← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.

стр. 2451

(الذين كفروا) عليهما ولأنهما جميعًا مغلوبان: فاليهود غُلِبوا بوضع الجِزْيِ (١) عليهم، والمشركون غُلِبوا بالسيف. وقال صاحب النظم (٢): من قرأ بالتاء، فالأمر واقع على هذه اللفظة بعينها، أي (٣): قل لهم هذا القول، ومن قرأ بالياء، فالأمر واقع على المعنى دون اللفظ أي قل لهم ما يكون هذا معناه، وإن لم تكن هذه اللفظة بعينها (٤). قال مقاتل (٥): لما نزلت هذه الآية، قال النبي ﷺ للكفار يوم بدر: "إن الله غالبكم وحاشركم إلى جهنم". وقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قال مجاهد (٦): بئس ما مَهَدوا لأنفسهم. وقال الحسن (٧): بئس القرار. وقيل (٨): بئس الفراش المُمَهَّدُ لهم. وقال ابن عباس في رواية

стр. 2452

عطاء (١): بئس ما مُهِّدَ لكم، وبئس ما مَهَّدتم لأنفسكم. وقال أصحاب المعاني: ليس (٢) هناك تمهيد، ولكن المعنى: إنها بدلُ المهاد؛ كما أن البشارة بالعذاب بدل البشارة بالنعيم في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٣). ١٣ - قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قال الفراء (٤): أراد بالآية البيان (٥)؛ فلذلك ذَكَّرَ الفِعْلَ كأن ذهب إلى المعنى، وترك اللفظ كقول الشاعر: كَخُرْعُوبَةِ البانَةِ المنفطرْ (٦)

стр. 2453

[ولم يقل المنفطرة] (١) لأنه ذهب إلى القضيب. ويجوز أن يكون التذكير للفصل [الواقع] (٢) بينهما بحرف الصفة؛ كقول الشاعر: إنَّ (٣) امرءَّاَ غرَّه مِنْكُنَّ واحدةٌ (٤) ... بعدي وبعدك في الدنيا لَمَغْرُورُ (٥)

стр. 2454

والخطاب في هذه الآية للمعنيِّينَ بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وأراد بالآية عَلاَمَةً تدل على صدق النبي ﷺ . وقوله تعالى: ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أراد بالفئتين: رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بدر، ومشركي مكة حين خرجوا لقتاله، في قول جميع المفسرين. وقوله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ الرفع (١)، وجْه الكلام، لأن المعنى: إحداهما تقاتل في سبيل الله، فهو رفع على استئناف من الكلام كما أنشدهُ (٢) الفرَّاء: إذا مُتُّ كانَ الناسُ صِنْفَيْنِ (٣): شامتٌ ... وآخرُ مُثْنٍ بالذي كنت أفعل (٤)

стр. 2455

ابتدأ الكلام بعد الصنفين، ولو كُسِرت على البدل من (١) ﴿فِئَتَيْنِ﴾ جاز؛ كما قال كُثَيِّر (٢): وكنت كذي رِجلين: رجلٍ صحيحة ... ورِجْلٍ رَمى فيها الزمانُ فَشَلَّت (٣)

стр. 2456

[يُنشَدُ البيتُ على وجهين (١). ومما فُسِّر به الأول، فتبعه في الإعراب، ما أنشده] (٢) الفرَّاء: حتى إذا ما استقلَّ النجمُ (٣) في غَلَسٍ ... وغُودر البقْلُ (٤) مَلْويٌّ ومحصودُ (٥)

стр. 2457

ففسر، فقال: بعض البقل كذا، وبعضه كذا، والنَّصْب جائز (١). وقوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الرؤية (٢) ههنا متعدية إلى مفعول واحد، يدلك على ذلك تقييده بـ ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. وإذا كان كذلك كان انتصاب ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ على الحال (٣)، لا على أنه مفعول ثانٍ كما تقول: (رأيت زيدًا راكبًا). وقوله (مثليهم): المِثْل: يجوز إفراده في موضع التثنية والجمع؛ كقول الشاعر: وساقِيَيْنِ مثلِ زيدٍ وجُعَلْ (٤)

стр. 2458

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ (١) [النساء: ١٤٠] ولم يقل: أمثالهم. وقد جمع في قوله ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨]. وقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾. يقال: (رَأَيْتُه (٢) رَأيًا)، و (رُؤْية)، و (رأيته في المنام رُؤيا حَسَنَةً) غَيْر مُجْراةٍ (٣). فالرؤيا تختص بالمنام، وهو مصدرٌ لـ (رأيت) (٤)، ويقول: (هو منى رأْيَ العَيْنِ) أي: حيث يقع عليه بصري. فقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يجوز (٥) أن يَنْتَصِبَ عدى المصدر (٦)، ويجوز أن يكون ظرفًا للمكان (٧)، كما تقول: (تروْنهم أَمامَكم). ومثله: (هو مِنِّى مَزْجَرَ الكَلْبِ) (٨)،

стр. 2459

و (مَنَاطَ العَيُّوقِ) (١). وفي قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ قراءتان: التَّاءُ (٢)، والياء (٣). فمن قرأ بالتَّاء؛ فلأن ما قبله خطاب لليهود؛ والمعنى: تَرَوْن أيها اليهود المسلمينَ مِثْلي ما كانوا، أي: مِثْلي الفئة الكافرة؛ وذلك أن الله تعالى كَثَّر المسلمين في أعينهم يوم بَدْر. فذلك الآية، والأُعجوبة، وهو أنهم رَأَوا القليلَ كثيرًا. ويجوز أن تكون الكناية عن الفئة الكافرة، وهم المشركون، والمعنى: تَرَوْنَ المشركين ضِعفي المؤمنين.

стр. 2460

ونذكر بعد هذا كيف رأَوْهم مِثْلَيهم، وهم كانوا ثلاثةَ أمثالهم؟! (١). ومن قرأ بالياء؛ فَلِلْمُغايَبَةِ (٢) التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾. فقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفِئتين: يجوز أن يكون خَبرًا عن الفئة المسلمة،

стр. 2461

ويجوز (١) أن يكون خبرًا عن الفئة الكافرة (٢). فإن جعلته خبرًا عن الفئة المُسْلمة (٣)، فالمعنى: يرى المسلمونَ المشركينَ مِثْلَيهم. فإن قيل: المسلمون يوم بَدر كانوا ثلاثمائة وثلاثةَ عشر رجلًا، والكفار كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا (٤)، فكيف رأى المسلمون (٥) المشركين مِثْليهم، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم؟! فزعم الفرَّاءُ (٦): أن المعنى: يرونهم ثلاثة أمثالهم. قال: لأنك إذا قلت: (عندي ألف، وأحتاج إلى مِثليه). فأنت تحتاج إلى ثلاثة (٧) آلاف (٨)؛ لأنك لمَّا نَوَيْتَ أن يكون الألف الذي عندكَ داخلًا في المِثْل، كان (المِثْل): اثنين، و (المثلان): ثلاثة. وعلى هذا (٩) الآية كانت في أن المسلمينَ رَأَوْا المشركين على ما هم عليه مِنْ وُفُورِ العَدَدِ، ومع ذلك كانت قلوبهم مملوءةً جُرْأةً عليهم، واحتقارًا لهم، وشهوةً لملابستهم (١٠).

стр. 2462

قال الزجاج (١): وهذا غلط؛ لأنَّا إنما نعقل (مِثْل الشيء): مساويًا له، و (مثليه): ما يساويه مَرَّتَيْن. والذي قاله الفرَّاءُ يَبْطُل في معنى الدلالة على الآية المعجزة؛ لأن المسلمين إذا رأوهم على هيئتهم، فليس في هذا آيةً، وإنما المعنى في هذا: أن الله أرى المسلمين أنَّ المشركين إنما هم (٢) ستمائة وكَسْر، وذلك (٣)، ان الله كان قد أعلم المسلمين أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار (٤)، فأراهم المشركين على قَدْرِ ما أعلمهم أنهم يغلبونهم؛ ليُقَوِّي قلوبَهم. والدليل على صحة هذا المعنى: قوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]، فرأى كلُّ واحدٍ من الفريقين الآخرَ أقلَّ مِمّا كانوا؛ لِيَطْمَعَ كلُّ واحد منهما في الآخر، فيتقدم ويُلابِسَ. وهذا (٥) هو الذي فيه الآية المعجزة، وهو رؤية الشيء بخلاف صورته. انتهى كلامه (٦). هذا إذا جعلنا قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ إخبارًا عن المؤمنين، فإنْ جعلته

стр. 2463

إخبارًا عن الفئة الكافرة (١)، فيكون المعنى: يُرِي الفئةَ الكافرةَ الفئةَ المقاتلةَ في سبيل الله مِثْلَيهم أي: مِثْلي ما كانوا، أو (٢) مِثْلي أنفسهم، على ما ذكرنا مِنْ تكثير الله إيَّاهم. فإن قيل: كيف يصح تكثير الله المسلمينَ في أعينِ الكافرين، وقد قال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤]. فالجواب: ما قاله أبو عبيد (٣)، وهو إنَّ التقليل كان في حالة أخرى، فالله (٤) تعالى كثَّر المسلمين في أعين الكافرين، كما قَلَّل الكافرين في أعينهم، ثم في حالة أخرى، قَلَّل المسلمين في أعينهم؛ لِيَطْمَعوا (٥) فيهم، فإذا لابسوهم، كانت العاقبةُ للمسلمين عليهم. فَكِلا (٦) الأمرين فيه دلالة على لُطْف الله للمؤمنين (٧)، وحُسْن مَعُونَتِه إياهم. والقراءة الصحيحة الموافقة للآية التي في الأنفال من غير اختلاف حالين: قراءة العامة، وهي الياء المُعْجَمة، على المعنى الذي ذكره الزجَّاج. على أنَّ الفرَّاء (٨) قال: يجوز أن يكون التقليل الذي ذُكِر (٩) في

стр. 2464

الأنفال لم يكن من طريق تقليل العَدَد، ولكن معناه: التهوين، كما تقول: (إني لأرى كثيرَكم قليلًا)، أي: قد هُوِّن علي، لا (١) أنك ترى الثلاثةَ اثنين (٢). وإذا كان كذلك صَحَّ تكثيرُ الله المسلمين في أعين الكافرين، على ما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نَصْرُ الله تعالى المسلمين على وجهين: نَصْرٌ بالغَلَبَةِ، كنصرهم يوم بدر. ونَصْرٌ بالحُجَّة. ولو هُزِمَ قومٌ مِنَ المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحُجَّة، ومحمودِ العاقبة. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ العِبْرَة: الاعتبار (٣)، وهي: الآية التي يُعْبَر (٤) بها من منزلة الجهل إلى العلم؛ لأن المعتبر بالشيء، تاركٌ جهلَه، وواصلٌ إلى عِلْمِهِ بما رأى. وأصلُه من: (العُبُور)، وهو: النفوذ من أحد (٥) الجانبين إلى الآخر. ومنه: (العِبارة) وهو: الكلام الذي يَعْبرُ (٦) بالمعنى إلى المخاطَب، و (عبارة

стр. 2465

الرُّؤْيا) من ذلك؛ لأنه تفسير لها، يَعْبُر بها من حال النَوْم إلى حال اليَقَظَةِ بإظهار التأويل (١). وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لأولي (٢) العقول؛ كما يقال: (لِفُلانٌ (٣) بَصَرٌ بهذا الأمر)، أي: على علم ومعرفة. وليس بالأبصار التي يشترك فيها سائرُ الحيوان. ١٤ - قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾. يقال: مَن الذي زَيَّن للناس ذلك؟ فيقال: اللهُ تعالى زَيَّن للناس؛ بما جعل (٤) في الطِبَاع من المنازعة إلى هذه الأشياء محنةً، كما قال الله : ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾ [الكهف: ٧]. وقال بعضهم (٥): الشيطان زينها؛ لأن الله تعالى زهَّد فيها؛ بأنْ أعلم وأرى زوالها (٦)، ولو زهَّد فيها (٧) حقيقةً؛ لوُجد ذلك في الخَلْقِ كلِّهم، كما وُجِد التزيين؛ فإنَّ حُبَّ هذه الأشياء موجودٌ في طِبَاع البَشَر (٨).

стр. 2466

والشهوة: تَوَقان النفس إلى الشيء، وقد ذكرناها في سورة الأعراف، عند قوله: ﴿شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١]. وقوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾. جَمْعُ (قِنْطار)، وكثر الاختلاف في معنى (القنطار): فروى أبو هريرة (١) عن النبي ﷺ ، أنه قال:

стр. 2467

"القنطار: اثنا (١) عشر ألف أوقية" (٢). وروى أنس عنه أيضًا: أن القنطار: ألف دينار (٣). وروى أُبَيُّ بن كعب، أنه قال: القنطار (٤): ألف ومائتا أوقية (٥)

стр. 2468

وهو قول ابن عمر (١)، ومعاذ بن جبل (٢) وابن عبَّاس في (٣) رواية عَطيَّة (٤). وقال في رواية الوالبي: القنطار: اثنا (٥) عشر ألفَ درهم، أو ألفُ دينار، دِيَةُ أحدِكم (٦).

стр. 2469

وبه قال: الحسن (١) [وقتادة] (٢). وقال الكلبي (٣): القنطار بلسان الروم: مِلْءُ (٤) مَسْكِ ثَوْر (٥)، من ذهب أو فضة. وهو قول أبي نَضْرة (٦).

стр. 2470

ويقال: إنَّه في التوراة كذا. وبلسان أفريقية، وأندلس: ثمانية ألف (١) مثقال من ذهب أو فضة (٢). قال الزجَّاج (٣): والذي يخرج من اللغة أن (القنطار) مأخوذ من عَقْدِ الشيء وإحكامه، و (القَنْطَرة) من ذلك؛ لتوثيقها بعَقْدِ الطَّاق (٤). وكأن القنطار (٥): هي الجملة التي تكُونُ عقْدَةً وثيقةً منه (٦). وهذا قول الربيع (٧)، وابن كيسان (٨)، وأبي عبيدة (٩)؛ فإنهم لم يحدُّوا القنطار، فقالوا: إنه المال (١٠) الكثير.

стр. 2471

وحكى أبو عبيدة عن العرب: أنهم يقولون: هو وزن لا يُحَدُّ (١). وقوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾ قال أهل اللغة: (٢) هو (مُفَعْلَلَة)، من: (القنطار)؛ كما قالوا: (إبلٌ مُؤبَّلةٌ)؛ أي: مجموعة، و (ألفٌ مؤلَّفٌ). فمعنى: ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾: أنها جُمعت حتى صارت قناطير؛ كما يقال: (دراهم مُدَرْهَمَة)؛ أي: مجعولة كذلك. وقال يَمَان (٣): قَنطر، أي: كَنَزَ (٤). وقال أبو العباس (٥): اختلف الناس في القنطار، والمعمول عليه عند

стр. 2472

العرب: أنه أربعة آلاف (١) دينار [قال: وقوله ﴿الْمُقَنْطَرَة﴾، يقال: (قد قنطر فلان): إذا مَلَكَ أربعةَ آلاف دينار] (٢)، فإذا قالوا: مقنطرة؛ فمعناها: ثلاثة أدوار؛ دَوْرٌ، ودور، ودور. فمحصولها: اثنا عَشَرَ ألف دينار. وقوله تعالى: ﴿مِنَ اَلذَّهَبِ﴾ الذهب: التِّبْر. والقِطْعَةُ ذَهَبَة (٣). ﴿وَالْفِضَّةِ﴾ الفَضُّ في اللغة معناه: التفريق، والكسر (٤). ومنه: (لا يَفْضُض (٥) الله فاكَ) (٦)، فالفضة سُمِّيت؛ لأن من شأنها أن تُفَرَّق بضرب الدراهم.

стр. 2473

وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الخيل: جَمْعٌ لا واحد له من لفظه، كـ (القَوْلِ)، و (النساءِ)، و (الرَّهْطِ) (١). سُمِّيت الأفراسُ (خيلًا)؛ لاختيالها في مِشْيتها بطول أذنابها؛ ألا ترى إلى قول امرئ القيس: لها ذَنَبٌ مِثْلُ ذيلِ العروسِ ... تَسُدُّ (٢) به فَرْجَها من دُبُرْ (٣). والاختيال: مأخوذ من (التَّخَيُّل)، والتخيُّل: التَّشَبُّه بالشيء (٤)، ومنه يقال: (أخال عليه الأمرُ): إذا اشتبه، فالمختال (٥)، يَتَخيَّل في صورة من هو أعظم منه كِبْرًا، والخيال: صورة الشيء.

стр. 2474

والأخْيَلُ (١): الشِّقِرَّاقُ (٢)؛ لأنه يَتَخيَّلُ، مرةً أخضر، ومرةً أحمر. واختلفوا في معنى ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾: فقال ابن عباس في رواية عطية (٣): هي الراعية؛ يقال: (أَسَمْتُ الماشيةَ)، و (سوَّمتُها): إذا رَعَيتُها، فهي (مُسَامةٌ)، و (مُسَوَّمة) (٤)، ومنه ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠]. وقال في رواية الوالبي (٥): هي المُعْلَمَةُ. وأصلها من: (السِّيْما)، التي هي: العلامة. ومعنى العلامة ههنا: (الكَيُّ) في قول المؤرِّج (٦)، والبَلَقُ (٧) في قول

стр. 2475

ابن كَيْسان (١)، والشِّيَةُ (٢)، في قول قتادة (٣). وقال مجاهد (٤)، وعكرمة (٥): الخيل المُسوَّمة: هي الحسان المُطَهَّمَةُ (٦)، يُراد: أنها ذات سيما؛ أي: ذات حُسن. يقال: (لفلان سِيما)، و (له شارةٌ حَسَنة) (٧).

стр. 2476

وقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع (نَعَم)، والنَّعَم: الإبل والبقر والغنم. ولا يُقال لجنس منها: (نَعَمٌ)، إلَّا للإبل خاصة؛ لأنه غلب عليها (١). ومضى فيما قبل اشتقاق (النَعَم). وقوله تعالى: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المآب في اللغة: المرجعُ. يقال: (آب الرَّجُلُ، إِيابًا)، و (أَوْبَةً)، و (أبيَةً) (٢)، و (مآبًا) (٣). قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ [الغاشية: ٢٥]. قال الفرَّاء (٤): ولا يجوز التشديد (٥) في (الإياب)، وقارِئُه (٦) لعله ذهب على الإفعال، والإفعال من (أُبْتُ)، إنما (٧) يأتي على مثل: (أقَمْتُه

стр. 2477

إقامَةً)، و (أزَغتُه إزاغةً). فلو أردت ذلك، قلتَ: (أَأَبْتهُ إآبَةً) (١)، ولو أردت أن تُخرجَ المصدرَ (٢) تامًا، قلت: (إيوابًا). ثم أعلم الله أن خيرًا من جميع ما في الدنيا ما أعدَّه الله لأوليائه، فقال: ١٥ - ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الذي ذَكَرتُ (٣). قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٤): يريد: المهاجرين والأنصار، أراد الله أن يعزِّيَهم، ويشوقهم إلى المعاد. قال العلماء: ويدخل تحت هذا الخطاب كلُّ (٥) من اتقى الشرك، بظاهر هذا الكلام (٦). وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتٌ﴾ يرتفع على وجهين: أحدهما: بخبر الصفة، ويكون تمام الكلام عند قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾. والثاني: على تقدير الجواب، ويكون تمام الكلام عند قوله (٧):

стр. 2478

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، فكأنه قيل: ما ذلك الخير؟ فقيل: هو جنَّات، ومثله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ [الحج: ٧٢]؛ أي: هو النار. وقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قد ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾. ويُقرأ (١) بضم الراء (٢)، وهو لغة قيس وتميم (٣). قال الفراء (٤): يقال: (رضيت رضًا)، منقوص، و (رِضوانًا، ورُضوانًا (٥)، ومَرْضاةً). ومثل (الرِّضوانِ) بالكسر من المصادر: (الرِّئْمان) (٦)، و (الحِرْمان).

стр. 2479

وبالضمِّ: (الطُّغْيان)، و (الرُّجْحان)، و (الكُفْران). وقال (١) سيبويه (٢): (الشُّكْران). ١٦ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ موضع ﴿الَّذِينَ﴾ (٣): خفض؛ صفةً ﴿الَّذِينَ اتَّقَوا﴾. [و] (٤) المعنى: للمتقين القائلين (٥). ١٧ - [و] (٦) قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد: على دينهم، وعلى [ما] (٨) أصابهم. ﴿وَالصَّادِقِيَن﴾: قال قتادة (٩): هم قوم صدقت نيَّاتهم، واستقامت قلوبُهم وألسنتهم، فصدقوا في السرِّ والعلانية.

стр. 2480

ومعنى الصدق: الإخبار بالشيء على ما هو به (١)، وذكرنا أصله في اللغة عند ذكر اشتقاق الصدقة في سورة البقرة. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ (٢) الطائعين لله، عن أكثر المفسرين (٣). ومضى الكلام في معنى القانتين. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: الذين ينفقون الحلال في طاعة الله [تعالى] (٥).

стр. 2481

﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. السَّحَر: الوقت الذي قبيل (١) طلوع الفجر. و (تَسَحَّر): إذا أكل في ذلك الوقت. و (استَحَرَ)؛ أي (٢): سار فيه (٣). قال زهير (٤): بَكَرْنَ بُكورًا، واسْتَحَرْنَ بسُحْرَةٍ (٥) والمُسْتَحِرُ من الطَّيْرِ: ما يَصيحُ (٦)، ويتحرك فيه (٧). قال امرؤ القيس: إذا طَرَّبَ الطائرُ المُسْتَحِرْ (٨)

стр. 2482

وأسْحَرَ (١) دخل (٢) في وقت السَّحَر (٣). ونذكر كلام النحويين في ترك إجراء (سحر) عند قوله: ﴿نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ﴾ [القمر: ٣٤] إن شاء الله. قال ابن عباس (٤) في قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾: يريد: المصلين صلاة الصبح (٥)، وهو قول زيد بن أسلم (٦)، وابن كيسان (٧).

стр. 2483

وقال مجاهد (١)، وقتادة (٢): يعني: المصلين بالأسحار (٣). قال الزجَّاج (٤): وصف الله - تعالى (٥) هؤلاء بما وصف، ثمَّ بيَّن أنهم مع ذلك لشدة خوفهم ووجلهم يستغفرون بالأسحار. ١٨ - قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال أبو إسحاق (٦)، وأبو العباس (٧): معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾: بيَّن وأظهر (٨)؛ لأنَّ

стр. 2484

الشاهد (١): هو العالم الذي يبين ما علمه. فالله قد دلَّ على توحيده بجميع ما خلق، فبيِن أنه لا يقدر أحدٌ أن ينشيء شيئًا واحدًا مما أنشأ. قال أبو العباس (٢): ونظير هذا في القرآن مما أُريد فيه بالشهادةِ: التبيينُ، وإن لم يقارنه القولُ: قولُه : ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]، معناه: مبيِّنين على أنفسهم الكفر؛ وذلك أنهم يؤمنون بأنبياء (٣)، كلهم شاهد لمحمدٍ ﷺ بالصِّدق، فلما آمنوا بأنبياء (٤) بشَّروا بمحمد، وحثُّوا على اتباعه، ثم خالفوا عليه فكذبوه وحاربوه، بيَّنوا بذلك الكفر على أنفسهم، فوُصفوا بأنهم شَهِدوا به، وإنْ لم يكونوا قالوا: نحن كفار (٥).

стр. 2485

وقوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وشهدت الملائكة، بمعنى: أقرَّت بتوحيد الله -تعالى-؛ لما عاينت من عظيم قدرته؛ كقوله: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٠]؛ أي: أقررنا. فَنَسَق شهادة الملائكة وأولي العلم على شهادة الله سبحانه، والشهادتان مختلفتان معنًى لا لفظًا، كقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، والصلاة من الله: الرحمة، ومن الملائكة: الاستغفار والدعاء (١).

стр. 2486

وقال ابن الأنباري (١): إنما عَطَف الملائكةَ وأولي (٢) العلمِ على اسمه؛ لأن الشهادة معناها في اللغة: إظهارُ المعلوم وتبَيُّنُه. فلمَّا بيَّن أولوا العلم المعلومَ (٣) [عندهم؛ كما بيَّنه الله ، عطفهم على اسمه؛ للاتفاق في إظهار المعلوم] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد بتوحيده أولوا العلم؛ بما ثبت عندهم. وشهادة أولي (٥) العلم: يجوز أن تكون بمعنى: الإقرار، ويجوز أن تكون بمعنى: التبيين (٦). واختلفوا في المعنيين بـ (أولي العلم) ههنا: فقيل (٧): هم الأنبياء، وقال مقاتل (٨): هم مؤمنو أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى وصفهم بالعلم في

стр. 2487

مواضع من كتابه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. قال ابن كيسان (١): يعني: المهاجرين والأنصار، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء (٢). وقال السدي والكلبي (٣): يعني (٤): علماء المؤمنين كلهم (٥). وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. ينتصب على الحال من اسم الله جل وعز، على تقدير: شهد الله قائمًا بالقسط. ويجوز أن يكون حالًا من: هو؛ تقديره: لا إله إلَّا هو قائمًا بالقسط (٦). وقال الفراء (٧): هو نصب على القطع (٨)، لأنه نكرة نُعِت (٩) به معرفة،

стр. 2488

كان (١) أصلها: (القائم بالقسط)؛ فلما (٢) قُطعت الألفُ واللامُ نصب (٣). ومعنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: قائمًا بالعدل (٤)، كما يقال: (فلان قائم بالتدبير)؛ أي: يُجْرِيه على الاستقامة. فالله (٥) تعالى يُجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور (٦). ١٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. القُرَّاءُ على كسرِ (إنَّ)، إلَّا الكسائي؛ فإنه فتح (أنَّ) (٧). والوجه (٨)، الكسر (٩)؛ لأن الكلام الذي قبله قد تمَّ (١٠)، وهذا النحو من الكلام الذي يراد به التنزيه، أن يكون بجُمَلٍ متباينة أحسن؛ من حيث

стр. 2489

كان أبلغ في الثناء (١)، وأذهب في باب المدح؛ ومن ثمَّ جاء: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فأما وجه قراءة الكسائي، فإن النحويين ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ (٢)، وفَتح ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على تقدير: حذف حرف الجر؛ كأنه قيل: (شهد الله؛ لأنه (٣) لا إله إلَّا هو، أنَّ الدين عند الله الإسلام). وهذا معنى قول الفرَّاء، حيث يقول (٤) - في الاحتجاج للكسائي: إن شِئتَ جعلتَ (أنه) على الشرط (٥)، وجعلت الشهادة واقعة على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وتكون ﴿أَن﴾ (٦) الأولى يصلح فيها الخفض، كقولك: شهد الله بتوحيده، أنَّ الدين عند الله الإسلام. الوجه الثاني: أنه فتحهما على أن الواو تُراد (٧) في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾؛ كأنه قيل: (شهد الله أنه لا إله إلَّا هو: وأنَّ الدين عند الله الإسلام). فيكون قوله (٨): (أنَّ الدين عند الله الإسلام) جملةً استغني فيها

стр. 2490

عن حرف العطف؛ بما تضمنت من ذكر الأول المعطوف عليه، وهو التوحيد، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا (١)، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢) [الكهف:٢٢]. الوجه الثالث: وهو مذهب البصريين: أن تجعل (أنَّ) الثانية بدلًا من الأولى، فكأنَّ (٣) التقدير: (شهد الله أنَّه، أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام). فيكون هذا من الضرب الذي الشيء فيه، هو هو (٤)، نحو قولك: (ضربت زيدًا نفسَه). ألا ترى أنَّ الدين الذي هو الإسلام، يتضمنُ التوحيد، وهو هو في المعنى.
следующие страницы →