← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ قال ابن عباس (١) ومجاهد (٢): لولا دفع الله بجنود المسلمين وسراياهم ومرابطيهم لغلب المشركون على الأرض، فقتلوا المؤمنين وخربوا (٣) البلاد والمساجد. وقال سائر المفسرين: لولا دفع الله بالمؤمنين والأبرار عن الكفار والفجار، لفسدت الأرض ولهلكتْ بِمَنْ فيها (٤). وتصديقُ هذا: ما روي أن النبي ﷺ قال: "يدفع الله بمن يصلي من أمتي عمَّنْ لا يصلُي، وبمن يزكي، عمَّن لا يزكِّي، وبمن يصومُ عمَّن لا يصوم، وبمن يَحُجُّ عمن لا يَحُجُّ، وبمن يُجاهدُ عمن لا يجاهد، ولو اجتمعوا على تركِ هذه الأشياء ما ناظَرَهُم (٥) الله طرفةَ عين"، ثم تلا رسولُ الله ﷺ هذه الآية (٦). واختلف القراء في قوله ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ فقرأ بعضهم: (دفاعُ الله)، وقرأ بعضهم: (دفعُ الله) (٧).

стр. 2172

ومعنى الدفع: الصرف عن الشيء (١). والدفاع يحتمل أن يكون مصدرًا لِفَعَلَ، كالكتاب واللقاء والنكاح، ونحوها من المصادر التي جاءت على فِعالٍ، ويجوزُ أن يكون مصدرًا لفاعَلَ (٢)، يُدلُّ على ذلك قراءةُ من قرأ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحج: ٣٨]، ونظيرُ الدفاع في كونه مصدرًا لِفَعَلَ وفاعَلَ: الكتاب، فقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النور: ٣٣]، الكتاب فيه مصدر: كاتَبَ. وقال: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالكتاب هاهنا: مصدرٌ لِكَتَبَ؛ لأن المعنى: كَتَبَ (٣) هذا التحريمَ عليكم، ومعنى (دَفَعَ) و (دافَعَ) سواء، قال أبو ذؤيب: ولَقَدْ حَرِصْتُ بأن أُدَافِعَ عَنْهُم ... فإِذا المَنِيَّةُ أقْبَلَتْ لا تُدْفَعُ (٤) المعنى: حرصتُ بأن أدفعَ عنهم المنيةَ فإذا المنيةُ لا تُدْفَعُ (٥). ونصب (بعضهم) على البدل من الناس (٦)، المعنى: ولولا دفع الله بعض الناس ببعض.

стр. 2173

٢٥٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا﴾ أي: هذه الآيات التي أنبأتُكَ بها آيات الله (١) أي: علاماته التي تدل على توحيده (٢)، ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ أي: أنت من هؤلاء الذين قَصَصْت آياتهم؛ لأنك قد أُعطيت مثل ما أعطوا وزيادة. ٢٥٣ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية. ﴿تِلْكَ﴾ ابتداء، وإنما قال: ﴿تِلْكَ﴾ ولم يقل: أولئك الرسل؛ لأنه ذهب إلى الجماعة، كأنه قيل: تلك الجماعة. والرسلُ رفع، لأنها صفة لتلك، وخبر الابتداء: ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ (٣). والمعنى في ذكر تفضيل بعضهم على بعض زوال الشبهة لمن أوجب التسوية بينهم في الفضيلة، لاستوائهم في القيام بالرسالة. وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ أي أراد: كلّمه الله، فحذف الهاء، والهاء تحذف كثيرًا من الصلة (٤)، وقد ذكرنا هذا في مواضع. وعنى بقوله: ﴿مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ موسى ﵇ (٥).

стр. 2174

وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ قال أبو إسحاق: جاء في التفسير: أنه يعني به محمدًا (١) ﷺ ، أُرسل إلى الناس كافةً، وليس شيء من الآيات التي أعطيها الأنبياء إلا والذي أُعطي محمد ﷺ أكبر (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ قد مضى تفسير هذا فيما تقدم. والله تعالى أخبر في هذه الآية بتفضيل بعض الأنبياء على بعض ليعرف الناس أنهم ليسوا سواءً في الفضيلة، غير أن النبي ﷺ نهانا عن الخوض في تفضيل بعض الأنبياء على بعض، ولا نخالف أمره، فقال في خبر أبي هريرة: "لا تفضلوا بين الأنبياء (٤) " فيستفاد (٥) من الآية معرفة تفاضلهم، وننتهي (٦) عن (٧) الكلام في ذلك؛ لنهيه ﷺ . وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ يعني: من بعد الرسل ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: من بعد ما وضحت لهم البراهين ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ﴾ (ثبت على إيمانه) (٨) ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ

стр. 2175

كَفَرَ﴾ كالنصارى بعد المسيح، اختلفوا فصاروا فرقًا، ثم تحاربوا (١)، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا﴾، كما قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ [الأنعام: ٣٥]. وكرر (٢) المشيئة باقتتالهم تأكيدًا للأمر، وتكذيبًا لمن زعم أنهم فعلوا ذلك من عند أنفسهم، لم يجر به قضاء ولا قدر من الله تعالى، ثم قال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيد﴾ فيوفق من يشاء فضلًا، ويخذل من يشاء عدلًا (٣). ٢٥٤ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ﴾ قال الحسن: أراد الزكاة المفروضة، قال: لأنه مقرون بوعيد، وقال الآخرون (٤): أراد صدقة التطوع، والنفقة في الخير. قال ابن عباس في هذه الآية: نَفَقَةُ الرجل على أهله وولده وخادمه وجاره صدقة، إذا كان من حلال، وفي غير سرف. وقال أبو إسحاق: أي: أنفقوا في الجهاد، ولْيُعِنْ بعضكم بعضًا عليه (٥). ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ﴾ يعنى: يوم القيامة، يريد: لا يؤخذ في ذلك اليوم بدلٌ ولا فداء، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٦]، فذكر لفظ البيع لما فيه من المعاوضة وأخذ البدل.

стр. 2176

﴿وَلَا خُلَّهٌ﴾ الخُلَّةُ: مَصْدَرُ الخَلِيْل، وكذلك الخِلاَلة، والخُلَّةُ أيضًا تكون اسمًا، كما قال: ألا أبْلِغا خُلَّتِي رَاشِدًا ... وصِنْوِي قِديمًا إذا ما اتَّصَل (١) يريد: خليلى (٢). وقوله تعالى: ﴿شَفَاعَةٌ﴾ إنما عم نفيَ الشفاعة؛ لأنه عنى الكافرين بأن هذه الأشياء لا تنفعهم، ألا ترى أنه قال عقيب هذا: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هم الذين وضعوا الأمرَ غيرَ موضِعِه (٣)، ونظير هذه الآية ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [إبراهيم: ٣١]. ٢٥٥ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ (٤) رفع بالابتداء، وما بعده خَبَرُه (٥)، ونَفْيُ إلهٍ سواهُ توكيدٌ وتحقيقٌ لإلاهِيَّتِه؛ لأن قولك: لا كريم إلا زيد، أبلغُ من قولِك: زيدٌ كريم. وقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ﴾ الحي من له حياة، وهي صفة تخالف الموت والجمادية (٦)، وأصله: حَيِيَ، مثل: حَذِرَ وطَمِع، فأدغمت الياء في الياء عند

стр. 2177

اجتماعهما. وقال ابن الأنبارى: الحي: أصله الحيو (١)، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جعلتا ياء مشددةً (٢). ومعنى الحي: الدائم البقاء (٣). وقوله تعالى ﴿الْقَيُّومُ﴾ القَيُّومُ في اللغة: مبالغةٌ من القَائم، وزنه فَيْعُول، وأصله: قَيْوُوُم، فلما اجتمعت الياء والواو، والسابق ساكن جُعِلَتا ياءً مشددة (٤)، ولا يجوز أن يكون على (فَعُّول)، لأنه لو كان كذلك لكان قوومًا (٥). وفيه ثلاث لغات: قَيوم وقَيّام وقَيِّم (٦)، ولا يجوز أن يطلق في وصفه إلا ﴿الْقَيُّومُ﴾ لعدم التوقيف بغيره من اللغات، إلا ما روي عن بعض الصحابة والتابعين، أنهم قرأوا: القَيَّام والقَيّم (٧). وقد تكلمت العرب بالقَيُّوم. قال أمية: قَدَّرَها (٨) المُهَيْمِن القَيُّوم (٩)

стр. 2178

وأنشد ابن الأنباري: إنَّ ذا العَرْش الذي يَرْزُق ... النَّاس وحَيّ عَلَيْهمُ قَيّوم (١) ومثله: ما في الدار دَيَّارٌ ودَيُّورٌ ودَيِّر (٢). فأما معناه: فقال (٣) مجاهد: القيوم: القائم على كل شيء (٤)، وتأويله: أنه قائم بتدبير أمر الخلق، في إنشائهم وأرزاقهم، وقال الضحاك: القيوم: الدائم الوجود (٥). أبو عبيدة: هو الذي لا يزول (٦)، لاستقامة وصْفِهِ بالوجود، حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه. وقيل: هو بمعنى العالم بالأمور، من قولهم: فلان يقوم بهذا الكتاب، أي: هو (٧) عالم به. وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ السِّنة: ثِقَلُ النُّعاس، وهو مصدر وَسَن، يَوْسَنُ، سِنَةً، وهو وسنان ووسِن، وامرأة وَسْنَانَةٌ ووَسْنَى.

стр. 2179

وحقيقة السِّنة: ريح تجيء من قبل الرأس لينة تغشى العين (١). وحقيقة النوم: هو الغشية الثقيلة، التي تهجم على القلب، فتقطعه عن معرفة الأمور الظَّاهرة. وقال المفضل: السِّنة في الرأس، والنوم في القلب (٢). وقد فصل بينهما عدي ابن الرِّقَاع (٣) في قوله (٤): وَسْنَانُ أَقْصدَه النُّعاسُ فَرَنَّقَتْ ... في عَينِه سِنَةٌ ولَيْسَ بِنَائِمِ (٥) (٦) وتأويله: أنه لا يغفل عن تدبير الخلق (٧). وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ استفهام معناه الإنكار والنفي، أي: لا يشفع عنده أحد إلا بأمره (٨)، وذلك أن المشركين كانوا يزعمون أنّ الأصنام تشفع لهم، وقد أخبر الله عنهم بقوله: ﴿مَا

стр. 2180

نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] وقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ الآية [يونس: ١٨] فأخبر الله تعالى أنه لا شفاعة عنده لأحد (١) إلا ما استثناه بقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ يريد: شفاعة النبي ﷺ وشفاعة بعض المؤمنين لبعض في الدعاء (٢). وقوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ قال مجاهد (٣) وعطاء (٤) والسدّي (٥): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الآخرة. الضحاك (٦) (٧) والكلبي (٨): ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني (٩): الآخرة، لأنهم يُقْدمون عليها ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الدنيا، لأنهم يُخِّلفونها وراء ظهورهم (١٠). وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ يريد: من السماء

стр. 2181

إلى الأرض، (وما خلفهم) يريد: ما في السموات (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ يقال: أَحَاط بالشئ: إذا عَلِمَه، كأنه ما لم يَعْلَمْه عازِبٌ عنه، فإذا عَلِمَه ووَقَفَ عليه وجَمَعَه في قَلْبه قيل: أحاط به (٢)، من حيث إن المحيط بالشيء مشتمل عليه، قال الليث: يقال لكل من أحرز شيئًا أو بلغَ علمُه أقصاه: قد أحاط به (٣) (٤). وقوله تعالى: ﴿مِنْ عِلْمِهِ﴾ أي: من معلومه، كما يقال: اللهم اغفر لنا علمك فينا، وإذا ظهرت آية عظيمة قيل: هذه قدرة، أي: مقدورة. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ أي: إلا (٥) بما أنبأ به الأنبياء، ليكون دليلًا على تثبيت نبوتهم، وقال (٦) ابن عباس: يريد مما أطلعهم على علمه. وقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ يقال: وَسِع الشيءَ يَسَعُه سَعَةً: إذا احتمله وأطاقه (٧) وأمكنه القيام به، يقال: لا يَسَعُك هذا، أي: لا تُطِيقُه ولا تَحْتَمِلُه (٨)، قال أبو زبيد (٩) (١٠):

стр. 2182

أعْطِيهم الجهدَ مِنَّي بَلْهَ مَا أَسَعُ (١) أي: ما أطيق، ومنه قوله ﷺ : "لو كان موسى حيًّا ما وسعه إلا اتباعي (٢) " أي: ما جَازَ له، ولم يحتمل غير ذلك (٣). وأما الكرسي، فأصله في اللغة: من تركب الشيء بعضه على بعض، قال الأصمعي: الكِرْسُ: أبوالُ الدواب وأَبْعَارُها، تَتَلَبَّدُ بعضها فوق بعض (٤)، وأكرست الدار إذا كثر فيها الأبعار والأبوال (٥)، وتلبد بعضها على بعض. قال العجّاج (٦): يا صاحِ هل تَعْرِفُ رَسْمًا مُكرِسَا (٧)

стр. 2183

بفتح الراء وكسرها، ومن فتح الراء فهو الذي قد بعرت فيه الإبل وبولت فركب بعضه بعضًا، وتَكَارَسَ الشَّيءُ إذا تَرَاكَب، ومنه: الكُرّاسة لِتَرَاكبِ بعضِ أوراقِها على بعضٍ، والكُرسيُّ المعروف؛ لتركيب خَشَبَاته (١) بعضِها فوق بعض (٢). واختلف المفسرون في معنى الكرسي في هذه الآية، فأولى الأقاويل وأصحُّها: ما قال ابن عباس، في رواية عطاء (٣)، وأبو موسى (٤) والسدي (٥): أنه الكرسي بعينه، وهو لؤلؤ، وما السموات السبع في الكرسيِّ ألا كَدَراهم سبعة أُلْقِيَتْ في تُرْس، ومعناه: أن كرسيَّهُ مشتمل بعظمه على السموات والأرض. قال عطاء: هو أعظم من السموات السبع والأرضين السبع (٦). وروى عمَّار الدُّهني (٧) (٨) عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن

стр. 2184

ابن عباس، أنه قال: الكرسي: موضع القدمين، وأما العرش فإنه لا يُقْدَرُ قَدْرُه (١). وقال (٢) الأزهري: وهذه رواية اتفق أهل العلم على صحتها (٣). وأراد ابن عباس بقوله: موضع القدمين، أي: موضع القدمين منا. قال الزجاج: وهذا القول بَيِّن؛ لأن الذي نعرفه من الكرسي في اللغة: الشيء الذي يعتمد عليه، ويجلس عليه، فهذا يدل (٤) أن الكرسي عظيم، عليه السموات والأرضون (٥). وقال بعضهم: كرسيه: سلطانه ومُلْكه، يقال: كرسي الملك من مكان كذا إلى مكان كذا، أي: مُلْكه، مشبه (٦) بالكرسي المعروف؛ لأن تركيب بعض (٧) تدبيره على بعض، كتركيب بعض الكرسي على بعض، ويجوز أن يكون لاحتوائه عليه كاحتوائه على كرسيه، فلا يبعد أن تُكنّي عن

стр. 2185

الملك بالكرسي، كما (١) تكني عنه بالعرش. فيقال: ثُلَّ عرشُه، إذا ذهب عزُّه وملكه (٢). وقال قوم: كرسيه: قدرته التي بها يمسك السموات والأرض، قالوا: وهذا كقولك: اجعل لهذا الحائط كرسيًا، أي: اجعل له ما يَعْمِدُه ويُمْسِكُه، حكاه أبو إسحاق (٣). وقال ابن عباس (٤) ومجاهد (٥) وسعيد بن جبير (٦): كرسيه: علمه. قال أهل المعاني: يجوز أن يُسَمَّى العلمُ كرسيًّا، من حيث إن الاعتماد في الأشياء على العلم، كالكرسي الذي يعتمد عليه، ويقال للعلماء: الكراسي؛ لأنهم المُعتمدُ عليهم، كما يقال: هم أوتاد الأرض (٧)، وأنشدوا:

стр. 2186

تَحُفُّ بهم بِيضُ الوُجُوه وعُصْبة ... كَرَاسي بالأحْدَاثِ حِينَ تَنُوبُ (١) أي: علماء بحوادث الأمور. وأنشدوا أيضًا: نَحْنُ الكرَاسِي لا (٢) تعد هوازن ... أمثالنا في النَّائِبَاتِ ولا أَسُد (٣) قال ابن الأنباري: الذي نذهب إليه ونختاره القول الأول، لموافقته الآثار، ومذاهب العرب، والذي يحكى عن ابن عباس: أَنَّه عِلْمُه، إنما يروى بإسناد مطعون، والبيتان يقال: إنهما من صَنْعَةِ النحويين، لا يُعْرفُ لهما قائل، فلا يحتج بمثلهما (٤) في تفسير (٥) كتاب الله . وقال الأزهري: من روى عن ابن عباس في الكرسي (٦): أنه العلم، فقد أبطل (٧). وقال أبو إسحاق: الله أعلم بحقيقة الكرسي، إلا أن جملته

стр. 2187

أنه أمر عظيم من أمره (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ يقال: آده يَؤُوده أَوْدًا: إذا أَثْقَلَه وأَجْهَدَه، وأُدْتُ العُودَ أودًا، وذلك إذا اعتَمدت (٢) عليه بالثِّقْلِ حتى أملته (٣)، قالت الخنساء: وحَامِلُ الثِّقلِ والأعْبَاءِ قَدْ عَلِمُوا ... إذا يَؤُودُ رِجَالًا (٤) بعضُ ما حَمَلُوا (٥) وقال آخر: وقَامَتْ تُرَائِيكَ مُغْدوْدِنًا (٦) ... إذا ما تَنُوءُ بهِ آدَها (٧)

стр. 2188

أي: أثقلها، يصف كَثْرةَ شَعْرِها، وإنها لا تُطِيقُ حَمْله (١). وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ يقال: علا يَعْلُو عُلُوًّا فهو عالٍ وعليّ، مثل: عَالم وعَليم، وسامع وسميع، فالله تعالى عليٌّ بالاقتدار ونفوذِ السلطان، وقيل: عليٌّ على الأشباه والأمثال. يقال: علا على قِرنه، إذا اقتدر عليه وغَلبه، وليس ثَمَّ عُلُوٌ من جهة المكان، ويقال أيضًا: علا فلان عن هذا الأمر: إذا كان أرْفَعَ مَحَلًّا عن الوصف به (٢)، فمعنى العُلُوِّ في صفة الله تعالى منقولٌ إلى اقتداره، وقهره، واستحقاقه صفات المَدْح، على وجه لا يُسَاوى ولا يُوَازَى (٣) (٤). والعظيم: معناه: أنه عظيم الشأن، لا يُعْجِزه شَيء، ولا نهايةَ لمَقْدُوره (٥) ومَعْلُومه. ٢٥٦ - قوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ الآية. اللام في الدين، قيل: إنه لام العهد، وقيل: بدل من الإضافة، كقوله: ﴿فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٤١] أي: مأواه، وأراد: في دين الله (٦). وأكثرُ المفسرين: ابن

стр. 2189

عباس (١)، وقتادة (٢)، ومجاهد (٣)، وغيرهم (٤)، على أن معنى الآية: لا إكراه في الدين بعد إسلام العرب. وذلك أن العرب كانت أمة أمية، لم يكن لهم دين ولا كتاب، فلم يقبل منهم إلا الإسلام أو السيف (٥)، فأُكْرِهوا (٦) على الإسلام، ولم يقبل منهم الجزية، فلما أسلموا، ولم يبق أحد من العرب، إلا دخل في الإسلام، طوعًا أو كرهًا، أنزل الله سبحانه: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ فأمر أن يقاتل أهل الكتاب، والمجوس، والصابئون، على أن يسلموا أو يقروا بالجزية، فمن أقر منهم بالجزية، قبلت منه وخُلّي سبيلُه، ولم يُكره على الإسلام (٧). والحكم في هذا: أن الحربي إذا أُكْره على الإسلام فتلفظ بالشهادتين خوف السيف صحّ إسلامه، ولا خلاف في ذلك؛ لأن الإكراه إكراه بالحق هذا (٨)، فأما الذمي إذا أكره على الإسلام، فهو مختلف فيه، والصحيح: أن إسلامه مع الإكراه غير صحيح؛ لأنه إكراه بباطل وظلم (٩). قال أبو

стр. 2190

عبيد: الصحيح في وجه هذه الآية، إن شاء الله، أن يكون في أهل الذمة لأدائهم الجزية، أو يكونوا مماليك، فلا يكرهون على الإسلام، فأما أهل الحرب فلا يكون لهم ذلك. وقال ابن مسعود، (١) والسدي، (٢) وابن زيد، (٣): كان هذا قبل أن يؤمر رسول الله ﷺ بقتال أهل الكتاب في سورة براءة. وقال سليمان بن موسى (٤) في هذه الآية: نَسَخَتْها ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: ٧٣] (٥). وقال الزجاج: الإكراه في هذه الآية معناه: النسبة إلى الكره، كما يقال: أكفره وأفسقه وأكذبه. ومعنى الآية: لا تقولوا لمن دخل بعد الحرب في الإسلام: إنه (٦) دخل مكرهًا، ولا تنسبوا من دخل في الإسلام إلى الكره؛ لأنه إذا رضي بعد الحرب، وصح إسلامه فليس بِمُكرَه (٧) (٨)، يدل عليه قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤] (٩).

стр. 2191

وقوله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ يقال: بَانَ الشيءُ وأَبَانَ واستبان وَبيَّنَ: إذا ظهر وَوَضَح، ومنه المثل: قد بَيَّنَ الصُّبْح لذي عينين، ويقال: تبَيَّن (١). والرُّشْدُ معناه في اللغة: إصابةُ الخير، وفيه لغتان: رَشَد يَرْشُد رُشْدُا، ورشِد يرشَد رشَدًا (٢). والرشاد أيضًا مصدر كالرُّشْد (٣). والغيُّ: نقيض الرُّشد، يقال: غوى يغوي غيًا وغوايةً، إذا سلك خلافَ طريقِ الرشد (٤)، قال: فمَنْ يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النَّاسُ أَمْرَه ... ومَنْ يَغْوِ لا يَعْدَمْ على الغَيِّ لائِما (٥) قال أبو عبيد: وبعضٌ يقول: غَوِيْتُ أَغْوَى، وليست بمعروفة، إنما

стр. 2192

هي في الفصيل إذا بِشِمَ من اللبن (١). ومعنى ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ﴾ مِنْ الغَبِّ ظهر الإيمان من الكفر، والهدى من الضلالة بكثرة الحجج والآيات الدالة. وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ قال أهل اللغة: الليث، (٢) وأبو عبيدة، (٣) والكسائي (٤): الطاغوت: كُلُّ ما عُبِدَ من دون الله، واحدٌ وجِماع (٥)، ويُذَكَّر ويؤنث، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠] فهذا في الواحد، قيل: هو كعب بن الأشرف (٦)، وقال في الجمع (٧): ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال في المؤنث: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧]. ومثله من الأسماء: الفُلْك، يكون (٨) واحدًا وجمعًا ومذكرًا ومؤنثًا (٩).

стр. 2193

قال النحويون: وزنه: فَعَلوت، نحو: جَبَرُوت، والتاء زائدة فيه، وهي مشتقة من طَغَى، وتقديره: طَغَوُوْت (١)، إلا أن لام الفعل قُلِبت إلى موضع العين، كعادتهم في القلب، نحو الصاعقة والصاقعة وبابه، ثم قلبت الواو ألفًا، لوقوعها في (٢) موضع حركة وانفتاح ما قبلها، (٣)، قال المبرد في الطاغوت: الأصوب عندي أنه جمع (٤)، قال أبو علي: وليس الأمر عندنا على ما قال، وذلك أن الطاغوت مصدر، كالرَّغَبُوت والرَّهَبُوت والسَّلَبُوت، فكما أن هذه الأسماء آحاد، كذلك هذا الاسم مفرد ليس بجمع، والأصل فيه التذكير، فأما قوله: ﴿أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ [الزمر: ١٧] فإنما أَنَّثَ إِرادةَ الآلهة، ويدل على أنه مصدر مفرد قوله: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ فأفرد في موضع الجمع، كما قال: هم رضا، وهم عدل (٥).

стр. 2194

قال ابن عباس (١) ومقاتل (٢) والكلبي (٣): الطاغوت: الشيطان، وقيل: الأصنام (٤). وقوله تعالى: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ اسْتَمْسَكَ بالشيء: إذا تمسك به (٥). والعُرْوة: جمعها عُرًى، وهي نحو عُروة الدَّلو والكُوز، وإنما سُميت لأنها يتعلق بها، من قولهم: عَرَوْتُ الرجلَ أَعْرُوهُ عَرْوًا: إذا ألمَمْتَ به مُتَعلِّقا بسبب منه، والعُرْوَةُ: شَجَر يبقى على الجَدْب؛ لأن الإبل تتعلق (٦) به إلى وقت الخِصْب (٧)، ومنه قول مهلهل (٨):

стр. 2195

خَلَعَ المُلوكَ وسَارَ تَحْتَ لِوَائِهِ ... شَجَرُ العُرَى وعَراعِرُ الأقْوَامِ (١) قال الأزهري: العروة من دِق الشجر: ما له أصل باق، مثل: العَرْفَج والنَّصِي، (٢) وأجناس (٣) الخُلةِ والحَمْضِ، فإذا أمحل (٤) الناس عصمت العروة الماشية فتبلغت (٥) بها، ضربها الله مثلًا لما يعتصم به من الدين (٦). (والوُثْقَى) تأنيث الأوثق (٧). قال عطاء عن ابن عباس: العروة الوثقى، هي: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن ما جاء به محمد حق وصدق (٨). وقال مجاهد (٩): هي الإيمان، وقال الزجاج (١٠): معناه: فقد عقد لنفسه عقدًا وثيقًا (١١).

стр. 2196

قال أهل المعاني: العروة (١) الوثقى، هاهنا: مَثَلٌ حَسُنَ به البيان لتَرْك ما لا يقع به الإحساس إلى ما يقع به الإحساس، وذلك أنه لا يقع الإحساس بالتعلق بالكلمة ولا بالإيمان، وإنما يقع الإحساس بما يكون من جنس الحَبْل والسَّبب والعُرَى وما يتعلق به، فضرب العروة الوثقى مثلاً للإيمان بما جاء به محمد ﷺ . وقوله تعالى: ﴿لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾ الفَصْم: كَسْرُ الشيء من غير إبانة، يدل عليه قولُ ذىِ الرمة يَصِفُ ظَبْيًا حاقِفًا: كأنه دُمْلجٌ من فِضَّةٍ نَبَهٌ ... في مَلْعَبٍ من جَوَارِي الحَيِّ مَفْصومُ (٢) والانفصام: مطاوع الفَصْم، يقال: فَصمْتُه فانْفَصَم، أي: صَدَعْتُه فانْصَدَع (٣). قال ابن عباس: لا انقطاع لها دون رضى الله ودخول الجنة (٤). قال النحويون: نَظْمُ الآيةِ: بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها،

стр. 2197

والعرب تضمر (التي والذي ومن وما)، وتكتفي بصلاتها منها (١)، قال سلامةُ بنُ جَنْدَل (٢): والعادِياتُ أَسَابِيُّ الدِّماءِ بها ... كأنَّ أَعْناقَها أَنْصابُ تَرْجِيبِ (٣) يريد: والعاديات (٤) التي. ومنه قوله : ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ﴾ [الإنسان: ٢٠] أي: رأيت (٥) ما ثم. وقال الشاعر في إضمار من: كَذَبْتُم وبَيْتِ الله لا تَنْكِحُونَها ... بَني شَابَ قَرْنَاهَا تُصَرُّ وتُحْلَبُ (٦) على معنى: بني مَنْ شاب قرناها، وقال الله : ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]، أي: من له. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: كان رسول الله ﷺ يحب إسلام أهل الكتاب من اليهود الذين حول المدينة، وكان يسأل الله ذلك سرًّا وعلانية (٧). فمعنى قوله: والله سميع، يريد: لدعائك يا محمد، عليم بحرصك

стр. 2198

واجتهادك. وقال (١) أبو إسحاق: أي: يسمع ما يعقده الإنسان على نفسه من أمر الإيمان، ويعلم نيته في ذلك (٢). ٢٥٧ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، الوَلِيُّ: فعيل بمعنى فاعل، من قولهم: وَلِيَ فلانٌ الشيءَ يَلِيهِ ولايةً فهو والٍ وَوَليِّ (٣)، وأصله من الوَلْيِ الذي هو القُرْب، قال الهذلي (٤): عدَتْ عَوَادٍ دَون وَليك تَشْعَبُ (٥). ومِنْ هذا يقال: داري تَلِي دارَه، أي، تَقْرُبُ منه، ومن هذا المعنى يقال للنصير المعاون المحب: وَلِيّ، لأنه يقرب منك (٦) بالمحبة والنصرة، ولا يفارقك (٧)، ومن ثَم قالوا في خلاف الولاية: العَدَاوة، ألا ترى أن العداوة من: عَدَا الشيءَ، إذا جَاوَزَه، فمن ثَمَّ كانت خِلافَ الوِلاية، فالوَلِيّ في اللغة هو: القريب من غير فصل (٨)، والله تعالى ولي المؤمنين على معنى أنه يلي أمورهم، أي: يتولاها، وإن كانت أمور الكفار تجري بمشيئته، ففي هذا تخصيص للمؤمنين وتفضيل، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ

стр. 2199

الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾ [محمد:١١]، ووليهم أيضًا على معنى أنه يَتَوَلَّى ثوابَهُم ومجازاتهم بحسن أعمالهم (١). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ أىِ: من الكفر والضلالة إلى الإيمان والهداية (٢). قال الواقدي: كل ما في القرآن من الظلمات والنور فإنه أراد به الكفر والإيمان، غير التي في الأنعام ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ [الأنعام: ١]، فإنه يعني الليل والنهار. وجعل الكفر ظلمات؛ لأنه كالظلمة في المنع من إدراك الحق (٣). وقال الزجاج: لأن أمر الضلالة مظلمٌ غيُر بَيِّن، وأمر الهدى بَيِّنٌ واضح كبيان النور (٤). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾ أي: الذين يتولون أمرهم الطاغوت، والطاغوت هاهنا جمع، وقد ذكرناه (٥). وقرأ الحسن: (أوليائهم الطواغيت) على الجمع (٦). وقال مقاتل: يعنى بالطاغوت هاهنا: كعب بن الأشرف وحيي بن

стр. 2200

أخطب (١) وسائر رؤوس الضلالة (٢). وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ قال قتادة (٣) والمقاتلان (٤): يعنى: اليهود كانوا مؤمنين بمحمد ﷺ قبل أن يبعث لِما يجدونه في كتبهم من نعته وصفته، فلما بعث جحدوه وأنكروه (٥) وكفروا به. بيانه (٦) قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩] وعلى هذا، الطاغوتُ: علماؤهم، يخرجون أتباعهم عما كانوا عليه من الإيمان بمحمد قبل مبعثه، بقولهم: إنه ليس ذلك الذي نُعت (٧) في كتابنا. وسائر المفسرين على أن هذا على العموم في جميع الكفار (٨). ووجه إخراجهم من النور ولم يكونوا فيه، أنّ منع الطاغوت إياهم عن الدخول فيه إخراجٌ لهم منه، كما تقول: أخرجني والدي من ميراثه، تأويله: أنه (٩) منعني الدخول فيه؛ لأنه لو لم يعمل ما عَمِلَ لدخلتُ فيه ومثل هذا:

стр. 2201

قوله تعالى ﴿مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ [الحج: ٥]، يريد: ينقل، لأنه لم يكن فيه قط، فسمى النقل ردًا، لأن صورتهما واحدة، ومثله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩] أي: صار (١). وروي عن مجاهد: أن هذا في قوم ارتدوا عن الإسلام (٢). وأضاف الإضلال والإخراج من النور إلى الطاغوت؛ لأن سبب ذلك من الطاغوت، وهو التزيين والوسوسة والدعاء إليه، فالإضافة إليه لأجل السبب. وحقيقة الهداية والإضلال لله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [النحل: ٩٣] والشيطان يزين ويسول، كما قال النبي ﷺ : "بعثت داعيًا وليس إليَّ من الهداية شيء، وخُلِقَ إبليسُ مُزِيِّنًا (٣) وليس إليه من الضَّلالَةِ شيء" (٤). ٢٥٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ الآية ﴿أَلَمْ﴾ كلمة يُوْقَفُ (٥) بها المخاطَبُ على أمر تعجب منه. ولفظه لفظ الاستفهام (٦).

стр. 2202

قال الفراء: وإدخال العرب (إلى) (١) في هذا الموضع على جِهَةٍ التعجب، كما يقول الرجل: أما ترى إلى هذا؟ والمعنى: هل رأيت مثل هذا؟ أو رأيتَ هكذا (٢)، والدليل على ذلك أنه قال: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾، فكأنه قال: هل رأيت كمثل الذي حاج، أو كالذي مر (٣). وإنما دخلت (إلى) لهذا المعنى من بين حروف الإضافة؛ لأن (إلى) لما كانت نهاية صارت بمنزلة: هل انتهت رؤيتك إلى من هذه صفته؟ لتدل على بعد وقوع مثله على التعجب منه، لأن التعجب إنما هو (٤) مما استبهم سببه مما (٥) لم تجر به عادة (٦). و ﴿حَاجَّ﴾ بمعنى: جادل وخاصم (٧)، وهو نمروذ (٨) بن كنعان. قال ابن عباس، في رواية عطاء: إن إبراهيم دخل بلدة نمرود ليمتار (٩)، وأرسل إليه (١٠) نمرود، وقال له: من ربك؟ قال: ربي الذي يحيي ويميت، قال نمرود: أنا أحيي وأميت (١١).

стр. 2203

وقوله تعالى: ﴿أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ أي: لأن أتاه الله، وتأويله: ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه للملك الذي (١) آتاه الله، يريد: بطرُ المُلك حمله على محاجة إبراهيم (٢). وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ هذا جواب سؤال سابق غير مذكور، وتقديره (٣): إذ قال له: من ربك؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّيَ﴾ (٤) الذي يحيي ويميت، فحذف (٥)؛ لأن الجواب يدل على السؤال في مثل هذا الموضع (٦). وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ اعتمد عدو الله على المعارضة على الإشراك (٧) في العبادة (٨) في العبارة، عادلًا عن وجه الحجة بفعل حياةٍ للميت أو مَوْتٍ (٩) لحي على سبيل الاختراع الذي يفعله الله ؛ لأنه رُويَ أنه دعا برجلين؛ فقتل أحدهما واستحيا الآخر، فسَمَّى ترك القتل إحياءً (١٠). والقراء على إسقاط ألف أنا (١١) عند الوصل في جميع القرآن، إلا ما

стр. 2204

روي عن نافع من إثباته عند استقبال همزة (١)، والصحيح من القراءة ما عليه القراء (٢)؛ لأن (أنا) ضمير المتكلم، والاسم الهمزة والنون، فأما الألف فإنما تلحقها في الوقف، كما تلحق الهاء في (مسلمونه) للوقف، وكما أن الهاء التي تلحق للوقف إذا اتصلت الكلمة التي هي فيها بشيء (٣) سقطت. كذلك هذه الألف تسقط في الوصل؛ لأن (٤) ما تتصل به يقوم مقامه، ألا ترى أَنَّ همزة الوصل إذا اتصلت الكلمة التى هي فيها (٥) بشيء سقطت ولم تثبت؛ لأن ما تتصل به يتوصل به إلى النطق بما بعد الهمزة، فلا تثبت الهمزة لذلك، وكذلك الألف في أنا والهاء التي للوقف (٦)، إذا اتصلت الكلمة التي هما فيها بشيء سقطتا ولم يجز إثباتهما، كما لم تثبت همزة الوصل؛ لأن الهمزة في هذا الطرف مثل الألف والهاء في الطرف (٧) الآخر وأما قراءة نافع فهي ضعيفة جدًّا (٨)، لأنه أجرى الوصل مجرى الوقف (٩)،

стр. 2205

وأثبت الألف التي حكمها أن تلحق في الوقف (١)، وهم قد يجرون الوصل مجرى الوقف في ضرورة الشعر، فيثبتون فيه ما حكمه أن يثبت في الوقف، وليس ذلك مما ينبغي أن يؤخذ به في التنزيل؛ لأنهم إنما يفعلون ذلك لتصحيح وزنٍ أو إقامةِ قافية، وذلك لا يكونان في التنزيل، وهذه (٢) الضرورات إنما تركت في الشعر، كقوله: هم القائلونَ الخيرَ والآمِرُونَهُ (٣) الهاء فيه هاء الوقف التي تلحق في: مسلمونه وصالحونه، فألحق الهاء حرف اللين، وهذا كما أجروا غير القافية مجري القافية، كما أجروا قوله: لما رَأَتَ ماءَ السّلى مَشْرَوبا (٤) وإن لم يكن مُصَرَّعًا مجرى المُصَرّع، ولا يجوز شيء من ذلك في غير

стр. 2206

الشعر، فمما (١) جاءت ألف (أنا) مثبته فيه وصلًا من الشعر قول الأعشى: فكَيْفَ أنا وانْتِحَالِي القَوافي ... بعيد المَشِيبِ كَفَى ذاكَ (٢) عارَا (٣) وما أنشده الكسائي: أنا شَيْخُ العَشِيرةِ فاعرِفُوني ... حَمِيدٌ قد تَذَرَّيْتُ السَّنَاما (٤) وقول آخر: أنا عبيد الله يَنْمينِي عُمَر خَيْرُ قُرَيْشٍ مِنْ مَضَى ومَنْ غَبَر (٥) (٦)

стр. 2207

وقوله تعالى: ﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾، إنما انتقل إبراهيم من الحجة الأولى مع إمكانه أن يناقضه بأن يقول له: أحيي من قتلته إن كنت صادقًا، قطعًا للخصومهَ، وتركًا للإطالة، واحتجاجًا بالحجة المسكتة، لأن عدوّ الله لما لبس في الحجة بأن قال: أنا أفعل ذلك، احتج عليه إبراهيم بحجة لا يمكنه فيه (١) أن يقول: أنا أفعل ذلك، ولو قال ذلك بان عجزه وافتضاحه، ولزمه من الحجة ما لا سبيل إلى التدليس فيه، وصار كلام إبراهيم ﵇ قدوةً للمجادِل إذا تمرَّد الخصمُ (٢) وقصدَ التلبيسَ بالمحالِ، وكان الإدلاء في الحجة الأخرى مما يقطعه ويفحمه فالصواب ذكرها، ولا يكون تركُ الأُولى انتقالًا لعجز، ولكه تنبيهٌ على قِلةِ عَقْلِ الخصم، أو على تعسفه في الكلام (٣). فإن قيل: كان للنمرود أن يقول لإبراهيم: فليأت بها ربك من المغرب، قيل: علم بما رأى من الآيات أنه يفعل فيزداد (٤) فضيحةً؛ لأن هذه المحاجة (٥) كانت مع إبراهيم بعد إلقائه في النار، وخروجه منها سالمًا، فعلمَ أنَّ من قَدَرَ على حفظ إبراهيم في تلك النار العظيمة من الاحتراقِ، يَقْدِرُ على أن يأتي بالشمس من المغرب، وقيل: إن الله تعالى خذله عن التلبيس (٦) بالشبهة نصرة لنبيه.

стр. 2208

وقوله تعالى: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ يقال: بَهَتَه يَبْهَتُه بَهْتًا وبُهْتانًا: إذا واجهه بالكذب عليه، هذا هو الأصل، ثم تُسمَّى الحَيْرةُ عند استيلاء الحجة بُهْتًا لأنها كحيرة المواجَه بالكذب، وفيه ثلاث لغات: بُهِت الرجل فهو مبهوت، وبَهِت، وبَهُتَ، قال عروة العذري (١): فما هو إلا أن أرَاهَا فُجاءةً ... فَأُبْهَتُ حَتّى ما أكادُ أُجِيْبُ (٢) أي: أتحير وأسكت (٣). وتأويل قوله (٤): فبهت أي: انقطع وسكت (٥). ٢٥٩ - قوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ﴾ الآية. قد ذكرنا أن هذه الآية معطوفة على ما قبلها في المعنى، كأنه قيل: أرأيت (٦) كالذي حاج، أو كالذي مر (٧)، والعرب تحمل على المعاني كثيرًا (٨)، قال الفرزدق:

стр. 2209

فكيْفَ بلَيْلَةٍ لا نَجْمٍ فيها ... ولا قَمَرٍ لسَاريهَا مُنِيرِ (١) أراد: فكيف بليلة ليست بليلة نجم ولا قمر، وقال آخر: وَجَدْنَا الصَّالِحِينَ لَهُم جَزَاءً ... وجَنَّاتٍ وعَيْنًا سَلْسَبِيلًا (٢) فنصب الجنات بالنسق على الجزاء وجنات وعينا (٣)، وقال آخر: مُعَاوِيَ إنَّنا بَشَرٌ فاسْجَحْ ... فلَسْنَا بالجِبَالِ ولا الحَدِيدَا (٤) أراد: فلسنا الجبال والحديد (٥)، فحمل على (٦) المعنى وترك اللفظ. وذهب أبو الحسن الأخفش إلى أن الكاف زائدة، وعطف الذي على الذي من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي﴾ (٧) والقول الأول اختيار أبي علي، وهو وجه

стр. 2210

حسن (١). واختلفوا في الذي مَرَّ. فقال قتادة (٢) والربيع (٣) وعكرمة (٤) والضحاك (٥) والسدي (٦): هو عزير (٧). وقال وهب (٨) وعطاء عن ابن عباس (٩): هو أرميا؟ وهو الخضر. وقال مجاهد: هو رجل كافر (١٠) شك في البعث (١١). وقوله تعالى: ﴿عَلَى قَرْيَةٍ﴾ قال وهب (١٢) وعكرمة (١٣) وقتادة (١٤)
следующие страницы →