стр. 2836
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2837
١٠١ - وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ هذا خطاب للمسلمين (١)، من الأوس والخزرج، في قول ابن عباس، وأكثر المفسرين (٢).
﴿وَكَيْفَ﴾ ههنا [استفهام في معنى] (٣) التعجب، وإنِّما [تَضَمَّنَت صيغةُ الاستفهام معنى] (٤) التعجب؛ لأنها طلبٌ للجواب عَمَّا حَمَلَ على الفساد مما لا يصح فيه اعتذار.
قال الزجاج (٥): أي: على أي حال يقع منكم الكفر، وآياتُ الله التي تدل على توحيده ونُبُوَّة نَبِيِّه (٦) محمد ﷺ تتلى عليكم.
وقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُه﴾ قال الزجاج (٧): جائزٌ أن يقال: [فيكم رسوله، والنبي ﷺ شاهد، وهذا مختصٌّ بأيَّامه. وجائزٌ أن يقال لنا] (٨) الآن: فيكم رسول الله؛ لأن آثاره، ومعجزته القرآن الذي أتى به، فِينا. فعلى هذا، كونُه فينا، لا يختص بزمان دون زمان.
стр. 2838
وقال الحسن (١): نزلت الآية في مشركي العرب.
وقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ خطاب لهم، وهو توبيخٌ لهم على الكفر بعد نصب الحُجَّةِ، وبعثة الرسول.
وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾ الاعتصام في اللغة: الاستمساك بالشيء، وأَصله مِن: (العِصمة). و (العِصْمَةُ): المَنْع في كلام العَرب. و (العاصِمُ): المانع. و (اعتصم فلانٌ بالشيء): إذا امتنع به (٢).
قال ابن عباس (٣) في قوله: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾، يريد (٤): يمتنع بسبيل الله. وقال الزجاج (٥): يستمسك بحبل الله.
وقال ابن جريج (٦): ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ﴾؛ أي: يؤمن بالله.
١٠٢ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ قد ذكرنا ما في (التُقاة) عند قوله: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ [آل عمران: ٢٨].
ومعنى ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، هو: أنْ يُطاعَ فلا يُعصى، ويذكَرَ فلا يُنْسى، ويُشْكَرَ فلا يُكْفَر. وهذا يروى عن عبد الله مرفوعًا، ورُوي موقوفًا عليه (٧).
стр. 2839
واختلفوا في هذه الآية: فقال ابن عباس في رواية الوالِبي (١): لَمْ تُنسَخ هذه الآيةُ، ولكن ﴿حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أن يجاهدوا في الله حق جهاده، ولا
стр. 2840
تأخذهم (١) في الله لومةُ لائم، ويقوموا (٢) بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم (٣).
واختار الزجاج هذا الوجه، وهو أن الآية مُحكَمَةٌ غير منسوخة؛ لأنه قال (٤) في قوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾: أي: اتَّقُوهُ فيما يحقُّ عليكم أن تتَّقُوهُ فيه.
وقال (٥) في رواية عطاء (٦): هذا منسوخٌ؛ لانهم قالوا: يا رسولَ الله! وما حَقُّ تُقاتِهِ؟ قال: "يُذكر فلا ينسى، ويُطاع فلا يُعصى" قالوا: ومَن يَقوَى على هذا؟ وشَقَّ (٧) عليهم؛ فأنزل الله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦].
وإلى هذا القول، ذهب: قتادة (٨) والرَّبِيع (٩) والسُّدِّي (١٠) وابن
стр. 2841
стр. 2842
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2843
وقوله تعالى: ﴿ولَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لفظ (١) النَّهْي واقعٌ على الموت، والمعنى واقعٌ على الأمر بالإقامة (٢) على الإسلام.
المعنى: كونوا على الإسلام فإذا أورد (٣) عليكم الموت، صادفكم على ذلك (٤).
وقال بعض أهل المعاني (٥): هذا في الحقيقة، نَهْيٌ عن ترك الإسلام؛ المعنى: لا تتركوا الإسلام فإن الموت لابد منه، فمتى (٦) صادفكم، [صادفكم] (٧) عليه، إلّا أنه وضع كلامًا موضع كلام؛ لِحُسْنِ الاستعارة؛ لأنه لَمَّا كان يمكنهم الثبات على الإسلام، حتى إذا أتاهم الموت، لاقاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام، بمنزلة ما (٨) قد [دَخَلَ] (٩) في إمكانهم. وقد مضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّين﴾ [البقرة: ١٣٢]، الآية.
стр. 2844
١٠٣ - وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾. الآية. ذكرنا معنى (الاعتصام) (١). وأما (الحَبْل)؛ فقال أبو عبيد (٢): أصل الحَبْل في كلام العرب، ينصرف على وجوهٍ منها: (العَهْدُ) وهو الأمان (٣)، وذلك أن العرب كانت تخفيف بعضها بعضًا في الجاهلية، فكان (٤) الرجل إذا أراد سفرًا أخذ عهدًا مِن (٥) سيِّد القبيلة (٦)، فَيَأمَن به ما دام في تلك القبيلة، حتى ينتهي إلى الأخرى، فيأخذ مثلَ ذلك أيضًا، يريد به الأمان. وربما أعطاه حَبْلًا أو سَهْمًا (٧).
و (٨) هذا المعنى ذَكَرَهُ الأعشى في قوله يذكر مَسِيرا له (٩):
وإذا تُجَوِّزُها حِبَالُ قَبِيلةٍ ... أَخَذَتْ مِنَ الأخْرَى إليكَ حِبَالَها (١٠)
стр. 2845
قال أبو عبيد: (١) فالاعتصام بحبل الله؛ هو: ترك الفرقة، واتباعُ القرآن؛ لأن المؤمن إذا اتبع القرآن، أَمِنَ العذابَ (٢)، كما أن الآخذ [عهد] (٣) سيِّد القبيلة يأمَنُ به.
قال ابن الأنباري (٤): لمَّا ذَكَرَ اللهُ الاعتصامَ، ذكر الحبلَ، إذ كان العهد في التمسك به والتوصل، يجري مجرى الحبل، فأقامه الله تعالى مقامه، وأجراه مُجراهُ، ولم تزل العربُ تُشَبِّهُ العهودَ بالحبالِ.
قال الشاعر:
стр. 2846
مازلتُ معتَصِمًا بِحَبْلٍ منكُمُ ... مَن حَلَّ ساحَتَكم بأسبابٍ نَجَا (١)
أي: بعهد وذِمَّةٍ.
فَسُمَي عهدُ الله حبلًا؛ لأنه سبب النجاة، كالحبل الذي يُتمسك به للنجاة من [سبي] (٢). ونحوها (٣).
قال ابن عباس (٤): أي: تمسكوا بدين الله (٥). وقال قتادة (٦)، والسدي (٧)، والضحاك (٨): حبل الله، هو: القرآن (٩).
стр. 2847
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
стр. 2848
والخطاب في هذه الآية للأوس والخزرج (١).
وقوله تعالى: ﴿جَمِيعًا﴾ منصوب (٢) على الحال؛ المعنى: اعتصموا بحبل الله، مجتمعين على الاعتصام به.
وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ قال ابن عباس (٣): أي: كما كنتم في الجاهلية مقتتلين على غير دين الله.
وقال قتادة (٤): لا تفرقوا عن دين الله الذي أمر فيه بلزوم الجماعة، والائتلاف على الطاعة.
وقال الزجاج (٥): أي: تناصروا على دين الله، ولا تتفرقوا (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس (٧): يريد: دين الإسلام.
﴿إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً﴾ يريد: ما كان بين الأوس والخزرج من الحرب التي (٨) تطاولت عشرين (٩) ومائة سنة، إلى أن ألَّفَ اللهُ بين قلوبهم
стр. 2849
стр. 2850
قال أبو حاتم (١): قال أهل البصرة: (الإخوَةُ؛ في النَّسَبِ، و (الإخوان)؛ في الصَّداقة. قال: وهذا غلط (٢). يقال (٣) للأصدقاء، و [الأنسباء] (٤): (إخوةٌ) و (إخوانٌ). قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، ولم يعْنِ (٥) النَّسَبَ.
وقال : ﴿أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ﴾ [النور: ٦١]، وهذا في النَّسَبِ. وقوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾ (شَفَا الشيءِ): حَرْفُهُ، مقصورٌ (٦)، مثل: شَفَا البئر. والجمع: (الأشفاء). ويقال لِمَا بين الليل والنهار، عِند غُروب الشَّمس، إذا غاب بعضها: (شَفَا).
قال الراجز:
أدركتُهُ قَبْلَ شَفًا أو بِشَفَا ... والشمسُ (٧) قدكادت تَكُونُ دَنَفَا (٨).
стр. 2851
ومِن هذا، يقال: (أشفى على الشيء): إذا أشرف عليه؛ كأنه بلغ شَفَاهُ؛ أي: حَدَّهُ وَحَرْفَه (١).
قال ابن عباس (٢): يريد: لو مُتُّمْ على ما كنتم عليه في الجاهلية، لكنتم من أهل النار.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾ قال الأزهري (٣): يقال: (نَقَذْتُهُ)، و (أنقَذتُه)، و (استَنْقذتُه)، و (تَنَقّذتُه)؛ أي: خلَّصته ونجَّيته. ومنه يقال (٤):
стр. 2852
(النقائِذ)، للخيل التي (١) تُنُقِّذَت مِن أيدي الناس (٢) وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾.
الكناية (٣) راجعةٌ إلى النار، لا إلى الشَّفا؛ لأن القصد: الإنجاء مِن النَّارِ لا مِن شَفَا الحفرة. هذا قول الزجاج (٤).
وقال غيره (٥): الكِناية تعود إلى الحفرة، فإذا أنقذهم الله من الحفرة، فقد أنقذهم من شَفَاها؛ لأن شفاها منها. على أنه يجوز أن يُذكَر المضافُ، والمضافُ إليه، ثم تعود الكنايةُ إلى المضاف إليه دون المضاف، فذكر الشفا، وعادت الكناية إلى الحفرة. كقول (٦) جرير:
[أَرَى مَرَّ] (٧) السِّنِين أَخَذْنَ مِني ... كما أخَذَ السِّرَارُ مِنَ الهِلالِ (٨)
стр. 2853
فَذَكَرَ (مَرَّ السِّنِين)، ثم أخبر عن السنين.
وكذلك قول العَجَّاج:
طُولُ اللَّيالي أسرعت في نَقْضِي ... طَوَيْنَ طُولِي وطَوَيْنَ عَرْضِي (١)
стр. 2854
وهذا إذا كان المضاف من جنس المضاف إليه (١). فإن (مَرَّ السنين)، هو السنون. وكذلك (شَفَا الحفرة). فَذَكَرَ الشَّفَا وعادت الكناية إلى الحفرة (٢).
وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ الكاف (٣) في موضع نصب (٤)؛ أي: مِثْلَ البَيَانِ الذي يُتلى عليكم، يُبَيِّنُ اللهُ لكم آياته لعلكم تهتدون؛ أي: لتكونوا على رجاء هدايته.
стр. 2855
١٠٤ - قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾. الآية. (مِنْ) دخلت لتخص المُخاطَبِين مِن سائر الأجناس، و [ليس المُراد] (١) به التبعيض (٢)، [وهذا] (٣) كما تقول: (لِفُلان من أولادِهِ جُهْدٌ)، و (للأمير مِن غِلْمانِهِ عِدَّةٌ)؛ تريد بذلك: جميعَ أولاد وغلمانه، لا بعضهم. وقد قال الله تعالى (٤): ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، ليس (٥) يأمرهم باجتناب بعضِ الأوثان، ولكن المعنى: اجتنبوا الأوثان، فإنها رِجْسٌ (٦). ومثله من الشعر، قولُ الأعشى (٧):
أخُو رغائِبَ يُعْطِيها ويُسْأَلُها ... يأبَى الظُّلامَةَ مِنْهُ النّوْفَلُ الزُّفَرُ (٨)
стр. 2856
стр. 2857
وفيه قول آخر، وهو: إنَّ المراد: تخصيص للعلماء والأمراء، والذين هم أعلامٌ، في الأمر بالمعروف، فهو أمر لجماعة من جملة المسلمين، على الكفاية؛ كأنه قيل: لِيَقُمْ بذلك بعضكم، فأيُّ بعضٍ قام به سقط عن الآخر. ولو كان الأمر للجميع على غير الكفاية لم (١) [تسقط] (٢) الفريضةُ بقيام البعض به (٣).
١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ يعني: اليهود والنصارى في قول أكثر المفسرين (٤). ومعنى ﴿تَفَرَّقُوا﴾، أي: بالعداوة
وقوله تعالى: ﴿وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ يعني: اختلفوا في الديانة. ولاختلافهم وجوهٌ:
стр. 2858
стр. 2859
والثاني: أن المراد بالاختلاف ههنا: اختلاف (١) أهل الكتاب في الإيمان (٢) بمحمد ﷺ (٣): فبعضهم آمَنَ، وبعضهم كفر.
والثالث: أنَّ الاختلاف ههنا: اختلاف اليهود والنصارى، و (٤) كتابهم جميعًا (٥) التوراة، وهم يختلفون، كل فرقة (٦) منهم ليست على شريعة الأخرى.
فإن قيل (٧): إذا (٨) كان الاختلاف في الدِّين مذمومًا منهيًا عنه، فَلِمَ اختلفت هذه الأُمَّةُ في المذاهب والدِّيانات؟.
قلنا: ذاك اختلافٌ في المُجْتَهَدَاتِ، وجميع ذلك مدلولٌ على صحته، فيصير كاختلاف الأحكام المنصوص عليها، مثل: حُكْم المقيم والمسافر، في الصلاة والصيام، ونحو ذلك من الأحكام، في أنَّ كلًّا منها مأذون فيه بالشرع.
وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل (جاءت)؛ لجوازِ حذفِ علامَةِ التأنيث من الفعل في التقديم؛ تشبيهًا بعلامة التثنية والجمع (٩).
стр. 2860
وقد فسَّرنا ﴿الْبَيِّنَاتُ﴾ في مواضع (١).
١٠٦ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ﴾ انتصاب اليوم على الظرف، والعامل فيه معنى قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ أي: يثبت لهم العذاب يوم تبيض وجوه، و (٢) يعذبون يوم تبيض وجوه (٣).
ومعنى ابيضاض الوجوه: إشراقها (٤) واستنارتها وسرورها واستبشارها (٥)؛ لما تصير إليه من ثواب الله ورحمته؛ كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ﴾ [عبس:٣٨ - ٣٩].
ومعنى اسْوِدادِها: حزنها، وكآبتها، وكسوفها؛ لما تصير إليه من العذاب؛ كقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ﴾ [عبس: ٤٠]، وقوله تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [يونس: ٢٧].
قال ابن عباس في رواية عطاء (٦): تبيض وجوه المهاجرين
стр. 2861
والأنصار، وتسود وجوه بني قريظة والنضير والذين كذبوا بمحمد ﷺ .
وقال في رواية سعيد بن جبير (١): تَبْيَضُّ وجوهُ أهل السُنَّة، وتَسْوَدُّ (٢) وجوهُ أهل البدعة.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ قال الفرَّاء (٣) والزجاج (٤): جواب (أمَّا) محذوفٌ مع القول، وهو: [الفاء] (٥) مع قولٍ مُضمَرٍ، فلما سقط القول، [سقط] (٦) الفاء معه (٧)، والمعنى:
(فيقال لهم: اكفرتم بعد إيمانكم؟)، وحَذَف القولَ؛ لأن في الكلام دليلًا عليه.
ومثله كثير في التنزيل؛ كقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ (٨)، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ
стр. 2862
رَبَّنَا﴾ (١)، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا﴾ (٢) الآية.
وقوله تعالى ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء (٣): يعني: اليهود؛ شهدوا لمحمد ﵇ (٤) بالنُّبُوَّةِ، فَلمَّا قَدِمَ عليهم كذَّبوه وكفروا به. وهذا قول عكرمة (٥) واختيار الزجاج (٦).
وقال قتادة: هم أهل البدع كلهم (٧).
وقد روي عن النبي ﷺ مرفوعًا في قوله: ﴿أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾؛ أي:
стр. 2863
стр. 2864
стр. 2865
стр. 2866
وقال آخرون (١): رحمة الله ههنا: ثوابهُ لأهل طاعته.
وقوله تعالى: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ قال أبو إسحاق (٢): كرَّر (في)؛ للتأكيد، الذي هو تمكين المعنى في النفس.
وقال غيره (٣): كرَّر (في)؛ للبيان عن الصفتين (٤)؛ المعنى: أنهم في رحمة الله، وأنهم خالدون فيها، فكل واحدةٍ منهما قائمةٌ بنفسها.
١٠٨ - قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ أي (٥): تلك التي جرى ذكرها، حُجَجُ اللهِ وعلاماتُه.
وصَلح ﴿تِلْكَ﴾ ههنا في موضع (هذه)؛ لانقضاء الآيات؛ فلمَّا انقضت، صارت كأنها بَعُدَت، فقيل فيها: ﴿تِلْكَ﴾ (٦).
وقال ابن عباس (٧): ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، يعنى: القرآن (٨).
وقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا عَلَيْكَ﴾ أي: نُعرِّفُك إيَّاها. قال ابن
стр. 2867
عباس (١): نُبَيّنها.
وقوله تعالى: ﴿بِالْحَقّ﴾ أي: بأنَّها (٢) حقٌ؛ كما تقول: أعامِلُك بالحَقِّ؛ أي: معاملتي حقٌّ.
ويجوز أنْ يكون المعنى: نتلوها بالمعنى الحق؛ لأن معنى المَتْلُوِّ حقٌّ.
﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾ فيعاقبهم بلا جُرْمٍ. (قاله) (٣) ابنُ عبَّاس. وقال أبو إسحاق (٤): أعلم الله جل وعزَّ أنَّهُ (٥) يُعذِّبُ مَن يُعذِّبُهُ باستحقاقٍ.
[وحَسُنَ] (٦) ههنا نفيُ إرادةِ الظلم للعالمين؛ لأن ذِكْرَ العقوبةِ قد تقدم، فبيَّنَ أنَّه لا يُعاقِب أحدًا (٧) ظالمًا إيَّاهُ.
فإنْ قيل: أليس لو فعل ذلك، لم يكن ظالمًا عندكم؟ فلِمَ (٨) قال: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ﴾ [غافر: ٣١]؟ ولو أراده لم يكن ظُلمًا؟ (٩).
قلنا: سمَّاه ظلمًا؛ لأنه في سورة الظُّلْم (١٠)، ولو عَذَّبَ غير (١١)
стр. 2868
مُستَحِقٍّ (١) للعذاب، لم يكن منه ظلمًا حقيقيًّا، ولكنه يكون في صورة الظلم، وقد يُسمَّى الشيءُ بالشيء، إذا أشبهه، وكان في صورته؛ كجزاء السيِّئة، يُسَمَّى: (سيئةً) (٢)، وجزاء الاستهزاء، يُسمَّى (٣): (استهزاءً) في التنزيل (٤)، ومثله كثير.
١١٠ - قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ اختلف قول أهل المعاني في هذا:
فقال الفرَّاء (٥) والزجاجُ (٦)، وغيرُهما (٧): كنتم خير أُمَّةٍ عند الله، في اللَّوْح المحفوظ. وقالا (٨) أيضًا: معنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: أنتم خير أمة؛
стр. 2869
كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ [الأعراف: ٨٦]، وقال في موضع آخر: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأنفال: ٢٦]. وإضمارُ (كان) (١) وإظهارُها في مثل هذا، سواءٌ، إلّا أنها إذا ذُكِرت كانت للتأكيد، ووقوع الأمرِ لا مَحالة.
قال ابن الأنباري (٢): وهذا القول ظاهرُ الاختلال؛ لأن (كان) يُلغى (٣) مُوسَّطًا ومُؤَخَّرًا، ولا يُلغَى (٤) مُقدَّما؛ تقول العرب: (عبدُ الله كان قائمٌ) و (عبدُ الله قائمٌ، كان)؛ على أنَّ (كان) مطروحة، ولا يقولون: (كانَ عبدُ الله قائمٌ)، على إلغائها، لأنَّ سبيلهم أن يبدأوا بما [تنصرف الغايةُ إليه، والمُلْغَى غير معني به، على أنَّه لا يجوز] (٥) إلغاءُ الكَوْنِ في الآية؛ لانتصاب خبره، وإذا (أُعْمِلَ) (٦) الكَوْنُ في الخَبَرِ، فنصبه، لم يكن مُلغًى.
وقال بعضُ النحويين (٧): إنما قال: ﴿كُنْتُمْ﴾، ولم يقل: (أنتم)؛
стр. 2870
لتَقَدُّمِ (١) البِشَارَةِ بهذه الأُمَّة، ولِمَا قد (٢) كان يُسمَعُ مِنَ الخير في هذه الأمَّةِ؛ فكأنَّه (٣) قيل: كنتم خير أُمَّةٍ بُشِّرَت بها. وهذا القول، يُروى معناه عن الحَسَنِ (٤).
وقال بعضهم (٥): الكَوْنُ ههنا بمعنى: الوقوع والحُدُوث، وهي التَّامَّةُ التي لا تحتاج إلى خبر، فمعنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾: حَدَثْتم خَيْرَ أُمَّةٍ، ووُجِدْتُم وخُلِقْتُم خَيرَ أمَةٍ، فيكون ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حينئذ بمعنى الحَالِ. وهذا معنى قولِ [ابن] (٦) جَرِير (٧).
وحكى الزجاجُ (٨) عن بعضهم: كنتم [منذ] (٩) آمنتم خيرَ أُمَّةٍ (١٠).
فأمَّا المُخاطَبون بهذا: فقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير (١١):
стр. 2871
стр. 2872
لأوَّلِنا، ولا تكون لآخرنا.
وقال (١) في رواية عطاء (٢): يريد: أُمَّةَ محمد ﷺ . فعلى هذا: هم جميع المؤمنين من هذه الأمَّة.
قال الزجاج (٣): هذا الخطاب، أصلُه: أنه خوطب به أصحابُ رسول الله ﷺ ، وهو يَعُمُّ سائرَ أُمَّتِهِ.
وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يُحتَمَلُ أنْ يكون ﴿للِنَّاسِ﴾، مِنْ صِلَةِ ﴿أُمَّةٍ﴾، أي: كنتم خير أمةٍ للنَّاسِ أُخْرِجَت، يعني: أفهم (٤) خير أمَّة للنَّاس، تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخِلُونَهم في الإسلام. وهذا المعنى يُروى عن أبي هريرة (٥).
стр. 2873
وقال قتادة (١): لم يُؤْمَرْ نَبِيٌّ وأمَّتُهُ بالقتال، إلّا هذه الأمَّة ونَبِيها، يُقاتِلُونَ، فَيَسْبُونَ الرُّومَ والتُّرْكَ والعَجَمَ، فَيُدْخِلونهم في دينهم، فهم خير أمَّة للنَّاس.
ويُحتَمَلُ (٢) أن يكون ﴿للِنَّاسِ﴾ (٣) مِن (٤) صِلَةِ ﴿أُخْرِجَتْ﴾؛ ومعناه: ما أَخرَجَ (٥) [اللهُ] (٦) للنَّاسِ أمَّةً، خيرًا (٧) مِنْ أمَّةِ أحمد (٨)؛ فهم (٩) خير أمَّةٍ أُظْهِرَت (١٠) وأُخْرِجَت للنَّاس.
стр. 2874
وقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الظاهرُ أنَّ (١) هذا مَدْحٌ لهذه الأمَّة بهذه الخصال، وإخبارٌ عنهم بهذه الجملة، وحُكِي عن مجاهد أنه قال (٢): الخَيْرِيَّةُ في هذه الأمَّةِ على هذه الشَّرِيطَةِ (٣)؛ يعني: كنتم خيرَ أُمَّةٍ، ما أَمَرْتُم بالمعروف، ونَهَيْتُم عن المنكر، وآمنتم بالله، وهذا أيضًا اختيار الزجاج (٤).
والمَعْرُوفُ: كلُّ حَسَنٍ جميل، يُعرَفُ بجلالته، وعُلُوِّ قَدْرهِ (٥). ولا يجوز إطلاق هذه الصفة على القبيح، وإنْ كان يُعرَف، لأنه بمنزلة ما لا يُعْرَف؛ لخُمُولِهِ وسُقُوطِهِ.
١١١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ هذا وعْد مِنَ الله تعالى (٦) للمؤمنين، في أهل الكتاب، أنَّهم منصورون عليهم، وأنَّه لا ينالهم منهم غَلَبَةٌ. ومعنى ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: أذًى باللِّسانِ، مثل (٧): الوعيد، والبُهْت (٨).
стр. 2875
وقال الحسن (١) وقتادة (٢): أي: دعاء إلى الضلالة.
وموضع ﴿إِلَّا أَذًى﴾ نصبٌ بالاستثناء المتصل؛ المعنى: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا. فـ (الأذى) وقع موقع الضَّرَر (٣).
والأذى: مصدر (أَذِيْتُ بالشيء أذًى) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ قال أبو على (٥): (وَلَّى) منقول مِن (فَعل)؛ تقول: (داري تَلِي دارَهْ)، وَ (وَلِيَتْ (٦) داري دارَه)،