← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 13161–13200 · переход к 13166.

стр. 13161

قال ابن الأنباري: ولا يجوز أن يحمل هذا على القلب؛ لأنه لا ضرورة تحوج إلى ذلك، وهو صحيح المعنى من غير قلب اللفظ، ومعناه: إن الإنسإن من أجل حب المال لبخيل، و"اللام" في الحب بتأويل: من أجل (١). قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى: وانه لحب الخير لشديد الحب، فاكتفى بالحب الأول من الثاني، كما قال: ﴿اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ [إبراهيم: ١٨] أراد في يوم عاصف الريح، فاكتفى بالأول من الثانية (٢). ثم خوفه فقال: ٩ - ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾ يقول (٣): أفلا يعلم هذا الإنسان إذا بعث الموتى. (وذكرنا تفسير "بعثر" عند قوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ﴾ [الانفطار: ٤] (٤)، ومعنى: ﴿بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ﴾: أثير وأخرج) (٥). ١٠ - ﴿وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ قال أبو عبيدة: (مُيَّز (٦)) (٧). قال الليث (٨): حصل (يحصل) (٩) الشيء حصولاً، والحاصل من كل

стр. 13162

شيء ما بقي وثبت وذهب ما سواه، والتحصيل: تمييز ما يحصل، والاسم الحصيلة، قال لبيد: وكل امرئٍ يِوْمًا سيعلم سَعْيه ... إذا حصلَتْ عندَ الإلَهِ الحصائِلُ (١) (٢)) (٣) قال ابن عباس (٤)، ومقاتل (٥): ميز ما في القلوب من الخير والشر. وقال الكلبي: بين (٦). والمعنى: جمع، وأبرز. ١١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ﴾ مفعول العلم، وكسرت "إن" لمكان "اللام" في خبرها. وتأويل هذه الآية ما ذكره الزجاج قال: الله خبير بهم في ذلك اليوم وغيره، ولكن المعنى: أن الله يجازيهم على كفرهم في ذلك اليوم، وليس يجازيهم (٧) إلا بأعمالهم، ومثل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [النساء: ٦٣] معناه: أولئك الذين لا يترك الله مجازاتهم (٨).

стр. 13163

سورة القارعة

стр. 13164

تفسير سورة القارعة (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿الْقَارِعَةُ﴾ اسم من أسماء القيامة في قول الجميع (٢) قال الكلبي: سميت قارعة، لأنها قرعت قلوبهم. (٣) وقال مقاتل: لأنها تقرع أعداء الله بالعذاب (٤).

стр. 13165

وقال أبو إسحاق: القارعة التي تقرع بالأهوال (١). وقال أهل المعاني: القارعة (البلية) (٢) التي تقرع القلوب بشدة المخافة والفزع بضرب (٣) بشدة اعتماد (٤). قوله تعالى: ﴿مَا الْقَارِعَةُ﴾ تهويل وتعظيم. ثم عجيب نبيه ﷺ منها فقال: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ﴾ تعظيمًا لشدتها. ثم بين أنها متى تكون (فقال): (٥) ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ﴾ (٦) (أي) (٧) القارعة (تقرع) (٨). (قوله) (٩): ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ﴾ قال الكلبي: شبههم يومئذ بالفراش الذي يطير بين السماء والأرض، فيجول بعضه في (١٠) بعض (١١). وقال مقاتل: يعني يجول بعضهم في بعض إذا خرجوا من القبور شبههم في الجولان بالفراش المبثوث، وشبههم في الكثرة بالجراد (١٢).

стр. 13166

وهو قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ﴾ (١). وقال الفراء: كغوغاء (٢) الجراد يركب بعضه بعضًا، كذلك الناس يومئذ يجول بعضهم في بعض (٣). وقال أبو إسحاق: الفراش ما تراه كصغار البَق (٤) يتهافت (٥) في النار، وشبّه الناس في وقت البعث بالجراد المنتشر، وبالفراش المبثوث، لأنهم لما بُعثُوا يموج بعضهم في بعض كالجراد والفراش (٦). وقال أبو عبيدة: الفراش طائر لا بعوض ولا ذباب (٧). وقال المبرد: وهو يوصف بالجهل لتهافته في النار. وأنشد جرير: وقد كان أقوام رددت حلومهم ... عليهم وكانوا كالفراش من الجهل (٨) (٩)

стр. 13167

وقال الليث: الفراش الذي يطير (١)، وأنشد: أودى بجهلهم الفياش فجهلهم (٢) ... حلم الفراش غشين نار المصطلى (٣) (٤) وقال صاحب النظم: إنما شبههم بالفراش؛ لأن الفراش إذا ثار لم يتجه لجهة واحدة، فدل هذا على أنهم إذا بعثوا فزعوا، واختلفوا في المقاصد على جهات مختلفة، و"المبثوث": المفرق، يقال: بثه إذا مزقه (٥) ٥ - قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ﴾. (العهن: الصوف ذو الألوان) (٦)، وقد مر عند قوله: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: ٩]. (والنفش: مدك الصوف حتى ينتفش بعضه عن بعض) (٧)، وهو أهون ما يكون من الصوف. والمعنى: أنها تصير خفيفة في السير، كالصوف الذي نفش باليد.

стр. 13168

ثم ذكر أحوال الناس بقوله: قوله (١) (تعالى) (٢): ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦)﴾ قال مقاتل (٣)، (والكلبي (٤) (٥): رجحت حسناته. ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: أي ذات رضًى يرضاها صاحبها (٦)، وهي كقولهم: لابن، ونابل، وتامر. (قال أبو بكر) (٧): بمعنى ذو لبن، ونبل، وتمر (٨)، ولهذا قال المفسرون في تفسيرها: "مرضية" (٩) على معنى يرضاها صاحبها.

стр. 13169

﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ أي رجحت سيئاته على حسناته. قال أبو بكر: إنما ثقلت موازينهم باتباعهم الحق، وثقلت (١) عليهم. وحق لميزان لا يوضع فيه إلا الحق أن يكون ثقيلاً، وإنما خفت موازين من خفت باتباعهم الباطل في الدنيا، وخفتهم عليهم (وحق) (٢) لميزان يوضع فيه الباطل أن يكون خفيفًا (٣). ونحو هذا ذكر مقاتل، وقال: لأن الحق ثقيل، والباطل خفيف (٤). (وقوله) (٥): ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ قال الليث: الهاوية اسم من أسماء جهنم (٦)، (والهاوية كل مَهوَاة لا يُدرك قعرها) (٧). والمعنى: فمسكنه جهنم. (وهذا معنى قول عطاء (٨)، والكلبي (٩)، وأكثر المفسرين) (١٠). (١١).

стр. 13170

قال أبو إسحاق: وقيل لمسكنه "أمُّه"؛ لأن الأصل في السكون إلى الأمهات، فقيل الذي له بدل ما يسكن إليه: "نار حامية" (١). وهذا معنى (قول) (٢) الفراء: صارت هاوية مأواه، كما (تؤوي) (٣) المرأة ابنها (٤)، فجعلها إذًا لا مأوى له غيرها أمًا له (٥). وقال مقاتل: يقول يؤم الناس (٦) الهاوية (٧)، وهذا إنما كان يحتمل لو قريء "فأمَّه" بفتح الهمزة، ولم يرو ذلك عن أحد. وذكر أهل المعاني قولين آخرين: أحدهما: إن المعنى خسرت نفسه وهلكت، والعرب تقول: هوت أمه، إذا هلك وعطب (٨)، وهذا قول الأخفش، والمبرد (٩)، وصاحب النظم، وأنشدوا لكعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه (فقال) (١٠):

стр. 13171

هَوَتْ أُمه ما يبعث الصبحُ غاديًا ... وماذا (١) يؤدي الليل (٢) حين يؤوب (٣) وأنشد المبرد (٤) قول الكندية (٥): هَوَتْ أُمهم ماذا بهم يوم صُرِّعوا ... بجيشان من أسباب مجد تَصَرما (٦) القول الثاني: (فأم (٧) رأسه هاوية في النار. ذكره الأخفش (٨)، والكلبي، فقال: ويقال: أمه هاوية لأم الرأس (٩). وإلي هذا ذهب قتادة فقال: إنهم يهوون في النار على رؤوسهم (١٠).

стр. 13172

وروى معمر عنه قال: هذه كلمة عربية يقال: إذا وقع في أمر شديد هوت أمه (١). وهذا معنى القول الأول من قولي أهل المعاني، ويدل على صحة القول الأول (وهو الذي عليه المفسرون) (٢) ما روي في الحديث أن المؤمن إذا مات ذهب بروحه إلى أرواح المؤمنين فيسألونه (٣) ويقولون: ما فعل فلان، وفلان؟ حتى إذا سألوه عمن لم يأتهم ممن قد مات (فيقول: قد مات) (٤) أما جاءكم؟ فيقولون: لا، ذهب به إلى أمه الهاوية (٥). ويدل أيضًا على صحته أن الله تعالى قد أخبر عنها فقال: ١٠ - (قوله) (٦): ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ﴾

стр. 13173

يعني الهاوية، و"الهاء" في "ما هيه" للوقف، فإذا وصل جاز حذفها (١)، والاختيار الوقف بـ"الهاء"، لاتباع المصحف، و"الهاء" ثابتة (٢) فيه (٣). وذكرنا الكلام في هذه "الهاء" عند قوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ [البقرة: ٢٥٩]، و ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]، ﴿مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ﴾ (٤). ثم فسرها الله تعالى وأخبر عنها فقال: ﴿نَارٌ حَامِيَةٌ﴾ أي هي نار حامية، قال الكلبي (٥) ومقاتل (٦): حارة

стр. 13174

قد انتهى حرها. كقوله: ﴿تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٤].

стр. 13175

سورة التكاثر

стр. 13176

تفسير سورة التكاثر (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ تقول (٢): ألهاني فلان عن كذا، أي أنساني، وشَغلني، ولَهيتُ عنه ألهى لهيّا، ومنه الحديث: (أن ابن الزبير كان إذا سمع صوت الرعد لَهِيَ من حديثه (٣) أي تركه وأعرض عنه، وكل شيء تركته فقد لهيت عنه) (٤). والتكاثر: التباهي بكثرة المال والعدد، والتفاخر بكثرة المناقب، يقال: تكاثر القوم تكاثرًا إذا تعادوا ما لهم من كثرة المناقب.

стр. 13177

وذكر في تفسير هذا قولان (١): أحدهما: أن المعنى: شغلكم (التكاثر) (٢) بالأموال والأولاد عن طاعة الله. ٢ - ﴿حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾ أي حتى أدرككم الموت على تلك الحال (٣)، وهذا قول قتادة، قال: نزلت في اليهود قالوا نحن أكثر من بني فلان، وبنو فلان أكثر من بني فلان (٤)، ألهاكم ذلك عن الإيمان حتى ماتوا ضلالًا (٥). ثم يدخل في هذا كل من اشتغل بالتكاثر والتفاخر عن طاعة الله حتى يأتيه الموت وهو على ذلك. يدل على هذا ما روي أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: "ألهاكم التكاثر" ثم قال: "يقول ابن آدم مالي مالي، وهل لك من مالك إلا ما أكلت فأبليت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت" (٦).

стр. 13178

قال صاحب النظم في هذا القول: (أي) (١) لا تزالون تتكاثرون، وتتفاخرون إلى أن تموتوا (٢). ويقال لمن مات: زار رَمسه (٣)، وزار قبره. قال جرير للأخطل: زَارَ القُبُورَ أبو (٤) مالكٍ ... فأصبحَ ألأمَ زُوَّارِها (٥) فجعل زيارة القبور بالموت (٦). القول الثاني: إن هذه الآية نزلت في حيين من قريش، وهما (بنو) (٧)

стр. 13179

عبد مناف (١)، وبنو سهم (٢)، تفاخروا أيهم أكثر عددًا، ففخرت (٣) بنو عبد مناف بني سهم بالمكارم والمساعي (٤)، ثم ترقوا إلى ذكر الأموات (٥) حتى أتوا المقابر، فعدوها فكثرتهم بنو (٦) سهم،؛ لأنهم كانوا أكثر عددًا في الجاهلية. (وهذا قول الكلبي (٧)، ومقاتل (٨)، وابن عباس (٩) في روارية عطاء) (١٠).

стр. 13180

وقال ابن بُرَيْدَةَ: نزلت في فخذ من الأنصار، قناخروا بآبائهم، فقالوا: هذا قبر فلان، وهذا قبر فلان (١). ومعنى "حتى زرتم المقابر" على هذا القول: حتى أتيتموها، وذكرتم أهلها في مفاخرتكم، ثم رد الله عليهم فقال: ٣ - ﴿كَلَّا﴾ (٢) قال أبو إسحاق: هو ردع وتنبيه، المعنى: ليس الأمر الذي ينبغي أن يكونوا عليه التكاثر، والذي ينبغي أن يكونوا عليه طاعة الله والإيمان (٣). وقال صاحب النظم: أي (أن) (٤) هنا لا ينفع شيئًا، أو ليس له طائل (٥). ثم أوعدهم فقال: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ ٤ - ثم وكد ذلك، وكرر فقال: ﴿ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾. قال الفراء: الكلمة قد تكررها على التغليظ والتخويف، وهذا من ذلك (٦). قال الحسن (٧)، ومقاتل (٨): هو وعيد بعد وعيد.

стр. 13181

والمعنى: سوف تعلمون عاقبة تكاثركم، وتفاخركم إذا نزل بكم الموت، ثم كلا سوف تعلمون ذلك في القبر، وهذا قول مقاتل (١)، وابن عباس (٢) في رواية عطاء، وعلى هذا ليس التكرير للتأكيد، والتكرير للحالتين، ومن جعلهما (٣) للتأكيد لم يذكر الحالتين، ويقول: هو كقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ﴾ [النبأ: ٤ - ٥] ، ودليل القول الثاني: ما روى زر بن حبيش عن علي بن أبي طالب ﵁ (٤) قال: كنا نشك في عذاب القبر، حتى نزلت هذه السورة (٥). يعني أن معنى قوله: "ثم كلا سوف تعلمون" أي في القبور. ٥ - قوله: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ هذا استئناف خبر وكلام آخر تقول: لو تعلمون (٦) الأمر علمًا يقينًا. وإضافة العلم إلى اليقين كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة: ٩٥]، وقد مر (٧).

стр. 13182

قال قتادة: كنا نحدث أن علم اليقين: أن يعلم (أن) (١) الله باعثه بعد الموت (٢). وقال عطاء: لو تعلمون يوم القيامة علم اليقين (٣). قال صاحب النظم: اليقين -هاهنا- هو الموت أو البعث، لأنهما إذا وقعا جاء اليقين، وزال (٤) الشك. والمعنى على ما ذكروه (٥): لو تعلمون الأمر علمًا يقينًا، كما تعلمونه بعد الموت والبعث. وجواب "لو" محذوف على تقدير: لشغلكم ما تعلمون عن التكاثر والتفاخر (٦).

стр. 13183

وتلخيص هذا المعنى ما ذكره أبو إسحاق: لو علمتم (١) الشيء حق علمه لارتدعتم عما أنتم عليه من التكاثر (٢). ٦ - ثم أوعدهم وعيدًا آخر فقال: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ﴾. وهذا على إضمار القسم. (والمعنى: سترون الجحيم في الآخرة كقوله: "وإن منكم إلا واردها" (٣)، وقراءة العامة بفتح "التاء" (٤). وقد قرئ بضمها (٥)، من أريته الشيء. والمعنى: أنهم يحشرون إليها، فيرونها في حشرهم إليها (فيرونها) (٦). وهذه القراءة تروى عن ابن عامر، والكسائي، كأنهما أرادا (٧) لَتُرَوُنَّها، فتَرَوَنْها، ولذلك قرأ الثانية: ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا﴾ بالفتح، وفي هذه الثانية دليل على أنهم إذا أروها [رأوها] (٨)، وفي قراءة العامة الثانية تكرير للتأكيد، والمعنى: لترون الجحيم بأبصاركم على البعد منكم.

стр. 13184

٧ - ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ أي مشاهدة، وانتصب قوله: "عين اليقين" انتصاب المصدر كما تقول: رأيته حقًا يقينًا، وتبينته يقينًا. ومعنى هذه الرؤية: الرؤية التي هي مشاهدة) (١). هذا كله كلام أبي علي الفارسي (وتفسيره) (٢). وقال الفراء: قراءة العامة أشبه بكلام العرب، لأنه تغليظ، فلا ينبغي أن يختلف لفظه (٣). وقال أبو علي: (والمعنى في "لتَرُون الجحيم" لترون عذاب الجحيم، ألا ترى (٤) أن الجحيم يراها المؤمنون أيضًا، بدلالة قوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١]، وإذا كان كذلك، فالمعنى: والوعيد في رؤية عذابها لا في رؤيتها نفسها، يدل على هذا قوله: ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ [البقرة: ١٦٥]؛ (ذكر العذاب في هذه يدل على أن المعنى في الآخرة العذاب) (٥) أيضًا، وبناء الفعل في قوله: "إذ يرون العذاب"، وفي قوله: ﴿وَإِذَا رَأَى (٦) الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ﴾ [النحل: ٨٥] للفاعل يدل على أن "لَتَرَوُنَّ الجحيمَ"، أرجح (من لَتُرَوْن (٧)) (٨). انتهى كلامه.

стр. 13185

٨ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ قال مقاتل: يعني كفار مكة كانوا في الدنيا في الخير والنعمة، فيسألون (١) يوم القيامة عن شكرها، وما كانوا فيه، ولم يشكروا رب النعم؛ فذلك قوله: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ يوم القيامة (٢). وقال الكلبي: الكفار مسؤولون (٣) عن كل نعمة (٤). قال (٥): وقال أبو بكر ﵁: لما نزلت هذه الآية: يا رسول الله، أرأيت أكلة أكلتها معك في بيت أبي الهيثم بن التَّيَّهان (٦) من خبز شعير، ولحم، وبسر (٧) قد ذنب (٨)، وماء عذب، أتخاف علينا أن يكون

стр. 13186

هذا من النعيم الذي نسأل عنه؟ فقال رسول الله ﷺ : إنما ذلك للكفار، ثم قرأ: ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١)﴾ (٢) [سبأ: ١٧]. والظاهر يشهد لهذا القول وهو: أن الكفار لم (٣) يؤدوا حق النعمة حيث أشركوا به وعبدوا غيره، واستحقوا أن يسألوا عما أنعم عليهم توبيخًا لهم؛ هل قاموا بالواجب فيه، أم ضيعوا حق النعمة؟ ثم يعذبون على ترك الشكل بتوحيد المنعم (٤). وهذا معنى ما ذكره مقاتل، وهو قول الحسن.

стр. 13187

وقال: لا يسأل عن النعيم إلا أهل النار (١). واختلفوا في معنى هذا النعيم. قال ابن مسعود ﵁ الأمن، والصحة (٢) وهو قول الشعبي (٣)، وقتادة (٤)، وسعيد بن جبير (٥). وقال مجاهد: كل لذة من لذات الدنيا (٦).

стр. 13188

وروى (معمر) (١) عن قتادة قال: إن الله تعالى سائل كل ذي نعمة عما أنعم عليه (٢). وعلى هذا ورد أكثر الأخبار. قال محمود بن لبيد (٣): لمّا نزلت هذه السورة علي رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، أي: نعيم نسأل؟ إنما هو الماء، والتمر، وسيوفنا علي عواتقنا، والعدو حاضر، فعن أي نعيم نسأل!، قال: "إن ذلك سيكون" (٤).

стр. 13189

وروى (عطاء) (١) عن ابن عباس أن عمر ﵁ قال: "وأي نعيم نسأل عنه يا رسول الله، وقد أخرجنا من ديارنا وأموالنا! فقال رسول الله ﷺ (٢): "ظلال المساكن، وظلال الشجر، والأخبية (٣) (٤) التي تقيكم من الحر، والماء البارد في اليوم الحار والصحة" (٥). وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "أول ما يسأل الله العبد يوم القيامة أن يقول له: ألم أصح جسمك، وأروك من الماء البارد؟ " (٦). وروى ابن عباس أن النبي ﷺ قال: "ما فوق الإزار،

стр. 13190

وجلف (١) الخبز، وظل الحائط، وجرة الماء، فضل يحاسب به، ويسأل عنه العبد يوم القيامة" (٢). وروى أبو قلابة: أن النبي ﷺ قال في هذه الآية: "ناس من أمتي يعقدون السمن، والعسل بالنقي فيأكلونه" (٣). ومن قال بهذا القول، وهو أن كل أحد يسأل عز النعيم، كان المعنى عنده: أن الكافر يسأل توبيخًا ثم يعذب لتركه الشكر -كما ذكرنا-، والمؤمن يسأل عن ذلك إظهارًا للمنة عليه، وإذا كان قد قام بشكره فلا عتب عليه (٤)، فقد روي أن النبي ﷺ أكل هو ونفر من أصحابه تمرًا،

стр. 13191

وشربوا عليه الماء، وقالوا: يا رسول الله ما شكر هذا النعيم؟ قال: "تقولوا الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين" (١). والنعيم نقيض البؤس. تمت.

стр. 13192

سورة العصر

стр. 13193

(تفسير) (١) سورة والعصر (٢) (٣) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿وَالْعَصْرِ﴾ قال ابن عباس: يريد والدهر (٤). قال الفراء: هو (٥) الدهر أقسم الله به (٦)، قال (٧) قتادة: أراد آخر ساعة من ساعات النهار (٨)، وهو رواية مجاهد عن ابن عباس قال: العصر ما يلي المغرب

стр. 13194

من النهار (١). قال (٢) ابن كيسان: هو الليل والنهار (٣). وهذا قول المفسرين (٤). والعصر بهذه (٥) المعاني صحيح في اللغة؛ (يقال للدهر: العَصْرُ، والعِصْرُ، (والعُصْرُ) (٦)، أنشد ابن السكيت (٧): ثم اتَّقَى وأيَّ عصرٍ يتَّقِى ... بِعُلْبَةٍ وقَلْعِهِ المُعَلَّقِ (٨) (٩) ويقال لليوم، والليلة، والغداة، والعشي: العصر. قال حميد بن ثور: ولن يلبثَ العَصْرانِ يومٌ وليلةٌ ... إذا طَلَبا أن يُدرِكا ما تَيَمَّما (١٠)

стр. 13195

(فإبداله اليوم، والليلة من "العصران" يدل على أنهما العصران) (١)، أنشد (٢) ابن السكيت: وأمطُلُهُ العَصْرَيْنِ حتَّى يملَّنِي ... ويرضى بنِصفِ الدّينِ والأنفُ رَاغِمُ (٣) (٤) قال: العصران: الغداة والعشي (٥). قال الليث: والعصر العشي، وأنشد: تروَّحْ بنا يا عمر ... وقد قَصُرَ العَصْر (٦) قال: وبه سميت صلاة (العصر) (٧) (٨). وقال أهل المعاني في "العصر" بجميع هذه المعاني عبرة للناظرة من جهة مرور الليل والنهار؛ على تقدير الأدوار من جهة أخذ (٩) النهار في

стр. 13196

التقضي، والليل في المجيء (١). وقال أبو إسحاق: وقال بعضهم معناه (٢): ورب العصر، كما قال: (فورب السماء والأرض) (٣) (٤). وقال مقاتل: يعني صلاة العصر أقسم الله بصلاة العصر، وهي الصلاة الوسطى (٥)، فقال: ٢ - ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾. وقال أبو عبيدة (٦)، والزجاج (٧)، وغيرهما (٨): "الإنسان" هاهنا في معنى الناس، وهو اسم الجنس يقع على الجميع كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس. قوله تعالى: ﴿لَفِي خُسْر﴾.

стр. 13197

الخسر: كالخسران، وهو النقصان، وذهاب رأس المال (١). وذكر في تفسير الخسر -هاهنا- قولان: أحدهما: إن هذا الخسر في الدنيا، وهو الضلال. والمعنى: أن كل إنسان؛ يعني الكافر لاستثنائه المؤمنين في الآية الثانية، لفي ضلال حتى يموت فيه، فيدخل الناس. وهذا قول مقاتل (٢). وقال الفراء: لفي عقوبة بذنوبه، وأن يخسر أهله، ومنزله، وماله في الجنة (٣) . -وهذا الخسر إنما هو في الآخرة- وقال أهل المعاني: الخسر هلاك رأس المال، والإنسان في هلاك نفسه وعمره وهما أكثر رأس المال؛ إلا المؤمن العامل بطاعة ربه (٤)، وهو قوله: ٣ - ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وذكر المفسرون في الإنسان التعيين والتخصيص، فقال: عطاء عن ابن عباس: يريد جماعة من المشركين: الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والأسود بن عبد المطلب (٥). وقال مقاتل: نزلت في أبي لهب (٦).

стр. 13198

وروي مرفوعًا أنه أبو جهل (١). وهذا يحمل على أن هؤلاء ممن عني بلفظ الإنسان؛ لأن اللفظ اختص بهم لمكان استثناء المؤمنين من الإنسان. والمعنى: إلا الذين صدقوا الله ورسوله وعملوا بطاعته. ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ﴾ أوصى بعضهم بعضًا بالقرآن، (قاله الكلبي (٢)، والحسن (٣)) (٤). وقال مقاتل: بتوحيد الله (٥). وهو اختيار أبي إسحاق، قال: تواصوا بالإقامة على توحيد الله، والإيمان بنبيه ﷺ (٦). (وقوله) (٧): ﴿وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. قال ابن عباس: بالصبر عن (٨) معاصي الله، وعلى فرائض الله (٩). وروي مرفوعًا: أن المراد بـ: "الذين آمنوا": أبو بكر، و"عملوا

стр. 13199

الصالحات" عمر "وتواصوا (بالحق) عثمان، و (تواصوا) (١) بالصبر" علي ﵃. (٢) وقال أبو حاتم: قرأ أبو عمرو بالصَّبر "بشمم الباء شيئًا (من الجر) (٣) ولا يُشبع (٤). قال أبو علي: (وهما مما لا يجوز في الوقف، ولا يكون في الوصل إلا على إجراء الوصل مُجرى الوقف، وهذا لا يكاد يكون في القراءة، وعلى هذا قول الشاعر (٥):

стр. 13200

فقرَّبْنَ هذا وهذا أزحِلُهْ (١) وأنشد سيبوية: (٢) أنا ابن ماوية إذ جد النقر (٣)
следующие страницы →