← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.

стр. 2626

ومن الإلهام: قوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]، ومن الإشارة: قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ [مريم: ١١]، أي: أشار إليهم، وقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ﴾ [الأنعام: ١٢١]، أي: يُلْقون إليهم بالوَسْوَسَة (١). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ﴾. الأقلام: جمع (القَلَم)، و (القَلَم) (٢) أصله من: (القَلْمِ)، وهو: قطع للطَّرَفِ (٣)، يقال منه: (قَلَمْتُ الظُفُرَ) (٤). والقَلَمُ: الذي يُكْتب به؛ بمعنى: مَقْلُوم؛ لأنه يُبْرى طرفُهُ. والقَلَمُ: القِدْحُ (٥)، لانه يُسَوَّى بأن يُقْطع طرفاه (٦).

стр. 2627

قال ابن عباس في رواية عطاء (١): هؤلاء كانوا جماعة من الأنبياء، اختلفوا واختصموا في مريم، كل واحد يقول: أنا أَوْلى بها، فقال زكريا: هي بنت عمِّي، وخالتها عندي. قالوا: فتعالوا حتى نَسْتَهِم (٢). فجمعوا سهامهم، ثم أَتَوا بها إلى العَيْنِ، وقالوا: اللَّهمَّ، مَنْ كان أَوْلى بها فَلْتقُم سَهْمُهُ، ويغرق (٣) البقيَّة. وأَلْقَوا سهامَهم، فارتَزَّ (٤) قلَمُ زكريا، وانحدرت (٥) أقلامُ الآخرين (٦)، فقرعهم زكريا (٧). وقال الزجَّاج (٨): هي قِداحٌ جعلوا عليها علامات، يعرفون بها مَنْ يَكْفل مريمَ على جهة القرعة.

стр. 2628

وقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾. مختصر (١)؛ أي: لينظروا أيُّهم تجب له كفالة مريم (٢). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال ابن عباس: يريد: جبريل (٣). ﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعني: عيسى، لأنه في ابتداء أمره كان كلِمَةً من الله ألقاها إلى مريم، ثمَّ كوَّن تلك الكلمة بَشَراً. قال الحسنُ (٤)، وقتادةُ (٥): لأنه كان بكلمة الله [تعالى] (٦)، وهو: ﴿كُنْ﴾، ومعنى هذا: أنه أوجده بالكلمة، وكونه بها، وهي قوله: ﴿كُنْ﴾ من غير توليد من فَحْلٍ، أو تنسيل من ذَكَرٍ، وهو معنى قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩]، ولم يُردْ -والله أعلم- أنَّ عيسى هو الكلمة نفسها، ألا تراه يقول: ﴿اسمُهُ المَسِيحُ﴾، ولو أراد الكلمة لقال (٧): (اسمها المسيح) (٨).

стр. 2629

وقيل: إنما سمَّاه كلمةً؛ لأن الله تعالى بشَّر به في الكتب السالفة، فلمَّا أوجده سمَّاه كلمة، كما يقول الذي يُخْبِرُنا بأمر كائن -إذا وُجِدَ ذلك الأمر-: (قد جاء قولي (١) وكلامي)، وقيل: لأن الله يهدي به كما يهدي (٢) بكلمته. وقيل: لأنه كان (يُكلِّم) (٣) عن الله تعالى فيُبشِّر، ويُنْذر (٤). وقوله تعالى: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. ذَكَر (٥) الكنايةَ (٦)؛ لأنه عنى بـ (الكلمة): عيسى، أو الولد، فرجعت الكناية إلى معنى الكلمة، لا إلى اللفظ. فإن قيل: كيف أخبر أن اسمه المسيح، وقدمه على اسمه المعروف، وهو: عيسى، وإنما لُقِّب بـ (المسيح) بعد نفاذ التسمية له بـ (عيسى)؟ قيل: إنَّ الأسماء ألقاب عُلِّقت على المُسمَّيات؛ للفصل بين الأعيان فإذا عُلِّق الاسم على المولود في وقت ولادته، ثمَّ شُهر بعد عُلُوِّ سنِّه (٧) بلقب، كان اللقبُ أغلبَ عليه من الاسم، لأن من يعرفه به أكثر ممن يعرفه باسمه الحقيقي، فلهذه العلَّة قُدِّم المسيح على عيسى، ألا ترى أنَّ ألقاب

стр. 2630

الخلفاء أشهر وألزم لهم من أسمائهم (١). فأما معنى المسيح؛ فقال أبو عبيد (٢) والليث (٣): المسيح أصله بالعبرانية: [(مشيحا). فعرَّبته العربُ وغيرت لفظه، وكما قالوا (٤): موسى، وأصله: (موشى)، أو (ميشى) بالعبرانية] (٥)، فلمَّا أعربوه (٦) غيَّروه (٧)، فعلى هذا لا اشتقاق (٨) له، وأكثر العلماء على أنه مشتق. قال ابن عباس في رواية عطاء والضحاك (٩): وإنما (١٠) سُمِّيَ عيسى ﵇ مسيحاً؛ لأنه كان لا يمسح بيده ذا عاهة إلا برئ (١١). وقال أحمد بن يحيى (١٢): سمي مسيحاً؛ لأنه كان يمسح الأرض؛ أي: يقطعها. فعلى قول هؤلاء، هو: (فعيل) بمعنى: (فاعل)، وقيل: إنه (١٣)

стр. 2631

(فعيل) بمعنى: (مفعول) (١)، على أنه مُسِح من الأوزار، وطُهِّر (٢). وقيل: لأنه خرج من بطن أمِّه ممسوحاً بالدهن (٣). وقال الحسن (٤)، وسعيد (٥): لأنه مُسح بالبركة. وبهذا (٦) قال مِنْ (٧) أهل اللغة: شَمِر (٨). وقال ابن الأعرابي (٩)، وأبو الهيثم (١٠): المسيح بن مريم: الصدِّيق. قال أبو الهيثم (١١): وضدُّ الصديق: المسيحُ الدجال؛ أي: الضلِّيل، الكذاب؛ خلق الله المسيحين، أحدهما ضد الآخر، فكان (١٢) المسيح بن مريم يُبْرِئ الأَكْمَهَ، والأبْرَصَ (١٣)، ويحيى الموتى بإذن الله، وكذلك

стр. 2632

الدجال، يحيي الميتَ، ويميت الحيَّ، وينشئ السحائب (١) [وينبت] (٢) النبات، فهم المسيحان (٣): مسيح الهدى، ومسيح الضلالة. قال [المنذري] (٤): فقلت (٥) له: بلغني أن عيسى [﵇] (٦)، إنما سُمِّي مسيحاً، لأنه [مُسح بالبركة، وسُمِّيَ الدجال مسيحا؛ لأنه] (٧) ممسوح العين. فأنكره، وقال: إنما المسيح ضدَّ المسيح، يقال: مَسَحَه الله؛ أي: خلقه حَسناً مباركاً، ومَسَحَه (٨)، أي: خلقه قبيحاً ملعوناً. وكان إبراهيم النخعي يذهب أيضاً (٩) إلى أن المسيح، معناه: الصِّدِّيق (١٠). قال ابن الأنباري (١١): وهذا القول لا يعرف (١٢) اللغويون مذهبه؛

стр. 2633

إذ (١) كانت لا تصف كلَّ صِدِّيق بـ (المسيح)، ولعل كان هذا مستعملاً (٢) في بعض الأوقات في وصف الصدِّيقين، فدَرَسَ مع ما دَرَسَ من الكلام؛ لأن الكسائي قال (٣): قد درس من كلام العرب شيء كثير. ثمَّ فسَّر المسيح وبيَّنه من هو، فقال: ﴿عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. معنى (الوجيه): ذو الجاه والشرف والقدْر، يقال: (وجُهَ الرجلُ، يَوْجُهُ، وَجاهةً)، فـ (هو وَجِيْهٌ): إذا صارت له منزلة رفيعة عند السلطان والناس (٤). وقال بعض أهل اللغة (٥): الوجيه: الكريم، عند من لا يسأله؛ لأنه لا يردُّه لكرم (٦) وجهه عنده (٧)، خلاف من يبذل وجهه للمسألة (٨)، فيرده (٩). قال الزجَّاج (١٠): ﴿وَجِيهًا﴾، منصوب على الحال، المعنى: إنَّ الله

стр. 2634

يبشِّرك بهذا الولد، وجيهاً في الدنيا والآخرة. والفرَّاء (١) يسمي هذا قطْعاً، كأنه: كان (٢) عيسى بن مريم الوجيه، قُطِع منه التعريف (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. أي: إلى ثواب الله وكرامته. ٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾ موضع ﴿وَيُكَلِّمُ﴾ منصوب؛ في التأويل بالنَّسَقِ (٤) على (وجيه)، كأنه قال: (وجيها، ومُكَلِّماً الناسَ)، ولا يُنكَرُ وضعُ (٥) المستقبل موضعَ الحال. ومثله قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦]، في قراءة مَنْ رَفَعَ (٦). وهذا أحدُ ما يضارعُ به الفعلُ المستقبلُ الاسمَ. وأنشد النحويُّون على هذا:

стр. 2635

بتُ أُعَشِّيها (١) بَعضْبٍ باتِرِ ... يَقْصِدُ (٢) في أَسْوُقِها وجائِرِ (٣)

стр. 2636

على معنى: قاصدٌ (١)، وجائزٌ. وقوله تعالى: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾. أي: صغيراً. والمَهْدُ: الموضع الذي مُهِّدَ لنوم الصبي (٢). قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يريد: الحَجْرَ (٤). ويعني بكلامه ﴿فِي الْمَهْدِ﴾: تبرئة أمِّهِ ممَّا قُرِفَت (٥) به (٦). وقوله تعالى: ﴿وَكَهْلاً﴾. هو عطف على الظرف من قوله: ﴿فِي الْمَهْدِ﴾، كأنه قيل: (ويكلِّم الناس صغيراً وكهلاً) (٧).

стр. 2637

و (الكَهْلُ) في اللغة: الذي اجتمع [فيه] (١) قوَّتُه، وتَمَّ (٢) شبابُه، وهو من قول العرب: (اكْتَهَلَ النَّباتُ): إذا قَوِيَ وتَمَّ (٣). قال الأعشى: يُضاحكُ الشمسَ منها كوكبٌ شَرِقٌ ... مُؤَزَّرٌ، بعَميمِ النَبْتِ مُكْتَهِلُ (٤) أراد بـ (المكْتَهِل): المتناهي في الحسن والكمال. واختلفوا في كهولة عيسى ﵇، فقال بعضهم: إنه رفع إلى السماء حين (٥) دخل في الكهُولة؛ وذلك، أنه كان قد أرْبى (٦) على الثلاثين، ومن أَرْبى (٧) عليها فقد دخل في الكُهُولة، وتقَضَّى أكثرُ شبابه (٨). وعلى هذا

стр. 2638

القول: يكلِّم الناس كهلاً، قبل أن يرُفع إلى السماء. وهذا معنى قولِ مقاتل (١)، وابن عباس في رواية عطاء (٢)، لأنه قال (٣) في قوله: (وكهلاً) (٤)؛ يريد: أنه يتكلم بكلام النبَّوة. وقال بعضهم: المراد بقوله: ﴿وَكَهْلاً﴾ (٥): بعد أن ينزل من السماء يكلِّم الناس بعد نزوله إلى الأرض، كهلاً (٦). وهذا اختيار الحسين بن الفضْل (٧)، قال (٨): وفي هذا بيان نزوله في نصِّ القرآن (٩).

стр. 2639

وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اَلصَّالِحِينَ﴾. قال عطاء (١): يريد: مثل: موسى، وإسرائيل (٢)، وإسحاق، وإبراهيم (٣). ٤٧ - قوله تعالى (٤): ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ قال أهل المعاني (٥): إنَ مريم لا تستنكر في قدرة الله تعالى خلقَ الولد من غير مَسِيس بَشَرٍ (٦)، وإنَّما قالت هذا؛ لأنَّ في البشرية التعجب مما خرج عن العادة، كما يقول الإنسان: (كيف تَهَبُ ضيعتَك، وهي أنفَس أملاكك.؟!) ليس يشك في هبته، وإنما يتعجب من وجوده. و (البَشَر): الخَلْق. واحدُهُ وجمعُه سواء؛ لأنه بمنزلة المصدر (٧)، نحو (٨): الخَلْق، يقال (٩): هذا

стр. 2640

خَلْق، وهؤلاء خَلْق (١). وإنما وجب في المصدر ذلك؛ لأنه جنس في الفعل، كما وجب في الماء والرمل، وما هو من أسماء الأجناس. وأصله من (البَشَرَة) التي هي ظاهر الجِلْدِ؛ لأنه الذي من شأنه أن يَظْهَرَ الفرحُ والغمُّ في بشَرَته (٢). وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾. أي: يخلق الله (٣) ما يشاء مثل ذلك من الأمر، وهو: خَلْق الولد من غير مَسِيس. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾. إلى آخر الآية. ذكرنا ما فيه في سورة البقرة، عند قوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ [البقرة: ١١٧]. الآية. ٤٨ - قوله (٤) تعالى: ﴿وَيعَلِمُهُ الكِتَابَ﴾. الآية. قال ابن جُرَيج، وغيره: أراد: الكتابة والخط (٥). وقيل: أراد كتابًا آخر غير التوراة والإنجيل، من نحو: الزَّبُور وغيره (٦).

стр. 2641

٤٩ - [و] (١) قوله تعالى: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. قال أبو إسحاق (٢): ينتصب على وجهين: أحدهما: (ويجعلُهُ (٣) رسولاً). قال: والاختيار عندي: أنه (ويكَلِّمُ الناسَ رسولاً)؛ لقوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ﴾؛ والمعنى: يكلِّمُهم رسولاً بأني (٤) قدْ جئتكم (٥). وقال الأخفش (٦): إن شئت جعلت الواو في ﴿وَرَسُولًا﴾ مُقْحَمَةً (٧)، و (الرسولا) (٨) حالاً للهاء (٩)، تقديره: ونُعَلِّمُهُ الكتابَ رسولا (١٠). وقوله تعالى: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ هو ذكر آية واحدة، وإنما

стр. 2642

جاءهم (١) بآيات، وهي: خلق الطير، وإبراء الأكْمَه والأبرص، وإحياء الموتى، وإنباء (٢) بما يأكلونَ؛ وذلك، أنه أراد بالآية: خلق الطير، ثم عطف عليه إبراء (٣) الأكمه والأبرص على جهة الاستئناف. وقوله تعالى: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ مَنْ (٤) فتح ﴿أَنِّي﴾ (٥)، جعلها بدلاً من ﴿آيَةٍ﴾ (٦)، كأنه قال: (وجئتكم بأني أخلق لكم من الطين)، ويكون موضع ﴿أَنِّي﴾ خفضاً على البدل من ﴿آيَةٍ﴾ (٧)، ويجوز أن يكون رَفعاً على معنى: الآيةُ أنِّي أخلق لكم) (٨). ومَنْ كَسَرَ (٩)، فله وجهان: أحدهما: الاستئناف، وقَطْع الكلامِ مما قبله. والوجه الآخر: أنه (١٠) فسر الآية بقوله: ﴿إنِّي أخلق [لكم من

стр. 2643

الطين] (١)﴾، ويجوز أن يفسِّر الجملة المقدمة بما يكون على وجه الابتداء، كقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [المائدة: ٩]، ثمَّ فسَّر الموعود بقوله: ﴿لَهُم مَّغفِرَةٌ﴾ (٢)، وكقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ (٣) [آل عمران: ٥٩]، ثمَّ فسَّر المَثَلَ بقوله: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. وهذا الوجه أحسن؛ لأنه في المعنى كقراءة مَنْ فتح (أنِّي)، وأبدل من آية (٤). وقوله تعالى: ﴿أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ﴾ أي: أقَدِّر، وأصوِّر. والخلْقُ، معناه: التقدير في اللغة (٥). وقوله تعالى: ﴿كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾ الهيئةُ: الصورة المُهَيَّأة؛ من قولهم:

стр. 2644

(هيَّأتُ الشيءَ): إذا قدَّرُته (١). وقوله تعالى: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾ أي: في الطَّيْر. و (الطَّيْر): يجوز تذكيره، على معنى الجمع، وتأنيثه، على معنى الجماعة. ولا يجوز أن تعود (٢) الكناية (٣) إلى الطين؛ لأن النفخ إنَّما يكون في طِينٍ مخصوص، وهو: ما كان مُهَيَّأ منه، والطينُ المتقدِّمُ ذكرهُ، عامٌ، فلا تعود إليه الكناية؛ ألا ترى أنه لا يَنْفخ في جميع الطِّينِ (٤)؟. ويجوز أن تعود الكناية على ذي الهيئة. وأريد بـ (الهيئة): ذو الهيئة، كما أريد بـ (القسمة): المقسوم، في قوله: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ﴾ [النساء: ٨] لأنه قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ (٥) (٦).

стр. 2645

كذلك أراد بـ (الهيئة): المُهيَّأ، وذا (١) الهيئة. و (٢) يجوز أن تعود الكناية إلى ما وقعت الدلالة (٣) عليه في اللفظ، وهو (٤): أنَّ (يَخْلُق) يدل على الخَلْقِ، فيكون قوله: ﴿فَأَنْفُخُ فِيهِ﴾؛ أي: في الخَلْقِ، ويكون الخلق بمنزلة المخلوق. ويجوز أن تعود إلى ما دلَّ عليه الكافُ من معنى المِثْل؛ لأن المعنى: أخلق من الطين مِثْلَ هيئة الطير، ويكون الكافُ في موضع نصب على أنه صفة (٥) للمصدر المُرادِ، تقديره: (أنِّي أخلق لكم من الطينِ خَلْقاً مثلَ هيئةِ الطَّيْرِ). وهذه الوجوه ذكرها أبو علي الفارسي (٦). وقوله تعالى: ﴿فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقرأ (٧) نافع (٨): ﴿طائراً﴾ (٩)،

стр. 2646

على معنى: يكون (١) ما أنفخ فيه طائراً، أو (٢) ما أخلُقُهُ طائراً، أو أراد أن (٣) يكون كلَّ واحد من ذلك طائراً، كما قال تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] أي: كلَّ واحد منهم. وقال بعضهم (٤): ذهب نافع (٥) إلى نوع واحد من الطير؛ لأنه لم يَخْلُق غير الخَفَّاش. وإنَّما خصَّ الخفَّاش (٦)؛ لأنه أكمل الطير خَلْقاً. وقد زدنا بيانا على هذا في سورة المائدة (٧).

стр. 2647

قال وَهْبٌ: كان يطير ما دامَ الناسُ ينظرون، فإذا غاب عن أعينهم سقط ميتا (١). قوله تعالى: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ﴾. قال الأصمعي (٢): بَرِئْتُ من المرض: لغةُ تميم، وبَرَأْتُ: لغةُ أهل الحِجاز (٣). وقال أبو زيد (٤): بَرَأْتُ من المرض: لغة أهل الحجاز. وسائرُ العرب: بَرِئْتُ (٥).

стр. 2648

والأكمَهُ (١)، قال ابن عباس، وقتادة (٢): هو الذي وُلِد أعمى، لم يبصر ضوءاً قط (٣). يقال: كَمِهَ الرجلُ، يَكْمَهُ، كَمَهًا (٤). والأبْرَصُ: الذي به وَضَحٌ (٥). وقوله تعالى: ﴿وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي (٦): كان (٧) عيسى ﵇ يحيي الأموات بـ (يا حيُّ يا قَيُّوم)، أحيا عازَرَ (٨)، وكان صديقاً له، ودعا سام بن نوح من قبره، فخرج حيًّا، ومُرَّ عليه بابن عجوز على سريرٍ مَيْتًا، فدعا

стр. 2649

اللهَ عيسى، فنزل عن سريره حيَّاً، ورجع إلى أهله، وبقي ووُلدَ له (١). وقوله تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾. (ما) بمعنى: الذي؛ أي: بالذي تأكلونه، والذي تدَّخِرونه (٢). وجاء (٣) في التفسير: بما تأكلون في غُدُوِّكم [وتدَّخرون لباقي يومكم] (٤). و (تدَّخِرون): (تفتعلون)، من (الذُّخْر) (٥). يقال: (ذَخَر، يَذْخَر، ذُخْراً)، و (اذَّخَرَ اذِّخِارا): وأصله: (اذْتَخَرَ) (٦)، فأُبْدِل (٧) التَّاءُ دالاً (٨)؛ لأن الذَّالَ حَرْفٌ مَجْهُورٌ (٩) والتَّاءَ مهموسٌ (١٠)،

стр. 2650

فأُبدِلَ بحرفٍ يُشْبِهُ الذَّالَ (١) في الجَهْرِ، وهو الدَّال، ثم أُدْغِمتْ الذَّالُ (٢) في الدَّال فصار: (تَدَّخِرونَ) (٣)، وهذا أصل الإدغامِ؛ وهو: أن يدغم (٤) الأولى في الثانية، ومثل (٥) هذا في التعديل بين الحروف (٦): (ازدُجِر) (٧)، و (اضطُرَّ)، و (اصْطَبِر) (٨).

стр. 2651

قال الخليل (١): الحرف (٢) المجهور: الذي أُشبع (٣) الاعتمادُ (٤) عليه في موضعه، ومَنَعَ (٥) النَّفَسَ أن يخرج معه، والمهموس: حرف أُضْعِفَ الاعتماد عليه في موضعه، وجرى معه النفس (٦). ٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾. [قال الفرَّاءُ (٧)، والزجَّاج (٨): نصب ﴿مُصَدِّقًا﴾ على الحال، المعنى: (وجئتكم مصدِّقاً لِما بين يَدَيَّ)] (٩). وجاز إضمارُ (جئتكم)؛ لأن أول الكلام يدلُّ عليه، وهو قوله: ﴿أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ٤٩]. ومثله في الكلام: (جئتُه بما يُحِب، ومُكْرِماً لهُ) (١٠). قال الفرَّاء (١١): ولا يجوز أن يكون ﴿مُصَدِّقًا﴾ عطفاً على ﴿وَجِيهًا﴾؛

стр. 2652

لأنه لو كان كذلك، لقال: (ومُصدِّقاً لِمَا بين يَدَيْهِ) (١)، ولا يحسن أيضاً أن يتابع قوله: ﴿وَرَسُولًا﴾ (٢)؛ لأنه لو كان مردودًا عليه؛ لقال: (ومُصَدِّقاً لما بين يديكِ)، لأنه خاطب بذلك مريمَ، أو قال: (بين يديهِ) (٣). ومعنى ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ﴾: أي: للكتاب (٤) الذي أُنزِلَ قَبْلِي (٥). وإذا كان يُصَدِّقُ التوراةَ، كان أحرى أن يُتَّبع. وقوله تعالى: ﴿وَلِأحِلَّ لَكُمْ﴾ قال الفرَّاء (٦): الواوُ ههنا زائدةٌ مُقْحَمةٌ، كهي في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ [مِنَ الْمُوقِنِينَ]﴾ (٧)، المعنى: يُرِيهِ (٨) لِيَكونَ (٩).

стр. 2653

وأهل التحقيق من النحويين قالوا: الواو لا تُقْحَمُ إلا معَ (حتى إذا)، ومع (لَمَّا) (١).

стр. 2654

قالوا: أو، والواو ههنا للعطف على معنى الكلام الأول (١)، لأن معناه: (وجئْتُكم لأُصَدِّقَ ما بين يديَّ من التوراة، ولأُحِلَّ لكم). ومثله من الكلام: (جئتُ مُعتذِرًا إليه، لأجتَلِبَ رِضاه)؛ أي: لأعتذر، ولأجتلب (٢). وقال ابن الأنباري (٣): الَّلام في قوله: ﴿وَلِأُحِلَّ لَكُمْ﴾ (٤) صِلَةٌ لفعلِ مضمرٍ؛ كأنه قال: (ولأحلَّ لكم جئتكم)، وكذلك قوله: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، تقديره: ولِيكون من الموقنين نُرِيهِ (٥) ذلكَ (٦).

стр. 2655

- قوله تعالى: ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾. قال المفسرون (١): أُحِلَّ لهم على لسان المسيح: لحومُ الإبل، والثُّرُوبُ (٢)، وأشياءُ مِنَ الطَّيْر، والحيتان، مما كان مُحرَّما في شريعة موسى ﵇. قال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ (٣). وإنَّما قال (٤): ﴿بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ﴾؛ لأن عيسى لم يأتهم بتحليل الفواحش من: القتل، والسَّرِقِ، والزِّنا. وذهب أبو عبيدة (٥) إلى أنَّ (بعضَ) ههنا بمَعنى: الكُلِّ، واحتجَّ ببيت لَبِيد: أو يعتَلِقْ (٦) بعضَ النفُوسِ حِمامُها (٧)

стр. 2656

وأنكر عليه الآخرون أشدَّ (١) الإنكارِ (٢). وسنستقصي الكلام في (بعض) عند قوله: ﴿وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ﴾ [غافر: ٢٨]، وأنه هل يجوز أن يكون بمعنى الكلِّ، أم لا؟. إنْ شاء الله.

стр. 2657

وقوله تعالى: ﴿وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال أبو إسحاق (١): أي: لم أُحلَ لكم شيئًا بغير برهان، فهو حقيق (٢) عليكم اتِّباعي؛ لأنَّني أتيتكم (٣) ببرهان، وتحليل طيِّباتٍ كانت (٤) حُرِّمَتْ عليكم. وإنَّما وحَّد (٥) الآية، وكان قد أتاهم بآيات؛ لأنها كلُّها جنسٌ واحدٌ في الدلالة على رسالته. ٥١ - وقوله تعالى: ﴿هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾. أي: طريق من طرق الدين مستوي. ومضى الكلام في معنى (الصراط المستقيم) (٦). ٥٢ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. معنى (الإحْساس) في اللغة: وُجودُ الشيء بالحاسة، من جهة المُلابَسة. هذا أصله ثم يختلف في الفرع، والأصل واحد (٧). قال الفرَّاء (٨): معنى ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾ (٩)؛ أي: وجد.

стр. 2658

والإحساس (١): الوجود. وقال ابن المُظَفَّر (٢): ﴿أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾: أي رأى. يقال: أحسَسْتُ من فلان أمرًا؛ أي: رأيت. وقال معْمَر (٣): أحسَّ؛ أي: عرفَ. وقال الزجَّاج (٤): أحسَّ في اللغة: عَلِمَ، ووجَدَ، ورأى (٥). يقال (٦): (هل أحسَسْتَ صاحبَكَ)؟؛ أي: هل رأيته. هذا كلام أهل اللغة. وقال ابن عباس في رواية عطاء: أحسَّ: عَلِمَ (٧). وقال مقاتل (٨): رأى، نَظِير (٩) قوله (١٠): ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ [مريم: ٩٨].

стр. 2659

وقوله تعالى: ﴿مِنْهُمُ الْكُفْرَ﴾. يريد: القتل؛ وذلك أنَّهم أرادوا قتلَهُ حين دعاهم إلى الله (١) [تعالى] (٢)، فاستنصر عليهم، وقال: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾. و (الأنصارُ): جمع (نَصِير)، مثل: (شَرِيف)، و (أشراف) (٣). قال الحسن (٤)، ومجاهد (٥): إنَّما استنصر طلبًا للحماية من الكافرين، الذين أرادوا قتله عند إظهار الدعوة، ولم يستنصر للقتال؛ لأنه لم يُبْعث بالحرب. وقوله تعالى: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾. أكثر أهل التفسير على أن المعنى: مع الله (٦).

стр. 2660

قال الفرَّاء (١): وهو وجه حسن، وإنَّما يجوز أن تجعل (إلى) في موضع (مع)؛ إذا ضممت الشيءَ إلى الشيءِ (٢)، مما لم يكن معه؛ كقول العرب: (الذَّوْدُ إلى الذَّودِ؛ إبِل) (٣)؛ أي (٤): إذا ضممت الذَّوْدَ إلى الذَّودِ (٥)، صارت إبِلًا. فإذا كان الشيءُ مع الشيءِ، لم يصلح مكان (مع) (إلى) (٦)، ألا ترى أنَّك تقول: قَدِمَ فلانٌ ومعه مالٌ كثيرٌ، ولا تقول في هذا الموضع: وإليه مالٌ كثير (٧). وكذلك تقول: قَدِمَ فلانٌ إلى أهله، ولا

стр. 2661

تقول: مع أهله، ومنه قوله (١): ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] معناه: لا (٢) تُضيفوا (٣) أموالهم إلى أموالكم في الأكل (٤). وقال أبو إسحاق (٥): (إلى) ههنا إنما قاربت معنى (مع)، بأن صار اللفظ لو (٦) عُبِّرَ عنه بـ (مع) (٧) أفاد مثل هذا المعنى، لا أنَّ (إلى) في معنى (مع) (٨). لو قلت: (ذهب زيد إلى عمرو)، لم يجز أن تقول: (مع عمرو) في (٩) هذا الموضع؛ لأن (إلى) غاية، و (مع) تضمُّ الشيءَ إلى الشيءِ، والمعنى في الآية: من يضيف نُصْرَته إيَّايَ إلى نُصْرةِ الله. والحروف (١٠)، إنما يقع بعضها مكان بعض؛ لنوع تقارب في المعنى؛ لا أنَّ (١١) أحدهما يقوم مقام الآخر، كقوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١]؛ أي: على. وأصل (في): إنما هو للوعاء (١٢)، وأصل (على): لما علا [على] (١٣)

стр. 2662

الشيء، تقول: (التمرُ في الجِراب)؛ المعنى فيه: أنَّ الجِراب مشتمل عليه، ولو (١) قلت: (التمرُ على الجِرابِ)، لم يصلح (٢) في هذا المعنى. وجاز ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، بمعنى: على، لأن الجِذْع مشتمل على المصلوب، ولو قلت: (زيدٌ في الجبل)، و (على الجبل). [يصلح] (٣)؛ لأن (٤) الجبل قد اشتمل على زيد، فعلى هذا مَجاز هذه الحروف (٥). وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ اختلفوا في (الحواريِّين): فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (٦): كانوا

стр. 2663

صيَّادين، سُمُّوا حواريين؛ لبياض ثيابهم. قال السُدِّي (١): وذلك أنَّ عيسى [﵇] (٢) مرَّ بهم وهم يصطادون السمكَ، فقال: ما تصنعون؟ فقالوا (٣): نصطاد السمك. قال: أفلا تمشون حتى نصطاد الناس؟ قالوا: وكيف ذاك؟ قال: من أنصاري إلى الله؟ قالوا: ومن أنت؟ قال: أنا عيسى بن مريم، عبد الله ورسوله، فآمنوا به، وانطلقوا، فهم الحواريُّون. قال ابن الأنباري (٤): وهذا قول بعض اللُّغَويِّين (٥)، يقول: الحواريُّون: النِظَافُ الثِّياب؛ من قول العرب: (قد حُرْت الثوبَ): إذا غسلته، ونَظَّفته، قال: وإنما يراد بنظافة الثياب: نظافةُ الأديان والأعمال. يقال: (فلانٌ نظيف الثياب): إذا كان صالحًا، و (دَنِسُ الثياب): إذا كان غادرًا و (٦) فاجرًا. قال امرؤ القيس: ثِيابُ بني عَوْفٍ طَهارى نقِيَّةٌ (٧)

стр. 2664

أراد بـ (الثياب): الأفعال. وقال [ابن عباس] (١) في رواية عَطَاء (٢): كانوا قَصَّارين (٣)، وكانوا يُحَوِّرُون الثياب؛ أي: يُبَيِّضونَها (٤).

стр. 2665

وهو قول مصعب (١)، قال (٢): كانوا مع عيسى، اتَّبعوه وصدَّقوه (٣)، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام أو (٤) الشراب، دعا الله تعالى، فيخرج (٥) من الأرض ما يأكلون، وما يشربون، أينما كانوا. فقالوا له (٦): من (٧) أفضل منَّا؟ إذا شئنا أطعمتنا، وإذا شئنا سقيتنا، وقد آمنَّا بك!؟ فقال: أفضل (٨) منكم من يعمل بيده، ويأكل من [كسبه] (٩). قال: فصاروا يغسلون الثياب بالكراء، ثمَّ صار هذا الاسم مُستعمَلا فيمن أشبههم (١٠) من المُصدِّقين بأنبيائهم (١١)؛ تشبيهًا بهم. وروى جُوَيْبِر (١٢) عن الضحَّاك، قال (١٣): مرَّ عيسى ﵇ بغسَّالين،
следующие страницы →