← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12916–12955 · переход к 12921.

стр. 12916

يُعَذب"، و"لا يُوثَق" بفتح العين فيهما (١). واختاره أبو عبيد (٢) لما روى خالد الحذاء عن أبي قلابة عمن سمع النبي ﷺ قرأهما (٣) بالفتح (٤). والعذاب في القراءتين بمعنى التعذيب، كما قلنا في السراح (٥)، والأداء، وكما قال (٦): وبعد عطائك المائة الرتاعَا (٧) (٨) فجعله موضع الإعطاء، والوثاق أيضًا في موضع الإيثاق، كالعذاب في موضع التعذيب، وهما مضافان إلى الفاعل في قراءة العامة، وهو الله

стр. 12917

تعالى. وفي قراءة الكسائي مضاف إلى المفعول به مثل: ﴿مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]. والمعنى: لا يعذب أحد تعذيب هذا الكافر، وهذا الصنف من الكفار. ومن قال المراد بالإنسان كافر بعينه (١)، فهو ظاهر يقول: لا يعذب يومئذ أحد تعذيبه، ولا يوثق أحد إيثاقه) (٢)، وهذا قول الفراء (٣)، والزجاج (٤). وقال أبو عبيد: تفسير هذه القراءة: لا يعذَبُ عذاب الكَافر أحد (٥). فهذه ثلاثة أقوال: أحدهَا: لا يعذب أحد عذاب ذلك الصنف من الكفار، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ﴾ (٦) (الآيات) (٧).

стр. 12918

والثاني: لا يعذب أحد عذاب كافر بعينه، وهو أمية بن خلف (١)، أو غيره (٢) من [الكفار] (٣) على ما قد بينَّا. الثالث: لا يعذب أحد من الناس عذاب الكَافر. وهذا أولى الأقوال. وذكر أبو علي الفارسي قولًا آخر في قراءة العَامة، قال: المعنى فيؤمئذ لا يعذب أحدٌ، أحدًا، تعذيبًا مثل تعذيب هذا الكافر المتقدم ذكره؛ فأضيف المصدر إلى المفعول به، كما أُضيف إليه في قراءة الكسائي، ولم يذكر الفاعل، فكان (٤) المعنى في القراءتين سواء، والذي يُراد بأحدٍ الملائكة الذين يتولون تعذيب أهل النار (٥). قوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا (٦) النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ) (٧)﴾ قال عطاء عن ابن عباس: بثواب الله (٨). وقال مقاتل: التي عملت على يقين بما ذكر الله في كتابه (٩). وقال أبو صَالح: المطمئنة بالإيمان (١٠) (١١).

стр. 12919

وقال مجاهد: المنيبة المخبتة التي أيقنت بأن الله (ربها) (١)، وضربت لأمره جأشًا (٢)، الراضية بقضاء الله (٣). وقال الحسن: المؤمنة الموقنة (٤). ومعنى هذه الأقوال: المطمئنة إلى وعد الله، المصدقة بما قال. قال صَاحب النظم: المطمئنة الموقنة اعتبارا بقوله: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ (٥) والطمأنينة: حقيقة الإيمان، فإذا لم تكن طمأنينة كانت وسوسة، وهذه الصفة ثابتة لنفس المؤمن في الدنيا؛ لأنه صَدَّق الله، واطمأن إلى ما ذكر في كتابه (٦). وقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ قال أبو صالح: هَذا عند خروجها من الدنيا

стр. 12920

يقال لها: ارجعي إلى الله راضية بالثواب (١)، مرضية عنك (٢)، وهو قول مقاتل (٣) وغيره (٤). يدل على هذا ما روى أن رجلاً قرأ عند النبي ﷺ هذه الآيات فقال أبو بكر ﵁: ما أحسن هذا، فقال النبي ﷺ : أما إن الملك سيقولها لك (٥) (٦). وقوله (٧): ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ أي في جملة عبادي الصالحين المصطفين، وهذا يقال لها يوم القيامة. قال أبو صَالح: إذا كان يوم القيامة قيل ادخلي في عبادي وادخلي جنتي (٨).

стр. 12921

قال صاحب النظم: قوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ تكون عند الوفاة، وقبض الروح، ثم نظم به. قوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾، وهذا لا يكون إلا في الآخرة، فنظم خبرًا بخبر في وقت على ظاهره، وهما في وقتين في الباطن (١). ومن المفسرين من يقول هذا كله، يقال للنفس المطمئنة في الآخرة (٢). ومعنى "المطمئنة": الآمنة من العذاب (٣)؛ لأن الله أمنها من العذاب يدل هذا على ما ذكر في حرف أبي: (يا أيتها النفس الآمنة المطمئنة) (٤). وقوله: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي إلى ثواب ربك وكرامته (قاله) (٥) الحسن (٦). قال الفراء: إلى ما أعد الله لك من الثواب (٧)، ثم ينتظم بقوله: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾.

стр. 12922

ومن المفسرين من ذهب إلى أن هذا يقال للنفس المؤمنة عند البعث يقال لها: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ أي إلى صاحبك الذي (١) خرجت منه، وهذا قول عكرمة (٢)، وعطاء (٣)، (والضحاك (٤)) (٥). يدل على هذا ما روي عن ابن عباس أنه قرأ: فادخلي في عبدي، على التوحيد (٦).

стр. 12923

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية -١١٥ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من سورة البلد إلى آخر المصحف تحقيق د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزير الورثان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزير بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الرابع والعشرون

стр. 12924

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسلة الرسائل الجامعية -١١٥ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من سورة البلد إلى آخر المصحف تحقيق د. نورة بنت عبد الله بن عبد العزير الورثان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزير بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الرابع والعشرون

стр. 12925

جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨)./ نورة بنت عبد الله بن عبد العزيز الورثان، الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٤) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد أ- العنوان ... ب-السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ: ردمك: ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٩ - ٨٨٠ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ٢٤)

стр. 12926

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) [٢٤]

стр. 12927

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 12928

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)

стр. 12929

تفسير سورة البلد (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أجمع المفسرون على أن هذا قسم بالبلد الحرام (٢)، والسورة نازلة بها.

стр. 12930

٢ - ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾، قال الليث: الحِلّ: الرجل الحلال الذي خرجَ من إحرامه ولم يحرم (١). قال أبو إسحاق: يقال رَجُلّ حِلّ وحَلاَل مُحِلُّ، وكذلك رجل حِرْمٌ، وحَرام ومُحْرِمّ (٢). وقال (٣) مجاهد: أحلت للنبي ﷺ أن يصنع فيها ما يشاء (٤). وقال قتادة: أنت به حل لست بآثم (٥) (٦). قال مقاتل: وأنت حل أن تقتل بمكة من شئت من الكفار (٧). قال المفسرون: أحل لنبيه ﷺ (٨) مكة يوم الفتح حتى

стр. 12931

قاتل، وقتل، وقد قال ﷺ : "لا تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ولم تحل لي إلا ساعة من نهار" (١). وهذا قول ابن عباس (٢)، وعطاء (٣)، (والكلبي (٤)، وابن زيد (٥)، والضحاك (٦)) (٧). والمعنى: إن الله تعالى لما ذكر القسم بمكة دل ذلك على عظم قدرها مع كونها حرامًا، فوعد نبيه ﷺ أن يحلها له حتى يقاتل فيها، وأن يفتحها

стр. 12932

على يده، وهذا وعد من الله بأن يحلها له، حتى تكون بها (١) حلًا (٢). وهذا اعتراض بين القسم وما نسق عليه، وهو قوله (تعالى) (٣): ٣ - ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ (هذا الذي ذكرنا قول عامة أهل التفسير) (٤). قال الحسن: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ أي أنت مقيم فيه (٥)، وهو محلك، ومعناه التنبيه على شرفه، بشرف من حل فيه من الرسول الداعي إلى توحيد الله، وإخلاص العبادة له؛ المبشر بالثواب، والمنذر بالعقاب. وذكر المبرد هذا القول، فقال: ويقال: حِل: تأويله حَال؛ أي سَاكن (٦). وذكر قولًا آخر: وهو أن المعنى أن الكفار من أهل مكة يحرمون أن يقتلوا بها صيدًا، أو (٧) يعضدوا بها شجرة، ويستحلون إخراجك وقتلك. وهذا يروى عن شُرَحْبيل بن سعد (٨).

стр. 12933

وأما قوله: ﴿وَوَالِدٍ وَمَا وَلَدَ﴾ فهو عطف على القسم، والمراد بـ"الوالد وما ولد" أدم وذريته، وهو قول: مجاهد (١)، (ومقاتل (٢)) (٣)، وقتادة (٤)، (والضحاك (٥)، والكلبي (٦)، وعطاء عن ابن عباس (٧)،

стр. 12934

والحسن (١)) (٢). قال الفراء: وصلحت "ما" للناس، كقوله: ﴿مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء:٣]، ومثله كثير (٣)، قال: ويجوز أن يجعل "مَا" مع الذي بعدها في معنى مصدر، كأنه قيل: ووالد وولادته، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ [الشمس: ٥] (٤). وروى عكرمة عن ابن عباس: الوالد: الذي يلد، "وما ولد": العاقر الذي لا يلد (٥). وعلى هذا "ما" تكون نفيًا؛ كأنه قيل: ووالد غير والد، ولا يصح هذا القول إلا بإضمار الموصول، كأنه قيل: ووالد والذي ما ولد، وذلك لا يجوز عند البصريين (٦) (٧).

стр. 12935

وقال في رواية العوفي: الوالد وولده، يعني كل والد، وكل مولود (١). وروي عن أبي عمران الجَوْنِيّ أنه قال: يعني إبراهيم (٢) وولده (٣). قال مقاتل: أقسم الله تعالى بمكة، وبآدم وذريته (٤) . فقال: ٤ - (قوله تعالى) (٥): ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ قال ابن عباس في رواية مِقْسَم: قائمًا على قدميه منتصبًا (٦). وهو قول أبي صالح (٧)، وإبراهيم (٨)،

стр. 12936

والضحاك (١)، وعبد الله بن شداد (٢)) (٣) (٤)، وعكرمة (٥) (ورواية عطاء عن ابن عباس (٦)) (٧)، قالوا: معتدلًا، ومنتصبًا (٨)، وكل شيء خلق يمشي على أربع إلا الإنسان، فإنه خلق منتصبًا. قال المُنذري: سمعت أبا طالب يقول: الكبد: الاستواء والاستقامة (٩) (١٠).

стр. 12937

وقال الوالبي عن ابن عباس: (في نصب (١) (٢)، وهو قول مجاهد (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والحسن (٥)، قالوا: في شدة. قال الحسن: لم يخلق الله خلقًا يكابد ما يكابد ابن آدم (٦). قال أخوه سعيد (٧): يكابد مصائب الدنيا، وشدائد الآخرة (٨).

стр. 12938

ونحو هذا قال قتادة: يكابد أمر الدنيا والآخرة، فلا تلقاه إلا في مشقة (١). وروى عن ابن جُرَيْج، عن (عطاء، عن (٢) ابن عباس قال: يعني حمله، وولادته، ورضاعه، وفصاله، ونبت أسنانه، وختانه، ومعاشه، وموته، كل ذلك بشدة (٣). ونحو هذا روى (القاسم (٤) بن أبي بزة (٥) (٦)، عن مجاهد قال: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف:١٥]، ومعيشته في شدة، فهو يكابد ذلك (٧). وذكر الكلبي (٨)، والفراء (٩): القولين جميعًا.

стр. 12939

وعلى هذا: (الكبد من مكابدة الأمر، وهي معاناة شدته (١)، ومشقته، والرجل يكابد الليل إذا قاسى هَوّلهُ وصعوبته (٢) (٣). وقال أهل المعاني: الكبد شدة الأمر، ومنه تكبد اللبن إذا غلظ واشتد، ومنه الكبد: كأنه دم (٤) يغلظ ويشتد، فالإنسان مخلوق في شدة مكونة (٥) في رحمه، ثم في القماط، والرباط، ثم على خطر (عظيم) (٦) عند بلوغه حال التكليف، ومكابدة المعيشة، والأمر والنهي، فينبغي [له] (٧) أن يعلم أن الدنيا دار مشقة وكد، وأن الجنة هي دار الراحة والنعمة (٨). ومن المفسرين من يذهب (٩) بالكبد إلى شدة الخلق، والقوة، وهو قول الكلبي، قال: نزلت في رجل من بني جمح (١٠)، كان يكنى أبا الأشدين، وكان يجعل تحت قدميه الأديم (العكاظي) (١١)، ثم يأمر العشرة

стр. 12940

فيجتذبونه من تحت قدميه، فيتمزق (الأديم) (١)، ولم تزل قدماه (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣). وعلى هذا: الكبد من الشدة التي هي بمعنى القوة، وغلظ القول (٤)، والخلق. قال المبرد: يقال فلان يكابد الأمر إذا كان يدافعه بشدة (٥)، وأنشد أبو عبيدة قول لبيد: عَيْنُ هَلّا بَكَيْتِ أرْبَدَ إذْ ... قُمْنَا وقَامَ الخُصومُ في كَبَدِ (٦) (٧) أي في شدة وعناء (٨)، ويجوز أن يكون في شدة وقوة للدفع، ويدل على هذا المعنى: قوله:

стр. 12941

٥ - ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ﴾ قال الفراء: أيحسب بشدته أن لن يقدر عليه أحد، والله قادر عليه (١). وهو قول الكلبي، قال: أيظن من شدته أن لن يقدر عليه أحد، وأن لن يعاقبه الله (٢). ٦ - ثم أخبر عن مقالة هذا الإنسان، فقال: ﴿يَقُولُ أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾. قال أبو عبيدة: لبدًا: فُعَلٌ من التلبُّد، وهو المال الكثير بعضه على بعض (٣). قال أبو إسحاق: وفُعَلٌ للكثرة، يقال: رجل حُطَم إذا كان كثير الحَطْمِ (٤). وقال الفراء: واحدتُهْ لُبْدة، ولُبَد جماع، وقال: وجعل بعضهم واحدًا على جههَ قُثَّم وحُطَم، وهي في الوجهين جميعًا الكثير (٥). قال الليث: قال: لبدّ لا يخاف فناءه من كثرته (٦)، وذكرنا تفسير هذا الحرف عند قوله: ﴿يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ [الجن: ١٩]. وجميع المفسرين قالوا في "اللبد": إنه الكثير المجتمع (٧).

стр. 12942

قال الكلبي (١)، ومقاتل (٢): يقول أهلكت في عداوة محمد مالًا كثيرًا. ٧ - قال الله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس: أيحسب أن لم ير الله عمله (٣). ونحو هذا قال مقاتل: أيحسب أن لم يطلع الله على مَا عمل (٤). ومعنى هذا التهديد باطلاع الله على مَا عمل، كما قال قتادة: أيظن أن الله لم يره، ولا يسأله عن ماله من أين كسبه، وأين أنفقه (٥)؟.

стр. 12943

وقال الكلبي: كان كاذبًا، لم ينفق ما قال، فقال الله: أيظن ما رأى الله ذلك منه فعل أو لم يفعل، أنفق أو لم ينفق (١)!. واختاره الفراء فقال: ﴿أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ﴾ في إنفاقه، يقول: أنفقت وهو كاذب (٢). قال مقاتل: (ثم ذكره النعم ليعتبر فقال (٣): ٨ - ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ﴾) (٤) قال أبو إسحاق: (أي) (٥) ألم نفعل به ما يُستدل به على أن الله قادر على أن يبعثه، وأن يحصي عليه ما يعمله (٦). ٩ - (قوله تعالى) (٧): ﴿وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ﴾. قال الليث: الشَّفة حُذِفَتْ منها "الهاء"، وتصغيرها: شُفيْهة، والجميع شِفاه، وإذا ثلثوا قالوا: شفهات (٨)، وشَفهوات، و"الهاء" أقيس، و"الواو" أعمّ، لأنهم شبهوه بالسنوات (٩)، ونقصانها حذف "هَائها" (١٠).

стр. 12944

قال الأزهري: والعرب تقول: هذه شَفُةٌ في الوصَل، وشفهٌ أيضًا بـ"الهاء" (١). ١٠ - وقوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ النجد: معناه في اللغة: ما ارتفع من الأرض، وأشرف، ونجد هو ما ارتفع عن انخفاض تِهَامة، وكل عَال من الأرض نجد، والنجد الطريق في ارتفاع (٢). قال ابن عباس (٣)، والمفسرون: يريد بينا له طريق الخير، وطريق الشر. وهو قول عبد الله (٤)، (وعلي (٥)) (٦)، ومجاهد (٧)، ومقاتل (٨)

стр. 12945

(والكلبي (١)) (٢)، قالوا: يعني سبيله الخير والشر والطاعة، والمعصية، كقوله: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾ (٣). قال أبو إسحاق: المعنى: ألم نُعرّفه طريق الخير والشر بَيّنَيْن كتبيين الطريقين العَاليين (٤)؟ وروى عيسى بن عقال (٥)، عن أبيه (٦) عن ابن عباس في قوله: ﴿النَّجْدَيْنِ﴾ قال الثديين (٧). وهو قول سعيد بن المسيب (٨)، والضحاك (٩)،

стр. 12946

والقول هو الأول (١)؛ لبعد أن يراد بالنجدين الثديان، ومن قال ذلك ذهب إلى أنهما (٢) كالطريقين لحياة الولد ورزقه، والله تعالى هدى الطفل الصغير حتى ارتضعهما، فهو قوله: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ ١١ - قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ قال (ابن قتيبة (٣) و) (٤) الأزهري (٥): أي فلا هو اقتحم يعني الإنسان المذكور (والاقتحام الدخول في الأمر الشديد، وهو المهالك، ويقال قَحمَ يَقْحَمُ قُحُومًا، واقتحم اقتحامًا، وتقحم تقحُمًّا، إذا ركب القحم، وهي المهالك، والأمور العِظام) (٦)، (والعقبة: طريق في الجبل وعر، والجميع: العقب والعقاب) (٧). قال عطاء: يريد عقبة جهنم (٨). وقال الكلبي: هي عقبة بين الجنة، والنار (٩).

стр. 12947

وقال ابن عمر ﵁: هي جبل زلال (١) في جهنم (٢). وقال الضحاك (٣)، ومجاهد (٤): هي الصراط يضرب على جهنم، وهو معنى قول الكلبي: عقبة بين الجنة والنار. وقال قتادة: إنها قحمة شديدة، فاقتحموها بطاعة الله (٥). هذا كلام المفسرين في تفسير هذه العقبة المذكورة هاهنا (٦) قال المبرد (٧)، والفراء (٨)، وأبو عبيدة (٩)، (والزجاج (١٠)) (١١):

стр. 12948

معنى، ﴿فَلَا اقْتَحَمَ﴾ فلم يقتحم. قال الفراء (١)، والزجاج (٢): ولم يضم إلى قوله: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ كلامًا آخر فيه "لا"، والعرب قل ما تتكلم في مثل هذا المكان (٣) إلا بـ"لا" مرتين أو أكثر، لا تكاد تقول: لا حييتنى، تريد مَا حييتنى، فإن قال: لا حييتنى، ولا بررتني صلح. كما قال الله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١] واكتفى هاهنا بواحدة، لأن المعنى يدل على التكرير، وهو قوله: (فك رقبة أو إطعام (٤))، ﴿ثُمَّ كَانَ﴾ كأنه قيل: فلا تفعل ذا ولاذا، ولا أمن. قال أبو علي الفارسي: معنى ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ لم يقتحمها، وإذا كانت ﴿لَا﴾ بمعنى ﴿لَمْ﴾ لم يلزم تكريرها، كما لا يلزم التكرير مع ﴿لَمْ﴾، فإن تكررت في موضع نحو: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى﴾ [القيامة: ٣١]، فهو كتكرير لم نحو: ﴿لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] (٥). ويدل على صحة مَا ذكر أبو علي مَا أنشد أبو عبيدة، والمبرد (٦): وأيُّ خميس لا أفَأنَا (٧) نِهابَه ... وأسيافنا يَقْطُرْن من كَبْشِهِ دَمَا (٨) يعني: لم يفر، ولم يكرر لا. وأما مَا ذكرنا عن المفسرين في تفسير العقبة، فغير متوجه هاهنا

стр. 12949

لأنَّ (١) من المعلوم أن هذا الإنسان وغيره لم يقتحموا عقبة جهنم، ولا جاوزوها، فإذًا لا معنى لحملها على عقبة في الآخرة، ولكن الصحيح أن ذكر العقبة هَاهنا مثل ضربه الله (تعالى) (٢) لمجاهدة النفس والشيطان في أعمال البر، (وهذا مذهب الحسن، ومقاتل) (٣). قال الحسن: عقبة الله شديدة، ومجاهدة الإنسان نفسه وهواه، وعدوه والشيطان (٤). وقال مقاتل: هذا مثل ضربه الله؛ يريد أن المعتق رقبة، والمطعم تقاحم نفسه وشيطانه، مثل من يتكلف صعود العقبة، فشبه المعتق رقبة في شدته عليه بالمتكلف صعود العقبة (٥). وهذا مذهب أبي عبيدة، فقد قال: لم يقتحم العقبة في الدنيا (٦)، فبين أن هذه العقبة في الدنيا، وهي مَا ذكر الله من بعد فقال: ١٢ - ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد اقتحام العقبة (٧).

стр. 12950

قال أبو علي: لا بد من تقدير هذا المحذوف؛ لأنه لا يخلو (١) من أن تقدّر حذف هذا المضاف، أو لا تقدره، فإن لم [تقدره] (٢)، وتركت الكلام على ظاهره كان المعنى: العقبة: فك رقبة، ولا تكون العقبة الفك؛ لأنه عَيْنٌ، والفك حدث (٣)، والخبر ينبغي أن يكون المبتدأ في المعنى، وإذا لم يستقم (٤) هذا كَان المضاف مرادًا، فيكون المعني: اقتحام العقبة فكُّ رقبةٍ، أو اطعامُ، أي اقتحامها أحد هذين، أو هذا الضرب من فعل القُرَب، ومثل هذا قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ﴾ [الهمزة:٥ - ٦] أي: الحطمة نار الله (٥). ونحو هذا قال الزجاج (٦). المعني: اقتحام العقبة فك رقبة، أو إطعام، فالمضاف محذوف من الآية الأولى، والمبتدأ محذوف من قوله: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ علي ما بيَّنَّا وشرحنا. (وفك الرقبة: تخليصها من إسار الرق، وفكُّ الرهن، وفكِاكه: تخليصه من غَلَق الرهن، وكل شيء أطلقته فقد فككته، ومنه فك الكتاب، وهو أن تأخذ السحانة (٧) فتلويها حتى ينفك ختامها (٨)).

стр. 12951

وقال أهل المعاني: الفك فرق يزيل المنع، كفك القيد والغل، وفك الرقبة، وفرق بينها وبين حَال الرق بإيجاب الحرية، أو إبطال العبودية (١). قال الفراء في المصادر: فكها يفكها فكاكًا، بفتح الفاء في المصدر، ولا تقل بكسرها (٢). ١٤ - وقوله (٣): ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ قال أبو عبيدة: ذي مجاعة (٤)؛ (يقال سَغِبَ يَسْغَبُ سَغبًا: إذا جاع، فهو سَاغِبِ وسَغْبَان ذو مَسغَبةٍ) (٥). قال ابن عباس: يريد بالمسغبة الجوع (٦). قال مجاهد (٧)، وعكرمة (٨): ذو مجاعة. وقال الحسن: يوم محروص فيه على الطعام (٩). قال أبو علي: وجاز أن يوصف اليوم بهذا، كما جاز أن يقال: ليل

стр. 12952

نائمٌ، ونهار صَائمٌ، ونحو ذلك (١) (هذا) (٢) الذي ذكرنا قراءة العامة (٣). وقرأ أبو عمرو، والكسائي: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ﴾ بفتح الكَاف، (أو ﴿أطعم﴾ بغير ألف (٤)) (٥). (قال الفراء) (٦): وهو أشبه الوجهين بصحيح العربية، لقوله: "ثم كان"، وهو أشكل بـ"فك" و"أطعم"، والفك، والإطعام، اسم فينبغي أن يرد على الاسم اسم مثله، فلو قيل: "ثم إن كان" كان أشكل للإطعام، لأنه حينئذ يكون بمعنى المصدر، وهذا وجه القراءة الأولى مع قوله: "ثم كان"، وهو أن يضمر "أن"، وتُلقى فيكون مثل قول الشاعر (٧): ألا ايُهذا الزاجري احْضِرَ الْوَغَى ... وأَنْ أشْهَدَ اللذَّاتِ هَلْ أنت مُخْلِدِ (٨)

стр. 12953

ألا (ترى) (١) أن ظهور "أن" في آخر الكلام يدل على أنها معطوفة على أخرى مثلها في أول الكلام، وقد حذفها (٢). وقال أبو علي: من قرأ: ﴿فكّ رقبة أو أطعم﴾ فإنه يجوز أن يكون ما ذكر من الفعل تفسيرًا لاقتحام العقبة، وقد جاء: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ثم فَسَّرَ المثل بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]، فكذلك قول من قال: "فك رقبة * أو أطْعَم". قال: ومن احتج لهذه القراءة بقوله: "ثم كان" فقال: [كأنه لما] (٣) كان فعلًا يجب أن يكون المعطوف عليه مثله، كان هذا وجهًا حسنًا.

стр. 12954

وقد يجوز أن يكون قوله: "ثم كان" كالقطع من الأول، والاستئناف، كأنه أعلم أن فكَاك الرقبة من الرق من الذين آمنوا؛ لأنه بالإيمان يحوز ثواب ذلك ويجوزه، فاذ لم ينضم الإيمان إلى فعل القرب التي تقدم ذكرها لم ينفع ذلك (١). ١٥ - قوله تعالى: ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: معناه ذا قرابة، تقول: زيد ذو قرأ بني، وذو مقربتي (٢)، (وزيدٌ قرابتي) (٣) قبيح، لأن القرابة المصدر، قال الشاعر (٤): يبكي الغريب عليه ليس يعرفه ... وذو قرابته في الحي مسرور (٥) (٦) قال مقاتل: يعني يتيمًا بينه وبينه قرابة (٧). ١٦ - وقوله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾، قال أبو عبيدة (٨)، والمبرد (٩)،

стр. 12955

(والزجاج (١)) (٢): ﴿أَوْ مِسْكِينًا﴾ قد لصق بالتراب من فقره وضره. يقال: ترب الرجل إذا افتقر حتى يلصق بالتراب (٣). قال عطاء: يريد قد لصق بالتراب، فليس فوقه مَا يستره، ولا تحته ما يوطئه (٤). وروى مجاهد عن ابن عباس قال: هو المطروح في التراب لا يقيه شيء (٥). روى (٦) أبو صالح أن ابن عباس مر بمسكين لاصق التراب ذي حاجة، فقال: هذا الذي قال الله: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ (٧)، ونحو هذا قال جماعة المفسرين (٨).
следующие страницы →