← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 12986–13025 · переход к 12991.

стр. 12986

والمعنى: كذبت بعذابها، أي لم يصدقوا رسولهم فيما أنذرهم به من العذاب، وهذا لا يبعد، لأن معنى الطغيان في اللغة مجاوزة [القدر] (١) (٢). فيجوز أن يسمى ذلك العذاب الذي جاءهم طغوى؛ لأنه كان صيحة مجاوزة القدر المعتاد يؤكد هذا التأويل. ١٢ - وقوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا﴾ أي كذبوا بالعذاب (٣) لما انبعث الأشقى للعقر (٤) (٥)، والتكذيب بالعذاب حمله على ذلك. ويجوز أن يكون تكذيب صَالح حمله على ذلك، وهذا القول الأول في الطغوى. وانبعث مطاوع، يقال: بعثت فلانًا على الأمر فانبعث له، أي انتدب وقام (٦).

стр. 12987

وأراد بالأشقى: عاقر الناقة، وهو أشقى الأولين على لسان نبينا ﷺ (١). ١٣ - ﴿فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴾ صالح. ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ قال أبو إسحاق: ناقة الله منصوب على معنى ذروا ناقة الله، كما قال: ﴿هذه ناقة الله لكم آية فذروها﴾ [الأعراف: ٧٣] (٢).

стр. 12988

وقال الفراء: حذرهم إياها، وكل تحذير (١) فهو نصب (٢). وقوله: ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ عطف على ناقة الله، وهو اسم من السقي، ﴿وَسُقْيَاهَا﴾ شربها من الماء وما يسقاها (٣). قال الكلبي (٤)، ومقاتل (٥): قال لهم صالح: ذروا ناقة الله، فلا تعقروها، وذروا أيضًا سقياها، وهي شربها من النهر، فلا تعرضوا للماء يوم شربها، فإنكم معذبون، فكذبوا صالحًا بالعذاب أنه غير كائن، وهو قوله: ١٤ - ﴿فَكَذَّبُوهُ﴾ أي بتحذيره إياهم العذاب بعقرها، وذلك أن قوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ يدل انتصابه على التحذير، فعقروها وتفسير العقر قد تقدم في هذه القصة. ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا﴾ قال عطاء عن ابن عباس: فدمر عليهم ربهم (٦) (٧)، ونحو هذا قال مقاتل (٨).

стр. 12989

وقال المؤرج: الدمدمة: إهلاك باستئصال (١). وقال ابن الأعرابي: دمدم: إذا عَذَّب عذابًا تامًا (٢). وذكر الزجاج: أصل هذا الحرف، فقال: معنى دمدم: أطبق عليهم العذاب،، يقال: دمدمته على الشيء إذا أطبقت عليه، وكذلك دمدمت عليه القبر وما أشبهه، ويقال: ناقة الله مَدْمُومة أي قد ألْبَسَها الشحم، فإذا كررت الأطباق قلت: دمدمت عليه (٣). هذا كلامه، ومعنى الدم في اللغة: اللطخ، يقال للشيء السمين كأنها دمَّ بالشحم دمًا (٤)، فجعل أبو إسحاق "دمدم" من هذا الحرف على التضعيف نحو: ﴿فَكُبْكِبُوا﴾ (٥) فيجوز أن يكون معنى "فدمدم عليهم" سوي عليهم الأرض (٦) بأن أهلكهم، فجعلهم تحت التراب، يدل على هذا قوله: "فسواها". قال عطاء عن ابن عباس: يريد فسوي عليهم الأرض (٧). ويجوز أن يكون المعنى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ أطبق عليهم العذاب، وعمهم (٨) به كالشيء الذي يلطخ، فيعم ما يلطخ به، ويكون على هذا معنى

стр. 12990

﴿فَسَوَّاهَا﴾ فسوى الدمدمة عليهم، وعمهم بها، وذلك أن هلاكهم كان بصيحة جبريل، وتلك الصيحة أهلكتهم جميعًا فاستوت على صغيرهم، وكبيرهم، (قاله مقاتل (١)) (٢). وقال ابن الأنباري: دمدم: غضب قال وتكون الدمدمة الكلام الذي يُزْعج الرجل. وأكثر (٣) (٤) المفسرين قالوا في: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾: أرجف الأرض بهم (٥). هذا كلامه. ونحو ذلك روى ثعلب عن ابن الأعرابي في هذه الآية قال: دمدم: أرجف (٦)، (وهو قول الفراء: أرجف بهم (٧)) (٨). (٩) وقوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾ قال الفراء: سوّى الأمة أنزل العذاب بصغيرها وكبيرهَا، بمعنى: سوَّى بينهم (١٠)، وهذا قول ثالث سوى القولين ذكرنا

стр. 12991

هما في قوله: ﴿فَسَوَّاهَا﴾. ١٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا﴾ قال ابن عباس (في رواية الوالبي) (١): لا يخاف الله من أحد تَبِعَةً في إهلاكهم (٢)، وهو قول الحسن، قال: ذلك الرب صنع بهم، ولا يخاف تَبِعَةَ (٣). (وعلى هذا "الواو" في "ولا يخاف" في موضع حال. المعنى: فسواها غير خائف عقباها، أي غير خائف أن يتعقب عليه في شيء مما فعله، وفاعل يخاف: الضمير العَائد إلى قولهم "ربهم") (٤) وقال مقاتل: يعني لا يخاف عَاقر الناقة العقوبة من الله في عقرها (٥)، وهو قول الضحاك (٦)، والسدي (٧)،

стр. 12992

(والكلبي (١)) (٢). (وعلى هذا القول الآية منتظمة بقوله: "إذا انبعث اشقاها * ولا يخاف عقباها" أي لا يخاف من إقدامه على مَا أتاه مما نُهي عنه، ففاعل يخاف: العاقر) (٣). والمعنى: عقبى عقرها، فحذف المضاف. قال الفراء: حتى عقرها، ولم يخف عَاقبه عقرها، وفي مصاحف الشام والحجاز: "فلا يخاف" بالفاء (٤). قال الفراء: وكلٌ صواب، قال و"الفاء" أجود في القول الأول، يعني أن يكون منتظمًا بقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ﴾ (٥).

стр. 12993

سورة الليل

стр. 12994

تفسير سورة الليل (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ قال ابن عباس (٢) ، ومقاتل (٣): أقسم الله بالليل إذا يغشى بظلمته (٤) والنهار، ولم يذكر مفعول يغشى للعلم به. وقال أبو إسحاق: "يغشى الليل" الأفق، وجميع ما بين السماء والأرض، فيذهب ضوء النهار (٥). ٢ - قوله تعالى (٦): ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ (أي بَان وظهر) (٧) من بين الظلمة.

стр. 12995

قال قتادة: هما آيتان عظيمتان يكررهما الله على الخلائق (١). ٣ - (قوله) (٢): ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ قال الكلبي: والذي خلق (٣)، وهو قول الحسن (٤). و"ما" على هذا بمعنى "مَنْ". وقال مقاتل: يعني: وخلْق الذكر والأنثى (٥). وعلى هذا "مَا" للمصدر، -وقد فسرنا هذا في مواضع (٦) - والذكر والأنثى يجوز أن يعني بهما الجنس من الذكر والأنثى (٧)، وهو الظاهر (٨). وقال مقاتل (٩)، (والكلبي (١٠)) (١١): يعني آدم وحواء.

стр. 12996

وجواب القسم قوله تعالى: ٤ - ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾. قال ابن عباس: إن أعمالكم لمختلفة، عمل للجنة، وعمل للنار (١). وقال مقاتل: يعني أن أهل مكة تقول إن أعمالكم لمختلفة في الخير والشر (٢). وتفسير "شتى" قد سبق في قوله: ﴿مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ (٣). قال المفسرون: نزلت في أبي بكر الصديق ﵁ وفي أبي سفيان (٤). ثم فصل عملهما فبين (٥) فقال: ٥ - (قوله) (٦): ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى﴾.

стр. 12997

قال الكلبي: تصدق من ماله، واتقى معصية ربه (١). وقال مقاتل: أعطى المال في حق الله، واتقى الله (ومعصيته (٢)) (٣)، يعني الصديق ﵁. ٦ - ﴿وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾. قال عكرمة عن ابن عباس: بالخَلَف (٤)، وهو قول الكلبي (٥)، ومقاتل (٦)، وقتادة (٧)، (قالوا: يعيده) (٨) الله، وهو أن يخلفه في الآخرة الجنة. فـ"الحسنى" على هذا القول: الجنة، يجعلها الله خلفًا لأبي بكر مما أعطى.

стр. 12998

وقال مجاهد (١)، وأبو عبد الرحمن (السلمي (٢)) (٣)، والضحاك (٤)، قال: لا إله إلا الله. وقال عطاء عن ابن عباس: يريد الخلف من الله والثواب والجنة، وصدق بأن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله (٥). ٧ - (قوله تعالى) (٦): ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ فسنهيئه لعمل الخير، وهو معنى قول ابن عباس: نيسر له أعمال الخير (٧). وقال الكلبي، و (مقاتل (٨)) (٩)، والفراء (١٠): نيسره للعودة للعمل الصالح.

стр. 12999

ومعنى اليسرى: الخلة اليسرى (١)، (وهي الأمر السهل الذي لا يقدر عليه أحد إلا المؤمنون) (٢)، يسر الله لهم العمل بمرضاته، فتيسر عليه الإنفاق في سبيل الخير، والعمل بالطاعة بتيسير الله ذلك لهم (٣). قال المفسرون: نزلت هذه الآيات في أبي بكر الصديق ﵁ (٤)، اشترى منه ستة نفر من المؤمنين كانوا في أيدي أهل مكة يعذبونهم في الله (٥). ٨ - ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ﴾ أي بالنفقة في الخير والصدقة (٦) ﴿وَاسْتَغْنَى﴾ عن ثواب الله فلم يرغب فيه (٧).

стр. 13000

قال مقاتل (١)، والكلبي (٢): يعني أبا سفيان، ثم عمت الكفار بعده. وقال عطاء: يريد أمية بن خلف (٣). ٩ - ﴿وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ يعني بما صدق (به) (٤) أبو بكر وقد فسرنا (٥). ١٠ - ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ قال عطاء: يريد سوف أحول بينه وبين أن يؤمن بالله ويصدقق رسوله (٦). وهذا على (قول) (٧) من يقول: إنه أمية بن خلف. وقال مقاتل: يعسر عليه أن يعطي خيرًا (٨). وقال عكرمة عن ابن عباس: للعسرى (٩): للشر (١٠)، وهذا (١١) هو القول، وذلك أن الشر يؤدي إلى العذاب، فهو الخلة العسرى، والخير يؤدي إلى اليسرى والراحة في الجنة، فهو الخلة اليسرى، يقول: سنهيئه للشر بأن يجريه على يديه.

стр. 13001

قال الفراء: والعرب تقول: قد يسرت غنم فلان؛ إذا تهيأت للولادة (١). وكذلك إذا ولدت وكثر ألبانها، كأنها يسرت الأمر على أصحابها. ثم ذكر أن ما أمسك من (٢) ماله عن الإنفاق لا ينفعه فقال: ١١ - (قوله): ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ (٣) أي الذي بخل به عن الخير. ﴿إِذَا تَرَدَّى﴾ إذا مات. قال مجاهد (٤)، ومقاتل، (وأبو صالح (٥)) (٦): قال أبو عبيدة (٧): "تردى" وردى إذا مات. قال المبرد: هو تَفَعَّل من الرَّدى، وهو الهلاك (٨). وقال ابن عباس (٩)، وقتادة (١٠): إذا تردى في جهنم، أي سقط

стр. 13002

وهوى، وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ (١). ١٢ - قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى﴾. وفي تفسيره ثلاثة أقوال (٢): قال مقاتل: يعني البيان (٣). قال أبو إسحاق: أي إن علينا أن نبين طريق الهدى من طريق الضلال (٤). وهو قول قتادة: أي على الله البيان: بيان حلاله، وحرامه، وطاعته، ومعصيته (٥).

стр. 13003

القول الثاني: إن المعنى يقول: من سلك الهدى فعلى الله سبيله، كقوله : ﴿وَعَلَى (١) اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ [النحل: ٥]، يقول علينا (٢) الهدى: أي أن الهدى يوصل صاحبه إلى الله، وإلى ثواب الله وجنته. ذكر (٣) ذلك الفراء (٤)، وذكر قولًا آخر، فقال: ويقال: إن علينا للهدى والإضلال. فترك الإضلال كما قال: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١]، وهي تقي (٥) الحر والبرد (٦).

стр. 13004

وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، قال: يريد أرشد أوليائي إلى العمل بطاعتي، وأحول بين أعدائي أن يعملوا بطاعتي (١). فذكر معنى الإضلال (٢). ١٣ - قوله ﴿وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى﴾ يعني الدارين: الدنيا، والآخرة (٣). قال الكلبي: أي ثواب الدنيا والآخرة (٤)، (كقوله: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: ١٣٤]) (٥).

стр. 13005

وهو قول الفراء (١). والمعنى: لنا ملك الدارين، نعطي منهما من نشاء، فليطلبا منا. ويجوز أن يكون معنى الإخبار عن كونهما إيجاب التسليم (٢) لأمره، فإنهما (٣) له، يفعل فيهما مَا يشاء، فمن شاء أعطى من الدنيا، ومن شاء (حرمه، ومن شاء) (٤) أُدخل الجنة، ومن شاء أُدخل النار، لا راد لمشيئته، ولا ناقض لحكمه. ولما ذكر هذا أخبر عن إبانته طريق الهدى بالإنذار على الكفر بالنار، فقال: ١٤ - ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ﴾ قال مُقاتل: يريد أهل مكة (٥). ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ تتوقد وتتوهج وتتلهب، يقال: تلظت النار تتلظى تلظيًا. ومنه سميت جهنم لظى (٦)، وقد مر (٧) ثم بين أنها لمن هي بقوله: ١٥ - ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى﴾ يعني إلا من كان شقيًا في علم الله. قاله الفراء (٨). وقال ابن عباس: يريد أمية بن خلف، ونظراءه الذين كذبوا محمدًا ﷺ والأنبياء قبله (٩).

стр. 13006

وقال الحسن: يعني المشرك (١)، ويدل عليه قوله: ١٦ - ﴿الَّذِي كَذَّبَ﴾ أي كذب الرسول، والقرآن (٢). ﴿وَتَوَلَّى﴾ أعرض عن الإيمان (٣). فإن قيل: أليس غير المشرك يدخل النار، وهذه الآية تدل على أنه لا يدخلها إلا (المكذب الكافر؟ والجواب عنه من وجوه: أحدهما: أن هذا ورد في درك مخصوص من أدراك جهنم؛ لا يحله إلا) (٤) من كان بهذه الصفة، وهي: دركات، ولأهل النار منها منازل، (وهذا قول أبي إسحاق (٥)) (٦). والثاني: أن هذا على الاختصار بحذف ذكر العصاة من غير المشركين، بدليل الآي الآخر، على أن معنى قوله: ﴿لَا يَصْلَاهَا﴾ لا يلزمها في حقيقة اللغة، يقال: صلى الكَافر النار إذا لزمها مقاسيًا شدتها وحرهَا (٧)، لعل هذا الأصل مما سبق بيانه (٨)، ولا يلزم النار خالدًا فيها إلا المشرك المكذب.

стр. 13007

١٧ - وقوله: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ أي سنبعدها، ويجعل منها على جانب، يقال: جنبته الشيء أي بعدته وتجنبه عنه (١). ﴿الْأَتْقَى﴾ يعني أبا بكر ﵁ في قول الجميع (٢)، قالوا: يزحزح عن النار. قال مقاتل: الأتقى المخلص بالتوحيد.

стр. 13008

ثم وصفه فقال: ١٨ - (قوله): ﴿الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ قال أبو إسحاق: يطلب أن يكون عند الله زاكيًا لا يطلب بذلك رياء ولا سمعه (١) يدل عليه قوله: ١٩ - ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾ قال المفسرون (٢): لما اشترى أبو بكر ﵁ بلالًا من صاحبه عبد الله بن جدعَان، وكان قد سلح (٣) على الأصنام، فأسلمه مولاه إلى المشركين ليعذبوه بما فعل،

стр. 13009

فكانوا يعذبونه في الرمضاء (١)، وقد وضعوا على صدره صخرة، فاشتراه أبو بكر وأعتقه، فقال المشركون: مَا فعل ذلك أبو بكر إلا ليد كانت عند بلال، أراد أن يجزيه بها، فقال الله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾. قال ابن عباس: يريد مَا لبلال عند أبي بكر نعمة يجزيه بها (٢). والمعنى: (لم يفعل ذلك مجازاة ليد أسديت إليه) (٣)، ولكنه ابتغى بذلك وجه الله، وهو قوله: ٢٠ - ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ (أي إلا طلب ثواب الله) (٤) قال أبو عبيدة: "إلا ابتغاء" (٥) استثناء من النعمة، كما يُستثنى الشيء وليس منه (٦). قال الفراء: وهذا على اختلاف ما قبل "إلا" ومَا بعدها، والعرب تقول: مَا في الدار أحد إلا أكلبًا وأحمرةً، وهذا كقوله: ﴿إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧] كقول (٧) النابغة: .. .. وما بالرَّبعِ من أحدِ

стр. 13010

إلا الأواريَّ (١) وهي لغة أهل الحجاز (٢). وذكر الفراء وجهًا آخر، وهو: أن يضمر الإنفاق على تقدير: ما ينفق إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، وهذا كقوله: ﴿وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧٢] (٣). وقد مر. ومعنى ﴿الْأَعْلَى﴾: الأجل بصفاته التي لا يوارى فيها، فهو الأقدر،

стр. 13011

الأغلب الأظهر بالحجة والقوة (١). ثم وعد أبا بكر أن يرضيه في الآخرة بثوابه، فقال:

стр. 13012

قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ قال ابن عباس: يعطيه الله في الجنة حتى يرضى (١). وقال مقاتل: يرضى بثواب الله في الآخرة (٢). وقال أبو إسحاق أي: سيدخل الجنة كما قال: ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٩ - ٣٠] (٣).

стр. 13013

سورة الضحى

стр. 13014

تفسير سورة الضحى (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالضُّحَى﴾. قد تقدم تفسيره عند قوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ [الشمس: ١]، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٢ ٩]، والوجه هاهنا أنه النهار كله (٢)، لقوله (في المقابلة) (٣): ٢ - ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾. قال أبو عبيدة (٤)، والمبرد (٥)، و (الزجاج (٦)) (٧): إذا سَكَن يقال: ليلة ساجية، وليلة ساكنة، وأنشدوا جميعًا:

стр. 13015

ياحَبَّذا القَمْراءُ واللَّيْلُ السَّاجي .... وَطُرُقٌ مِثْلُ مُلاءِ النسَاجي (١) (٢) ونحو هذا قال الفراء: سجا: أظلم وركد في طوله (٣). (وروي ثعلب، عن) (٤) ابن الأعرابي: سجا: سكن، وسجا امتد ظلامه، وسجا أظلم (٥). وقال الأصمعي: سُجُوُّ الليل تغطيته النهار، مثل (٦) مَا يُسَجَّى الرجل بالثوب (٧). قال ابن الأعرابي: يقال سَجا يَسْجو (٨)، وسَجَّى يُسَجَّي، وأسْجى يُسجْى كله إذا غطى شيئًا (٩).

стр. 13016

وقال الليث: السجو: السكون، ويقال: ليلةُ سَاجِيَةٌ، وعين سَاجِيَةٌ، وسجا البحر سَكَنتْ أمواجه (١). هذا كلام أهل اللغة في تفسير: سجا، وقد حصل له ثلاثة معان: سكن، وأظلم، وغطى. وأقوال المفسرين غير خارجة من هذه المعاني. قال عطاء عن ابن عباس: إذا غطى بالظلمة (٢)، وهو قول الحسن: إذا ألبس الناس ظلامه (٣)، وهو قول سعيد بن جبير: إذا أقبل فغطى كل شيء (٤)، ونحو هذا قال مقاتل (٥)، (والضحاك (٦)، وهو رواية عطية عن ابن عباس (٧)) (٨).

стр. 13017

وقال قتادة: إذا سكن بالنائمين (١)، وهذا قول السدي (٢)، وابن زيد (٣) (ومجاهد (٤)) (٥). ولسكونه معنيان: أحدهما: سكون الناس، فنسب إليه، كما كان فيه، كما يقال: ليل نائم، ونهار صائم (٦)، ومثله كثير (٧). والثاني: سكونه: استقرار ظلامه، واستواؤه، فلا يزداد بعد ذلك (٨) (٩). يدل على هذا أن ابن زيد قال: استقر ظلامه (١٠) وأن مجاهدًا قال:

стр. 13018

استوى (١) وقال الكلبي: "إذا سجى": اسودّ، وأظلم (٢). فهذه ثلاثة أقوال عند المفسرين على وفق (٣) ما حكينا عن أهل اللغة، وهذا القسم جوابه قوله: ٣ - ﴿مَا وَدَّعَكَ (٤) رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾، قال المفسرون (٥): أبطأ جبريل

стр. 13019

عن النبي ﷺ فقال المشركون: قد قلاه (١) الله وودعه (٢)، فأنزل الله هذا الآية. وقال السدي: أبطأ عليه أربعين ليلة، فشكا ذلك إلى خديجة، فقالت: لعل ربك نسيك أو قلاك، فأنزل الله هذه الآية (٣). واختلفوا في قدر مدة انقطاع الوحي، وهي أربعون ليلة على ما قال السدي، وهو قول مقاتل (٤): لم ينزل جبريل على النبي ﷺ بمكة أربعين يومًا (٥).

стр. 13020

وقال الكلبي: أبطأ جبريل خمس عشرة ليلة (١). وقال ابن جريج: اثني عشر يومًا (٢). واختلفوا أيضًا في سبب احتباس (٣) جبريل، فذكر أكثر المفسرين (٤): أن اليهود سألت رسول الله ﷺ عن الروح وذي القرنين، وأصحاب الكهف فقال: سأخبركم، ولم يقل إن شاء الله، فاحتبس عنه الوحي، وهذه القصة ذكرناها قديمًا (٥). وقال ابن زيد: كان سبب ذلك كون جروٍ في بيته، فلما نزل جبريل

стр. 13021

عاتبه رسول الله ﷺ : أما علمت أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة (١) وقال جُنْدُب بن سفيان: رمي النبي ﷺ بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت فأبطأ (٢) عنه الوحي حتى قالت له امرأة (٣): مَا أرى شيطانك إلا وقد تركك، فأنزل الله هذه السورة (٤).

стр. 13022

ومعنى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ما تركك ربك، وما مقتك، وما أبغضك. قاله عطاء (١)، ومقاتل (٢). قال أبو عبيدة (٣)، والمبرد (٤): ودعك من التوديع كما ودع المفارق. وقال الزجاج: أي لم يقطع الوحي، ولا أبغضك (٥). قال الفراء: يريد وما قلاك (٦)، فأُلقِيَت الكاف اكتفاء بالكاف الأولى (٧) في "ودعك"، ولأن (٨) رؤوس الآيات بـ"الياء"، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (٩). والقلى: البغض، يقال: قَلاه يقليه قِلًا، ومقلياً إذا أبغضه (١٠). وقال ابن الأعرابي: القَليُ والقِلَى، والقَلاءة (١١): المقلية (١٢).

стр. 13023

٦ - قوله (تعالى) (١): ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. قال عطاء (٢)، ومقاتل (٣): يريد والجنة (٤) خير لك من الدنيا. وقال علي بن عبد الله بن عباس: أري رسول الله ﷺ ما يفتح على أمته من بعده، فسره ذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (٥).

стр. 13024

٥ - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال (١): ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك، وفيهن ما يصلح لهن (٢). وقال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما يُعطى (٣). وذكر آخرون أن هذا في الشفاعة. وهو قول علي ﵁ (٤)، والحسن (٥)، وعطاء، عن ابن عباس (٦)، قالوا: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. فيروى أنه ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: "إذًا لا أرضى وواحد من أمتي في النار" (٧).

стр. 13025

ثم ذكر منته عليه وأخبره عما كان عليه قبل الوحي فقال: ٦ - ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "سألت الله مسألة ووددت (١) أني لم أكن سألت، ذكرت رسل ربي فقلت سخرت لسليمان الريح، وكلمت بعضهم. فقال ﵎: ألم أجدك يتيمًا فأويتك، وضالًا فهديتك، وعائلًا فأغنيتك. فقلت نعم، فقال: ألم نشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، قال قلت نعم" (٢). قال عطاء عن ابن عباس: يريد فضمك إلى عمك أبي طالب حتى صرت رجلاً (٣)، وقال مقاتل: ضمك إلى عمك، وكفاك المؤنة (٤).
следующие страницы →