← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

وقال ابن الأنباري (١): إنما عَطَف الملائكةَ وأولي (٢) العلمِ على اسمه؛ لأن الشهادة معناها في اللغة: إظهارُ المعلوم وتبَيُّنُه. فلمَّا بيَّن أولوا العلم المعلومَ (٣) [عندهم؛ كما بيَّنه الله ، عطفهم على اسمه؛ للاتفاق في إظهار المعلوم] (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد بتوحيده أولوا العلم؛ بما ثبت عندهم. وشهادة أولي (٥) العلم: يجوز أن تكون بمعنى: الإقرار، ويجوز أن تكون بمعنى: التبيين (٦). واختلفوا في المعنيين بـ (أولي العلم) ههنا: فقيل (٧): هم الأنبياء، وقال مقاتل (٨): هم مؤمنو أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى وصفهم بالعلم في

стр. 2487

مواضع من كتابه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ﴾ [الإسراء: ١٠٧]، وقوله: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. قال ابن كيسان (١): يعني: المهاجرين والأنصار، وهو قول ابن عباس فى رواية عطاء (٢). وقال السدي والكلبي (٣): يعني (٤): علماء المؤمنين كلهم (٥). وقوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾. ينتصب على الحال من اسم الله جل وعز، على تقدير: شهد الله قائمًا بالقسط. ويجوز أن يكون حالًا من: هو؛ تقديره: لا إله إلَّا هو قائمًا بالقسط (٦). وقال الفراء (٧): هو نصب على القطع (٨)، لأنه نكرة نُعِت (٩) به معرفة،

стр. 2488

كان (١) أصلها: (القائم بالقسط)؛ فلما (٢) قُطعت الألفُ واللامُ نصب (٣). ومعنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: قائمًا بالعدل (٤)، كما يقال: (فلان قائم بالتدبير)؛ أي: يُجْرِيه على الاستقامة. فالله (٥) تعالى يُجري التدبير على الاستقامة في جميع الأمور (٦). ١٩ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. القُرَّاءُ على كسرِ (إنَّ)، إلَّا الكسائي؛ فإنه فتح (أنَّ) (٧). والوجه (٨)، الكسر (٩)؛ لأن الكلام الذي قبله قد تمَّ (١٠)، وهذا النحو من الكلام الذي يراد به التنزيه، أن يكون بجُمَلٍ متباينة أحسن؛ من حيث

стр. 2489

كان أبلغ في الثناء (١)، وأذهب في باب المدح؛ ومن ثمَّ جاء: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٧٧]. فأما وجه قراءة الكسائي، فإن النحويين ذكروا فيه ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون الشهادة واقعة على ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ (٢)، وفَتح ﴿أَن﴾ في قوله: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ على تقدير: حذف حرف الجر؛ كأنه قيل: (شهد الله؛ لأنه (٣) لا إله إلَّا هو، أنَّ الدين عند الله الإسلام). وهذا معنى قول الفرَّاء، حيث يقول (٤) - في الاحتجاج للكسائي: إن شِئتَ جعلتَ (أنه) على الشرط (٥)، وجعلت الشهادة واقعة على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾. وتكون ﴿أَن﴾ (٦) الأولى يصلح فيها الخفض، كقولك: شهد الله بتوحيده، أنَّ الدين عند الله الإسلام. الوجه الثاني: أنه فتحهما على أن الواو تُراد (٧) في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾؛ كأنه قيل: (شهد الله أنه لا إله إلَّا هو: وأنَّ الدين عند الله الإسلام). فيكون قوله (٨): (أنَّ الدين عند الله الإسلام) جملةً استغني فيها

стр. 2490

عن حرف العطف؛ بما تضمنت من ذكر الأول المعطوف عليه، وهو التوحيد، كما استغني عنه بذلك في قوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]، ولو كانت (الواو) لكان ذلك حسنًا (١)، كما قال: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ (٢) [الكهف:٢٢]. الوجه الثالث: وهو مذهب البصريين: أن تجعل (أنَّ) الثانية بدلًا من الأولى، فكأنَّ (٣) التقدير: (شهد الله أنَّه، أنَّ الدِّينَ عند الله الإسلام). فيكون هذا من الضرب الذي الشيء فيه، هو هو (٤)، نحو قولك: (ضربت زيدًا نفسَه). ألا ترى أنَّ الدين الذي هو الإسلام، يتضمنُ التوحيد، وهو هو في المعنى.

стр. 2491

وإن (١) شئت، جعلته مِنْ بدل الاشتمال؛ لأن الإسلام يشتمل على التوحيد (٢)، فيكون كقولك: (ضربت زيدًا، رأسَه) (٣). فإن قيل: على هذه القراءة، لو جاز إيقاع الشهادة على (أنَّ الدين)، لم يحسن إعادة اسم الله، ولكان: (أنَّ الدين عنده (٤) الإسلام)؛ لأن الاسم قد سبق، فالوجه الكِنَايةُ عنه. قيل: إنَّ العرب ربما أعادت الاسم في موضع الكناية (٥)؛ كقول الشاعر: لا أرى الموتَ، يسبقُ الموتَ شيءٌ (٦)

стр. 2492

ومثله كثير (١). فأما المعنى: فقال ابن عباس (٢): افتخر المشركون بآبائهم، فقال كلُّ فريق منهم: لا دين إلَّا ديننا، وهو دين الله منذ بعث الله (٣) آدَم، فكذبهم الله -تعالى-، فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، يعني الذي جاء به محمد ﷺ (٤). وأصل الدين في اللغة: الجزاء. ثم الطاعة تسمى دينًا؛ لأنها (٥)

стр. 2493

للجزاء، وكل ما (١) يطاع الله تعالى به فهو دين (٢)، فاليهود يدَّعون أنهم يطيعون (٣) بما أتاهم به موسى، فذلك دين اليهودية، وكذلك النصارى، وكل فرقة. والمسلمون يطيعونه بما أتاهم به محمد ﷺ ، فهو دين الإسلام (٤)، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ومعنى (الإسلام) في اللغة: الدخول (٥) في السَّلَمِ؛ أي: في الانقياد والمتابعة. قال الله : ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ (٦) [النساء: ٩٤]؛ أي: انقاد لكم وتابعكم (٧).

стр. 2494

وقيل: أصله: السِّلْم (١). فـ (أَسْلَمَ): دخل في السِّلْم؛ كقولهم: (أشْتى)، و (أَقْحَطَ)، و (أرْبَعَ) (٢). وأصل السِّلْم: السَّلامة؛ لأنه انقياد على السلامة. ثم من (٣) الإسلام (٤) ما هو متابعة وانقياد باللسان دون القلب، وهو قوله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ (٥) [الحجرات:

стр. 2495

١٤]؛ أي: انقدنا (١)؛ من خوف السيف. ومنه، ما هو متابعة وانقياد باللسان والقلب، وهو قوله: ﴿قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا معنى الإسلام. وذكر ابن الأنباري (٢) في المسلم قولًا آخر، وهو: أنَّ المسلم معناه: المُخْلِصُ لله العبادة. من قولهم: (سَلَّمَ الشيءَ لفلان)؛ أي: خلَّصه (٣) له، و (سَلِمَ له الشيءُ) (٤)؛ أي: خَلصَ له. فعلى هذا الإسلام معناه: إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى، وهو التبريء عن الشرك. وأصله أيضًا من السلامة؛ لأنه يعود إلى أن يُسْلِم دينَه لله، حتى يكون له سالمًا من غير شريك. وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. معنى الاختلاف في اللغة، هو: ذهابُ أحدِ النَفسَيْنِ إلى نقيض ما ذهب إليه الآخر (٥).

стр. 2496

والاختلاف في الأجناس: امتناعُ أحدِ الشيئين أن يَسُدَّ مَسَدَّ الآخر. وأراد بـ ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: اليهود (١). قال ابن عباس (٢): يعني: قريظة والنضير وأتباعهم. يقول: لم يختلف اليهود (٣) في صدق نبوَّةِ محمد ﷺ لما كانوا يجدونه في كتابهم من نعته وصفته. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ قال ابن عباس (٤): يريد: النبي ﷺ . وعلى هذا؛ سَمَّى النبي ﷺ (العِلْمَ)، وهو يريد المعلوم. والمصدر يقع على المفعول كثيرًا. والمعنى: أنهم كانوا يصدقونه بنعته وصفته قبل بعثه (٥)، فلما جاءهم اختلفوا فآمن به بعضُهم، وكفر به الآخرون، فقالوا: لست الذي وُعِدْناهُ (٦)، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]. ويجوز أن يريد بـ (العِلْم): بيان ما جاء في التوراة من نعت محمد ﷺ

стр. 2497

وصفته، وبيان ما جاء في شأنه. يعني: أنهم ما اختلفوا إلَّا بعد صحة علمهم بنبوَّتِه، وإذا كان الاختلاف بعد العِلْم، كان ذلك أبلغ في الكفر والعناد، ودليل هذا التأويل قوله في سورة البقرة: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [البقرة: ٢١٣]. وقوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ معنى البغي: طَلَبٌ للاستعلاء (١) بالظلم. أخبر الله تعالى عن عِلَّةِ اختلافهم، فقال: فعلوا ذلك طلبًا للرئاسة، وحسدًا له على النُبُوَّةِ. فانتصب (٢) ﴿بَغْيًا﴾ في قول الأخفش (٣) على تقدير: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ (٤). وقال الزجَّاج (٥): والذي هو الأجود؛ أن يكون ﴿بَغْيًا﴾ منصوبًا بما دلَّ عليه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ﴾. فيكون المعنى: اختلفوا بغيًا بينهم. قال أبو علي (٦): وجهُ قولِ الأخفش: أنَّ ﴿بَغْيًا﴾ انتصب (٧) على أنه

стр. 2498

مفعول له؛ أي: للبغي؛ كقولك: (جئتُ مَخافةَ الشرِّ، وابتغاءَ الخير). [قال] (١): وأَغْفِرُ عَوْراءَ الكريمِ ادِّخارَهُ (٢)

стр. 2499

ووجه قول الزجَّاج: أنَّه انتصب على المصدر؛ كأنه لمَّا قيل: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ دلَّ (١) على: (وما بغى (٢) الذين أوتوا الكتاب). فحُمِلَت ﴿بَغْيًا﴾ عليه (٣). فإن قيل: ما الفصل (٤) بين ما ينتصب على المصدرة نحو: ﴿صُنْعَ الله﴾ (٥)، وما ينتصب على أنَّه مفعول له؛ نحو: (ادِّخاره)، وبابه؟ فالقول: إنَّ الجميع وإن كانا يجتمعان في أنهما ينتصبان عن تمام الكلام؛ فالمفعول له؛ معناه: الإخبارُ بالغرض الذي من أجله فُعِل الفعلُ، والسبب له. والعامل فيه؛ هو هذا الفعل (٦) الظاهر. وأما (٧) المصدر: فالنحويون يُسَّمونه مفعولًا مطلقًا؛ لأن الفاعل

стр. 2500

أحدثه. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾. هذا شرطٌ وجوابُ، يتضمن وعيدًا لليهود الذين كفروا بمحمد ﷺ . وذكرنا معنى ﴿سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ في سورة البقرة (١). ٢٠ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ٢٠]. قال ابنُ عباس (٢): نزلت في يهود المدينة، ونصارى نَجْرَان، والأمِّيِّين من العرب. قال الكلبي (٣): وذلك أن اليهود والنصارى قالت: لسنا على ما سميتنا به يا محمد، إنما اليهودية والنصرانية نَسَبٌ، والدِّين هو الإسلام، ونحن عليه. قال الزَّجَّاج (٤): فأمر الله تعالى نبيَّه بأن يحتجَّ عليهم؛ أنه اتَّبع أمرَ اللهِ، الذي هم مُجْمِعون (٥) مُقرُّون بأنه خالقُهم، وأمَرَه بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الآية بأن يدعوهم إلى ما هو عليه من الإسلام. قال أهل المعاني (٦): وإنما لزمتهم الحُجَّة من حيث إن النبي ﷺ

стр. 2501

أراهم الدلالة على صدقه ونبوَّته، ثم دعاهم إلى اتباع أمر من أقروا بأنه خالقهم، فإذا لم يطيعوه، صاروا محجوجين. فهذا وجه الحجة للنبي ﷺ في قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾. ومعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾: أي: انقدت له بقلبي ولساني وجوارحي. وذكرنا أن الإسلام معناه -في اللغة-: الانقياد (١). وذُكِرَ (الوجه) هاهنا؛ لأنه أكرم جوارح الإنسان، فإذا خضع وجهُهُ لشيء، فقد خضع له سائرُ جوارحه (٢). وقال ابن عباس في هذه الآية (٣): يريد: كما قال أبوك إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. وقد ذكرنا هناك معنى (أسلم) و (أسلمْتُ). وقال الفرَّاء (٤): معنى [أسلمت وجهي لله: أخلصت عملي لله؛ يقال (٥)] (٦): (أسلمتُ الشيءَ لفلان)؛ أي: أخلصته لهُ، فسلم له الشيء، ولم يشاركه غيره (٧). قال: ومعنى (الوجه) ههنا: العمل، كقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾

стр. 2502

[الأنعام: ٥٢ - الكهف: ٢٨]، أي: قصده والعمل. وقول الشاعر: ... إليه الوجهُ والعَمَلُ (١) نسق بالعمل على الوجه، وهما واحدٌ؛ لاختلاف اللفْظَيْن. ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢]، الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمنِ اَتَّبَعَنِ﴾. ﴿مَنِ﴾ عطف على الضمير في ﴿أَسْلَمْتُ﴾ من غير أن يؤكده؛ لأن الكلام طال بقوله: ﴿وَجْهِىَ للهِ﴾، فصار عِوَضًا من تأكيد الضمير المُتَّصِل. ولو قيل: (أسْلَمْتُ وزيدٌ)، لم يَحْسُن حتى يقول: (أسلمتُ أنا وزيدٌ).

стр. 2503

فإن قال: (أسلمتُ اليوم (١) بانشراح صدرٍ ومن جاء معي)، جاز وحَسُنَ (٢). [قال أبو إسحاق (٣): حذفت الياء من (اتبعن)، وهذه الياء إذا وقعت في آخر آية، حسن] (٤) حذفها (٥)؛ لأن أواخر الآي تُشَبَّهُ (٦) بقوافي الشِّعْر، وأهل اللغة يسمونها الفواصل. قال الأعشى: ومن شانئٍ كاسِفٍ بالُهُ ... إذا ما انتسَبْتُ له أنكَرَنْ (٧)

стр. 2504

فإذا لم يكن آخر آيةٍ أو قافيةٍ، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد، خاصة مع النونات؛ لأن أصل (اتبعني) (١): (اتبعي) (٢)، فزيدت النونُ؛ لِتَسْلَم فتحةُ العيْن. فالكسرة (٣) من النون، تنوب عن الياء، فإذا لم تكن النون؛ نحو: (غلامي)، (وصاحبي)، فالأجود إثباتها، وحذفها قليل، إلا أنه جائز؛ لأن (٤) الكسْرَة دالة عليه. قال ابن عباس (٥): ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾: يريد: المهاجرين والأنصار. وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾. يعني: العرب (٦)

стр. 2505

﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾. قال الفرَّاء (١)، والزجَّاج (٢): معناه: الأمر؛ أي: أسلموا؛ لأنه استفهام في معنى التوقيف والتهديد، وفي ضمنه الأمر؛ كما تقول للإنسان، بعد أن تأمره وتُؤكِّد عليه: أقَبِلْتَ؟ فأنت تسأله متوعدًا، وفي مسألتك دليلٌ أنك تأمره أن يفعل، ومثله قوله (٣): ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]؛ أي: انتهوا. قال النحويون: إنما جاء الأمر في سورة الاستفهام؛ لأنه بمنزلته في طلب الفعل، والاستدعاء إليه، فذكر ذلك؛ للدلالة على الأمر، من غير تصريح به؛ ليُقِرَّ المأمورُ بما يلزمه من الأمر. وقوله تعالى: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾. البلاغُ: اسمٌ (٤) للمصدر، بمنزلة

стр. 2506

التبليغ؛ كـ (السَّراح) (١) و (الأداء)، أي: تبليغ الرسالة. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال ابن عباس (٢): ممن (٣) آمن بك وصدَّقَكَ، ومن كفر بك وكذبك (٤). وفي هذه الآية تسلية للمصطفى ﷺ حين أُخبر أنه ليس عليه هداهم، إنما عليه التبليغ، فإذا بلَّغ فقد أدَّى ما عليه. وقال بعض المفسرين: حكم هذه الآية قبل أن يُؤمر النبي ﷺ بالسيف (٥).

стр. 2507

٢١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ نزلت في اليهود (١)، ومعنى هذه الآية، قد ذكرنا في سورة البقرة، عند قوله: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].

стр. 2508

وقوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾. روى أبو عبيدة بن الجرَّاح (١): أن النبي ﷺ قال: قَتَلَت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين (٢) نبيًا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة واثنا (٣) عَشَرَ رجلًا، من عبَّاد بني إسرائيل، فأمروا مَنْ قَتَلَهم بالمعروف، ونَهَوْهم عن المنكر، فقُتِلُوا جميعًا من آخر النهار، في ذلك اليوم، فهم الذين ذكر الله في كتابه، وأنزل الآية فيهم (٤). وقرأ حمزةُ (٥): (ويُقاتِلون الذين)، لأنه (٦) اعتبر قراءةَ عبد الله (٧):

стр. 2509

(وقاتَلوا الذين يأمرون)، فقرأ (١): ﴿يُقَاتِلُونَ﴾، وهو يريد: (قاتَلُوا)، كما روي في حرف عبد الله. ويجوز أن يكون المضارع، بمعنى الماضي؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحج: ٢٥]، وقال في أخرى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا﴾ (٢)، فالأول جاء على لفظ المضارع؛ حكاية للحال، كذلك (٣) قراءة حمزة: (ويقاتلون)، يجوز (٤) أن يكون مراده: (قد قاتَلوا)، إلا أنه جاء على لفظ المضارع، حكايةً للحال. والمعنى في قراءة حمزة: أنهم لا يوالون الذي يأمرون بالقسط؛ ليقلَّ نهيُهم (٥) إيَّاهم عن العدوان عليهم، فيكونون متباينين لهم (٦) مُشاقِّينَ؛ لأمرهم بالقسط، وإن لم يقتلوهم (٧) كما قتلوا الأنبياء، ولكن يقاتلونهم (٨)

стр. 2510

قتال المُبايِنِ، المُشاقِّ لهم. والصحيح الموافق لتفسير الآية: قراءةُ العامَّةِ (١). وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾. ذكرنا معنى التبشير، وجواز إطلاقه فيما [لا] (٢) يَسُر، عند قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]. وأما (٣) دخول الفاء في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ﴾ وهو خبر الابتداء، فقد (٤) ذكرنا ما فيه عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ٢٢ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ هو يريد بـ ﴿أَعْمَالُهُمْ﴾: ما هم عليه من ادِّعائهم التمسك بالتوراة، وإقامة شريعة موسى. وأراد ببطلانها في الدنيا: أنها لم تحقن دماءَهم، وأموالهم (٥)؛ وفي الآخرة: لم يستحقوا بها مثوبة، فصارت كأنها لم تكن ولم توجد.

стр. 2511

٢٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية إنما قال: ﴿نَصِيبًا﴾؛ لأنهم كانوا يعلمون بعض ما في الكتاب (١). والمراد بهؤلاء: اليهود. وقوله تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس في رواية الضحَّاك (٢): المرادبـ (كتاب الله) ههنا: القرآن، والله [تعالى] (٣) جعل القرآن حَكَماً بينهم وبين رسول الله ﷺ (٤)، فَحَكمَ القرآن عليهم بالضلالة، فأعرضوا عنه. فإن قيل: كيف دُعوا إلى حكم كتابٍ لا يؤمنون به؟ قيل: إنَّما دُعوا إليه بعد (٥) أن ثبت أنه (٦) من عند الله، بموافقته التوراة في الأنباء والقصص، ورصانته (٧)، بحيث لم يقدر بشرٌ أن يعارضَه، وهذا

стр. 2512

قول قتادة (١)، وقال في رواية سعيد بن جُبَير، وعكرمة: إنَّ النبي ﷺ قال لليهود: "أنا على ملَّة (٢) إبراهيم، وملَّته: الإسلام"، فقالوا: إن إبراهيم كان يهودياً، فقال لهم رسول الله ﷺ : "فَهَلُمُّوا إلى التوراة". فأبوا عليه. فأنزل الله هذه الآية (٣). وقال في رواية أبي صالح: أنكروا آية الرجْمِ من التوراة، وكان قد زنى منهم رجل (٤) وامرأة، فكرهوا (٥) رجمَهما (٦) وسألوا النبي ﷺ ما يلزمهما (٧)، فحكم بالرجْمِ. فقالوا: جُرْتَ (٨) يا محمد! فقال: "بيني وبينكم التوراة". ثم أتوا بابن صُورِيا (٩)، فقرأ التوراة، فلما أتى على آية الرجم سترها بكفِّهِ، فقام (١٠) ابنُ سَلام، فرفع كفه (١١) عنها، ثم قرأ على

стр. 2513

رسول الله ﷺ وعلى اليهود الرجْمَ، فغضب اليهودُ لذلك (١) غضباً شديداً، وانصرفوا؛ فأنزل الله هذه الآية (٢).

стр. 2514

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾. إن قيل: كيف خصَّ بالتولِّي فريقاً، ثم جمعهم في الإعراض، فقال: ﴿وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾؟. فالجواب، ما قال ابن الأنباري (١)، وهو: أنَّ الفريق المتولِّي، هم: المعرضون. وأراد بـ (الفريق المتولي): الرؤساء الذين تدين السَّفَلَةُ لهم، فأفردهم الله تعالى بالذكر، وخصَّهم بالتولي، لأنهم سببٌ لإضلال أتبَّاعهم. قال (٢): ويحتمل أن يكونَ المتولُّون: العلماء والرؤساء، والمعرضون: الباقون منهم؛ كأنه قيل (٣): ثم يتولى العلماءُ. والتُبَّاعُ معرضون عن القبول من النبي ﷺ لتولي علمائهم. ويجوز أن يكون الفريق اختصه الله (٤)؛ لأن عبد الله بن سَلام، وغيره من مؤمني أهل الكتاب، كانوا ممن قبلوا حكم النبي ﷺ فكان (٥) المتولِّي بعض مَن أوتي (٦) الكتاب. ٢٤ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ﴾. (٧) اختلف أهل المعاني في المُشارِ إليه بـ ﴿ذَلِكَ﴾، فقال بعضهم (٨): ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ [آل عمران: ٢٢]؛ يعني: ذلك الحُبُوطُ؛ بكذبهم على

стр. 2515

الله؛ وهو قولهم: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾. و (١) قال ابن الأنباري (٢): معنى قوله (٣): ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُم﴾ أي: ذلك الاجتراء عليك، وعلى الإعراض عن حكمك يا محمد بسبب اغترارهم، ومقالتهم؛ حيث قالوا: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَات﴾، وظنوا (٤) أنفسهم على قِلَّةِ العذاب وقِصَرِ مُدَّته (٥)، فتجاسروا على تكذيب الرسل (٦). وهذا معنى قول الزجَّاج (٧): أخبر الله تعالى عن اليهود، أنهم يُعرضون عن حكم كتاب الله، ثم أنبأ وبيّن ما حملهم على ذلك، وخبَّر بما غرَّهم، فقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا﴾ (٨). قال: وموضع: ﴿ذَلِكَ﴾ رفعٌ. المعنى: شَأنُهُم ذلك، وأَمْرُهُم ذلك (٩). ومضى القول في تفسير قولهم:

стр. 2516

﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا﴾ في سورة البقرة. وقوله تعالى: ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ﴾ الغُرور: الإطماع (١) فيما لا يصح (٢). وقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾. يعني قولهم: لن تَمَسَّنا النار. ٢٥ - قوله (٣) تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ﴾. الآية. (كيف): معناه: السؤال عن الحال. والحال المسئولة عنها محذوفة؛ وتقديره: فكيف حالهم إذا جمعناهم؟ وتحذف الحال كثيراً مع كيف؛ لدلالته عليها؛ نحو قولك: (كنت أكْرِمُه وهو لم يزرني؛ فكيف إذا زارني؟)؛ أي: كيف حالُهُ إذا زارني في عِظَمِ الإكرام؟. ويُحذف أيضاً جوابُ هذا السؤال من الكلام؛ لأن في حذفه بلاغة تزيد على الإفصاح بذكره؛ لما فيه من تحريك النفس على استحضار كل نوع من أنواع الكرامة في قول القائل: فكيف إذا زارني؟ وكل نوع من أنواع العذاب في الآية. وتأويل الكلام: أي حالة تكون (٤) حال من اغتر بالدعاوى الباطلة، إذا جُمعوا ليوم الجزاء (٥)؟ وقوله ﴿لِيَوْمٍ﴾ (٦)، ولم يقل: (في يوم)؛ لأن

стр. 2517

المراد: لجزاء يوم، أو لحساب يوم؛ فحذف المضاف، ودلت اللاَّمُ عليه. قاله الزجَّاج (١). وقال الفرَّاء (٢): اللاَّمُ، لفعل مُضْمَرٍ؛ إذا قلت: (جُمعوا ليوم الخميس)؛ كان المعنى: جُمعوا لما يكون يوم الخميس. وإذا قلت: (جُمعوا في يوم الخميس)، لم تُضْمِرْ فِعْلاً (٣). وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ﴾. أي: لما يكون في ذلك اليوم من الحساب والجزاء. وهذا قريب من القول الأول، بل هو تفسير له (٤). وقوله تعالى: ﴿وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾. أي: جزاء ما كسبت (٥) من خيرٍ أو شرٍّ. فهذا يكون على حذف المضاف، ويجوز أن يكون المعنى: ووُفِّيَت كل نفس ما كسب من الثواب والعقاب، بالطاعة والمعصية، فلا يكون في الكلام مضافٌ محذوف، ويجوز أن يُسمَّى الثوابُ والعقابُ كسباً للعبد؛ على معنى (٦): أنهما جزاء كسبه، وأنه اجتلبهما بأعماله (٧) الصالحة والطالحة (٨).

стр. 2518

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾. أي: لا يُنقص من حسناتهم، ولا يزاد على سيِّئاتهم. ٢٦ - وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ﴾ اختلف النحويون في إعراب (اللهمَّ)؛ فقال الخليل (١)، وسيبويه (٢): (اللهمَّ)، بمعنى: يا الله. والميم (٣) المشدَّدَة عِوَضٌ (٤) من (يا)؛ لأنهم لم يقولوا: (يا) مع هذه الميم في هذه الكلمة. والضمة التي في الهاء (٥): ضمة الاسم المنادى المفرد (٦)، والميم مفتوحة؛ لسكونها، وسكون الميم التي قبلها. وأنكر الفرَّاء هذا القول؛ فقال (٧): لم نجد العرب زادت مثل هذه الميم في نواقص الاسم إلَّا مخففة؛ مثل: (الفمُ)، و (هذا ابْنُمٌ)، و (سُتْهُمُ) (٨).

стр. 2519

فلو (١) كانت الميم بدلاً من (يا)، لم يُجمع بين الميم و (يا)، وقد أنشدني بعضهم: وما عليكِ أنْ تَقُولي كُلَّمَا صَلَّيتِ أو سَبَّحتِ: يا اللَّهما اردُدْ علينا شَيخَنا مُسَلَّما (٢) فقال: (يا اللهُمَّ). ثم قال: ونرى أنها كانت في الأصل كلمةً ضُمَّ

стр. 2520

إليها (أُمَّ)؛ يريد: (يا الله؛ أُمَّنا بخير)، فكثرت في الكلام حتى اختلطت (١) به، فحذفت الهمزة استخفافاً، فقيل: (اللهمَّ) (٢)، ثم كثرت هذه اللفظة حتى قالوا: (لاهُمَّ)؛ بمعنى: اللهمَّ. قال الشاعر: لاهُمَّ إنَّ عامِرَ بن جَهْمِ ... أوْذَمَ (٣) حَجّاً في ثِيَابٍ (٤) دُسْمِ (٥) وقال آخر: لاهُمَّ إن جُرْهُماً (٦) عِبادكا ... الناس طُرْفٌ (٧) وهمُ تِلادُكا (٨)

стр. 2521

فحذفوا الألف واللاَّم، لَمَّا كَثُرَ في كلامهم. قال (١): وقد خُفِّفت ميمها في بعض اللغات. أنشدني بعضهم: كحَلْفَةٍ من ابن (٢) رباح ... يَسْمَعها اللهُمُ (٣) الكُبارُ (٤)

стр. 2522

قال: والرفعة التي في الهاء من همزة (أُمَّ) لمَّا تركت، انتقلت إلى ما قبلها. قال: ونرى (١) أن قول العرب: (هَلُمَّ) مثلها؛ إنما كانت: (هل) فضُمَّ إليها (أُمَّ) (٢).

стр. 2523

وأنكر أبو إسحاق هذا القول إنكاراً شديداً، فقال (١): لو كان الأمر على ما قال، لجاز أن يقال: (الله أُمَّ)، فيُتَكلم به على أصله، كما يقال: (ويلُ أمِّه)، ثم يُتَكلم به على الأصل، فيقال: (ويلُ أُمِّهِ) (٢)، ولجاز أيضاً: (الله أُؤمُمْ) (٣). فلمَّا لم (٤) يُسمع أحدٌ من العرب تكلم به على الأصل الذي [هو] (٥) ذَكَر (٦)، علم أنه ليس بأصل، وأيضاً لم يُسمع (٧) أحدٌ (٨) يقول: (يا اللهُمَّ)، والله يقول: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٤٦]. وما احتجَّ به الفرَّاء من قوله: (أنشدني بعضهم) (٩)، فليس يعارض

стр. 2524

الإجماعَ، وما أتى به كتابُ الله ، ووُجد في ديوان العرب. يقول قائل: (أنشدني بعضهم)، وليس ذلك البعضُ بمعروفٍ ولا مُسمَّى. وقال غير أبي إسحاق مِمَّن نصر مذهبَ الخليل (١): لو كان الأمر على ما ذكره الفرَّاء، لما صحَّ أن يقال: (اللهُمَّ افعل كذا)، إلَّا بحرف العطف؛ لأن قوله: (اللهُمَّ) حصل عنده في ضمنه الدعاء؛ لأن تأويله: (الله (٢)؛ أُمَّنا بخير)، فالدعاء الثاني يجب أن يكون معطوفاً عليه بحرف العطف. ولم نجد أحداً يقول: (اللهُمَّ اغفر). وأجابَ الفرَّاءَ عن قوله: (هذه الميم، إنما تُزاد مُخفَّفةً)؛ بأن قال: إنما شُدِّدت الميمُ في (اللهمَّ)؛ لأنها عِوضٌ من حرفين (٣) فشُدِّدت، كما قيل: (قُمتُنَّ) و (ضَربتُنَّ)؛ لمَّا كانت النون عِوضاً من حرفين في: (قُمتُموا) و (ضَربتُموا)، شُدِّدَت. فأما (قُمْنَ) و (ذَهبْنَ) فَعِوَضٌ من حرف واحد. وما ذَكَر من قوله: (فَمُ) (٤) و (سُتْهُمُ) و (ابْنُمُ) (٥)، فإنما خُفِّفت الميم؛ لأنها عِوَضٌ من حرف واحد. وليس حكمُ قولِكَ: (الله)، حكمَ (الفمُ) و (الابنُ)؛ لأنهما ناقصان أُتمَّا بالميم، و (اللهُمَّ) ليس زيادتها (٦) تتميما للاسم، إنما هي لمعنىً آخر

стр. 2525

غير المعنى الذي في (الفمُ). وأمّا ما احتَجَّ به من البيت؛ فجاز إدخال (يا) مع الميم لضرورة الشعر (١). فأما (٢) احتجاجه بقوله: (هلُمَّ)، فعند الخليل (٣): أنَّ الأصل فيه: (ها) التي [هي] (٤) للتنبيه، دخلت (٥) على (لمَّ) (٦)، فلما كثر (٧)، حُذِفت الألف (٨). وأمَّا البيت الذي ذكر أنه جاء في (اللهُمُ)، بتخفيف الميم، فهو خطأ فاحشٌّ خصوصا عنده (٩)؛ لأن الميم في (اللهُمُ)، هو الميم الذي في (أُمَّنا)، وإنشاده بالتخفيف يفسد عليه مذهبه؛ لأنه لا يحتمل في البيت ذكر أن يكون (أُمَّنا)، إنما هو بمنزلة قولك: (يسمعهُ اللهُ الكبارُ)، فالرواية الصحيحة: يَسمعها لاهُهُ الكبارُ
следующие страницы →