← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12881–12920 · переход к 12886.

стр. 12881

يُسَوُّونها (١) في الكسر، ويقال في الوتر الذي هو الفرد: أوترت فلانًا، أوتر إيتارًا، أي جعلته وِتْرًا (٢). ومنه الحديث الذي: (إذا استجمرت فأوتر) (٣). قال ابن السكيت: كان القوم وترًا فشفعتهم، وكانوا شفعًا فوترتهم (٤). ويقال في الرجل: وَتَرْتُه فأنا أتره وِتْرًا، وَتِرةً، إذا قتلت (٥)

стр. 12882

له قتيلاً، وأخذت ماله (١)، ومنه الحديث: (فكأنما وُتِر أهله وماله) (٢). قال أبو بكر بن (٣) السراج (٤) قولهم (٥): وترته في الرجل؛ إنما هو أفردته من أهله وماله (٦): وعلى هذا أصل المعنيين من الأفراد. وأما التفسير: فجمهور المفسرين على أن الشفع يوم النحر، والوتر يوم عرفة، وهو قول عكرمة (٧)، (والضحاك (٨)، ورواية زُرارة بن أوفى (٩)) (١٠)

стр. 12883

عن ابن عباس (١)، وجابر بن عبد الله (٢) عن النبي ﷺ قالوا: الوتر يوم عرفة، والشفع يوم النحر (٣). واختاره الفراء (٤)، والزجاج (٥). وروى (مجاهد) (٦) عن ابن عباس قال: الوتر: آدم شفع بزوجته (٧)، وقال في رواية عطاء: الشفع: آدم، وحواء، والوتر هو: الله وحده لا شريك له (٨)، (وهذا قول مقاتل (٩)) (١٠).

стр. 12884

وقال في رواية الكلبي: الشفع: يوم النحر، والوتر: ثلاثة أيام بعده (١). وقال ابن الزبير: الشفع: يومان بعد يوم النحر، والوتر: اليوم الثالث، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] (٢). وقال قتادة: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع، ومنها الوتر (٣) (٤)، (وهو قول عمران بن حصين (٥)، ورواه مرفوعًا أيضًا عن النبي ﷺ سئل عن الشفع والوتر قال: الصلاة منها شفع، ومنها الوتر) (٦) (٧).

стр. 12885

وقال عطية العوفي: الشفع: الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [عم: ٨] والوتر هو الله (١)، وهذا قول الحكم (٢) (٣) قال: كل

стр. 12886

شيء شفع، والله وتر (١)، وأبي صالح قال: خلق الله من كل شيء زوجين اثنين، والله وتر واحد (٢). وقول مجاهد (٣)، ومسروق (٤)، ورواية أبى سعيد الخدري عن النبي ﷺ (٥). وقال الحسن: الشفع والوتر العدد كله، منه شفع، ومنه وتر (٦). وقال ابن زيد: الشفع والوتر الخلق كله، منه شفع، ومنه وتر (٧). وقال مقاتل بن حيان: الشفع: الأيام والليالي، والوتر: اليوم الذي لا ليلة بعده (٨).

стр. 12887

فهذه عشرة أقوال (من أقوال) (١) المفسرين (٢) في الشفع والوتر (٣). ٤ - قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ﴾، أي إذا يمضي (٤) فيذهب، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ﴾ [المدثر: ٣٣]، أقسم الله (تعالى) (٥) بالليل يمضي حتى ينقضي بالضياء المبتدئ، أي: بالنهار، وفيه دليل على سيره على المقادير المرتبة، ثم جاء بالضياء عند تقضيه، والمراد به عند كل ليلة، وهذا قول الأكثرين (٦)؛ غير أن مقاتلًا (٧)، والكلبي (٨)، ومجاهدًا (٩)، وعكرمة (١٠)

стр. 12888

قالوا: هي ليلة المزدلفة؛ ليلة جمع. وقال قتادة: إذا يسري (أي إذا جاء وأقبل) (١) (٢). (قال) (٣) (الزجاج) (٤): (وقرئت إذا يسري) (٥) بإثبات (الياء، وحذفها) (٦) أحب إلي؛ لأنها فاصلة، والفواصل تحذف منها الياءات، وتدل عليها الكسرات (٧). قال الفراء: (والعرب قد تحذف الياء، وتكتفي (بكسر) (٨) مَا قبلها، وأنشد:

стр. 12889

كفَّاكَ كَفٌ ما تُليقُ دِرْهَمًا .. جودًا (١) وأُخْرى تُعْطِ بالسَّيْفِ الدِّمَا (٢)) (وهذا في غير الفاصلة، وإذا كان في الفاصلة فهو أولى، فإن قيل: كيف كان الاختيار أن تحذف إذا كان في فاصلة أو قافية، والحرف من نفس الكلمة، فوجب أن يثبت كما يثبت في سائر الحروف، ولم تحذف؟!. قال أبو علي: فالقول في ذلك أن الفواصل، والقوافي في مواضع وقف، والوقف موضع تعيين (٣)، فلما كان الوقف تُغيّر فيه الحروف الصحيحة بالتضعيف، والإسكان، ورَوْم (٤) الحركة فيها، غيرت فيه هذه الحروف المشابهة للزيادة بالحذف) (٥). وأما من أثبت الياء في يسري في الوصل والوقف (٦)، فإنه يقول:

стр. 12890

(الفعل لا يحذف منه في الوقف كما يحذف في الأسماء، نحو: قاضٍ، وغازٍ تقول: هو يقضي، وأنا أقضي، فتثبت الياء، ولا تحذف) (١). قوله: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ﴾ (٢) أي فيما ذكر. ﴿قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ أي لذي عقل، وحجى (٣)، ونُهى (٤)، من الناس في أمر الله، وهذا قول المفسرين (٥)، وأهل اللغة (٦)، وأنشد (أبو عبيدة) (٧) لذي الرمة:

стр. 12891

وأخفيت مَا بي من رفيقي فإنه ... لذو حسب عالي رفيع وذو حِجرِ (١) (٢) قال الفراء: والعرب تقول: إنه لذو حجر إذا كان قاهرًا لنفسه، ضابطًا لها، كأنه أُخذ من قولهم: حجرت على الرجل (٣). وعلى هذا سمي العقل حَجَرًا؛ لأنه يمنع من القبيح، من الحَجْر، وهو المنع من الشيء بالتضييق فيه (٤). ومعنى "هل" هَاهنا التأكيد (٥)، كما قال ابن عباس: يريد: إن في ذلك قسمًا لذي لب وعقل (٦). والمعنى: إن من كان ذا لب عَلِم أن ما أقسم الله (به) (٧) من هذه الأشياء فيه عجائب ودلائل على صنع الله وقدرته وتوحيده، فهو حقيق بأن يقسم به لدلالته على خالقه ومدبره بالحكمة، وجواب القسم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ [الفجر: ١٤].

стр. 12892

واعترض بين القسم وجوابه قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ﴾ يخوف أهل مكة. قال مقاتل: يعني كيف أهلكهم، وهم كانوا أطول، وأشد قوة من أهل مكة (١). ثم قال: ﴿إِرَمَ﴾ قال ابن إسحاق: هو جد عَاد، وهو عَاد بن عوص بن إرم بن سام بن (٢) نوح (٣). وقال قتادة: هم قبيلة من عَاد (٤)، (وهو قول مقاتل، قال: إرم قبيلة من قوم عَاد كان فيهم الملك، وهم من مهرة (٥) (٦)) (٧).

стр. 12893

وقال الكلبي: إرم هو الذي يجتمع إليه نسب عَاد وثمود (١). وقال أبو عبيدة: هما عَادان: فالأولى هي إرم (٢)، وهي التي قال الله (٣): ﴿أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]. قال ابن الرقيات: مَجْدًا تَلِيدًا بَنَاهُ أوَّلُهُ ... أدْرَكَ عَادًا وقَبْلَهَا إرَمَا (٤) قال أبو إسحاق: إرم لم تنصرف؛ لأنها جعلت اسمًا للقبيلة، ولذلك فتحت وهي في موضع خفض، قال: ويقال: إرم: اسم لبلدتهم التي كانوا فيها (٥). قوله: ﴿ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم كانوا أهل عُمُدٍ سَيَّارة في الربيع، فإذا هاج العود رجعوا (٦) إلى منازلهم. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٧)، (والكلبي (٨)، وقتادة (٩)،

стр. 12894

ومقاتل (١)) (٢)، ومجاهد (٣)، واختيار الفراء، قال: كانوا أهل عَمَد ينتقلون (٤) إلى الكلأ حيث ما كانوا (٥). قال الليث: يقال لأصحاب الأخبية (٦) الذين لا ينزلون غيرها: هم أهل عَمُود، وأهل عماد، والجمع منهما: العُمُد (٧). القول الثاني: قال مقاتل: ذات العماد يعني طولهم اثنا (٨) عشر ذراعًا (٩) (١٠)، وهو قول أبى عبيدة (١١)، (والمبرد (١٢)) (١٣)،

стр. 12895

والزجاج (١) قالوا: رجل طويل العماد، أي القامة، ورجل معمد إذا كان طويلًا. قال أبو إسحاق: وقيل: "ذات العماد": ذات البناء الطويل الرفيع (٢). ثم وصفهم فقال: ٨ - (قوله) (٣): ﴿الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ﴾، قال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): لم يخلق مثل تلك القبيلة في الطول، والقوة. وهم الذين قالوا: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. قال عطاء: كان الرجل منهم طوله خمس مائة ذراع، والقصير (منهم) (٦) ثلاث مائة ذراع بذراع نفسه (٧). (قوله تعالى) (٨): ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ﴾ أي نقبوها وقطعوها.

стр. 12896

وقال الليث: الْجَوْبُ: قطعك الشيء كما يُجاب، جاب يجوب جوبًا (١)، وزاد الفراء: يجيب جيبًا، وأنشد (٢): باتت تجيب أَدْعَجَ الظلامِ ... جَيْبَ البَيَطْر مِدْرَعَ الهُمامِ (٣) (٤) قال ابن عباس: كانوا يجوبون الجبال، فيجعلون منها بيوتاً، وأحواضًا، وما أرادوا من الأبينة (٥)، كما قال الله : ﴿وَتَنْحِتُونَ (مِنَ) (٦) الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾ [الشعراء: ١٤٩] وقال الفراء: خرقوا الصخر فاتخذوه بيوتًا (٧) وقوله: ﴿بِالْوَادِ﴾ قال مقاتل: بوادي القُرى (٨) (٩). ١٠ - قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ ذكرنا تفسير أوتاد في سورة:

стр. 12897

ص (١). ﴿الَّذِينَ﴾ يعني: عَاد (٢)، وثمود، وفرعون (٣). ﴿طَغَوْا فِي الْبِلَادِ﴾ عملوا فيها بالمعَاصي، وتجبروا على أنبياء الله والمؤمنين. وقد فسر طغيانهم بقوله: ﴿فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ قال الكلبي: يعني: القتل، والمعصية لله (٤). قال أبو إسحاق: (المعنى: ألم تر كيف أهلك ربك هذه الأمم التي كذبت رسلها، و (كيف) (٥) جعل عقوبتها أن جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب؟ فقال: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ (٦) قال مجاهد: يعني لما عذبوا (٧).

стр. 12898

وقال (١) عطاء: يريد أصناف العذاب (٢). وقال الكلبي: صب عليهم عذابًا دائمًا (٣). قال (٤) قتادة: يعني لونًا من العذاب (٥). قال الفراء: هذه كلمة تقولها العرب لكل نوع من العذاب تُدخل فيه السوط جرى به الكلام والمثل، ونرى السوط من عذابهم الذي يعذبون به، فجرى لكل عذاب إذ كان فيه عندهم غاية العذاب (٦). وأجاد أبو إسحاق في قوله: جعل سوطه الذي ضربهم به العذاب (٧)، وهذا هو القول. (ويقال سَاط دابته إذا ضربها بالسَّوط يَسُوطُه، ومنه قول الشماخ يصف فرسه: إذا سيط أحضرا) (٨) (٩) ١٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ ذكرنا تفسير المرصَاد عند قوله: ﴿كَانَتْ مِرْصَادًا﴾ [النبأ: ٢١].

стр. 12899

قال عبد الله: والفجر إن ربك لبالمرصاد (١) معنى أن هذا جواب القسم وقال الكلبي: ولهذا كان القسم، يقول عليه طريق العباد (٢). قال عطاء عن ابن عباس: يريد لا يفوته أحد، ولا يلجأ إلى غيره فينصره (٣). وقال الفراء: يقول إليه المصير (٤)، وهذا عام للمؤمنين والكافرين على ما ذكرنا. ومن المفسرين من يجعل هذا خاصًا في الوعيد لأهل الظلم. قال الضحاك: بمرصد لأهل الظلم والمعَاصي (٥). وقال أبو إسحاق: يرصد من كفر به، وعبد [غيره] (٦) بالعذاب (٧). قال أهل المعاني: لبالمرصاد: لا يفوته شيء من أعمال العباد، كما

стр. 12900

لا يفوت من بالمرصاد (١)، وهذا قول الحسن (٢)، وعكرمة (٣): يرصد أعمال بني آدم. ١٥ - قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: يريد عتبة بن ربيعة، وأبا حذيفة بن المغيرة (٤). وقال الكلبي: هو الكافر أبي بن خلف (٥). وقال مقاتل: نزلت في أمية بن خلف (٦). وقوله: ﴿إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ﴾ اختبره بالغنى (٧) واليسر (٨). ﴿فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ﴾ رزقه وأنعم عليه.

стр. 12901

قال أهل المعاني: وليس هذا من الإكرام الذي هو (نقيض الهوان، ولكنه من الإكرام الذي هو) (١) إعطاء الخير، والمال، والحظ من الدنيا، والله تعالى يعطي الكافر الحظ من الدنيا، وليس بمكرم له (٢). وقوله: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ قال مقاتل: فضلني بما أعطاني؛ ظن أن ما أعطاه من الدنيا لكرامته عليه (٣). وهذا معنى قول ابن عباس قال: هذه كرامة من الله لي (٤). ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ﴾ بالفقر. ﴿فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ ضيق الله عليه بأن جعل على مقداره البلغة، قال: هذا هوان من الله لي. وهو قوله: ﴿فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾ (أي أذلني بالفقر، ولم يشكر الله على ما وهب له من السلامة في جوارحه ورزقه من العافية) (٥)، وهذا معنى قول الكلبي: لا يشكره في الفقر كما يشكره في الغنى (٦) (٧). قال أبو إسحاق: وهذا يعني به الكافر الذي لا يؤمن بالبعث، إنما الكرامة عنده والهوان بكثرة الحظ في الدنيا وقلته، وصفة المؤمن أن

стр. 12902

الإكرام عند توفيق الله إياه إلى ما يؤديه إلى الآخرة (١)، ولهذا رد لله على الكافر فقال: (كلا) (٢) (أي ليس الأمر كما يظن) (٣) قال مقاتل: يقول الله: (كلا) لم أبتله بالغنى لكرامته علي، ولم أبتله لهوانه (٤)، أي لم يعلم هذا الإنسان أن الغنى والفقر من قضاء الله؛ ليس من الكرامة، ولا الهوان، فقوله: (كلا) رد لتوهم من ظن أن سعة الرزق إكرام الله، وأن الفقر إهانة، فإن الله يوسع على الكافر لا لكرامته عليه، ويقتر على المؤمن لا لهوانه (٥)، (وهذا معنى قول ابن عباس (٦)، وقتادة (٧)) (٨). قال الفراء: معنى (كلا) لم يكن ينبغي أن يكون هكذا، ولكن يحمده على الغنى والفقر (٩). ثم أخبر عن الكفار فقال: (قوله) (١٠): ﴿بَلْ لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيم﴾. (قرأ أبو عمرو ﴿يكرمون﴾ ومَا بعدها (١١) بالياء (١٢)، وذلك أنه لما

стр. 12903

تقدم ذكر الإنسان، وكان يراد به الجنس، والكثرة، وهو على لفظ الغيبة حمل ﴿يكرمون﴾ و ﴿يحبون﴾، و ﴿يأكلون﴾ عليه، ولا يمتنع في هذه الأسماء الدالة على الكثرة (١) أن تحمل مرة على اللفظ، وأخرى على المعنى، كقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ﴾ (٢) [الأعراف: ٤]. ومن قرأ بالتاء (٣) (فعلى: قل لهم ذلك) (٤) قال مقاتل: كان قُدَامَة بن مظعون (٥) يتيمًا في حجر أمية بن خلف، وكان يدفعه عن حقه (٦).

стр. 12904

قال الكلبي: لا يعرفون صلة اليتيم (١). وهذا يحتمل معنيين: أحدهما (٢): أنهم لا يبرونه، ولا يعطونه، ولا يحسنون إليه. والثاني: أنهم لا يعطونه الميراث على ما جرت به عادتهم من حرمان اليتيم ما كان من الميراث، ويدل على هذا المعنى قوله: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾، ويدل على المعنى الأول: قوله: ١٨ - ﴿وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ قال مقاتل: ولا يطعمون مسكينًا (٣). والمعنى: لا يأمرون بإطعامه كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الحاقة: ٣٣ - ٣٤]. ومن قرأ: "يحاضون" أراد تتحاضون، فحذف تاء تتفاعلون، والمعنى لا يحض بعضكم بعضًا. ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ﴾ قال أبو إسحاق: التراث أصله الوُراث (٤)، ولكن التاء تبدل من الواو إذا كانت مضمومة، نحو تُجاه، أصله وُجَاه من واجهت (٥).

стр. 12905

وقوله: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾ قال أبو عبيدة: تقول: لممته أجْمع (١)، أتيت على (٢) آخره (٣). وقال الليث: اللمَّ: الجمع الشديد، تقول: كتيبة ملْموُمة (٤)، وحجر مَلْمُوم، والآكل يَلُم الثريد (٥) فيجمعه لقمًا، ثم يأكله "أكلًا لمًا" أي شديدًا (٦). (ويقال: لممت ما على الخوان (٧) ألمه لمًا، إذا أكلته أجمع) (٨). فمعنى اللمّ في اللغة: الجمع (٩). والمفسرون (١٠)، وأهل المعاني (١١) يقولون في قوله: ﴿أَكْلًا لَمًّا﴾

стр. 12906

أي شديدًا. (وهو معنى، وليس بتفسير، وتفسيره أن اللمّ مَصدر جعل نعتًا للأكل، والمراد به الفاعل، أي آكلًا لامًا، أي جامعًا، كأنهم يستوعبونه بالأكل) (١). قال أبو إسحاق: كانوا يأكلون أموال اليتامى إسرافًا (٢) وبدارًا، فقال الله تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا﴾ أي تراث اليتامى أن تلمون جميعه (٣). وهذا معنى قول الحسن: يأكل نصيبه، ونصيب صاحبه (٤). قال ابن زيد: وذلك أنهم كانوا لا يورثون النساء، ولا الصبيان (٥). قوله: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾. (الجم: الكثير، يقال: جَمَّ الشيء يَجُمُّ جُمومًا، يقال ذلك في الماء وغيره، فهو شيء جم، وجام، قال أبو عمرو: يَجِمُّ وَيجُمُّ أي يكثر) (٦). قال أبو عبيدة (٧)، والفراء (٨)، والكسائي (٩)،

стр. 12907

(والزجاج (١)) (٢) وأهل التفسير (٣): "حبًا جمًا": كثيرًا شديدًا. قال عطاء: يحبون جمع المال (٤). والمعنى: إنهم يُولعون بجمع المال، فلا ينفقونه في خير، كما ذكر من صفتهم في قوله: ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ (١٧) وَلَا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الفجر: ١٧ - ١٨]. قال الله تعالى: ﴿كَلَّا﴾ (٥) وهو تنبيه وزجر لهم عما هم عليه. وقال مقاتل: أي لا يفعلون مَا أُمروا في اليتيم، والمسكين (٦). ثم خوفهم مستأنفًا بقوله: قوله (٧): ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا﴾. ذكرنا معنى الدك عند قوله: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾ (٨).

стр. 12908

قال مقاتل: يعني كسر كل شيء عليها من جبل، أو بناء، أو شجر زلزلت فلم يبق على ظهرها شيء (١). قال أبو إسحاق: إذا زلزلت فَدَكَّ بعضُها بَعْضًا (٢). قال ابن قتيبة: دُقَّت جبالها، وأنشازها (٣) حتى استوت (٤). وقال المبرد: (دكت) معناه ألصقت، وذهب ارتفاعها من قولهم: ناقة دكاء للاصقة السنام (٥). وقال صاحب النظم: معنى التكرير في قوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ أنه دفعات على تأويل دكت الأرض دكًا بعد دك، ولو كان غير مكرر لاشتبه أن يكون دفعة واحدة (٦). و (قد) (٧) قال الكلبي: دكًا دكًا زلزلة بعد زلزله (٨). وقال أهل المعاني: الدك: حط (٩) المرتفع بالبسط، [و] (١٠) اندك

стр. 12909

سنام البعير إذا انفرش في ظهره، وناقة دكاء إذا كانت كذلك، ومنه الدكان لاستوائه في الفرش، وكذلك الأرض إذا دكت استوت في الانفراش، فذهبت دورها، وقصورها، وسائر أبنيتها حتى تصير كالصخرة الملساء (١) (٢). وهذا معنى قول ابن عباس: تمد الأرض يوم القيامة مد الأديم (٣). وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ معنى هذا (٤) كمعنى قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠] وقد مر (٥).

стр. 12910

على أن الحسن قد قال في هذه الآية: جاء أمر ربك وقضاء ربك (١)، فيكون هذا من باب حذف المضاف، ونحو هذا روي عن الكلبي: وجاء أمر ربك. وذكر أهل المعاني في هذا قولين: أحدهما: أن المعنى وجاء جلائل آياته، لأن هذا يكون يوم القيامة، وفي ذلك اليوم تظهر العظائم، وجلائل الآيات، فجعل مجيئها مجيئًا له تفخيمًا لشأنها. الثاني: أن المعنى: وجاء ظهوره بضرورة المعرفة، وضرورة المعرفة التي تقوم مقام ظهوره ورؤيته، ولما صارت المعارف في ذلك اليوم بالله تعالى ضرورة، صار ذلك كظهوره، وتجليه (٢) للخلق، فقيل: وجاء ربك، أي زالت الشبهة، وارتفعت الشكوك كما ترتفع (عند) (٣) مجيء الشيء الذي كان يشك فيه (٤).

стр. 12911

وهذه أوجه في هذه الآية صحيحة (١).

стр. 12912

وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ قال عطاء: يريد صفوف الملائكة (١). وقال الضحاك: إن الله تعالى يأمر السماء يوم القيامة فتنشق عمن فيها من الملائكة، فينزلون، فيحيطون بمن في الأرض، ثم يأمر السماء الثانية، حتى ذكر السَابعة، فيكون سبع صفوف بعضها خلف بعض (٢)، ونحو هذا قال مقاتل: وكل أهل سماء صف على حدة (٣)، فمن ثم قال: ﴿صَفًّا صَفًّا﴾، والمعنى: صفًا بعد صف -كما ذكرنا في قوله: ﴿دَكًّا دَكًّا﴾ (٤). وقوله: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.

стр. 12913

قال جماعة المفسرين: جيء بها يوم القيامة مزمومة بسبعين ألف زمام، كل زمَام مع سبعين ألف ملك يجرونها، حتى تنتصب [يسار] (١) العرش (٢). ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يعني: يوم يجاء (٣) بها. ﴿يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ﴾ يتعظ ويتوب له الكافر. ﴿وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى﴾ قال أبو إسحاق: يُظْهِر التربة، ومن (٤) أين له التوبة (٥)؟ وهذا كقوله: ﴿أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ﴾ [الدخان: ١٣]، وتفسير الذكرى قد سبق في مواضع (٦). ثم فسر ذكراه بقوله: ﴿يَقُولُ﴾ (٧) يعني الإنسان. ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ أي: قدمت الخير والعمل الصَالح، فحذف للعلم به.

стр. 12914

وقوله: ﴿لِحَيَاتِي﴾ قال ابن عباس (١)، (ومقاتل (٢)) (٣)، والمفسرون (٤): لآخرتى التي لا مَوت فيها، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ﴾ (٥). قال الحسن: عَلم والله أنه صادق هناك حياة طويلة لا موت فيها (٦). قال الله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (٢٥) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ﴾ قراءة العَامة: "يُعذِب"، و"يُوثِقُ" بكسر العين فيهما (٧). قال مقاتل: فيومئذ لا يعذب عذاب الله أحد من الخلق، ولا يوثق وثاق الله أحد من الخلق (٨).

стр. 12915

قال أبو عبيد: قد علم المسلمون أنه ليس يوم القيامة معذب سوى الله، (فكيف يكون) (١) لا يعذب أحد مثل عذابه (٢)؟. فزيف (٣) أبو عبيد هذا القول كما ترى (٤). وقال أبو إسحاق: المعنى لا يتولى يوم القيامة عذاب الله أحد، أي الأمر يومئذ أمره، ولا أمر لغيره (٥). وقال الحسن: لا يعذب عذابه في السماء أحد، ولا يوثق وثاقه في الدنيا أحد (٦)، وتقدير هذا القول: لا يعذب أحد في الدنيا عذاب الله الكافر يومئذ، ولا يوثق أحد في الدنيا وثاق الله الكَافر يومئذ، والمعنى: مثل عذابه ووثاقه في الشدة والمبالغة. وذكر الفراء (٧)، والزجاج (٨) هذا القول، (وقرأ الكسائي: "لا

стр. 12916

يُعَذب"، و"لا يُوثَق" بفتح العين فيهما (١). واختاره أبو عبيد (٢) لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عمن سمع النبي ﷺ قرأهما (٣) بالفتح (٤). والعذاب في القراءتين بمعنى التعذيب، كما قلنا في السراح (٥)، والأداء، وكما قال (٦): وبعد عطائك المائة الرتاعَا (٧) (٨) فجعله موضع الإعطاء، والوثاق أيضًا في موضع الإيثاق، كالعذاب في موضع التعذيب، وهما مضافان إلى الفاعل في قراءة العامة، وهو الله

стр. 12917

تعالى. وفي قراءة الكسائي مضاف إلى المفعول به مثل: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. والمعنى: لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر، وهذا الصنف من الكفار. ومن قال المراد بالإنسان كافر بعينه (١)، فهو ظاهر يقول: لا يعذب يومئذ أحد تعذيبه، ولا يوثق أحد إيثاقه) (٢)، وهذا قول الفراء (٣)، والزجاج (٤). وقال أبو عبيد: تفسير هذه القراءة: لا يعذَبُ عذاب الكَافر أحد (٥). فهذه ثلاثة أقوال: أحدهَا: لا يعذب أحد عذاب ذلك الصنف من الكفار، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (٦) (الآيات) (٧).

стр. 12918

والثاني: لا يعذب أحد عذاب كافر بعينه، وهو أمية بن خلف (١)، أو غيره (٢) من [الكفار] (٣) على ما قد بينَّا. الثالث: لا يعذب أحد من الناس عذاب الكَافر. وهذا أولى الأقوال. وذكر أبو علي الفارسي قولًا آخر في قراءة العَامة، قال: المعنى فيؤمئذ لا يعذب أحدٌ، أحدًا، تعذيبًا مثل تعذيب هذا الكافر المتقدم ذكره؛ فأضيف المصدر إلى المفعول به، كما أُضيف إليه في قراءة الكسائي، ولم يذكر الفاعل، فكان (٤) المعنى في القراءتين سواء، والذي يُراد بأحدٍ الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار (٥). قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا (٦) النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) (٧)﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بثواب الله (٨). وقال مقاتل: التي عملت على يقين بما ذكر الله في كتابه (٩). وقال أبو صَالح: المطمئنة بالإيمان (١٠) (١١).

стр. 12919

وقال مجاهد: المنيبة المخبتة التي أيقنت بأن الله (ربها) (١)، وضربت لأمره جأشًا (٢)، الراضية بقضاء الله (٣). وقال الحسن: المؤمنة الموقنة (٤). ومعنى هذه الأقوال: المطمئنة إلى وعد الله، المصدقة بما قال. قال صَاحب النظم: المطمئنة الموقنة اعتبارا بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٥) والطمأنينة: حقيقة الإيمان، فإذا لم تكن طمأنينة كانت وسوسة، وهذه الصفة ثابتة لنفس المؤمن في الدنيا؛ لأنه صَدَّق الله، واطمأن إلى ما ذكر في كتابه (٦). وقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ قال أبو صالح: هَذا عند خروجها من الدنيا

стр. 12920

يقال لها: ارجعي إلى الله راضية بالثواب (١)، مرضية عنك (٢)، وهو قول مقاتل (٣) وغيره (٤). يدل على هذا ما روى أن رجلاً قرأ عند النبي ﷺ هذه الآيات فقال أبو بكر ﵁: ما أحسن هذا، فقال النبي ﷺ : أما إن الملك سيقولها لك (٥) (٦). وقوله (٧): ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، وهذا يقال لها يوم القيامة. قال أبو صَالح: إذا كان يوم القيامة قيل ادخلي في عبادي وادخلي جنتي (٨).
следующие страницы →