← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

وقوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾. أي: أصل الكتاب الذي يُعْمَل عليه (١). فَمَنْ جَعَلَ (المُحْكَمَات): الآيات الثلاث في (الأنعام)، قال: يريد: هُنّ أم كلِّ كِتَابٍ أنزله الله على نَبِيٍّ، فيهن كلُّ ما أحلّ، وفيهن كلُّ ما حرّم. ووحَّد (الأمَّ) بعد قوله: ﴿هُنَّ﴾؛ لأن (٢) الآياتِ كلَّها في تكامُلِها واجتماعها، كالآية الواحدة، وكلام الله واحد. وقال أبو العباس (٣): لأنهن بكمالِهِنَّ (أُمٌّ)، وليست كلُّ واحدِةٍ منهن (أُمَّ الكتاب)، على انفرادها. وقال الأخفش (٤): وَحَّدَ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ بالحكاية؛ على تقدير الجواب؛ كأنه قيل (٥): ما أمُّ الكتاب؟ فقيل: هنّ أم الكتاب؛ كما تقول:

стр. 2417

مَنْ نَظِيرُ زيد؟ فيقول قومٌ: نحن نظيرُه (١)؛ كأنهم حَكَوا ذلك اللفظ. وهذا على قولهم (٢): دَعْنِى مِنْ (تَمْرَتان) (٣)؛ أي: مِمَّا يقالُ له (تمرتان). قال أبو بكر (٤): وقولُ الأخفش بِعيدٌ مِنَ الصواب في الآية؛ لأن الإضمار لمْ يَقُمْ عليه دليلٌ، ولم تَدْعُ إليه حاجةٌ. وقيل (٥): أراد: كل آية منهنّ أمُّ الكتاب؛ كما قال: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]؛ أي: كلُّ واحدٍ منهما آية (٦). قال العلماءُ، وأصحابُ المعاني: معنى قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصلُ الكتاب الذي يُسْتَدَلُّ به على المتشابه وغيره مِنْ أمور الدين. فإذا وردت الآية المتشابهة رُدَّت إلى المحْكَمَةِ، فكانت المُحْكَمَةُ (٧) مُفَسِّرَةً لها، وقاضِيَةً على معناها. فـ ﴿أُمُّ الْكِتَابِ﴾ معناه: أصل الكتاب الذي ترجع إليه التأويلات، وتضم جميع المعاني، لأن الأم يرجع إليها بنوها فتضمهم.

стр. 2418

مثال ما ذكرنا: قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]. هذه آيةٌ (١) مُحْكَمَةٌ، لا تحتمل تأويلًا غير ظاهرها (٢)، لأن معناها: لا ينشئ الصُّوَرَ (٣)، ولا يُرَكِّبُ الأرواحَ في الأجسام غيره . وأما الآية المتشابهة: فقوله عزَّ ذِكْرُه: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ يقع هذا متنافيًا عند الجاهل؛ إذْ كان قالَ في ذلك الموضع: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وَجَعَلَ في (٤) هذا الموضع مع الله خالِقِين، فاحتجنا إلى رَدِّ هذه الآية، إلى الآية المحكمة؛ لِتَحْكُمَ (٥) عليها، فقلنا: قد نَفَت الآيةُ المُحْكَمة أن يكون مع الله تعالى خالق يُنْشئ وُيحْيي. ووجدنا العربَ تجعل (الخَلْقَ) على مَعْنيَيْن: أحدهما: (الإنشاء)، والآخر: (التقدير). (٦) فنفت الآيةُ المُحْكَمة (الخَلْقَ) الذي بمعنى: (الإنشاء)، فبقي الذي معناه (٧): (التقدير). فَحَمَلْنا المُتشابِهَ عليه، وقلنا: تأويلُهُ: فتباركَ اللهُ أحْسَن المُقَدِّرِين؛ كما قال: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾

стр. 2419

[العنكبوت: ١٧]، أي: ويُقَدِّرُون (١). ومن هذا القَبِيل أيضًا، قولُه: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: ٥٢]؛ هذه مُحْكَمَةٌ لا تَحْتَمِل التأويلات. ثم قال: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ فَأَثْبَتَ في المُتَشَابِهِ (٢) ما نفاهُ في المحكمة؛ فكانت المُحْكَمة قاضيةً عليها؛ لأنا وجدنا النسيان في كلام العرب على مَعْنيَيْنِ: أحدهما: (الإغفال)، والآخر: (التَّعَمُّدُ والتَّرْكُ) (٣). فقلنا في قوله : ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]: تركوا (٤) العَمَلَ لله، فَتَرَكَ أنْ يُثِيبهم (٥)؛ فكان في المُحْكَمِ بَيانُ المُتَشابِهِ.

стр. 2420

ومن هذا: قولُ اللهِ : ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ (١)، احتمل في اللغة أنْ يكونَ كاستواءِ الجالِسِ على سَرِيرِهِ، واحتَمَلَ أن يكون بمعنى الاستيلاءِ؛ وأحَدُ الوَجْهَيْنِ لا يجوز على الله؛ لقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] وهذا من المُحْكم، الذي هو أصلٌ يُردُّ إليه المتشابهُ، فقلنا: إنَّ استواءَهُ بمعنى: الاستيلاء (٢) ومثل هذا كثيرٌ، وفيما

стр. 2421

أوردتُهُ كِفَايَةٌ لِمَنْ رُزِقَ الفَهْمَ. وقوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ﴾ زعم (١) سِيبَويه والخليلُ أنَّ (أُخَرَ) فارقت

стр. 2422

أخواتها، والأصلَ الذي عليه بِنَاءُ أَخَواتِها؛ لأن (أُخَرَ) أصلُها أن تكون بالألف واللّام (١)؛ كما تقول: (الصُّغْرى) و (الصُغَر)، و (الكُبْرَى) و (الكُبَر). فلما عُدِلَت عن مُجْرَى الألِفِ واللام، وأصلِ (أَفْعَلَ مِنْكَ) وهي مِمَّا لا يكونُ (٢) إلا صِفَةً، مُنِعَت الصَّرْفَ. وقد شرحنا هذه المسألة عند قوله: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (٣) [البقرة: ١٨٤]. قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾. الزَّيْغُ: المَيْلُ. يعني: مَيْلًا عن الحقِّ؛ (زاغ، يَزِيغ، زَيْغًا، وزَيْغُوغَةً، وزَيَغانًا، وزيوغًا (٤). قال الفراء (٥): والعرب تقول في عامةِ ذوات الياء، مِمَّا يُشْبِهُ (زِغتُ)؛

стр. 2423

مثل: (سِرْتُ)، و (صرْتُ)، و (طِرتُ): (سَيْرُورَةً)، و (صَيْرُورَةً)، و (طَيْرُورَةً)، و (حِدْتُ حَيْدُودَةً)، و (مِلْتُ مَيْلُولَةً)، لا أحصى ذلك، وهو كثير. فأمّا ذوات الواو؛ مثل: (قلتُ)، و (رُضْتُ)، فإنهم لمْ يقولوا ذلك إلا في أربعة أحْرُف، منها: الكَيْنُونة (١)، والدَّيْمُومَةُ، مِنْ: (دُمْتُ)، والهَيْعُوعَةُ، من: (الهُواع) (٢)، والسيْدُودَةُ، من: (سُدْتُ). وكان ينبغي أن يكونَ -في القياس-: (كَوْنُونَة) بالواو (٣)، ولكنها لَمَّا قَلَّت في مصادر الواو، وكثرت في مصادر الياء، ألحقوها بالذي هو أكثر مجيئًا منهما؛ إذ كانت الواوُ والياءُ مُتَقارِبَتَينِ في المَخْرَج. ومثل هذا: أنهم يقولون في ذوات الياء: (سَعَيْتُ به سِعَايةً)، و (رَمَيْتُهُمْ رِمَايَةً)، و (دَرَيْتُ بِهِ (٤) دِرايةً)، فتأتي المصادرُ في ذوات الياء،

стр. 2424

على هذا النحو، كثيرةً، ولا تكاد تأتي في ذوات الواو؛ نحو: (خَلَوْتُ)، و (دَعَوْتُ). فَنَدَرَ حرفٌ مِنْ ذوات الواو فألْحِقَ بذوات الياء، وهو قولُهم: (شَكَوْتُ فُلانًا شِكَايَةً)، ولم يقولوا: (شِكاوَةً)، فألحقوها بالمصادر من الياء (١). واختلفوا في هؤلاء الذي عُنُوا بقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: فقال الربِيع (٢): هم (٣) وَفْدُ نَجْرَانَ؛ لَمَّا حَاجُّوا رسولَ الله ﷺ ، في المَسِيح، فقالوا: أليسَ (٤) هُوَ كَلِمَة اللهِ، وروح منه؟ قال: "بَلَى". قالوا: حَسْبُنا. فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، الآية. ثمّ أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. وقال الكَلْبِيُّ (٥): هم اليهود، طَلَبُوا (٦) عِلْمَ أكْلِ (٧) هذه الأُمَّةِ،

стр. 2425

واستِخْراجِهِ مِنَ الحُرُوف المُقَطَّعَةِ في أوائل السُّوَرِ (١). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٢). وقيل: هم جميع المُبْتَدِعَةِ، وكلُّ من احتَجَّ لِباطِلِهِ بالمتشابه (٣). وهذا معنى قول قتادة (٤).

стр. 2426

وقولُ الزَّجَّاج في هذه الآية، يَدُلُّ على أنّ هؤلاء، هم الكفار الذين يُنْكِرُون البَعْثَ، لأنه قال (١) في سياق الآية: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بَعثِهِمْ وإحيائهم. وقوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾. قال عطاءٌ، عن ابن عباس (٢): يريد: الكفر. وقال الرَّبِيع (٣)، والسدي (٤): طلب الشرك (٥). وقال مجاهد (٦): اللَّبْسِ (٧)؛ لِيُضِلُّوا به جُهَّالَهم.

стр. 2427

وقال أبو إسحاق (١): الفِتْنَةُ في اللغة على ضُرُوب: فالضَّرْبُ الذي ابتغاه هؤلاء: إفسادُ ذوات (٢) البَيْن في الدِين، والحرب. والفتنة في اللغة: الاستهتار بالشيء والغُلُوُّ فيه؛ يقال: (فلانٌ مَفْتُونٌ بِطَلَب الدُّنْيا)؛ أي: قد غلا في طَلَبِها، وتجاوز القَدر (٣). وقوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾. التأويل: التفسير. وأصلُهُ في اللغة: المرجِعُ والمَصِيرُ؛ مِنْ قولهم: (آل الأمْرُ إلى كذا): إذا (٤) صار إليه. و (أوَّلْته تأويلًا): إذا صَيَّرته إليه، فتأول (٥)؛ أي: رَجَعَ، وصار. قال الأعشى: على أَنَّها كانتْ تَأوُّلُ حُبِّها ... تأؤُّلَ رِبْعيِّ السِّقابِ فَأَصْحَبَا (٦)

стр. 2428

أي: كان حُبُّها صغيرًا، فآل إلى العِظَم، كما آل السَّقْبُ إلى الكِبَرِ (١). هذا معنى (التأويل) في اللغة (٢). ثم تُسَمَّى (العاقبةُ): (تأويلا)؛ لأنَّ الأمرَ يصيرُ إليها. و (التفسير)

стр. 2429

يُسمَّى: (تأويلًا)، وهو قوله: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٨]؛ أي: بِعِلْمِهِ وتفسيره؛ لأن التَّأويل: إخبارٌ عَمَّا يَرْجِعُ إليه اللفظُ مِنَ المعنى. وذكرنا معنى التَّأوِيل [بأبلغ] (١) مِنْ هذا، في سورة النساء، عند قوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩] (٢). قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طَلَبِ مُدَّةِ أُكْلِ مُحَمَّد ﷺ . وفي قول الزجاج (٤): المراد به: الكفار (٥)؛ طلبوا متى يُبْعثون؟ وكيف يكون إحياؤُهم بعد الموت؟ وفي قول الباقِين: معناه: طَلَبُ تفسير المُتَشابِهِ، وعِلْمِهِ. قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يريد: ما يَعلَمُ انقضاءَ مُلْكِ أُمَّة (٦) محمد ﷺ إلّا الله؛ لأن انقضاءَ مُلك هذه الأُمَّةِ مع قيام الساعَةِ، ولا (٧) يَعْلَم ذلك مَلَكٌ مُقَرَّبٌ ولا نَبِيٌ مُرْسَلٌ. وهذا قولُ عطاء (٨). وعلى هذا؛ يَحْسُنُ الوقفُ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وكذلك على قول الزجاج؛ لأن وقت البعثِ لا يَعلَمُهُ إلا الله. ثم ابتدأ، فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ

стр. 2430

فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الثابتون فيه. والرُّسُوخُ في اللغة (١): الثُّبُوتُ في الشيء (٢). وعند أكثر المفَسِّرين (٣): المرادُ بـ (الراسخين علمًا): مُؤْمِني أهل الكتاب؛ دليله: قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ١٦٢]. قال ابن عباس (٤)، ومجاهد (٥)، والسُّدِّي (٦): بقولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، سَمَّاهُم اللهُ (راسخينَ في العِلْم). فَرُسُوخُهم (٧) في العِلْمِ؛ قولُهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ أي: بالمُتَشَابِهِ. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ المُحْكَم والمُتشابه؛ الناسخُ والمنسوخ؛ وما عَلِمْناه وما لَمْ نعْلَمْه. وقال الزجاج (٨): أي: يقولون: صَدَّقنا بأن الله يبعثنا، ويؤمنون

стр. 2431

بأنَّ البَعْثَ حَقٌّ، كما أنَّ الإنشاءَ حَقٌّ. وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. قال عطاء (١): هذا ثَنَاءٌ مِن الله تعالى على الذين قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، معناه: ما يَتَّعِظُ [بما] (٢) في القُرْآن، إلّا ذَوُو العُقُول. وقال الزَّجَّاج (٣): هذا دليلٌ على أن الأمرَ الذي اشْتَبَهَ عليه من البَعْثِ، لمْ يَتَدَبَّرُوه، ومعناه: ما يَتَدَّبر القرآنَ، وما أتَى به الرسولُ ﷺ ، إلّا أوْلُوا الألباب. والأظهر في تفسير هذه الآية: قولُ عطاء: إنَّ هذا في اليهود، حين طلبوا تفسيرَ الحروف المُقَطَّعَة، والقولُ الذي حكاه الزجَّاج: إن هذه في منكري البعث. ويقال: هل يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعلمه إلا الله؟ فيقال: اختلف الصحابة والناسُ في هذا: فذهب الأكثرون: إلى أنَّ تَمَامَ الوَقْفِ على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وأن جميع المتشابه لا يعلمه إلا الله؛ مثل: وقت قيام الساعة، وطلوع الشمس من المغرب، ونزول عيسى، وخروج الدجَّال. وقال قومٌ: في القرآن أشياء لا يَعْرِف حقيقَتَها إلا الله؛ كالحروف المُقَطَّعة، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأشباه هذا. والله تعالى مُخْتَصٌّ (٤) مُستأثِرٌ بِعِلْم هذه، والإيمانُ بها حَقٌّ، وحقائقُ عُلُومِها

стр. 2432

مُفَوَّضَةٌ إلى الله تعالى. وهذا مذهب: عائشة، وابن مسعود، وابن عباس، وأُبَي، وكثير من التابعين، واختيار (١) الفَرّاء، والكسائي (٢)، والمُفَضَّل (٣)، وابن الأنباري، وأَبي عُبَيد (٤)، وأحمد بن يحيى (٥). ودليل هذا القول: قراءة عبد الله (٦): (إنْ تَأويلُهُ إلّا عِنْدَ الله. والرّاسخون في العِلْم يقولون آمَنّا به) (٧).

стр. 2433

وفي (١) حرف أُبَيٍّ، وابن عباس: (ويقول (٢) الراسخون في العلم آمَنّا به) (٣). وهذا هو الأشبه بظاهر الآية؛ لأنه لو كان ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ عَطْفًا، لَقَال: ويقولون آمنّا به. وفي قوله أيضًا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، دليلٌ على أنهم لَمْ يَعْرِفوا البعضَ فآمَنُوا بظاهره، وقالوا: إنه من عند الله. وقد رُوي عن ابن عباس، أنه قال: تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسيرٌ (٤) لا يَسَعُ أحدًا جَهْلُه، وتفسيرٌ تَعرِفُهُ العربُ بألسنتها، وتفسيرٌ يَعْلَمُهُ العلماءُ، وتفسيرٌ لا يعلمه إلا الله (٥).

стр. 2434

وعلى هذا المذهب؛ إنما (١) أنزل الله -تعالى- ما (٢) لا (٣) يعلمه إلّا هو؛ اختبارًا (٤) للعباد، لِيُؤمِنَ به المُؤْمِنُ فَيَسْعَد، ويكفر به الكافرُ فَيَشْقَى؛ لأن سبيلَ المُؤْمِنِ إذا قرأ من هذا شيئًا، أنْ يُصَدِّق رَبه ، ولا يعترض فيه بسؤال وإنكار؛ فَيَعْظُمَ -بذلك- ثوابُهُ على الله . فإن (٥) قيل: وأي (٦) تخصيصٍ لِلرَّاسخين إذا (٧) لم يَعرِفوا، فإنَّ غيرَهم أيضًا يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، فَلِمَ خَصَّ (٨) الراسخينَ (٩) بالذكر؟ قلنا: المراد بـ (الراسخين): كلُّ مَنْ يقول: ﴿آمَنَّا﴾ وليس المراد

стр. 2435

بهم الذين يدأبون في التَّعَلُّمِ (١) ويَجْتَهِدُون. وقد ذكرنا عن ابن عباس، أنه قال: سمَّاهم (راسخين)، بقولهم: ﴿آمَنَّا﴾. وقال مجاهد (٢)، والربيع (٣)، ومحمد بن جعفر بن الزبير (٤): المتشابه يعلمه الله، ويعلمه الراسخون. ولا يجوز أن يكون في القرآن شيءٌ، لا يعرفه (٥) أحدٌ مِنَ الأُمَّةِ. وهذا اختيار ابن قتيبة (٦)، وزَعَمَ أنَّ الراسخينَ في العِلْمِ عَلِمُوا تأويل القرآن مع الله تعالى؛ لأنه لم يُنْزِلْ كتابَهُ، إلا لِيَنْفَعَ به

стр. 2436

عِبَادَه، ويدل على المعنى الذي أراده. وتأوَّلَ قولَهُ: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، على أنه حالٌ صُرِفَت إلى المُضَارَعَةِ؛ أي (١): (والراسخون (٢) في العلم، قائلين (٣) آمَنَّا به). قال: ومثله من (٤) الكلام: (لا يَأتِيك إلا عبدُ الله، وزَيْدٌ يقول: أنا مسرورٌ بزيارتك)، تريد (٥): (لا يأتيك إلا عبدُ الله، وزيدٌ قائلًا: أنا مسرورٌ بزيارتك). فـ (زيد) عطفٌ على (عبد الله) (٦). واحتج لهذه الطريقة في كتابه (المُشْكل) بما يطول ذِكْرُه (٧).

стр. 2437

٨ - قوله (١) تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾. أي: ويقول الراسخون: ربنا، كقوله: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا﴾ [آل عمران: ١٩١]. وقوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي: لا تُمِلْنَا (٢) عن الهدى والقصد، كما

стр. 2438

أزغت قلوب اليهود والنصارى، والذين في قلوبهم زيغ، بعد إذ هديتنا للإيمان بالمُحْكَمِ والمُتَشَابِهِ مِنْ كِتَابِكَ. وروت أم سلمة (١): أن النبي ﷺ كان يُكثر في دعائه أن يقول: "اللهم مُقَلب (٢) القلوب، ثبِّت قلبي على دينك" (٣). ٩ - قوله (٤) تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه (٥)؛ فلما حذف لفظ

стр. 2439

الجزاء، دخلت اللام على ما يليه، وأغنت عن (في) (١)؛ لأن حروف الإضافة متآخية؛ لما يجمعها من معنى الإضافة (٢). قال الزجّاج (٣): وهذا إقرارٌ من المؤمنين بالبعث، ومخالفةٌ لمن اتبع

стр. 2440

المتشابه ممن ينكر أمر البعث. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [يجوز أن يكون إخبارًا عن المؤمنين أنهم قالوا ذلك، فيكون متصلًا بما قبله، لكنه على تلوين الخِطاب (١)، و] (٢) يجوز أن يكون استئنافًا، أخبر الله تعالى أنه لا يخلف الميعاد. ولا يدلُّ هذا على تخليد مرتكبي الكبائر من المسلمين في النار، وإنْ وعد ذلك بقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: ١٤]. الآية؛ لأن المراد بالميعاد (٣) ههنا يوم القيامة (٤) لأن الآية وردت في ذكره. أو يُحمل [هذا (٥) على ميعاد الأولياء دون وعيد الأعداء؛ لأن خلف الوعيد كرم (٦) عند العرب] (٧)، والدليل: أنهم يمدحون بذلك، ومنه قول الشاعر:

стр. 2441

إذا وعد السرّاءَ أَنجز (١) وعدَه ... وإنْ وَعَدَ الضرّاءَ فالعَفْوُ مانَعُهْ (٢) قال الأصمعي: جمعنا بين أبي عمرو بن العلاء، وبين محمد بن مسعود الفدكي (٣)، فقال أبو عمرو: ما تقول؟ قال: أقول: إن الله وعد وعدًا، وأوعد إيعادًا (٤)، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده. فقال أبو عمرو: إنك رجل أعجم، لا (٥) أقول: أعجم اللسان، ولكن أعجم القلب. إن العرب تعُدُّ الرجوع عن الوعد لُؤمًا، وعن الإيعاد كرمًا، وأنشد: وإنِّي وإنْ أوْعَدْتُهُ أو وَعَدْتُهُ ... لَيَكذِبُ إيعادي ويصدقُ موعدي (٦)

стр. 2442

أو تقول: هذا عامٌّ في وعيد الأولياء، ووعيد الكفار، فأما مرتكبو الكبائر، فهم مخصوصون بقوله تعالى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]. ١٠ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني:

стр. 2443

اليهود من قُريظة والنضير (١). ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تنفع، ولن تدفع. وإنما ذُكرَ (عن) مع الإغناء؛ لأنه يراد به الدفع، و (الغِنَى): ما يدفع عن صاحبه الفقر. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قال الكلبي (٢): من عذاب الله (٣). وقال أبو عبيدة (٤): معناه: عند الله. (٥) (مِنْ) بمعنى: (عند) وحروف الصفات تتعاقب (٦).

стр. 2444

١١ - ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. الآية. يقال: (دَأبتُ، أَدْأَبُ، دَأبًا) (١). و (دَأَبًا)، و (دُؤُوبًا): إذا اجتهدتَ في الشيء وتعبتَ فيه (٢). قال الفراء (٣): والعرب تُثقِّلُ (٤) ما كان ثانيه أحد حروف الحلق (٥): كـ (النَعْلِ)، و (الصَخْرِ)، و (النَهْرِ)، و (الشأْمِ) (٦)، وأنشدَ: قد سار شرقِيّهُمْ حتى أتى سبأَ ... وانساحَ غربِيُّهُمْ حتى هو الشأَمُ (٧) ويقال: (سار فلان يومًا دائِبًا): إذا اجتهد في السير يومه كله. هذا

стр. 2445

معناه في اللغة. ثم يصير الدأْب عبارة عن: الحال، والشأن، والأمر، والعادة؛ لاشتمال العمل والجهد على هذا كله (١). واختلفوا في معنى الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾: فقال ابن عباس، وعكرمة (٢)، ومجاهد، والسدِّي، وابن زيد (٣): كفعل آل فرعون، وصنيعهم في الكفر والتكذيب. يريد: إن اليهود كفرت بمحمد ﷺ كعادة آل فرعون مع فرعون، عرفوا كَذِبَهُ وصِدْقَ موسى، وكذلك كفار الأمم الخالية. وعلى هذا التقدير: دأبهم في الكفر، كدأب آل فرعون، فيكون الكافُ في موضع رفعٍ بخبر الابتداء (٤). و (الدأب) على هذا التفسير والتقدير إن شِئت قلت: معناه: الأمر والشأن. وهو قول الأخفش (٥). وإن شئت قلت: العادة. وهو قول النضر (٦) والمبَرِّد (٧). وأما الزجَّاج، فإنه أجرى (الدأب) على ما هو موضوع عليه في اللغة، فقال (٨): القول فيه عندي: إنَّ دأب هؤلاء أي (٩): اجتهادهم في كفرهم،

стр. 2446

وتظاهرهم على النبي ﷺ ، كتظاهر آل فرعون على موسى ﵇. قال ابنُ الأنباري (١): لم يخاطب الله تعالى العرب إلَّا بما تَعْقِل (٢)، وقد يكون من عادتها أن تحذف المُشَبَّهَ، وتذكر المشَبَّهَ به (٣)، وتكون كاف التشبيه دليلًا على المحذوف، كقول امرئ القيس: كَدَأبِك من أُمِّ الحْوَيْرِث .... البيت (٤). أي لَقِيتَ من هذه المنازل، كما لَقِيتَ من هاتين المرأتين (٥)، فحذف، وهذا مشهور في الكلام.

стр. 2447

وقال بعض أهل المعاني (١): يجوز أن يكون الكاف في محل النصب، متصلة بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾؛ لأن (الوقود) وإن كان اسما، ففيه معنى الفعل، ويكون التقدير: تَتَّقد النارُ بأجسامهم [كما تَتَّقدم بأجسام] (٢) آل فرعون، ولم تغن عنهم أموالهم ولا أولادهم عند حلول (٣) النقمة والعقوبة، مثل آل فرعون، أخذناهم وعاقبناهم، فلم يغن عنهم أموالهم ولا أولادهم (٤). وعلى هذا القول: شُبِّه حال كفار اليهود بحال آل فرعون في العقوبة، وقلة غناء أسوالهم عنهم، وفي القول الأول: التشبيه وقع بين الحالتين في الكفر والتكذيب. قال النحويون: ولا يجوز أن تكون الكاف من صلة (كفروا) في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لما وقع بينهما من الفصل بخبر (إنَّ) (٥). وقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. قال بعض أهل اللغة: معنى

стр. 2448

الذَّنْب: التُّلُوُّ للشيء. (ذنَبَه، يذْنِبهُ، ذنْبًا): إذا تلاه. و (الذَّنُوبُ): الدَّلْو؛ لأنها تالية للحبل في الجذب، وأصله من (الذَّنَبِ)؛ لأنه تالٍ لصاحبه (١). فالذَّنْب: الجُرْم (٢)؛ لأن تبعته تتلو صاحبه من استحقاق الذم (٣). وقوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾. إنما سُمِّي عقابًا؛ لأنه يعقب الذنب. ١٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾. قال ابن عباس في رواية عكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي صالح (٤)، وعطاء (٥): يعني يهود المدينة (٦).

стр. 2449

وقال مقاتل (١): هم مشركو مكة. واللفظ يحتمل الفريقين جميعًا. يدل على ذلك قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٠٥] فَفَسَّرَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقبيلين، وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ [البينة: ١]. وقوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾. يقال: غَلَبَ، غَلَبةً، وغَلَبًا. والغَلَبة أكثر (٢). قال الفرَّاء (٣): وكان قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ﴾ [الروم: ٣]، حُذفت منها الهاء لمَّا أُضيفت (٤)، كما قال: ﴿وَإِقَامِ الصَّلَاةِ﴾ [النور: ٣٧] فحُذفت منها الهاء للإضافة. وفيه قراءتان: الياء والتاء (٥)، وكذلك قوله: ﴿تُحْشَرُونَ﴾. فمن قرأ بالتاء: فللمخاطبة. ويدل (٦) على حُسن (٧) التاء (٨): قوله تعالى (٩): ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ﴾ [النور: ٣].

стр. 2450

ومن قرأ بالياء، فالمعنى: بلِّغهم أنهم سيُغلَبون. ويدل على صحة الياء: قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ [الجاثية: ١٤]، وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠]، ولم يقل: (غُضُّوا). قال الفرَّاء (١): مَن (٢) قرأ بالتاء: جعل اليهود والمشركين (٣) داخلين في الخطاب، ثم يجوز في هذا المعنى: الياء، والتاء؛ كما تقول في الكلام: (قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم) (٤). وفي حرف عبد الله (٥): (قل للذين كفروا إن ينتَهوا (٦) يُغفَر لكم (٧) ما قد سلف) (٨). ومن قرأ بالياء: فإنه ذهب إلى مخاطبة اليهود، وإلى أن الغلبة تقع على المشركين، كأنه قيل: (قل يا محمد لليهود: سَيُغلَبُ المُشركون، ويُحشَرون) فليس يجوز في هذا المعنى (٩) إلَّا الياء؛ لأن المشركين غَيبٌ. وقال غير الفرَّاء (١٠): جعل المخاطبة للفريقين أحسن؛ لجواز وقوع

стр. 2451

(الذين كفروا) عليهما ولأنهما جميعًا مغلوبان: فاليهود غُلِبوا بوضع الجِزْيِ (١) عليهم، والمشركون غُلِبوا بالسيف. وقال صاحب النظم (٢): من قرأ بالتاء، فالأمر واقع على هذه اللفظة بعينها، أي (٣): قل لهم هذا القول، ومن قرأ بالياء، فالأمر واقع على المعنى دون اللفظ أي قل لهم ما يكون هذا معناه، وإن لم تكن هذه اللفظة بعينها (٤). قال مقاتل (٥): لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ للكفار يوم بدر: "إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم". وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قال مجاهد (٦): بئس ما مَهَدوا لأنفسهم. وقال الحسن (٧): بئس القرار. وقيل (٨): بئس الفراش المُمَهَّدُ لهم. وقال ابن عباس في رواية

стр. 2452

عطاء (١): بئس ما مُهِّدَ لكم، وبئس ما مَهَّدتم لأنفسكم. وقال أصحاب المعاني: ليس (٢) هناك تمهيد، ولكن المعنى: إنها بدلُ المهاد؛ كما أن البشارة بالعذاب بدل البشارة بالنعيم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). ١٣ - قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قال الفراء (٤): أراد بالآية البيان (٥)؛ فلذلك ذَكَّرَ الفِعْلَ كأن ذهب إلى المعنى، وترك اللفظ كقول الشاعر: كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ (٦)

стр. 2453

[ولم يقل المنفطرة] (١) لأنه ذهب إلى القضيب. ويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] (٢) بينهما بحرف الصفة؛ كقول الشاعر: إنَّ (٣) امرءَّاَ غرَّه مِنْكُنَّ واحدةٌ (٤) ... بعدي وبعدك في الدنيا لَمَغْرُورُ (٥)

стр. 2454

والخطاب في هذه الآية للمعنيِّينَ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أراد بالفئتين: رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين. وقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ الرفع (١)، وجْه الكلام، لأن المعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله، فهو رفع على استئناف من الكلام كما أنشدهُ (٢) الفرَّاء: إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ (٣): شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أفعل (٤)

стр. 2455

ابتدأ الكلام بعد الصنفين، ولو كُسِرت على البدل من (١) ﴿فِئَتَيْنِ﴾ جاز؛ كما قال كُثَيِّر (٢): وكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة ... ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت (٣)
следующие страницы →