← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.

стр. 2591

فَمَا تَزْدَري مِنْ حَيَّةٍ جَبَلِيَّةٍ ... سُكاتٍ (١) إذا ما عَضَّ ليس بِأَدْرَدا (٢) فجمع التأنيث، والتذكير: مرَّة على اللفظ، ومرةً على المعنى. قال: وهذا يجوز في أسماء الأجناس، دون التي معناها: فلانٌ؛ نحو: (طَلْحَة)، و (حَمْزَة)، و (مُغِيرَة). لا يجوز (جاءت طلحة)؛ من قِبَل أنَّ التذكيرَ الحقيقي يغلب على تأنيث اللفظ. وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾. قيل (٣): مجيب الدعاء في

стр. 2592

التفسير؛ وذلك أن مَنْ لا يُجابُ (١) كلامه، صار بمنزلة من لم يُسمع (٢)، فقيل لمن أجيب في سؤاله: سُمع دعاؤه. وعلى هذا دلَّ كلام ابن عباس في تفسير هذه الآية؛ لأنه قال في قوله (٣): ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ يريد: لأنبيائك، وأهل طاعتك (٤). وهذا يدل على أنه أراد بالسمع: الإجابة؛ لأن دعاء غير هؤلاء مسموع لله تعالى على الحقيقة. ٣٩ - قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ يقال: نادى، مُناداةً، ونِداءً. فالكسر: مصدرٌ (٥)، والضم اسمٌ (٦). وأكثر ما جاءت الأصوات على ضَمِّ أولها؛ نحو: (الرُّغاء) (٧)، و (البُكاء)، و (الصُّراخ)، و (الهُتاف) (٨).

стр. 2593

وفي قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ﴾، قراءتان: التذكير، والتأنيث (١). قال الفرَّاء (٢): (الملائكة)، وما أشبههم من الجمع، يُذَكَّر وُيؤَنَّث. وقرأت القُرَّاءُ: ﴿يَعرُجُ الملائكة﴾، و ﴿تَعرُجُ﴾ (٣) [المعارج: ٤]، و ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ و ﴿ويَتَوفَّاهم الملائكة﴾ (٤) (٥) [النحل: ٢٨]، فمن ذكَّر؛ ذهب إلى معنى التذكير، ومن أنَّث؛ فلِتأنيث الاسم. قال الزجَّاج (٦): الجماعة، يلحقها التأنيث؛ للفظ الجماعة، ويجوز أن يُعبَّر عنها بلفظ التذكير؛ لأنه يقال: جَمْعُ الملائكة، وهذا كقوله: ﴿وَقَالَ نِسْوُةُ﴾ [يوسف: ٣٠]. وقال أهل المعاني (٧): أراد بالملائكة (٨) ههنا: جبريل، وحده (٩)،

стр. 2594

وذلك جائز في العربية أن تخبر عن الواحد بمذهب الجمع؛ كما تقول في الكلام: (ركب السفنَ)، و (خرجَ على البِغالِ)، وإنما ركب بغلاً واحدًا. وهذا (١) جائز فيما لم يُقْصد فيه قَصْد (٢) واحدٍ بعينه. قال الزجَّاج (٣): المعنى: أتاه النداءُ من هذا الجنس، الذين هم الملائكة (٤)، كما تقول: (ركب فلانٌ في السُّفُن) وإنما ركب في سفينةٍ واحدةٍ؛ تريد بذلك: جَعْلَ ركوبه في هذا الجنس. ومثل (٥) هذا مما في القرآن قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وهو نعيْمُ بن مَسعود (٦)، ﴿إِنَّ النَّاسَ﴾، يعني: أبا سُفيان (٧). قال المفضَّل: إذا كان القائل رئيسًا، فيجوز الإخبار عنه بالجمعِ؛

стр. 2595

لاجتماع أصحابه معه، فلمَّا كان جبريل ﵇ رئيس الملائكة، وقلَّما يُبْعثُ إلاَّ ومعه جَمعٌ منهم، جُرِيَ على هذا. وهذا قول ابن عباس (١)، والأكثرين (٢): إنَّ المنادى جبريل وحده. وقال غيره: ناداه جماعةٌ من الملائكة (٣). وقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللهَ يُبَشِرُكَ﴾ يُقْرأ بـ ﴿إِنَّ﴾ (٤): مكسورًا ومفتوحاً (٥)؛ فمن فتح (٦)، كان المعنى: (فنادته بِأَنَّ اللهَ)، فلمَّا حذف الجارّ منها (٧)، وصل الفعلُ إليها فنصبها؛ فـ (أَن) (٨) في موضع

стр. 2596

[نصب] (١). وعلى قياس قول الخليل: في موضع (٢) [جَرٍّ] (٣). وقد ذكرنا هذه المسألة فيما تقدم. ومن كَسَرَ، أضمر القولَ؛ كأنه: (ناداه، فقال: إنَّ الله) فحذف القولَ. وإضمار القول كثير في هذا النحو، كما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد:٢٣ - ٢٤]، ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦]، فأضمر القول في ذلك كلِّه (٤). وقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قد (٥) ذكرنا معنى التبشير في قوله: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥]. وقرأ حمزةُ والكسائيُّ (٦):

стр. 2597

﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (١)، مُخَفَّفاً، من (البَشْرِ) (٢) وهو بمعنى: التبشير (٣). قال أبو زيد: يقال: (بَشَّرَ، يُبَشِّرُ)، [و (أبْشَرَ يُبْشِرُ] (٤) إبْشارا)، و (بَشَرَ، يَبْشُرُ، بَشْرا)، ثلاث لغات (٥). ونحو هذا قال ابن الأعرابي فيما روى عنه ثَعْلَب (٦).

стр. 2598

وقال أهل اللغة (١): أصل معنى (البَشْرِ): إصابة البَشَرَةِ يقال: (بَشَرتُ الأديمَ) (٢): إذا أخذتُ بَشَرَتَه بشَفْرةٍ، و (بَشَرَ الجرادُ الأرض): إذا أكلَ ما عليها، [فأخذ بَشَرَتها (٣)، فاستُعمِلَ هذا في إيراد الخبرِ (٤) السَّارِّ؛ لأنه يصيب البَشَرَة بالهَشاشَةِ (٥)] (٦). وقال الزجَّاج (٧): معنى ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ (٨) بالتخفيف: يسُرُّكَ، ويُفرِحُكَ، يقال: (بَشَرْتُ

стр. 2599

الرَّجُلَ، أبْشُره): إذا أفرحته، فـ (بَشِرَ (١)، يَبْشَرُ): إذا فرِحَ. وقال ابن الأعرابي (٢): (بَشِرتُ بكذا، وأبْشَرْتُ به) أي: فرحت (٣)، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ﴾ [فصلت: ٣٠]. وقوله تعالى: ﴿بِيَحْيَى﴾. (يحيى) (٤)، لا ينصرف، عَربيّاً كان، أو عجمِيًّا (٥): لأنه إن كان عجميَّا: فقد اجتمع فيه العُجْمةُ والتعريف، وإن كان عربيًّا: لا (٦) ينصرف؛ لِشِبهه (٧) بالفعل، وأنه معرفة. قال المفسرون: سمَّاه الله تعالى بهذا الاسم قبل مولده (٨). قال الحسين (٩) بن الفضل (١٠): إنَّما سُمِّيَ

стр. 2600

(يَحْيى) (١)، لأن الله [تعالى] (٢) أحياه بالطاعة، حتى لم يَعْصِ، ولم يَهم بمعصية. فمعنى (يحيى): أنه يعيش مطيعاً لله عمره، ألا ترى أنَّ الكافر يُسمَّى (مَيْتاً)؛ قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]، قيل في تفسيره: ضالاً فهديناه (٣). وقوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾. نصب على الحال؛ لأنه نكرة، و (يَحيى) معرفة. قال ابن عباس (٤): يريد: مُصدِّقاً بعيسى أنه روح الله، وكلمته. وسُمِّيَ (عيسى) كلمةُ الله؛ لأنه حدث عند قوله: ﴿كُن﴾، فوقع عليه اسم (الكلمة)؛ لأنه بها كان. قال المفسرون: وكان (يحيى) أول من آمن بـ (عيسى) ﵉، وصدَّقه، وكان (يحيى) أكبر من (عيسى) (٥).

стр. 2601

قوله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا﴾. (السَّيِّد) من باب: (الصَّيِّب)، و (المَيِّت). وقد ذكرنا ما فيهما (١). ويقال (٢): (سادَ فلانٌ قومَه، يَسُودُهم، سُؤْدَداً، وسِيادَةً): إذا صار رئيسهم (٣). قال أبو (٤) إسحاق (٥): (السيِّد): الذي يفوق في الخير قومَه. وقال بعض أهل اللغة: (السيد): المالك الذي (٦) يجب (٧) طاعته؛ ولهذا يقال: (سيِّد الغلام)، ولا يقال: سيِّد الثوب. سَلَمَة (٨) عن الفرَّاء (٩): (السيِّد): المالك (١٠)، و (السيِّد): الرئيس، و (السيِّد): الحليم، و (السيِّد): السَّخي، و (السيِّد): الزوج، ومنه قوله:

стр. 2602

﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا﴾ [يوسف: ٢٥]، [أي: زوجها] (١). وقال أبو خيرة (٢): سُمِّيَ (سَيِّدا)، لأنه يَسُودُ سَوادَ الناسِ، أي: عُظْمَهم (٣). هذا قول أهل اللغة في معنى (السيِّد). فأما أهل (٤) التفسير: فقال ابن عباس (٥): السَّيِّد: الكريم على رَبِّهِ . وقال قتادة (٦): السيِّد، هو: العابد، الورع، الحليم. وقال عِكرمَة (٧): السيد: الذي لا يغلبه غضبُهْ.

стр. 2603

وقوله تعالى: ﴿وَحَصُورًا﴾ (الحَصْرُ) في اللغة: الحَبْسُ (١). يقال: (حَصَرَه، يَحْصُرُه، حَصْراً). و (حُصِرَ الرجلُ): إذا اعتُقِل بطنه (٢)، و (حَصرَ (٣) الرجلُ عن النساء)، فهو (حَصُورٌ). والحَصُورُ: الضَّيِّقُ (٤)، البخيل، الذي يمنع مالَهُ، فلا يُخرِجُ مع النَّدامى (٥) شيئاً للشراب (٦)، ومنه: لا بالحَصُورِ ولا فيها بِسَوَّارِ (٧)

стр. 2604

و (الحَصور)، و (الحَصِرُ) أيضاً: الذي يكتم السِّرَّ، ويحبسه في نفسه. قال جرير: ولقَدْ تَسَقَطني الوُشاةُ فصادفوا ... حَصِرًا بِسِرِّكِ (١) يا أمَيْمَ ضَنينا (٢)

стр. 2605

قال ابن قتيبة (١): الحَصُور: الذي لا يأتي النساء، وهو (فَعُولٌ) بمعنى: (مفعول)؛ كأنه (٢) محصور عنهن، أي: مأخوذ (٣)، محبوس (٤)، ومثله: (رَكوب)، بمعنى: مَرْكُوب (٥)، و (حَلوب)، بمعنى: مَحْلُوب (٦). ويجوز أن يكون (فَعُولاً) بمعنى: (فاعل)؛ يعني: أنه حَصَرَ نفسه عن الشهوات. وجميع المفسرين: على أن (الحَصُور) ههنا: الذي لا يأتي النساءَ، ولا يقربهن (٧).

стр. 2606

قال ابن عباس: هو الذي لا يجامع النساءَ، إنما له فَرْجٌ كفَرْجِ الصَّبِيِّ الصغير (١) وقال سعيد بن المُسَيِّب (٢): هو العِنِّين. وروي عن النبي ﷺ ، أنه ذكر يحيى بن زكريا ثم أهوى بيده إلى قَذَاةٍ (٣) من الأرض فأخذها، وقال: "كان ذَكَرُهُ مثلَ هذه القذاةِ" (٤).

стр. 2607

فعلى هذا القول: (الحَصور)، بمعنى: (المحصور)، وهو الذي حُصر عنهن، على (١) قول الجمهور، وهو (فَعُول) بمعنى (فاعل)؛ لأنه حَبَس نفسه عنهن. وقد استقصينا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦]. ٤٠ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ذهب كثير من

стр. 2608

المفسرين إلى أن زكريَّا خاطب بهذا جبريل ﵇، فقال: (رَبِّ)؛ أي: يا سيِّدي (١). وذهب جماعة إلى أنه خاطب الله تعالى (٢). وقوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ إنْ قيل: كيف أنكر زكريَّا الولدَ مع تبشير الملائكة إيَّاه به؟ وما معنى هذه المراجعة؟ ولِمَ عجب (٣) من ذلك بعد إخبار الله تعالى بأنه يكون، إذ يقول : ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾؟ فالقول في ذلك: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي﴾ (٤) أن معنى قوله ﴿أَنَّى يَكُونُ﴾ على أيِّ حالٍ يكون ذلك؛ أيَرُدُّني إلى حال الشباب، وامرأتي؟ أم من حال الكِبَرِ؟. فقال ما قال من هذا مستثْبِتاً، ومستعْلِماً، لا متعجباً، ولا منكِراً (٥). والغُلامُ: الشابُّ من الناس. وأصله من (الغُلْمَةِ). و (الاغتلام)؛ وهو: شِدَّة طَلبِ النِّكاح. ويقال: (غُلامٌ بّيِّن (٦) الغُلُومِيَّةِ، والغُلُومَةِ، والغُلامِيَّةِ) (٧).

стр. 2609

قال الفرَّاء (١): والعرب تجعل مصدرَ كلِّ اسمٍ ليس له فعلٌ (٢) معروف على هذا المثال. فتقول: (هذا [عبدٌ] (٣) بَيِّن (٤) العبودية، والعبدِيَّةِ (٥)، والعبودَةِ). وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾. (الكِبَرُ)، مصدرُ: (كَبِرَ الرجلُ، يَكْبَرُ): إذا أسَنَّ (٦). قال أهل المعاني (٧): معنى ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾: وقد بَلَغتُ الكِبَرَ؛ وذلك أن كلَّ (٨) شيءٍ صادَفْته وبلغته، فقد صادفك وبلغك. وكان نسبةُ الفعلِ إلى الكبر، كنسبته (٩) إلى الرجل؛ يدل على هذا قولُ العرب: (تلقَّيْتُ الحائطَ)، و (تلقَّاني (١٠) الحائطُ).

стр. 2610

فإن قيل: أيجوز (١) (بلغني البلدُ) في موضع (بلغْتُ البلدَ)؟ قيل: إنما جاز في الكِبَرِ؛ لأن الكبَر بمنزلة الطالب، فهو يأتيه بحدوثه (٢) فيه، والإنسان (٣) أيضاً يأتيه بمرور السنين عليه، ولا يجوز مثل ذلك في البلد، وليس الكبَر بمنزلة البلد، إنما هو بمنزلة: القول، والعطاء، والإفضال (٤)، والعقاب؛ فكما يجوز: (بلغني عطاؤك)، و (بلَغَتْ زيداً (٥) جائزتُكَ)، (وبلغ عبدَ اللهِ عقابُكَ)، جاز أن يكون (٦) البلوغُ منسوباً (٧) إلى الكِبَر (٨). قال ابن عباس في رواية الضحاك (٩): كان زكريا يوم بُشِّر بالولد ابن عشرين ومائة سنة، وكانت امرأته بنت ثمانٍ وتسعين سنةً. وقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. العاقِر (١٠) من النساء: التي لا تلد. يقال: (عَقُرَت، تعْقُرُ، عُقْراً، وعَقارةً) (١١). أنشد الفراء:

стр. 2611

إرْزامَ نابٍ عقُرت أعواماً ... فَعَلِقَتْ بُنَيَّها (١) تَشْماما (٢) ويقال أيضًا: (عَقُرَ الرجلُ، وعَقَرَ، وعَقِرَ) (٣): إذا لم يُحمل له. و (رجلٌ عاقرٌ) (٤). قال عامرُ بن الطُّفَيْل (٥):

стр. 2612

لبئس الفتى إنْ كنتُ أعورَ عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كلِّ مَحْضَرِ (١) قال أبو إسحاق (٢): قوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، في هذا دليل على أن (عاقرًا) (٣) وقع على جهة النَّسَب (٤)؛ لأنَّ (فَعُلَت) أسماء (٥) الفاعلين فيه على (فَعِيلَة) نحو: (ظَريفة) (٦)، و (كَريمة)؛ وإنما (عاقر) على: (ذات عُقْرٍ) (٧)،

стр. 2613

و (رجالٌ ونساءٌ عُقُرٌ) (١) وفي الحديث: (عُجُزٌ عُقُرٌ) (٢). ويقال: (أعقَر اللهُ [رحِمَها]) (٣)، فهي (مُعْقَرَةٌ). و (رملٌ (٤) عاقِر): لا يُنبِت شيئاً (٥).

стр. 2614

وذَكر (١) زكريا ﵇ عُقْرَ زوجته مع كِبَر نفسه؛ لزيادة ترجيحٍ في الاستبعاد، فلمَّا استفهم عن (٢) كيفيَّة حال الولادة؛ قيل له: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾؛ أي: مثل ذلك من الأمر، وهو: هبة الله الولدَ على الكِبَر، يفعل الله (٣) الذي يشاؤه، فسبحان من لا يعجزه شيء. ٤١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ قال المفسرون: إنَّ زكريا ﵇ لمَّا بُشِّر بالولد، سأل الله تعالى علامةً يعرف بها وقت حمل امرأته؛ ليزيد في العبادة؛ شكراً (٤) على هبة الولد (٥)، فقال الله تعالى: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾. أي (٦): علامة ذلك أن تمسك (٧) لسانك عن الكلام، وأنت صحيح سَوِيٌ، لأنه قال في موضع آخر: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ١٠]؛ أي: وأنت سَوِي.

стр. 2615

قال الحسنُ (١)، وقتادة (٢)، والربيع (٣): أُمسِك لسانُه ثلاثةَ أيام، فلم يقدر أن يكلم الناس إلاَّ إيماءً، وجعل ذلك علامةَ حملِ امرأتِه. و (الرَّمْزُ): الإيماء بالشَّفَتين، والحاجِبَيْن، والعينين؛ يقال: (رَمَزَ، يَرمُزُ، وَيرْمِزُ)، ومنه قيل للفاجرة: (رامِزَةٌ)، و (رمَّازَةٌ) (٤)؛ لأنها تَرمُز وتُومِئ (٥)، ومنه الحديث: أنه (نهى عن كسب الرَّمَّازة) (٦).

стр. 2616

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾. إن (١) قيل: إذا مُنع من (٢) الكلام، واضطُرَّ إلى الإشارة، كيف يقدر على التسبيح؟ قيل (٣): إنَّ الله تعالى حبس لسانه عن التَّكلم بأمور (٤) الدنيا، وما يدور بين الناس، ولم يُحبس لسانه عن التسبيح. فكانت هذه أبلغ في الأعجوبة من أن يُمنع من (٥) كلِّ ما يجري

стр. 2617

به اللسانُ (١). وقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ أي: صَلِّ لله تعالى. والصلاة تُسَمَّى تسبيحا (٢)، لأن الصلاة يُوَحَّد فيها الله تعالى، وُينَزَّه، ويُوصف بكلِّ ما يُبَرِّئه من السوء (٣). و (العَشيُّ): آخر النهار، جمع (عَشِيَّة) (٤). و (الإبكار) مصدر: (أَبْكَرَ:

стр. 2618

إذا صار في وقت البُكرة (١)، أو سار (٢) فيه، ومثله: (بَكَر)،و (ابتَكَر) (٣) , و (بَكَّر)، قال عمر بن (٤) أبي ربيعة: أمِنْ آل نُعْمٍ أنت غادٍ (٥) فَمُبْكِرُ (٦) وقال أيضًا: أيُّها الرائِحُ المُجِدُّ ابتكارا (٧)

стр. 2619

وقال زُهير: بَكَرَنَ بُكوراً واسْتحَرْنَ بِسُحْرةٍ (١) و (باكرت الشيء): إذا بكَّرت له، قال لَبيد: [باكرْتُ حاجَتَها الدجاجَ بسُحرةٍ (٢) هذا معنى (الإبكار)، ثمَّ يُسَمَّى ما بين طُلوعِ] (٣) الفجر إلى الضحى: إبكاراً، كما يُسَمَّى: إصباحاً (٤). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ﴾. هذا عطف على قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ (٥)، وذكرنا العامل في ﴿إذْ﴾ هناك. وأراد

стр. 2620

بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾: جبريل وحده كما ذكرنا (١). وهذا كقوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ﴾ [النحل: ٢]، يعني: جبريل وحده (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾. أي: بما لطف لكِ [حتى] (٣) انقطعتِ إلى طاعته، وصرت متوفرة (٤) على اتباع مرضاته. ﴿وَطَهَّرَكِ﴾. قال ابن عباس (٥): أي: من ملامسة الرجال. وقيل: من الحيض، والنفاس، كانت مريم لا تحيض (٦). ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾. قال الأكثرون (٧):

стр. 2621

معناه: على عالَمي زمانها؛ بأن فضلت عليهن (١). قال أبو إسحاق (٢): وجائز أن يكون على نساء العالمين كلِّهم؛ لأنه ليس في النساء امرأة وَلَدت من غير أبٍ (٣) غير مريم؛ ولأنها (٤) قُبِلت في التحرير للمسجد (٥)، ولم يكن التحرير في الإناث، فهي مختارة على النسوان كلِّهنَّ، بما لها من الخصائص (٦). وكرَّر الاصطفاء (٧)، لأن كلا (٨) الاصطفائين مختلفٌ (٩) معناهما: فالاصطفاء الأول: عمومٌ يدخل فيه صوالحُ النساء، والثاني: اصطفاء بما اختُصَّت به من خصائصها. ٤٣ - قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ﴾. ذكرنا معنى القنوت فيما تقدم (١٠). قال مجاهد: معناه: أطيلي القيام في الصلاة (١١).

стр. 2622

وقال ابن عباس: يريد: قومي للصلاة بين يدي ربِّكِ (١). وقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾. يقال: لم قدَّم الأمرَ بالسجود على الركوع، وهو قبل السجود؟ قيل: (الواو) عند النحويين للجمع لا للترتيب (٢)، وليس فيه دليل على المبدوء به.

стр. 2623

قال أبو الفتح الموصلي (١): واوُ العطفِ (٢)، ليس فيها دليل على المبدوء به في المعنى؛ لأنها ليست مُرَتِّبةً، يدلُّ على ذلك قولُ لَبيد: أُغْلي السِّباءَ (٣) بكلِّ أدكنَ عاتقٍ (٤) ... أو جَوْنَةٍ قُدِحتْ وفُضَّ خِتامُها (٥).

стр. 2624

وإنما يُفتح ويفض: الختم قبل الغَرْف (١)، فقد علمت أن (قُدِحت) مُقَدَّم في اللفظ، مُؤَخَّرٌ في المعنى، كذلك ههنا بدأ بالسجود لفظاً، وهو مؤَخَّرٌ معنى، والكلام في هذه المسألة يُذكر (٢) عند قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] الآية. قال (٣) ابن الأنباري (٤): أمَرها أمراً عاماً، وحضَّها على أفعال الخير، فكأنه قال: استعملي السجود في حال، واستعملي الركوع في حال، ولم يذهب إلى أنهما يجتمعان، ثمَّ يُقدَّم السجودُ على الركوع؛ بل أراد العموم بالأمر على اختلاف الحالين (٥). وقوله تعالى: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾. ولم يقل مع الراكعات؛ لأن الراكعين

стр. 2625

أعمُّ؛ لوقوعه على الرجال والنساء إذا اجتمعوا، والراكعات يختصُّ بالنساء، فكان (١) الأعم أولى. ومعنى قوله: ﴿مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ أي: افعلي كفعلهم. وقيل: المراد به: الصلاة في الجماعة (٢). قال المفسرون (٣): كلَّمت الملائكةُ بهذا مريَم شفاها، فقامت مريمُ في الصلاة حتى ورمت قدماها، وسالتا دماً، وقيحاً. ٤٤ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾. أشار إلى ما قصَّ من حديث زكريا، ومريم، ويحيى. وقوله تعالى: ﴿نُوحِيهِ إِلَيْكَ﴾ [أي] (٤): نلقيه إليكَ (٥). و (الإيحاء) في اللغة: إلقاء معنى الكلام إلى من تريد إعلامه؛ إما بإرسال رسول، أو بإلهام، أو بكتابة، أو بإشارة (٦). فمن الإرسال: قوله : ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ﴾ (٧) [النساء: ١٦٣].

стр. 2626

ومن الإلهام: قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ومن الإشارة: قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]، أي: أشار إليهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. الأقلام: جمع (القَلَم)، و (القَلَم) (٢) أصله من: (القَلْمِ)، وهو: قطع للطَّرَفِ (٣)، يقال منه: (قَلَمْتُ الظُفُرَ) (٤). والقَلَمُ: الذي يُكْتب به؛ بمعنى: مَقْلُوم؛ لأنه يُبْرى طرفُهُ. والقَلَمُ: القِدْحُ (٥)، لانه يُسَوَّى بأن يُقْطع طرفاه (٦).

стр. 2627

قال ابن عباس في رواية عطاء (١): هؤلاء كانوا جماعة من الأنبياء، اختلفوا واختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أَوْلى بها، فقال زكريا: هي بنت عمِّي، وخالتها عندي. قالوا: فتعالوا حتى نَسْتَهِم (٢). فجمعوا سهامهم، ثم أَتَوا بها إلى العَيْنِ، وقالوا: اللَّهمَّ، مَنْ كان أَوْلى بها فَلْتقُم سَهْمُهُ، ويغرق (٣) البقيَّة. وأَلْقَوا سهامَهم، فارتَزَّ (٤) قلَمُ زكريا، وانحدرت (٥) أقلامُ الآخرين (٦)، فقرعهم زكريا (٧). وقال الزجَّاج (٨): هي قِداحٌ جعلوا عليها علامات، يعرفون بها مَنْ يَكْفل مريمَ على جهة القرعة.

стр. 2628

وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. مختصر (١)؛ أي: لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم (٢). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد: جبريل (٣). ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَراً. قال الحسنُ (٤)، وقتادةُ (٥): لأنه كان بكلمة الله [تعالى] (٦)، وهو: ﴿كُنْ﴾، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: ﴿كُنْ﴾ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: ﴿اسمُهُ المَسِيحُ﴾، ولو أراد الكلمة لقال (٧): (اسمها المسيح) (٨).

стр. 2629

وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي (١) وكلامي)، وقيل: لأن الله يهدي به كما يهدي (٢) بكلمته. وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) (٣) عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر (٤). وقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. ذَكَر (٥) الكنايةَ (٦)؛ لأنه عنى بـ (الكلمة): عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ. فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟ قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه (٧) بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب

стр. 2630

الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم (١). فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد (٢) والليث (٣): المسيح أصله بالعبرانية: [(مشيحا). فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا (٤): موسى، وأصله: (موشى)، أو (ميشى) بالعبرانية] (٥)، فلمَّا أعربوه (٦) غيَّروه (٧)، فعلى هذا لا اشتقاق (٨) له، وأكثر العلماء على أنه مشتق. قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك (٩): وإنما (١٠) سُمِّيَ عيسى ﵇ مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ (١١). وقال أحمد بن يحيى (١٢): سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه (١٣)
следующие страницы →