← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 13021–13060 · переход к 13026.

стр. 13021

عاتبه رسول الله ﷺ : أما علمت أنا لا ندخل بيتًا فيه كلب ولا صورة (١) وقال جُنْدُب بن سفيان: رمي النبي ﷺ بحجر في أصبعه فقال: هل أنت إلا أصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت فأبطأ (٢) عنه الوحي حتى قالت له امرأة (٣): مَا أرى شيطانك إلا وقد تركك، فأنزل الله هذه السورة (٤).

стр. 13022

ومعنى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ما تركك ربك، وما مقتك، وما أبغضك. قاله عطاء (١)، ومقاتل (٢). قال أبو عبيدة (٣)، والمبرد (٤): ودعك من التوديع كما ودع المفارق. وقال الزجاج: أي لم يقطع الوحي، ولا أبغضك (٥). قال الفراء: يريد وما قلاك (٦)، فأُلقِيَت الكاف اكتفاء بالكاف الأولى (٧) في "ودعك"، ولأن (٨) رؤوس الآيات بـ"الياء"، فأوجب اتفاق الفواصل حذف الكاف (٩). والقلى: البغض، يقال: قَلاه يقليه قِلًا، ومقلياً إذا أبغضه (١٠). وقال ابن الأعرابي: القَليُ والقِلَى، والقَلاءة (١١): المقلية (١٢).

стр. 13023

٦ - قوله (تعالى) (١): ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾. قال عطاء (٢)، ومقاتل (٣): يريد والجنة (٤) خير لك من الدنيا. وقال علي بن عبد الله بن عباس: أري رسول الله ﷺ ما يفتح على أمته من بعده، فسره ذلك، فأنزل الله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ (٥).

стр. 13024

٥ - ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ قال (١): ألف قصر من لؤلؤ أبيض، ترابه المسك، وفيهن ما يصلح لهن (٢). وقال مقاتل: يعطيك ربك في الآخرة من الخير، فترضى بما يُعطى (٣). وذكر آخرون أن هذا في الشفاعة. وهو قول علي ﵁ (٤)، والحسن (٥)، وعطاء، عن ابن عباس (٦)، قالوا: هو الشفاعة في أمته حتى يرضى. فيروى أنه ﷺ قال لما نزلت هذه الآية: "إذًا لا أرضى وواحد من أمتي في النار" (٧).

стр. 13025

ثم ذكر منته عليه وأخبره عما كان عليه قبل الوحي فقال: ٦ - ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى﴾ روى سعيد بن جبير عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "سألت الله مسألة ووددت (١) أني لم أكن سألت، ذكرت رسل ربي فقلت سخرت لسليمان الريح، وكلمت بعضهم. فقال ﵎: ألم أجدك يتيمًا فأويتك، وضالًا فهديتك، وعائلًا فأغنيتك. فقلت نعم، فقال: ألم نشرح لك صدرك، ووضعت عنك وزرك، ورفعت لك ذكرك، قال قلت نعم" (٢). قال عطاء عن ابن عباس: يريد فضمك إلى عمك أبي طالب حتى صرت رجلاً (٣)، وقال مقاتل: ضمك إلى عمك، وكفاك المؤنة (٤).

стр. 13026

فقال (١) (٢): والمعنى ألم نجدك يتيمًا صغيرًا حين مات أبواك، ولم يخلفا لك مالاً، ولا مأوى، فضمك إلى عمك حتى أحسن تربيتك (٣). ثم ذكر نعمة أخرى فقال: ٧ - ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ قال ابن عباس (في رواية عطاء) (٤) ووجدك ضالًا عن النبوة فهداك بالنبوة إلى أرشد الأديان وأحبها إليه (٥). وقال الحسن (٦)، والضحاك (٧) (وشهر بن حوشب) (٨) (٩) ووجدك ضالَا عن معَالمِ النبوة وأحكام الشريعة غافلًا عنها فهداك إليها. دليله قوله ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] وقوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]. وهذا مذهب أرباب الأصول، وعلماء أصحابنا (١٠) على أن رسول الله

стр. 13027

- ﷺ ما كان كافرًا قط (١).

стр. 13028

واختار أبو إسحاق (أيضًا) (١) هذا القول فقال: معناه أنه لم يكن يدري القرآن، ولا الشرائع، فهداه الله إلى القرآن وشرائع الإسلام (٢). وذكرنا جملة من الكلام في هذا المعنى عند قوله: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ (٣) وجرى بعض المفسرين على ظاهر الآية، فقال الكلبي: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾. يعني كافرًا في قوم ضلال فهداك للتوحيد (٤). وقال السدي: كان على أمر قومه أربعين سنة (٥).

стр. 13029

وقال مجاهد: ووجدك ضالًا. يعني عن الهدى، فهداك لدينه (١). قال أصحابنا (٢): وهذا مما يستدرك بالسماع، فأما العقل فجائز في المعقول أن يكون الشخص كافرًا فيرزقه الله الإيمان، ويكرمه بالنبوة، وجائز في العقل الخلع عن النبوة. ٨ - قوله ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ العائل الفقير ذو العَيلة ذكرنا ذلك عند

стр. 13030

قوله ﴿أَلَّا تَعْلُوا﴾ (١) [النساء: ٣]. ويدل على أن المراد بالعَائل الفقير، مَا روي أن في مصحف عبد الله: ووجدك عديمًا (٢). قال مقاتل: يعني فقيرًا فأغناك الله (٣). وقال عطاء: كنت عيال أبي طالب، فأغناك بخديجه (٤). وقال الكلبي: رضاك بما أعطاك من الرزق (٥). وقد حصل في أغناك ثلاثة أقوال: أحدهما: أغناك بالمال بعد الفقر، وكذا كان حَال رسول الله ﷺ كان فقيرًا لا مال له حتى فتح الله عليه الفتوح، وأعطاه المغانم. والثاني: أغناك بخديجة عن مَال أبي طالب ومسكنه. والثالث: أرضاك وقنعك.

стр. 13031

قال الفراء: لم يكن غنى (١) عن كثرة، ولكن الله رضّاه بما أتاه (٢) وذلك حقيقة الغنى (٣). ثم أوصاه باليتامى، والفقراء فقال: ٩ - ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ قال ابن عباس: هذا أدب من الله لنبيه وللمؤمنين (٤). وقال مجاهد (٥)، ومقاتل (٦): لا تحقر اليتيم فقد كنت يتيمًا. وقال الفراء (٧)، والزجاج (٨): لا تقهره على ماله، فتذهب بحقه لضعفه، وكذا كانت العرب تفعل في أمر اليتامى تأخذ أموالهم، ويظلمونهم حقهم، فغلظ الله تعالى الخطاب لنبيه ﷺ في اليتيم، وكذلك (٩) من لا ناصر له يغلظ في أمره، وهو نهي لجميع المكلفين.

стр. 13032

١٠ - (وقوله) (١): ﴿وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ (٢)، قال المفسرون: (يريد) (٣) والسائل على الباب يقول: لا تنهره إذا سألك، فقد كنت فقيرًا، فإما أن تطعمه، وأما أن ترده ردًا لينًا، وهذا قول الكلبي (٤)، ومقاتل (٥)، (والفراء (٦)) (٧)، والزجاج (٨)، ونحو هذا قال قتادة في هذه الآية: لرد السائل برحمة ولين (٩). يقال: نهره وانتهره إذا استقبله بكلامه تزجره به (١٠). قال أهل المعَاني: وهو إيساع الأغلاط بالصَياح في الوجه (١١). وقد ذكرنا أن أصل تصير (١٢) هذه (١٣) الكلمة للسعة (١٤).

стр. 13033

وروي عن الحسن في هذه الآية (١) فقال: أما إنه ليس بالسائل الذي يأتيك؛ لكن طالب العلم (٢). (وهو قول يحيى بن آدم (٣)، قال: إذا جاءك طالب العلم) (٤) فلا تنهره (٥). وعلى هذا السَائل هاهنا: الذي يسأل عن علم ليتعلمه. ١١ - قوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ قال مجاهد: بالقرآن (٦). وقال الكلبي: يعني فأظهرها، وكان القرآن أعظم مَا أنعم الله به عليه، فأمره أن يقريه (٧). قال الفراء: كان [يقرؤه و] (٨) يحدث به، وبغيره من نعم الله (٩). فعلى هذه النعمة هي القرآن، والتحديث (١٠) به أن يقرأه، ويقرئ غيره.

стр. 13034

وروى (أبو بشر) (١) عن مجاهد: قال: بالنبوة التي أعطاك ربك، وهي أصل النعم (٢). واختار الزجاج فقال: أي بلغ ما أرسلت به، وحدث بالنبوة التي أتاك، وهي (أجل (٣)) النعم (٤). وقال مقاتل: يعني اشكر لما ذكر من النعمة عليك في هذه السورة: من الهدى بعد الضلال، وجبر اليتيم، والإغناء بعد العيلة، فاشكر هذه النعم (٥). يدل على صحة هذا مَا روي في الحديث أن النبي ﷺ قال: "والتحدث بنعم الله شكر" (٦).

стр. 13035

وروي عن الحسن (١) بن علي في هذه الآية قال: إذا أصبت خيرًا فحدث إخوان ثقتك (٢).

стр. 13036

سورة الشرح

стр. 13037

تفسير سورة ألم نشرح (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ذكرنا معنى الشرح عند قوله تعالى: ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ (٢)، وقوله: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ [الزمر: ٢٢]. ومعناه في اللغة: الفتح (٣) بإذهاب مَا يصد عن الإدرك، والله قد فتح صدر نبيه ﷺ -بإذهاب الشواغل التي تصد عن إدراك الحق. قال ابن عباس في هذه الآية: قالوا يا رسول: أينشرح الصدر، قال: "نعم". قالوا يا رسول الله: فلذلك علامة يعرف بها؟ قال: "نعم: التجافي

стр. 13038

عن دَار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإعداد للموت قبل نزوله" (١). فأشار ﷺ إلى ذهاب الشواغل التي تصد عن حقيقة الإيمان، وذلك إن صدق الإيمان بالله ووعده، ووعيده يوجب للإنسان الزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة، والاستعداد للموت، فإنه باب الآخرة، وهذا معنى قول الحسن في هذه الآية: ملئ حكمًا وعلمًا (٢)؛ يعني أن معنى: من شرح صدره أي ملأه الله علمًا وحكمًا حتى علم حقيقة الأشياء، وحكم لها (٣) بحكمها على حقيقة الدنيا، وأنها فانية فتركها، وأن الآخرة باقية فرغب

стр. 13039

فيها، وكذلك كل شيء. وقال الكلبي: يقول ألم يلين قلبك للإسلام؟ ثم ذكر أن جبريل غسل قلبه بماء زمزم، وأنقاه مما كَان فيه من المعاصي، وملأه علمًا وإيمانًا (١). وعلى هذا معنى شرح صدره: أنقاه مما كان فيه من حظ الشيطان، وخليصه للإيمان، والإسلام، والحق، والتوحيد، حتى لا يكون فيه للشيطان نصيب. وذكرنا في سورة الضحى سبب نزول هذه السورة. وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ استفهام معناه التقرير، أي قد فعلنا ذلك (٢) ، يدل على هذا قوله في النسق عليه: ٢ - ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ قال المبرد: هذا محمول على معنى "ألم نشرح" لاعلى لفظه، لأنك لا تقول: ألم وضعنا، ولكن معنى: "ألم نشرح" قد شرحنا، فحمل الثاني على معنى الأول، لا على ظاهر اللفظ؛ لأنه لو كان معطوفًا على ظاهره لوجب أن يقال: ونضع عنك وزرك (٣)، و (نحو) (٤) هذا قال (٥) صاحب النظم.

стр. 13040

ومعنى الوزر: ثقل الذنب (١)، وقد مر تفسيره عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ﴾ (٢). قال ابن عباس (٣) في رواية الكلبي، (والحسن (٤) (٥)، وقتادة (٦)، (والضحاك (٧)، ومقاتل (٨) (٩): حططنا (١٠) عنك إثمك الذي سلف منك في الجاهلية، وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [الفتح: ٢]، وقد مر الكلام فيه (١١).

стр. 13041

ثم وصف ذلك الوزر فقال: ٣ - ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ قال المفسرون: أثقل ظهرك. وهو قول ابن عباس (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، (ومقاتل (٤) (٥). قال علماء اللغة: الأصل فيه أن الظهر إذا أثقله الحِمل سُمع له نقيض أي: صوت خفيٌّ، كما ينقض الرجل بحماره إذا ساقه، فأخبر الله (أنه غفر لنبيه ﷺ -أوزاره التي كانت تراكمت على ظهره حتى أثقلته، وإنها لو كانت أحمالًا حملت على ظهره لسُمع لها نقيض (٦). قال أبو إسحاق: ﴿أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ هو: أثقله حتى سمع له نقيض، أي صوت (٧). وهذا مثل، يعني أنه ممثل مما يثقل حتى يسمع نقيض الظهر.

стр. 13042

ويقال أيضًا: أُنقض الظهر أي صَار إلى هذه الحالة، قال الشاعر: وحُزن تُنْقِضُ الأضلاع منه ..... مُقيم في الجَوانح لن يزولا (١) ويقال (٢): أنقضت المِحْجمة (٣): إذا سمع لها صوت، وأنقاض الفرخ من ذلك. يقال (٤): أنقض إنقاضًا، ومنه قول ذي الرمة: أنقاضُ الفَراريجِ (٥). قال قتادة في هذه الآية: كانت للنبي ﷺ ذنوب قد أثقلته فغفرها (٦) له (٧). هذا الذي ذكرنا في الآيتين على قول من يقول: كانت له ذنوب سلفت

стр. 13043

منه في الجاهلية قبل النبوة (١). وذهب قوم إلى أن المراد بهذا: الصغائر، والخطأ، والسهو، وإنما وصف ذلك بإنقاض الظهر مع كونها مغفورة لشدة اغتمام (٢) النبي ﷺ بوقوعه منه، وتحسره مع ندمه عليه (٣). وقوم يذهبون إلى أن هذا تخفيف أعباء النبوة التي تثقل الظهر من القيام بأمرها، وحفظ موجباتها، والمحافظة على حقوقها، سهل الله ذلك عليه، (وحط عليه) (٤) ثقلها بأن يسرها عليه حتى تيسرت، وذكر مِنَتهُ عليه

стр. 13044

بذلك، (وهذا معنى قول الكسائي (١)، وجويبر عن الضحاك (٢) (٣) (٤) . ٤ - قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ هو قال جماعة المفسرين: لا ذُكِرتُ، إلا ذُكرتَ مَعَي (٥). وشرح ذلك ابن عباس فيما روى (عنه) (٦) عطاء، فقال: يريد الأذان، والإقامة، والتشهد، ويوم (٧) الجمعة، وعلى المنابر، ويوم الفطر، ويوم النحر، ويوم عرفة، وأيام التشريق، وعند الجمار، وعلى الصفا والمروة، وخطبة النكاح، وحول الكعبة، وفي كل موطن، وعلى الدنانير والدراهم، وكلمة الشهادة، ولو أن رجلاً عبدَ الله وصدقه في كل شيء، ولم يشهد أن محمدًا رسول الله لم ينتفع بشيء، وكان كافرًا (٨)، وإلى هذا أشار حسان بن

стр. 13045

ثابت في قوله: وضَمَّ الإلهُ اسْمَ النِبّيّ إلى اسْمِهِ ..... إذا قالَ في الخَمسِ المُؤذنُ أشْهدُ (١) ثم وعده اليسر، والرخاء بعد الشدة، وذلك أنه كان بمكة في شدة، وهو قوله: ٥ - ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال الكلبي: مَعَ الفقر سعة (٢). وقال مقاتل: يعني تتبع الشدة الرخاء (٣). ٦ - ثم ذكر (بعد) (٤) ذلك فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يقول الله تعالى: (خلقت عسرًا واحداً، وخلقت يسرين، فلن (٥) يغلب عسر يسرين) (٦)، (ونحو هذا قال الكلبي (٧)) (٨).

стр. 13046

وقال مقاتل: قال النبي ﷺ : "عند ذلك لن يغلب إن شاء الله عسر واحد يسرين" (١). ونحو هذا قال الحسن، وذكر (٢) أن النبي ﷺ قال: "لن يغلب عسر يسرين"، وقرأ الآيتين (٣). ويروى (٤) عن ابن مسعود مثل هذا (٥).

стр. 13047

وكتب عمر بن الخطاب. ﵁-إلى أبى عبيدة، وهو محصور أنه مهما تنزل بامرىءٍ شدة (١) يجعل الله بعدها فرجًا، فإنه لن يغلب عسر يسرين (٢). فهذا قول (٣) النبي ﷺ -والصحابة، والمفسرين. على أن العسر واحد،

стр. 13048

واليُسْرَ اثنان، وفي ظاهر التلاوة عسران، ويسران، إلا أن المراد عسر واحد؛ لأنه مذكرر بلفظ التعريف، واليسر مذكور بلفظ التنكير مرتين، فكان كل واحد منهما غير الآخر. أخبرنا ابن الفارسي، عن حمد بن محمد البُستي، قال: ذكر لنا أبو عمر، عن ثعلب، عن سلمة، عن الفراء قال: العرب إذا ذَكَرَتّ نَكِرَة، ثم أعادتها بنكرة مثلها صارتا اثنين، كقولك: إذا كسبت درهمًا فأنفق درهمًا، والثاني غير الأول، وإذا أعادتها معرفة فهي هي كقولك: إذا كسبت درهمًا فانفق الدرهم، فالثاني هو الأول (١). ونحو هذا قال الزجاج: ذكر العسر مع اليسر مع الألف واللام، ثم ثنى [ذكره] (٢)، فصار المعنى: إن مع العسر يسرين (٣). وتكلم صاحب النظم في هذه السورة، وأنكر هذا التعليل الذي ذكره الفراء، والزجاج، وقال: (هذا قول مدخول، [لا] (٤) يجب على هذا التدريج إذا قال الرجل: إن مع الفارس سيفًا، إن مع الفارس سيفًا، أن يكون فارس واحد معه سيفان، ولا يجوز هذا في شيء من العربية، والصحيح في ذلك أن الله تعالى بعث نبيه ﷺ ، وهو مقل، فكانت قريش

стр. 13049

تعيره بذلك حتي قالوا له: إن كان بك من هذا القول الذي تدعيه طلب الغني (١) جمعنا لك مالاً حتى تكون كأيسر أهل مكة، فكرث (٢) النبي ﷺ ذلك، فظن أن قومه إنما يكذبونه لفقره، فعدد الله عليه منته في هذه السورة، ووعد الغنى، وأنزل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ (٣) صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾. -أي ما كنت فيه من أمر الجاهلية؛ لأنه ﷺ كان في كثير من مذاهبه على مذاهب قومه، وإن لم يكن عبد صنمًا ولا وثنًا- (٤)، ثم ابتدأ فيما وعده من الغنى في الدنيا ليسليه عما خامره من قول (من) (٥) عيره بالفقر فقال: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾، والدليل على ذلك دخول الفاء في قوله: ﴿فَإِنَّ﴾ (٦)، ودل ذلك على أن التأويل: لا يحزنك ما يقولون، وما أنت فيه من الإقلال، فإن مع ذلك يسرًا في الدنيا عاجلاً، ثم أنجز ما وعده، فلم يمت حتى فتح عليه الحجاز، وما والاها من القرى العربية، وعامة بلاد اليمن، وحي أهل البوادي، وكان يعطي المئين من الإبل، ويهب الهبات [السنية] (٧)، ويعد لأهله قوت سنة.

стр. 13050

ثم ابتدأ فصل آخر فقال: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ والدليل على ابتدائه (١): تعريه (٢) من فاء، أو واو، أو غيرهما من حروف النسق، وهو وعد عام لجميع المؤمنين؛ لأنه يعني بذلك أن مع العسر في الدنيا للمؤمنين يسرًا في الآخرة لا محالة، وربما اجتمع له اليسران: يسر الدنيا، وهو ما ذكر في الآية الأولى، ويسر (في) (٣) الآخرة، وهو ما ذكر في الآية الثانية) (٤). وقوله ﷺ : "لن يغلب عسر يسرين" أي يسر الدنيا والآخرة (٥)، والمعنى: لن يجمعهما في الغلبة، إنما يغلب أحدهما إن غلب، وهو يسر الدنيا، فأما يسر الآخرة للمؤمنين فلا محالة كائن، ولا يغلبه شيء، والعسرة بين يسرين: إما (٦) فرح في الدنيا، وإما ثواب الآخرة (٧). وهذا هو الصحيح في معنى الآية. وهو أن اليسرين: أحدهما في الدنيا، والثاني في الآخرة، إما هذا، وإما ذاك، وربما اجتمعتا، ويدل على صحة هذا مَا ذكر محمد بن إسماعيل

стр. 13051

البخاري (١) فقال: قال ابن عُيَيْنة: إن مع كل عسر يسرًا، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ [التوبة:٥٢] و"لن يغلب عسر يسرين" (٢) يعني أن أحد اليسرين يدرك صَاحب اليسر لا محَالة؛ إما يسر الدنيا، وإما يسر الآخرة، كما أن المجاهد في سبيل الله لن (٣) يفوته أحد الحسنيين. وذهب بعضهم (٤) في الآية إلى أنه من مظاهر (٥) القول الذي يراد به التأكيد، كقوله ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣ - ٤]، ونحوه مما تكرر في القرآن (٦) وهو في الشعر والكلام أيضًا كثير، كقول الشاعر (٧):

стр. 13052

هلا سَأَلْتَ جُمُوع كِنْدة ... يَوْمَ وَلوا أَيْنَ أَيْنَا (١) ولما وعده اليسر في الدنيا والآخرة، أمره بالجهد في العبادة، فقال: ٧ - ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾. أي فاتعب، يقال (٢): نَصِبَ يَنْصَب (٣). قال قتادة (٤)، والضحاك (٥)، ومقاتل (٦)، (والكلبي (٧)) (٨): إذا فرغت من الصلاة المكتوبة فانصب إلى ربك في الدعاء، وارغب إليه في المسألة (٩) يعطيك، ونحو هذا روى عبد الوهاب

стр. 13053

بن مجاهد، عن إليه قال: إذا صليت فاحتهد في الدعاء والمسَألة (١). وقال الشعبي: إذا فرغت من التشهد فادع لدنياك وآخرتك (٢). ونحو هذا قال الزهري: إذا قضيت التشهد فادع بعد التشهد بكل حاجتك (٣). وروى منصور، عن مجاهد: إذا فرغت بعد أمر دنياك "فانصب" فصل (٤). ٨ - (قوله تعالى) (٥): ﴿وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ اجعل رغبتك إلى ربك ونيتك له (٦). وقال عبد الله: إذا فرغت من الفرائض فانصب في قيام الليل (٧).

стр. 13054

وسئل علي بن أبي طلحة عن هذه الآية فقال: القول فيه كبير، وقد سمعنا أنه يقال: إذا صححت فانصب، يعني: اجعل صحتك، وفراغك نصبًا في العبادة (١). وهو قول أبى عياض يدل على هذا ما روى أن شريحًا مر برجلين يصطرعان، فقال: ليس هذا أُمِرَ الفارغ، إنما قال الله: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ﴾ (٢). وقال الحسن (٣)، وزيد بن أسلم (٤): إذا فرغت من جهاد العدو فانصب في عبادة ربك، وإلى ربك فارغب. قال عطاء عن ابن عباس: يريد تضرع إليه راهبًا من النار، وراغبًا في

стр. 13055

الجنة (١). وقال أبو إسحاق: أي اجعل رغبتك إلى الله وحده (٢)

стр. 13056

سورة التين

стр. 13057

تفسير سورة التين (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ وقال ابن عباس (٢) (في رواية الكلبي) (٣): يعني تينكم وزيتونكم، وهو قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)،

стр. 13058

(وعكرمة (١)، وإبراهيم (٢)) (٣)، ومقاتل (٤)، قالوا: هو تينكم الذي تأكلون، وزيتونكم الذي تعصرون منه الزيت. وعلى هذا إنما ذكر الله تعالى هذا القسم بالتين؛ لأنه فاكهة مخلصة من [شوائب] (٥) التنغيص (٦)، وفيه أعظم العبرة لدلالته على (٧) من هيأها على تلك الصفة، وخلصها لتكامل اللذة على مقدار اللقمة، فالله المنعم به على عباده، والمنة على مَا فيه ليعتبروا ويشكروا. وقد روى أبو ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال في التين: "لو قلت إن فاكهة نزلت من الجنة، قلت هذه، لأن فاكهة الجنة بلا عجم (٨)، فكلوها، فإنها تقطع البواسير (٩)، وتنفع من النقرس (١٠) ".

стр. 13059

وأما الزيتون فإنه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة مع [الاصطباغ] (١) به، والأدهان، واتخاذ الصابون، ثم ما في شجره من أنه مال يبقى على مرور الزمَان، ثم ما فيه من الطيب، وإصلاح الغذاء؛ إذا تُنوِلَ على الحالة الأولى قبل العصر. وقال قتادة: التين الجبل الذي عليه دمشق (٢)، والزيتون الجبل الذي

стр. 13060

عليه بيت المقدس (١) (٢). ونحو هذا قال ابن زيد؛ إلا أنه خص المسجدين فقال: التين مسجد دمشق، والزيتون (مسجد) (٣) بيت المقدس (٤). وروى (أبو مكين (٥)) (٦) عن عكرمة قال: هما جبلان (٧).
следующие страницы →