стр. 2521
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2522
стр. 2523
وأنكر أبو إسحاق هذا القول إنكاراً شديداً، فقال (١): لو كان الأمر على ما قال، لجاز أن يقال: (الله أُمَّ)، فيُتَكلم به على أصله، كما يقال: (ويلُ أمِّه)، ثم يُتَكلم به على الأصل، فيقال: (ويلُ أُمِّهِ) (٢)، ولجاز أيضاً: (الله أُؤمُمْ) (٣).
فلمَّا لم (٤) يُسمع أحدٌ من العرب تكلم به على الأصل الذي [هو] (٥) ذَكَر (٦)، علم أنه ليس بأصل، وأيضاً لم يُسمع (٧) أحدٌ (٨) يقول: (يا اللهُمَّ)، والله يقول: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ﴾ [الأنفال: ٣٢]، وقال: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٤٦].
وما احتجَّ به الفرَّاء من قوله: (أنشدني بعضهم) (٩)، فليس يعارض
стр. 2524
الإجماعَ، وما أتى به كتابُ الله ، ووُجد في ديوان العرب. يقول قائل: (أنشدني بعضهم)، وليس ذلك البعضُ بمعروفٍ ولا مُسمَّى.
وقال غير أبي إسحاق مِمَّن نصر مذهبَ الخليل (١): لو كان الأمر على ما ذكره الفرَّاء، لما صحَّ أن يقال: (اللهُمَّ افعل كذا)، إلَّا بحرف العطف؛ لأن قوله: (اللهُمَّ) حصل عنده في ضمنه الدعاء؛ لأن تأويله: (الله (٢)؛ أُمَّنا بخير)، فالدعاء الثاني يجب أن يكون معطوفاً عليه بحرف العطف. ولم نجد أحداً يقول: (اللهُمَّ اغفر).
وأجابَ الفرَّاءَ عن قوله: (هذه الميم، إنما تُزاد مُخفَّفةً)؛ بأن قال: إنما شُدِّدت الميمُ في (اللهمَّ)؛ لأنها عِوضٌ من حرفين (٣) فشُدِّدت، كما قيل: (قُمتُنَّ) و (ضَربتُنَّ)؛ لمَّا كانت النون عِوضاً من حرفين في: (قُمتُموا) و (ضَربتُموا)، شُدِّدَت. فأما (قُمْنَ) و (ذَهبْنَ) فَعِوَضٌ من حرف واحد.
وما ذَكَر من قوله: (فَمُ) (٤) و (سُتْهُمُ) و (ابْنُمُ) (٥)، فإنما خُفِّفت الميم؛ لأنها عِوَضٌ من حرف واحد.
وليس حكمُ قولِكَ: (الله)، حكمَ (الفمُ) و (الابنُ)؛ لأنهما ناقصان أُتمَّا بالميم، و (اللهُمَّ) ليس زيادتها (٦) تتميما للاسم، إنما هي لمعنىً آخر
стр. 2525
غير المعنى الذي في (الفمُ).
وأمّا ما احتَجَّ به من البيت؛ فجاز إدخال (يا) مع الميم لضرورة الشعر (١).
فأما (٢) احتجاجه بقوله: (هلُمَّ)، فعند الخليل (٣): أنَّ الأصل فيه: (ها) التي [هي] (٤) للتنبيه، دخلت (٥) على (لمَّ) (٦)، فلما كثر (٧)، حُذِفت الألف (٨).
وأمَّا البيت الذي ذكر أنه جاء في (اللهُمُ)، بتخفيف الميم، فهو خطأ فاحشٌّ خصوصا عنده (٩)؛ لأن الميم في (اللهُمُ)، هو الميم الذي في (أُمَّنا)، وإنشاده بالتخفيف يفسد عليه مذهبه؛ لأنه لا يحتمل في البيت ذكر أن يكون (أُمَّنا)، إنما هو بمنزلة قولك: (يسمعهُ اللهُ الكبارُ)، فالرواية الصحيحة: يَسمعها لاهُهُ الكبارُ
стр. 2526
قال أبو إسحاق (١): وقوله: إنَّ الضمَّةَ [التي] (٢) في الهاء من قوله: (اللهُم)، ضمةُ الهمزِة التي كانت في (أُمَّ) محالٌ؛ لأنه لا يُترك الضمُ الذي هو دليل على النداء المفرَد (٣)، ويُجعل في اسم الله ضمةُ (أُمَّ) (٤).
وقوله تعالى: ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾. في نصبه، وجهان: أحدهما: وهو قول سيبويه (٥): أنه منصوب على النداء، وكذلك قوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ﴾ [الزمر: ٤٦]، ولا يجوز عنده أن يكون ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ نصباً على النعت للنداء المفرد، الذي هو قوله: ﴿اللَّهُمَّ﴾؛ لأن هذا الاسم عنده لا يُوصَف.
الوجه الثاني: وهو قول أبي العباس (٦): أنَّ (مالِكَ) وصف للمنادى المفرد. وهذا الوجه اختيار الزجَّاج؛ قال (٧): لأن هذا الاسم ومعه (٨) الميم، بمنزلته ومعه (يا) (٩)، فلا تمتنع الصفة مع الميم، كما لا تمتنع مع (١٠) (يا) (١١).
стр. 2527
ونَصَر أبو علي الفارسي قولَ سيبويه، وقال (١): هو عندي أصح، وإن كان أغمض، وذلك (٢)، لأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء (٣) على حد (اللهُمَّ)، فإذا خالف ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيّز ما لا يوصف من الأصوات، وجب أن لا يوصف.
والأسماء المناداة المفردة المعرَّفة، القياس فيها: أن لا توصف، كما ذهب إليه بعض الناس؛ لأنها واقعة موقع ما لا يوصف؛ وكما (٤) أنه لمَّا وقع موقع ما لا يُعرب لم يعرب، كذلك لمَّا وقع موقع ما لا يوصف، وجب أن لا يوصَف (٥).
فأما قوله:
стр. 2528
стр. 2529
стр. 2530
ذكرنا، كان (اللهم) أولى أن لا يوصف؛ لأنه قبل ضم الميم إليه، واقعٌ موقع ما لا يوصف، فلمَّا ضُمَّت الميمُ إليه، وصيغ معه صياغة مخصوصة، صار حكمُهُ حكمَ الأصوات، وحكم الأصوات: أن لا يوصف (١)؛ نحو: (غاقِ) (٢).
قال (٣): وهذا المضموم إليه مع ما ضُمَّ إليه، بمنزلة صوتٍ مضموم إلى صوت؛ نحو: (حَيَّهَل) (٤)، فحقُّهُ أن لا يوصفَ؛ كما لا يوصف (حَيَّ هلْ).
فأما التفسير: فقال ابن عباس (٥): لما فتح رسول الله ﷺ مكة، ووعد أمَّتَه مُلكَ فارسَ والرومَ، قالت المنافقون واليهودُ: هيهات، هيهات (٦)!
стр. 2531
فأنزل اللهُ هذه الآية.
وقيل: إنَّ الله أمر النبي ﷺ في هذه الآية، أن يسأله نقل عزِّ فارس إلى العرب، وذلِّ العرب إلى فارس (١).
وقوله تعالى: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾. قال ابن عباس (٢): تؤتي ملكَ قيصر أمةَ محمدٍ ﷺ ، وتنزع الملكَ منه.
الكلبي (٣): ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: محمداً وأصحابَه، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: أبي جهل (٤)، وصناديدَ قريش.
وقال بعضهم: ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾: العرب، ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾: الروم، والعجمِ، وسائرَ الأمم (٥).
стр. 2532
وذكر أبو إسحاق (١) في ﴿الْمُلْكَ﴾ المذكور ههنا، قولين:
أحدهما: أن المراد بـ ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: المال، والعبيد، والحَفَدَة (٢). والله تعالى يؤتيها من يشاء، وينزعها ممن يشاء.
الثاني: أن ﴿الْمُلْكَ﴾ ههنا: ظهور الدين، والغَلَبة. فمعنى ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ أي ترزق الغَلَبةَ والظَّفَرَ الذين يطيعونك، ويعبدونك. والله تعالى قد جعل كل ما (٣) في مملكة (٤) مَلِكٍ غير مسلم للمسلمين مُلكاً وغنيمة، ولهم أن يُطالِبُوا به حتى يَحُوزوه، كما يُطالِبُ المَسْلوبُ ثَوْبَهُ (٥) بِثَوْبِه، والمأخوذ مالُهُ بما غلب عليه منه (٦).
стр. 2533
وقال أهل المعاني (١): معنى قوله ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾؛ أي مَنْ تشاءُ أن تُؤْتِيَه، وكذلك (٢) ﴿وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ أي: ممن تشاء أن تنزعه، إلاَّ أنه حذف؛ لأن في الكلام ما يدل عليه.
قال الفرَّاء (٣): ومثله: قولك: (خذْ ما شئت)؛ أي: ما شئت أن تأخذه. وكذلك (٤) قولك: (إن شئت؛ فَقُمْ، وإن (٥) شئت؛ فلا تَقُمْ) (٦)، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] [فهذا بيَّن أنَّ] (٧) المشيئة واقعة على الإيمان والكفر، وهما متروكان (٨).
وقوله تعالى: ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ قال ابن عباس (٩): يريد: المهاجرين والأنصار، ﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾، يريد: الروم وفارس: وقيل (١٠): ﴿وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ (١١): محمداً (١٢) وأصحابه، حتى دخلوا مكة ظاهرين عليها،
стр. 2534
﴿وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾: أبا جهل وأصحابه، حتى حُزَّت (١) رؤوسهم وأُلقوا في القليب. ويدخل تحت هذا كلُّ ما به يُعِزُّ اللهُ ويذل، من الإيمان والكفر، والتوفيق والخذلان وأشباهها (٢).
وقوله تعالى: ﴿بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ أي: الخير والشر، فاكتفى بالخير؛ لأن الرغبة إليه فعل الخير بالعبد دون الشر (٣)، وهذا كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النمل: ٨١] أي: [تقيكم] (٤) الحَرَّ والبرد.
وقال ابن عباس في تفسير ﴿الْخَيْرُ﴾ ههنا (٥): إنه عِزُّ الدنيا والآخرة.
٢٧ - قوله تعالى: ﴿تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الإيلاج في اللغة (٦): الإدخال. والوُلُوجُ: الدخول. يقال: (وَلَجَ)، (وُلُوجاً)، و (لِجَةً) [و] (٧)
стр. 2535
(وَلْجاً)، و (اتَّلَجَ، اتِّلاجاً)، و (توَلَّجَ، تولُّجاً) (١).
قال الشاعر:
فإنَّ القوافي يَتَّلِجنَ موالِجاً ... تَضايَقُ عنه أن تَولَّجَهُ (٢) الإبَرْ (٣)
وفي التنزيل: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ﴾ [الأعراف: ٤٠]، والوُليجَةُ: الدَّخيلَةُ، والبطانة (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَم يَتخِذُوا من دوُنِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا
стр. 2536
﴿الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [التوبة: ١٦].
ومعنى الآية: تجعل ما نقص من أحدهما، زيادة في الآخر، في قول جميع المفسرين (١).
وذكر ابن الأنباري (٢) قولاً آخر، وهو: أن المعنى: تدخل أحدهما في الآخرة بإتيانه به (٣) بدلاً (٤) منه. قال: وذلك أن الليل إذا (٥) دخلت ظلمتُهُ، وظهرت نجومُهُ وقمرُه، كان النهار داخلاً فيه، ومستتراً تحته، وكذلك (٦) والنهار، إذا دخل ضوؤه، وطلعت شمسُه، كان الليل داخلاً فيه، ومستترا تحته (٧).
وقوله تعالى: ﴿وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾. أكثر المفسرين على أنَّ معناه: تخرج الحيوان من النطفة، وتخرج النطفة من
стр. 2537
الحيوان (١).
وقال الكلبي (٢): تخرج الفرخ من البيضة، وتخرج البيضة من الطير، وهذا كالأول؛ لأن البيضة للطير بمنزلة النطفة لسائر الحيوانات (٣).
وقال ابن عباس في رواية عطاء، والحسن (٤): تخرج المؤمن مِنَ الكافر، والكافر من المؤمن. والمؤمنُ حَيُّ الفؤاد، والكافرُ ميِّت الفؤاد. دليله: قوله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ (٥) [الأنعام: ١٢٢].
стр. 2538
وفي (الميِّت) قراءتان: التشديدُ، والتخفيفُ (١). والتشديد الأصل؛ لأنه في الأصل: (مَيْوِت)، فلما اجتمعت الواو والياء (٢)، وسبقت (٣) إحداهما بالسكون، قُلِبت الواوُ ياءً (٤)، وأُدغمت الياءُ فيه (٥). ومن خَفَّفَ: حَذَفَ الواوَ التي (٦) أُعِلَّت في التشديد بالقلب (٧)، فأعِلَّت (٨) الواوُ في التخفيف بالحذف، كما أعلَّت في التشديد بالقلب.
وقول من قال: إن (المَيْت) بالتخفيف: الذي قد مات، وبالتشديد: الذي لم يمت بعدُ (٩)، ليس (١٠) بشيء؛ لأنه قد ورد في الشعر على عكس
стр. 2539
стр. 2540
إنَّما المَيْتُ من يعيشُ كثيبا ... كاسفاً بالُهُ (١) قليلَ الرَّخاء (٢)
فهذا بيَّن أنَّ الأمر فيهما سواء.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قال الزجَّاج (٣): أي: بغير تقتير. وهذا مستعمل في اللغة، يقال: (فلان ينفق بغير حساب)؛ أي: بُوسِّع في النفقة؛ فكأنه لا يحسب ما ينفقه.
وقال الحسن (٤)، والربيع (٥): أي: بغير (٦) نقصان، وذلك؛ لأنه غير متناهي المقدور، فما يؤخذ منه (٧) لا ينقصه، ولا هو على حساب جزءٍ من كذا وكذا (٨) جزءا (٩)، فهو بغير حساب التجزئة.
وقيل معناه (١٠): بغير حساب الاستحقاق؛ لأنه يرزق ويعطي تفضلاً لا استحقاقاً.
стр. 2541
стр. 2542
قال الفرَّاء (١): ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ﴾: نهيٌ؛ فجُزم على ذلك. ولو رُفِع على الخبر كقراءة من قرأ: ﴿لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا﴾ (٢) [البقرة: ٢٣٣] جازَ.
قال الزجَّاج (٣): ويكون المعنى على الرفع: أنه من كان مؤمنًا، فلا بنبغي أنْ يتَّخذَ الكافرَ وَلِيًّا؛ لأن وَلِيَّ الكافرِ راضٍ بِكُفْرِهِ، فهو كافر، وقد ذكرنا معنى (الوليَّ) و (المولى) فيما تقدم.
ومعنى (الأولياء) ههنا: الأنصار، والأعوان، أو (٤) الذين يوالونهم ويلاطفونهم بالمحبَّةِ والقُرْبَةِ.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. (مِنْ) ههنا معناه: ابتداء الغاية،
стр. 2543
على تقدير (١): لا تجعلوا ابتداء الولاية مكاناً دون المؤمنين (٢). وهذا (٣) كلام جرى على المثل في المكان، وهو كما تقول: (زيدٌ دونك)؛ لست تريد: أنَّه في موضعٍ مُسْتَفِلٍ (٤)، وأنك في موضع مرتفع، ولكن جعلت الشَّرف بمنزلة الارتفاع في المكان، وجعلت الخِسَّةَ كالاستفال (٥) في المكان.
والمعنى (٦): أنَّ المكان المرتفع في باب الولاية: مكانُ المؤمنين، ومكان الكافرين الأدنى. فهذا معنى ﴿مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وتحقيق له.
والتأويل: أولياء من غير المؤمنين وسواهم؛ كقوله تعالى ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٣] أي: غير الله. وقد مرَّ.
وقد ثبت بهذه الآية تحريمُ موالاة الكافرين: والله تعالى قد قطع بيننا وبينهم أصلَ الموالاة.
قال ابن عباس في هذه الآية (٧): نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا
стр. 2544
الكفارَ في آيات كثيرة، منها قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨] وقوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ﴾ (١) [المائدة: ٥١].
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾ أي: اتِّخاذ الأولياء منهم (٢).
﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾. أي: من دين الله، فحذف الدينَ اكتفاءً بالمضاف إليه، والمعنى: أنه قد برئ من الله، وفارق دينه، ثمَّ استثنى، فقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾. ذكرنا معنى الاتقاء وحقيقته في قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]. و (التُّقاة) ههنا مصدر، ووزنها: فُعَلَة، مثل:
стр. 2545
(تُخَمَة)، و (تُؤَدَة)، و (تُكَأَة)، و (تُهمَة). والتَّاء في كل هذا مبدلة من الواو (١)، ويقال (٢): (تَقَيْتُهُ تُقاةً، وتُقىً، وتَقِيَّةً، وتَقْوى). وإذا قلت (٣): (اتَّقَيت)، كان مصدره (الإتقاء) (٤).
وإنما قال: (تتَّقوا)؛ من: الاتِّقاء، ثم قال: (تُقاةً)، ولم يقل: اتِّقاءً: لأن العرب قد تَذْكُر المصدرَ من غير لفظ الفعل، إذا كان ما ذُكِر من المصدر يوافق (٥) مصدر الفعل المذكور، فيقول: (التقيت فلاناً لقاءً حسناً)، قال القُطامي (٦):
стр. 2546
стр. 2547
стр. 2548
غيره، وخافهم على نفسه وماله، فله أن يخالفهم (١)، ويُداريهم باللسان، وقلبه مطمئنٌ بالإيمان دفعا عن نفسه (٢)، من غير أن يَستحِلَّ مُحرَّماً؛ من: دمٍ، أو مالٍ، أو إطْلاع للكافرين على عَوْرة (٣) المسلمين.
قال ابن عباس في هذه الآية (٤): يريد: مُدَاراةً ظاهرةً. والتقيَّة لا تحل إلاَّ مع خوف القتل. وهي رخصة من الله تعالى. ولو أفصح بالإيمان؛ حيث يجوز له التَقِيَّة، [فيُقْتَل لأجلِ إيمانِهِ] (٥)، كان ذلك فضيلةً له (٦).
وظاهر الآية يدل على أن التقيَّة إنما تَحلُّ مع الكفار الغالبين، غير أن مذهب الشافعي ﵀: [أنَّ الحالةَ بين] (٧) المسلمين (٨)، إذا شاكلت (٩) الحالةَ بين المسلمين والمشركين، حَلَّت التقِيَّةُ، محاماةً عن
стр. 2549
المُهْجَةِ (١).
[وأمال] (٢) الكسائي، وحمزة ﴿تُقَاةً﴾ ههنا (٣). والقافُ حرفٌ مُسْتَعْلٍ (٤)، فالأحسن ترْكُ الإمالة مع القاف، كما لم يُميلوا (قادم). و (قاة) من (تقاة)، بمنزلة: (قادم).
وحُجَّة (٥) من أمالَ: أنَّ سيبويه ذكر (٦): أنَّ قوماً قد أمالوا مع المستعلي، ما لا ينبغي أن يُمال في القياس؛ وذلك قولهم: (رأيت غَرْقى) (٧). قال: وهو قليل. وأيضاً فإنهم قد أمالوا: (سَقى)، (وصَغى) (٨)؛ طلباً للياء التي الألِفُ في موضعها، فلمَّا أُميلت هذه الألِفُ مع المستعلي،
стр. 2550
كذلك أميلت (١) التي في (تقاة).
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. أي: يخوفكم الله على موالاة الكفار عذابَ نَفْسِهِ، وعقوبَتَه، فحذف المضاف، وهو قول ابن عباس (٢) و (النفس) عند العرب، عبارة عن: ذات الشيء ووجوده. يقولون: هذا نفس كلامك (٣). وإلى هذا ذهب أهل المعاني.
قال الزجَّاج (٤): معنى ﴿نَفْسَهُ﴾: إيَّاه، كأنه قال: ويحذركم الله إيَّاه. وقال بعضهم (٥): النفس ههنا: تعود إلى اتِّخاذ الأولياء من الكفار؛ [أي] (٦): ينهاكم الله عن نفس هذا الفعل (٧).
٢٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾. أي: مِن مودة الكفار، وموالاتهم. هذا قول أكثر المفسرين (٨).
وقال الكلبي (٩): يعني: تكذيب محمد ﷺ ، يقول: إن أخفيتموه أو
стр. 2551
أظهرتم تكذيبه، بحربه وقتاله، يعلمه الله.
وقال عطاء (١): يريد: الضمير، وهذا يعم كل ما في قلب الإنسان.
قال أهل المعاني: لَمّا نَهَى اللهُ في الآية الأولى عن موالاة الكفار، خوَّفَ وحذَّر في هذه الآية (٢) عن إبطان (٣) موالاتهم؛ بأنه يعلم الإسرار، كما يعلم الإعلان.
[فإن قيل: لِمَ جاء] (٤) ﴿يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ بالجَزْم؛ على جواب (٥) الشرط، ولا يَفْتَقِرُ في علمه إلى وجود (٦) شرطٍ متقدمٍ؛ كقول القائل: (إنْ تأتِني؛ أُكْرِمْكَ!)، فالإتيان سببٌ للإكرام، ولا يجوز أنْ يكون الإخفاء ولا الإبداء سبباً لعلمه. فالقول في ذلك إنَّ المعنى: يعلمه كائنًا، [ولا يعلمُهُ اللهُ تعالى (٧) كائناً، إلا بعد كَوْنِهِ، وقبل (٨) الكَوْنِ لا يُوصَفُ بأنه (٩): يعلَمُه كائنا] (١٠)، والتأويل: إنْ تبدوا ما في صدوركم، يعْلَمْهُ مبدىً، أو تُخْفوه يَعْلَمْهُ مُخْفىً.
стр. 2552
وقوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾. رفع (١)؛ على الاستئناف؛ كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ [التوبة: ١٤]، جزم الأفاعيل (٢)، ثم قال: ﴿وَيَتُوُبُ اَللَّهُ﴾ [التوبة: ١٥]، فرفع. ومثله، قوله: ﴿فَإِنْ يَشَإِ اللَّهُ يَخْتِمْ عَلَى قَلْبِكَ وَيَمْحُ اللَّهُ الْبَاطِلَ﴾ [الشورى: ٢٤]، ورفعاً (٣).
وفي قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، إتمامٌ؛ للتحذير؛ لأنه إذا كان لا يخفى عليه شيءٌ منهما، فكيف يخفى عليه الضميرُ؟.
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. تحذيرٌ مِنْ عِقَابِ مَن لا يعْجِزَهُ شىءٌ.
٣٠ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ اختلفوا في العامل في ﴿يَوْمَ﴾، فقال ابن الأنباري (٤): اليوم معلق بـ ﴿الْمَصِيرُ﴾ (٥)، والتقدير: (وإلى اللهِ المصير، يومَ تَجِدُ).
وقال الزجَّاج (٦): العامل: قوله: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾، في الآية (٧)
стр. 2553
السابقة؛ كأنه قال: ويحذِّرُكُم اللهُ نفسَهُ في ذلك اليوم (١).
قال أبو بكر: ولا يجوز أن يكون (اليوم) منصوباً بـ ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ﴾، المذكور في هذه الآية، لأن واو النَّسَقِ (٢) لا يعمل ما بعدها فيما قبلها.
قال: ويجوز أن يكون (اليوم) متَصلًا بـ ﴿قَدِيرٌ﴾ (٣) منصوباً به، والتأويل: (والله على كلِّ شيءٍ قديرٌ في هذا اليوم).
وخصَّ هذا [اليوم] (٤)، وإنْ كان غيرُه من الأيام بمنزلته في قدرة الله تعالى؛ تفضيلاً له؛ لِعِظَمِ شأنِه؛ كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٥).
وقوله تعالى: ﴿مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾. يريد: بيان ما عملت؛ بما يرى من صحائف الحسنات. ويجوز أن يكون المعنى: جزاء ما عملت؛ بما يرى من الثواب.
وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ﴾. الأظهر: أن تجعل ﴿مَا﴾ ههنا بمنزلة (الذي)، فيكون معطوفاً على ﴿مَا﴾ الأولى، ويكون ﴿عَمِلَتْ﴾ صلةً لها. ويصلح أن تكون بمعنى: الجزاء فتكون مُسْتَأنَفَةً. وكان الأجود؛ إذا
стр. 2554
جعلت ﴿مَا﴾ بمعنى الجزاء، أن تنصب ﴿تَوَدُّ﴾، أو تخفضه، ولَمْ يقرأ أحدٌ إلا رفعاً، فكان هذا دليلاً [على] (١) أنَّ ﴿مَا﴾ بمعنى (الذي) (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَمَدًا بَعِيدًا﴾. معنى (الأمد): الغاية التي يُنتَهى إليها (٣).
قال مقاتل (٤): أي: كما بين المشرق والمغرب.
وقال الحسن (٥): يَسُر أحدَهم أن لا يلقى عملَهُ أبدا.
وقوله تعالى: ﴿وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾. قد ذكرنا ما فيه (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾. قال الحسن (٧): مِن رأفته بهم أن حذَّرهم نفسه.
٣١ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك (٨): وقف النبي ﷺ على قريش وهم في المسجد الحرام يسجدون
стр. 2555
للأصنام، فقال: "يا معشرَ قريش: والله لقد خالفتم ملَّة أبيكم إبراهيم! ". فقالت قريش: إنما نعبد هَّذه حبًا لله؛ ليقربونا إلى الله. فقال الله: قل يا محمد: إن كنتم تُحبُّون الله وتعبدون الأصنامَ لِتُقَرِّبكم إلى الله فاتَّبعوني، يُحْبِبْكم اللهُ، فأنا رسوله إليكم، وحجَّتُه عليكم، وأنا أولى بالتعظيم من أصنامكم (١).
وقال في رواية أبي صالح (٢): إنَّ اليهود لمَّا قالت: نحن أبناءُ اللهِ وأحبَّاؤه، أنزل الله تعالى هذه الآية، فعرضها عليهم رسول الله ﷺ فأَبَوا أن
стр. 2556
يقبلوها (١).
قال أهل العلم: معنى (مَحبَّة العبدِ لله): إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه. ومعنى (مَحبَّة الله للعبد): إرادته لِثَوَابِهِ، وعفوه عنه،
стр. 2557
وانعامه عليه (١).
٣٢ - قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قيل: لمّا نزل (٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآية، قال عبد الله بن أُبَي (٣): إنَّ محمداً يجعل طاعتَه كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية (٤) وبين فيها أنَّ طاعة الله معلقةٌ بطاعة الرسول، ولا يتمُّ لأحد طاعةُ الله، مع عصيان الرسول؛ ولهذا قال الشافعي ﵁: كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله ﷺ ، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به
стр. 2558
في كتابه، ونهى عنه (١).
قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يريد: محمداً ﷺ فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ (٢)] (٣) لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمداً، فلن أقبل طاعتكم (٤).
وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزجَّاج (٥): أي (٦): فإنَّ الله لا يحبهم (٧)؛ لأن من تَوَلَّى عن النبي ﷺ ، فقد تَوَلَّى عن الله . ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيراً (٨).
٣٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه (٩).
стр. 2559
قال أهل المعاني (١): هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَياناً؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص (٢) الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم)، قولان:
أحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهذا اختيار الفرَّاء، قال (٣): وهو من باب حذف المضاف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
القول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط (٤).
стр. 2560
وبـ ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون (١). قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم.
وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال صاحب "النَّظْمِ": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخباراً منفصلاً بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه (٢)؛ لأن كلاً من (العالَمين).
فتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلاً منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم.
٣٤ - قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): المعنى