤثرون" (٥). قال الكلبي: تؤثرون عمل الدنيا على عمل الآخرة (٦). وقال ابن مسعود: دار الدنيا أحضرت، وعجل لنا طعامها وشرابها، ونساؤها، ولذتها، وبهجتها، وأن الآخرة نعتت لنا، وزويت عنا، فأخذنا بالعاجل، وتركنا الآجل (٧). وقرأ أبو عمرو: ﴿يُؤْثِرُونَ﴾ بـ"الياء"، وقال: يعني: الأشْقَيْن (٨)

стр. 12846

الذين ذكروا في قوله: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى﴾ ثم رغب في الآخرة فقال: ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي والدار الآخرة يعني: الجنة. ﴿خَيْرٌ﴾ أفضل. ﴿وَأَبْقَى﴾ أدوم من الدنيا. قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ يعني ما ذكر من عند ﴿قَدْ أَفْلَحَ﴾ أربع آيات. ﴿لَفِى﴾ الكتب الأولى التي قد أنزلت قبل القرآن، ذكر فيها فلاح المتزكي، والمصلي، وإيثار الخلق الآخرة على الدنيا، وأن الآخرة خير، وهذا قول (الكلبي (١)) (٢)، ومقاتل (٣)، (والفراء (٤)) (٥)، والزجاج (٦)، (وابن قتيبة) (٧) قال: ولم يُرد الألفاظ بعينها، وإنما أراد أن الفلاح لِمَن تزكى، وذكر الله فصلى في الصحف الأولى، كما هو في القرآن (٨). (وروى معمر عن قتادة قال: يعني هذه السورة (٩)) (١٠)، وقال ابن

стр. 12847

زيد: يعني قوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ (١) (٢)، فرد الإشارة في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا﴾ إلى الأقرب إليه. (ونحو ذلك) (٣) روي (٤) عن قتادة أنه (٥) قال: تتابعت كتب الله كما تسمعون أن الآخرة خير وأبقى (٦). ثم بين أن الصحف الأولى مَا هي، فقال: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ قال (عطاء عن) (٧) ابن عباس: يريد كتبًا أنزلت على إبراهيم، وكان نزل على موسى صحف قبل التوراة كما قال : ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦) وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ (٨) [النجم: ٣٦] ويجوز أن يعني بصحف موسى التوراة. (تمت) (٩)

стр. 12848

سورة الغاشية

стр. 12849

تفسير سورة الغاشية (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ (٢)، قال عطاء (٣)، ومقاتل (٤): يريد قد أتاك، وهذا كقوله هل ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الدهر: ١]. وقال (٥) (الكلبي عن) (٦) ابن عباس: لم يكن أتاه قبل ذلك (٧).

стр. 12850

وقوله (١) (تعالى) (٢): ﴿حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ قال عطاء: خبر القيامة (٣)، وهو قول الحسن (٤)، وقتادة (٥). وقال الكلبي: يعني النار (٦)، (وهو قول سعيد بن جبير (٧)، ومقاتل (٨)، وذلك أنها) (٩) تغشى وجوه الكفار، كما قال : ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: ١٤]. قال (١٠) المبرد: الغاشية ما يغشى الناس من أمر الآخرة (١١). ومن قال: هي القيامة، أراد أنها تغشى الناس بأهوالها وشدائدها. ويدل على هذا القول:
следующие страницы →