← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.

стр. 2556

يقبلوها (١). قال أهل العلم: معنى (مَحبَّة العبدِ لله): إرادته طاعته، وإيثاره أمره، ورضاه بشرائعه. ومعنى (مَحبَّة الله للعبد): إرادته لِثَوَابِهِ، وعفوه عنه،

стр. 2557

وانعامه عليه (١). ٣٢ - قوله تعالى ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ قيل: لمّا نزل (٢) قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآية، قال عبد الله بن أُبَي (٣): إنَّ محمداً يجعل طاعتَه كطاعة الله، ويأمرنا أن نحبه كما أحبَّت النصارى عيسى، فنزلت هذه الآية (٤) وبين فيها أنَّ طاعة الله معلقةٌ بطاعة الرسول، ولا يتمُّ لأحد طاعةُ الله، مع عصيان الرسول؛ ولهذا قال الشافعي ﵁: كل أمرٍ أو نهيِ، ثبت عن رسول الله ﷺ ، جرى ذلك في الفريضة واللزوم، مجرى ما أمر الله به

стр. 2558

في كتابه، ونهى عنه (١). قال عطاء، عن ابن عباس، في قوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، يريد: محمداً ﷺ فإن طاعتكم [لمحمدٍ طاعةٌ (٢)] (٣) لي، فأما أن تطيعوني وتعصوا محمداً، فلن أقبل طاعتكم (٤). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾. قال الزجَّاج (٥): أي (٦): فإنَّ الله لا يحبهم (٧)؛ لأن من تَوَلَّى عن النبي ﷺ ، فقد تَوَلَّى عن الله . ومعنى ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾: لا يغفر لهم، ولا يُثْنِي عليهم خيراً (٨). ٣٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ معنى (اصطفى) في اللغة: اختار. وتأويله: جعلهم صفوة خَلْقِه (٩).

стр. 2559

قال أهل المعاني (١): هذا تمثيل المعلومِ بالمرئيِّ، والعرب تفعل ذلك، فإذا سمع السامع ذلك المعلوم، كان عنده بمنزلة ما يشاهده عَياناً؛ وذلك أن الصافي هو: النَّقيُّ من شائب الكَدَر فيما يُشاهَد. فمُثِّلَ به خُلُوص هؤلاء القوم من الدنس؛ لأنهم خلصوا كخلوص (٢) الصافي من شائب الأدناس. وقيل في معنى (اصطفائه إيَّاهم)، قولان: أحدهما: اصطفى دينهم على سائر الأديان؛ لأن دين الجماعة الإسلامُ، وقد قال الله : ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]، وهذا اختيار الفرَّاء، قال (٣): وهو من باب حذف المضاف، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. القول الثاني: أنه اصطفاهم بالنبوَّة والرسالة، على عالمي زمانهم. وأراد بـ ﴿آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ إسماعيل، وإسحاق، ويعقوب، والأسباط (٤).

стр. 2560

وبـ ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾: موسى وهارون (١). قالوا: وإنما خصَّ هؤلاء بالذكر؛ لأنَّ الأنبياء بأسرهم من نسلهم. وقوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. قال صاحب "النَّظْمِ": ظاهر هذا اللفظ على العموم، وتأويله على الخصوص؛ لأنه يتضمَّنُ أخباراً منفصلاً بعضها من بعض، وأُجْمِلَت في الإخبار عنها؛ لأنه إنْ كان عنى بالاصطفاء: أولادَ آدم، فمن سواه من العالمين الذين فُضِّل عليهم قد خرجوا من أن يكون لهم على العالمين فضل؛ لأن آدم من جملة العالمين، وكذلك نوحٌ، وإبراهيم، وآل عمران، إذا دخل أحد هؤلاء في التفضيل خرج الآخرون منه (٢)؛ لأن كلاً من (العالَمين). فتأويل ذلك: أنَّ الله اصطفى كلاً منهم على عالَم لا يدخله من قد فُضِّل منهم على عالَم آخر، كما جاء في التفسير: على عالَمي زمانهم. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): المعنى

стр. 2561

اصطفى ذرِّيَةً بعضها من بعض؛ فيكون نصب (ذريةً) على البدل (١)، وجائز (٢) أن ينتصب (٣) على الحال، المعنى: اصطفاهم في حال كون بعضهم مِن بعض (٤). وقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: بعضها من ولد بعض؛ لأنَّ الجميع (٥) ذُرِّية آدمَ ثم ذُرِّية نوح (٦). الثاني: (بعضها [من بعض)] (٧)، أي: في التناصر (٨) في الدين (٩)، فيكون المعنى: أنَّ بعضها يوالي (١٠) بعضاً، ولا يَتَبَرَّأُ بعضهم من بعض، كما يتبرأ الكافرون؛ ألا تراه (١١) قال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ

стр. 2562

اتَّبَعُوا﴾ [البقرة:١٦٦]. فقوله: ﴿بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾، أي: هم على غير صفة الكافرين؛ لأنهم إخوان متوالون (١)، وهذا كقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [التوبة: ٦٧]؛ أي: بعضهم يُلابس (٢) بعضاً، ويوالي بعضاً وليس المعنى: على النسل والولادة، [لأنه قد يكون من نَسْلِ] (٣) المنافقِ مُؤمنٌ، ومِنْ نَسْلِ المؤمنِ مُنافقٌ. قال عُبَيْد الرَّاعي (٤): فَقلتُ ما أنا مِمَّن لا يُواصِلُنِي ... ولا ثَوائِيَ (٥) إلا رَيْثَ أحْتَمِلُ (٦). أي: لا [أُلابس مَنْ لا] (٧) يواصلني، ولا أُواليهِ. والعرب تقول: (هو مِنْ بني فلان)؛ إذا كان يواليهم ويُلابسهم، وإن

стр. 2563

لم يكن من نسلهم. وهذا القول يُحكى معناه عن أبي رَوْق (١). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال عطاء عن ابن عباس (٢): هذا مخاطبة لليهود الذين قالوا: نحن أبناءُ الله وأحبَّاؤه، وأبناء (٣) الأنبياء الذين اصطفاهم. فأنزل فيهم قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾، الآيات إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ويريد: ﴿سَمِيعٌ﴾ لقولكم الذي تقولون: إنكم من ولد إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، ومن آل عمران. وإنَّما فضَّلت أولئك، ورفعتهم واصطفيتهم؛ بطاعتهم، ولو عصوني، لأنزلتهم منازل العاصين. ﴿عَلِيمٌ﴾ بما في قلوبكم من تكذيب محمد، وعصيانه، بعد إقراركم بالتوراة، وتصديقكم بما فيها من صفته. وذكر أهل المعاني في هذا قولين آخرين: أحدهما: أنَّ المعنى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله (الذرية) المصطفاة ﴿عَلِيمٌ﴾ بما تضمره (٤)؛ فلذلك فضلها على غيرها، لما في معلومه من استقامتها في فعلها وقولها (٥). القول الثاني: أنَّ هذه الآية تتصل بما بعدها، تقديرها: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لما تقوله امرأة عمران، ﴿عَلِيُمٌ﴾ بما تضمره، إذْ قالتْ: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ﴾

стр. 2564

[آل عمران: ٣٥] ، الآية، وفيه إشارة إلى أنه لا يضيع لها شيء من جزاء عملها (١). ٣٥ - قوله تعالى (٢): ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. اختلف النحويون في وجه ﴿إِذْ﴾ ههنا: فزعم أبو عبيدة (٣) أنها زائدة، لَغْوٌ؛ والمَعنى: (قالت امرأة عمران)، ولا موضع لها من الإعراب (٤). قال الزَّجاج (٥): ولم يصنع أبو عبيدة في هذا شيئاً، لأن (إذ) تدل على ما مضى من الزمان، وكيف يكون الدليل على ما مضى من الوقت لغواً. وقال ابن الأنباري (٦) منكراً لهذا القول أيضاً (٧): إنَّا لا نُلغي حرفاً من

стр. 2565

كتاب الله إذا وجدنا سبيلاً إلى أن لا يكون مُلغىً (١). قال الأخفش، والمبرِّد (٢): المعنى: (اذكر إذ قالت امرأة عمران). وقد (٣) مضى مثل هذا كثيراً. وقال أبو إسحاق (٤): المعنى عندي: (واصطفى آل عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾) (٥). فالعامل في ﴿إِذْ﴾: معنى الاصطفاء (٦). وأنكر أبو بكر هذا، وقال: الله تعالى قَرَنَ اصطفاءه [آل عمران] (٧) باصطفائه آدم ونوحاً، واصطفاؤه آدم ونوحاً قبل قول إمرأة عمران. وأيضاً فإن (عمران) هذا غير عمران المذكور في قوله: ﴿وَآلَ عِمْرَانَ﴾، لأنه (٨)

стр. 2566

عمران أبو موسى وهارون، وهذا عمران بن ماتان (١)، وبينهما ألف وثمانمائة سنة. كذلك ذكره ابن عبّاس (٢)، ومقاتل (٣). وذكرنا أيضاً عن بعض أهل المعاني أن هذه الآية متصلة بما قبلها، فيكون العاملُ في ﴿إِذْ﴾ على هذا القول: معنى قوله ﴿سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. وقوله: ﴿امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ هي: حَنَّةُ (٤)، أمُّ مريمَ، جَدَّةُ عيسى ﵇، دعت الله أنْ يَهَبَ لها ولداً، وقالت: الَّلهم لك عَلَيَّ إن رزقتني ولداً، أن أتصدق به على بيت المقدس، فيكون من (٥) سَدَنَتِه (٦) وخَدَمِه، شكراً لك. وكان على أولادهم فرضاً أن يطيعوهم في نذورهم، وكان الرجل ينذُرُ في ولده أن يكون خادماً في مُتعّبَّدِهم (٧). وقوله تعالى: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ معنى ﴿نَذَرْتُ﴾:

стр. 2567

[أَوْجَبتُ] (١). والنذر: ما يوجبه الإنسان على نفسه بِشَرِيطة كان، أو بغير شَرِيطة (٢). قال أهل اللغة: معنى النَّذْر: استدفاع المَخُوفِ، بما يُعقَد على النفس

стр. 2568

من عمل البِّر. وأصله، من: الإنذار، وهو: الإعلام بموضع المخافة (١). وانتصب ﴿مُحَرَّرًا﴾ على الحال من ﴿مَا﴾ تقديره: نذرت لك الذي في بطني محرراً (٢). وقال ابن قتيبة (٣): أرادت نذرت لك أن أجعل (٤) ما في بطني محرراً، أي: عتيقاً (٥) خالصاً لله، خادماً للكنيسة، مفرغاً للعبادة ولخدمة الكنيسة. وكل ما أُخْلِصَ فهو مُحَرَّر. يقال: (حرَّرتُ العبدَ). إذا أعتقته، و (حَرَّرْتُ الكتابَ) إذا أصلحته، وأخلصته، فلم يبق فيه ما يحتاج إلى إصلاحه (٦). و (رجل حُرٌّ): إذا كان خالصاً لنفسه، ليس لأحد عليه مُتَعَلَّق. و (الطينُ الحُرُّ): الذي خَلَصَ من الرملِ والحَمْأَةِ (٧) والعيوب.

стр. 2569

وقوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾. معنى التَّقَبُّلِ (١): أخذُ الشيءِ على الرِضى (٢) به (٣). وأصله، من: المقابلة؛ لأنه يقابل بالجزاء ما يؤخذ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾. أي: لدعاي (٤). ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما في قلبي. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾. قال المفسرون (٥): هلك عمرانُ أبو مريمَ، وامرأته (حَنَّة) حاملٌ (٦) بمريمَ، ﴿فَلَمَّا وَضَعَتهَا﴾ أي: ولدتها. و (الهاء): راجعة إلى ﴿مَا﴾، في قوله: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾، و (ما)

стр. 2570

يقع على المؤنث، وقوعُهُ على المُذَكَّر (١)، وكان ما في بطنها، أُنْثى. وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾. اعتذار منها إلى الله حين فعلت ما لا يجوز من تحرير الأنثى للكنيسة (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. قُرئ بإسكان التَّاء وضمها (٣):فمن (٤) ضم التاء؛ جعل هذا من كلام أمِّ مريم، وهو كقول القائل: (ربِّ قد كان كذا وكذا، وأنت أعلم بما كان). ليس يريد بقوله: (ربِّ قد كان كذا)، إعلام الله سبحانه [وتعالى] (٥)، ولكنه كالخضوع منه، والاستسلام لله تعالى، لذلك قالت: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ (٦)، لأنها لم

стр. 2571

ترد بقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، إخبارًا لله تعالى. ومن قرأ بإسكان التَّاء وهو أَجْوَدُ القراءتين، كان قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، مِن (١) كلام الله تعالى، ولو كان من قول أمِّ مريم، لكان: (وأنت أعلم بما وَضَعْتُ)؛ لأنها تخاطب الله سبحانه [وتعالى] (٢)؛ ولأنها قد قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾، [فليست] (٣) تحتاج (٤) بعد هذا [القول] (٥) أن تقول: والله أعلم بما وضعْتُ (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾. أي: في خِدْمَة الكنيسة والعِبِّادِ الذين فيها؛ لما يلحقها من الحَيْضِ والنفاس، والصيانة عن التَّبَرُّجِ [للناس] (٧). قال عبد الله بن مُسْلِم (٨): قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، مؤخَّرٌ، معناه التقديم على قراءة العامة كأنه قال: إنِّي وضَعتها أُنثى وليس الذكر كالأنثى؛ لأنه من قول أمِّ مريم (٩). قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾. يقال: (عاذ فلانٌ بالله)؛ أي: التجأ

стр. 2572

إليه، وامتنع به، فأعاذه؛ أي: أجارَهُ، ومنعه (١). فمعنى: ﴿أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أي: أمنعها، وأجيرها بك. وذكرنا معنى (العوذ) في قوله: ﴿قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ (٢) (٣) [البقرة: ٦٧]. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾. أي: المطرود، المَرْمِيِّ (٤) بالشُّهُبِ. وقال ابن عباس: ﴿الرَّجِيمِ﴾: الملعون (٥). ويجوز أن يكون ﴿الرَّجِيمِ﴾ بمعنى: المسبوب المشتوم (٦). وذكرنا معاني (الرَّجْمِ) في سورة الحِجْر عند قوله: ﴿مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]. ومعنى هذه الإعاذة، وإجابة الله تعالى إيَّاها إلى ما سألت؛ هو: ما رواه أبو هريرة: أنَّ النبي ﷺ قال: "ما من مولود، إلاَّ والشيطان يَمَسُّهُ حين يُولَد، فيستَهِلُ صارخاً من مَسِّ الشيطان إيَّاه، إلا مريمَ وابنَها"، ثمَّ يقول أبو هريرة: (اقرأوا

стр. 2573

إنْ شِئْتُم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ (١). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ التَّقَبلُ، والقَبُولُ، معناهما سواء، وهو: أن ترضى بالشيء، وتأخذه؛ ولهذا قال: ﴿بِقَبُولٍ﴾ , ولم يقل: (بتَقَبُّلٍ)؛ لأن معناهما واحدٌ. قال الفراء (٢): والعرب قد تترك المصدر للفعل المذكور، وتأتي بمصدر آخر في معنى الأول، وإن اختلف بالزيادة والنقصان؛ كقولك: (تكلَّمْتُ كلاما). وهذا النوع يقال له المصدر على غير المصدر. وذكرنا هذا عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨]. والقَبُول: مصدر قولهم: (قَبِلَ فلانٌ الشيءَ): إذا رضِيَهُ. قال أبو عمرو بن العَلاء (٣): وليس في المصادر (فَعُولٌ) بفتح الفاء،

стр. 2574

إلَّا هذا، قال: ولم أسمع فيه الضَّمَّ. وقال سيبويه (١): خمسة (٢) مصادر، جاءت على (فَعُول): (قَبُولٌ)، و (وَضُوءٌ) (٣)، و (طَهُورٌ)، و (وَلُوعٌ)، و (وَقُود)، إلاَّ أنَّ الأكثر في (وَقُود) (٤) إذا كان مصدراً (٥) الضَّم. وأجاز الفرَّاء (٦)، والزجَّاج (٧) (قُبُولا) بالضَّمِّ. ثَعْلَب، عن ابن الأعرابي (٨): يقال: قَبِلْتُهُ (قَبُولاً)، و (قُبُولاً) (٩)، و (على وجهِهِ قَبُولٌ)، لا غير (١٠)، قال الشاعر:

стр. 2575

قد يُجهدُ (١) المرء إنْ لم يُنل (٢) ... بالبشر والوجه عليه القَبُول (٣). قال المفسِّرون (٤): معنى قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ أي: رَضِيَها مكان المُحَرَّرِ الذي نذَرتْه (حَنَّةُ)، ولم يقبل قبلها أنثى في ذلك المعنى. وقال ابن عباس في رواية الضحَّاك: معناه: سَلَك بها طريقَ السُّعداء. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾.

стр. 2576

قال الزجَّاج (١): جاء لفظُ (٢) ﴿نَبَاتًا﴾ على غير لفظِ (أَنْبَتَ)، على معنى: نبتت نباتاً حَسنَاً. وقال ابن الأنباري (٣): لمَّا كان (أَنْبَتَ) يدل على [نَبَتَت] (٤) حمل (٥) الفعل على المعنى؛ كأنه قال: (وأنبتها، فَنبَتَتْ هي نباتاً حَسَناً)؛ كقول امريء القيس: [ورُضْتُ] (٦) فَذَلَّت (٧) صعبةً أيَّ إذْلالِ (٨)

стр. 2577

أراد: أيَّ رياضة. فلمَّا دلَّ (رُضْتُ) على (أذْلَلْت) (١)، حمله (٢) على المعنى، وخلَّى (٣) اللفظَ. قال ابن عباس في رواية عطاء (٤)، في قوله: ﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾؛ يريد: في صلاحٍ ومعرفةٍ بالله، وطاعةٍ له، وخدمةٍ للمسجد. وقال في رواية الضحَّاك (٥): يعنى: سوَّى خَلْقَها من غير زيادة، ولا نقصان، فكانت تنبت في اليوم ما ينبت المولود في عام واحد. وقوله تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٦) أي:

стр. 2578

ضَمَّها (١) إلى نَفْسِهِ وقام بأمرها. قال الزجَّاج (٢): ومعناه في هذا: ضَمِنَ القيامَ بأمرها، يقال (٣): (كَفَلَ (٤)، يَكْفُلُ، كَفالة، وكَفْلاً) (٥)، فهو كافِل؛ وهو: الذي قد كَفَلَ إنساناً يَعُولُه (٦) ويُنفِقُ عليه. و ﴿زَكَرِيَّا﴾، رُفعَ بفعله (٧)، لأن الكفالة نُسِبت إليه. وفيه قراءتان: القَصر، والمَدُّ، وهما لغتان فيه، كقولهم: (الهَيْجاء)، و (الهَيْجا)، والألِفُ فيه أَلِفُ تأنيثٍ؛ ولهذا لا ينصرف في معرفة ولا نَكِرة؛ لأن (زكريا) (٨)؛ بالمَدِّ، مثل: (حمراءَ)، و (سوداءَ) (٩)؛ وبالقصر، مثل:

стр. 2579

(حُبْلى) (١)، و (سَكْرى) (٢)، و (ذِفْرى) (٣) وهذا النوعُ لا ينصرفُ في مَعْرفة ولا نَكِرَة؛ لأن الاسم (٤) بُني على أَلِفِ التأنيث، وحقُّ التأنيثِ أن يكون داخلاً على لفظ المُذَكَّر؛ نحو: (قائم)، و (قائمةٌ)؛ فلما بُنِي الاسمُ على علامة التأنيث، ولَزِمَت (٥) الاسمَ حتى صارت كبعض حروفه، صار كأن التأنيثَ قد تكرر فيه، فقامت العِلَّةُ مَقامَ العِّلَّتين (٦)، فلم ينصرف (٧) في النَّكرة والمعرفة. وقرأ حمزةُ والكسائيُ: (وكَفَّلَها) مشَدَّدا، ومصدره: التَّكْفِيلُ، والتَّكْفِلةُ (٨)

стр. 2580

و ﴿زَكَرِيَّا﴾ (١) على هذه القراءة منصوب؛ لأنه المفعول الثاني للتَّكفيل، ومعناه: ضَمَّنها الله زكريا (٢)، وضَمَّها إليه؛ وذلك أنَّ (حَنَّةَ) لمَّا ولدت مريمَ، أتت بها سَدنَةَ بيت المقدس، وقالت لهم: دونكم هذه النذيرة (٣). فتنافس فيها الأَحْبارُ (٤)، حتى اقترعوا عليها، فخرجت القُرعة لزكرياءَ (٥) ﵇. ونذكر ما فيه عند قوله: ﴿إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾ [آل عمران: ٤٤]. فمعنى قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ (٦): أنَّ الله تعالى (٧) ضمَّها (٨) إلى زكريا (٩) بالقُرْعَة التي قَرعها (١٠).

стр. 2581

وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال المفسرون (١): لمَّا ضمَّ زكريا مريمَ إلى نفسه، بنى لها مِحْرابا في المسجد، وبابه في وسطها، لا يُرقى إليها إلا بسُلَّم، ولا يَصعَد إليها غيره. و (المِحْرابُ) في اللغة: أشرف المجالس. وكانت محاريب بني إسرائيل مساجدَهم (٢). و (المِحْراب): الغُرْفَة أيضاً، قال عمر (٣) بن أبي ربيعة (٤): رَبَّةُ مِحْرابٍ إذا جِئْتها ... لم أَدْنُ حتى أرْتَقي سُلَّما (٥).

стр. 2582

أي: رَبَّة غُرفةٍ. وقال الأصمعي (١): (المِحْراب): الغُرْفة؛ ألا تراه يقول: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [سورة ص: ٢١]. وقال الزجاج (٢): (المحراب): أرفع بيت في الدار، وأرفع مكان في المسجد، قال: و (المحراب) ههنا كالغرفة، وأنشد بيت عمر (٣). وقال أبو عبيدة (٤): (المحراب) عند العرب سيِّدُ المجالس، ومُقَدَّمُها، وأشرفها، وإنما قيل للقبلة: محرابٌ؛ لأنها أشرف موضع في المسجد. ويقال للقصر محرابٌ؛ لأنه سيِّد المنازل (٥). قال امرؤ (٦) القيس: كغزلان وَحْشٍ في محاريبِ أَقْوال (٧)

стр. 2583

أراد بـ (المحاريب): القصور (١). قال ابن عباس في رواية عطاء (٢): صارت عنده لها غرفة تصعد إليها تصلي فيها الليل والنهار. وقوله تعالى: ﴿وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾. قال (٣) ابن عباس (٤)، والربيع (٥): كان زكريَّا كلما دخل عليها غرفتها وجد عندها رزقاً؛ أي: فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في

стр. 2584

الشتاء، تأتيها به الملائكة من الجَنَّةِ. قال محمد بن إسحاق (١): كان هذا كله، بعد أن بلغت مريمُ مبلغ النساء. وقال الحَسَنُ (٢): كان هذا في صغرها، ولم ترضع ثدياً قط، بل (٣) كان يأتيها رزقها من الجَنَّة، وتكلَّمت وهي صغيرة، حين أجابت زكريا بقولها: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ (٤). قال أبو إسحاق (٥): ونصب ﴿كُلَّمَا﴾ بقوله: ﴿وَجَدَ﴾ (٦)؛ أي: يَجِدُ عندها الرزقَ في كل وقت يدخل عليها المحرابَ، فيكون (ما) مع (دَخَلَ)، بمنزلة: الدخول (٧)، أي: في كل وقت دخول (٨).

стр. 2585

وقوله تعالى: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. قال ابن عباس (١): يريد: من أين لك هذا؟ وانما سألها؛ لأنه خاف أن يأتيها الرزقُ من غير جهته، فتبيَّن أنه من عند الله، لا من عند الناس (٢). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قد فَسَّرنا هذا في موضعين: من (٣) سورة البقرة، ومن هذه السورة (٤). وهذا يحتمل أن يكون من كلام مريمَ، ويحتمل أنَّه على (٥) الابتداء، والأَوْلى به الاستئناف (٦)؛ لأنه ليست (٧) من معنى الجواب عمَّا سئلت في شيء.

стр. 2586

٣٨ - قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ قال أهل اللغة (١): (ههنا) و (هنا) تقريب (ثَمَّ) (٢). ومعنى (هنالك)؛ أي: عند ذلك. و (وهنالك): مَحَلٌّ ومَوْضِعٌّ؛ كما أنَّ (حيث): مَحَلٌّ، و (عِنْدَ)، و (حِينَ): وقتان. فلو قال : (عند ذلك دعا زكريا) لكان جائزاً (٣)، بمثل (٤) معنى (هنالك). ولكن العرب تضع المحل موضع اسم الوقت في مثل هذا، فيقولون: (كان ذلك حيث وَليَ زيدٌ) بمعنى حين وَليَ، وكذلك (هنالك): مَحَلٌ يوضع (٥) موضع (عند)، وقد يكون مجاز (هنالك) في هذا الموضع

стр. 2587

مَحَلاًّ؛ لأن ما ذَكَرَه من هذه القصة، يكون مضمناً لوقت (١) ومحل؛ لأنه لا يكون إلا في محل؛ كما لا يكون إلا في وقت؛ فلما لم يجز أن يكون (٢) إلا (٣) في محل؛ احتمل أن يومئ إلى ذلك المحل بقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾، و (هناك)، و (هنالك) لأصلُ فيهما: [هنا] (٤)، ثم (٥) زيدت الكاف؛ للخطاب، كما قالوا في (ذا) (٦): (ذاك). ومن قال: (هنالك) فتقديره تقدير (ذلك)، والكاف فيهما للخطاب (٧). وقول زهير: هنالك إنْ تُسْتَخبَلُوا (٨) المالَ تُخبِلُوا (٩)

стр. 2588

يحتمل (هنالك) أن يكون (١) لمحل، وأن يكون لوقت. و (هنالك)، و (هناك) و (هنا) (٢)، و (ههنا)، شيء واحد، إلا أن (هنا)، و (ههنا)، لم يُذكرا في شيء من الأوقات، وإنما ذُكرا في المحالِّ (٣) القريبة منك.

стр. 2589

قال الزجَّاج (١): و (هنالك) في موضع نصب، لأنه ظرف؛ ويقع في المكان من الزمان والحال (٢). [ومعنى قوله: ﴿هُنَاِلكَ دَعَا﴾؛ أي: في ذلك المكان من الزمان والحال] (٣) دعا. قال أهل التفسير: لمَّا رأى زكريا ما أوتي (٤) مريم من فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف على خلاف مجرى العادة، طمع في رزق الولد من العاقر، على خلاف مجرى العادة، فدعا الله ، فقال: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾. أي: من عندك (٥). و (لَدُن) اسمٌ غير متمكن (٦)، ونذكر حقيقته، وما قيل فيه، في سورة الكهف إن شاء الله.

стр. 2590

وقوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾. أي (١): نسلاً مباركاً تقياً (٢). والذُّرِّية)؛ يكون (٣) واحدًا وجمعًا، وذكرًا وانثى (٤). والمراد بـ (الذُّرِّيَّة) ههنا: ولدٌ واحدٌ؛ لقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥]. قال الفرَّاء (٥): وأنَّث الـ (طَيِّبَة)؛ لتأنيث لفظ الذرية؛ كما قال الشاعر: أبوك خليفةُ وَلَدَتْهُ أخرى ... وأنت خليفةٌ، ذاك الكمال (٦) فأنَّثَ فعل الخليفة؛ لتأنيث لفظهِ (٧). وقال آخرُ:

стр. 2591

فَمَا تَزْدَري مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سُكاتٍ (١) إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدا (٢) فجمع التأنيث، والتذكير: مرَّة على اللفظ، ومرةً على المعنى. قال: وهذا يجوز في أسماء الأجناس، دون التي معناها: فلانٌ؛ نحو: (طَلْحَة)، و (حَمْزَة)، و (مُغِيرَة). لا يجوز (جاءت طلحة)؛ من قِبَل أنَّ التذكيرَ الحقيقي يغلب على تأنيث اللفظ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. قيل (٣): مجيب الدعاء في

стр. 2592

التفسير؛ وذلك أن مَنْ لا يُجابُ (١) كلامه، صار بمنزلة من لم يُسمع (٢)، فقيل لمن أجيب في سؤاله: سُمع دعاؤه. وعلى هذا دلَّ كلام ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ لأنه قال في قوله (٣): ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك (٤). وهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ (٥)، والضم اسمٌ (٦). وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) (٧)، و (البُكاء)، و (الصُّراخ)، و (الهُتاف) (٨).

стр. 2593

وفي قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، قراءتان: التذكير، والتأنيث (١). قال الفرَّاء (٢): (الملائكة)، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث. وقرأت القُرَّاءُ: ﴿يَعرُجُ الملائكة﴾، و ﴿تَعرُجُ﴾ (٣) [المعارج: ٤]، و ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ و ﴿ويَتَوفَّاهم الملائكة﴾ (٤) (٥) [النحل: ٢٨]، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم. قال الزجَّاج (٦): الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوُةُ﴾ [يوسف: ٣٠]. وقال أهل المعاني (٧): أراد بالملائكة (٨) ههنا: جبريل، وحده (٩)،

стр. 2594

وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ)، و (خرجَ على البِغالِ)، وإنما ركب بغلاً واحدًا. وهذا (١) جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد (٢) واحدٍ بعينه. قال الزجَّاج (٣): المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة (٤)، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس. ومثل (٥) هذا مما في القرآن قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وهو نعيْمُ بن مَسعود (٦)، ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾، يعني: أبا سُفيان (٧). قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛

стр. 2595

لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل ﵇ رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس (١)، والأكثرين (٢): إنَّ المنادى جبريل وحده. وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ﴾ يُقْرأ بـ ﴿إِنَّ﴾ (٤): مكسورًا ومفتوحاً (٥)؛ فمن فتح (٦)، كان المعنى: (فنادته بِأَنَّ اللهَ)، فلمَّا حذف الجارّ منها (٧)، وصل الفعلُ إليها فنصبها؛ فـ (أَن) (٨) في موضع
следующие страницы →