стр. 2871
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2872
لأوَّلِنا، ولا تكون لآخرنا.
وقال (١) في رواية عطاء (٢): يريد: أُمَّةَ محمد ﷺ . فعلى هذا: هم جميع المؤمنين من هذه الأمَّة.
قال الزجاج (٣): هذا الخطاب، أصلُه: أنه خوطب به أصحابُ رسول الله ﷺ ، وهو يَعُمُّ سائرَ أُمَّتِهِ.
وقوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ يُحتَمَلُ أنْ يكون ﴿للِنَّاسِ﴾، مِنْ صِلَةِ ﴿أُمَّةٍ﴾، أي: كنتم خير أمةٍ للنَّاسِ أُخْرِجَت، يعني: أفهم (٤) خير أمَّة للنَّاس، تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخِلُونَهم في الإسلام. وهذا المعنى يُروى عن أبي هريرة (٥).
стр. 2873
وقال قتادة (١): لم يُؤْمَرْ نَبِيٌّ وأمَّتُهُ بالقتال، إلّا هذه الأمَّة ونَبِيها، يُقاتِلُونَ، فَيَسْبُونَ الرُّومَ والتُّرْكَ والعَجَمَ، فَيُدْخِلونهم في دينهم، فهم خير أمَّة للنَّاس.
ويُحتَمَلُ (٢) أن يكون ﴿للِنَّاسِ﴾ (٣) مِن (٤) صِلَةِ ﴿أُخْرِجَتْ﴾؛ ومعناه: ما أَخرَجَ (٥) [اللهُ] (٦) للنَّاسِ أمَّةً، خيرًا (٧) مِنْ أمَّةِ أحمد (٨)؛ فهم (٩) خير أمَّةٍ أُظْهِرَت (١٠) وأُخْرِجَت للنَّاس.
стр. 2874
وقوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الظاهرُ أنَّ (١) هذا مَدْحٌ لهذه الأمَّة بهذه الخصال، وإخبارٌ عنهم بهذه الجملة، وحُكِي عن مجاهد أنه قال (٢): الخَيْرِيَّةُ في هذه الأمَّةِ على هذه الشَّرِيطَةِ (٣)؛ يعني: كنتم خيرَ أُمَّةٍ، ما أَمَرْتُم بالمعروف، ونَهَيْتُم عن المنكر، وآمنتم بالله، وهذا أيضًا اختيار الزجاج (٤).
والمَعْرُوفُ: كلُّ حَسَنٍ جميل، يُعرَفُ بجلالته، وعُلُوِّ قَدْرهِ (٥). ولا يجوز إطلاق هذه الصفة على القبيح، وإنْ كان يُعرَف، لأنه بمنزلة ما لا يُعْرَف؛ لخُمُولِهِ وسُقُوطِهِ.
١١١ - قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ هذا وعْد مِنَ الله تعالى (٦) للمؤمنين، في أهل الكتاب، أنَّهم منصورون عليهم، وأنَّه لا ينالهم منهم غَلَبَةٌ. ومعنى ﴿إِلَّا أَذًى﴾؛ أي: أذًى باللِّسانِ، مثل (٧): الوعيد، والبُهْت (٨).
стр. 2875
وقال الحسن (١) وقتادة (٢): أي: دعاء إلى الضلالة.
وموضع ﴿إِلَّا أَذًى﴾ نصبٌ بالاستثناء المتصل؛ المعنى: لن يضروكم إلا ضَرَرًا يسيرًا. فـ (الأذى) وقع موقع الضَّرَر (٣).
والأذى: مصدر (أَذِيْتُ بالشيء أذًى) (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ قال أبو على (٥): (وَلَّى) منقول مِن (فَعل)؛ تقول: (داري تَلِي دارَهْ)، وَ (وَلِيَتْ (٦) داري دارَه)،
стр. 2876
فإذا (١) نَقَلْتَ (٢) إلى (فَعَّلَ)، قلت: (ولّاني مآخيرَهُ) (٣)، و (ولّاني مَيَامِنَه) (٤)، فهو مثل: (فَرِحَ) و (فَرّحْتُه) (٥)، ومثل هذا: قوله: ﴿لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ﴾ [الحشر: ١٢]، وقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥]، إلّا أنّ المفعول الثاني الزائِد في نَقل (فَعِلَ) (٦) إلى (فَعَلَ) محذوفٌ من الآيتين، ولو لم يُحذَفْ لكان كقوله: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ﴾ (٧).
وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ محمول (٨) على الاستئناف، لا على
стр. 2877
العطف (١). والتقدير: ثم هم لا ينصرون.
وإنَّما لم يُحتملْ (٢) على العطف؛ لأنه غير مشاكل للمعطوف عليه؛ وذلك أن سبب التولية: القتال، وليس كذلك منعُ النصر؛ لأن (٣) سببه: الكفر (٤). وأيضًا فإنه آخر آية، فكان الرفعُ فيه أقوى؛ ليشاكل (٥) سائرَ الفواصل بالنُّون (٦)، كما قال: ﴿وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦] (٧).
قال المفسرون: صدق الله وعْدَه بالنصر، فلم يقاتل يهودُ (٨) المدينة رسولَ الله ﷺ والمسلمين (٩)، إلّا ولَوا منهزمين، وكانت الدَّبْرَةُ (١٠) عليهم،
стр. 2878
ففيه أعظم دلالة على (صحة) (١) نبوة محمد ﷺ .
١١٢ - قوله تعالى: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ قد مضى الكلام في معنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ على اليهود، في سورة البقرة (٢).
وقوله تعالى: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾ أي: وُجِدوا، وصُودِفوا (٣). ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿حَيثُ ثَقفتُمُوهُم﴾ [البقرة: ١٩١].
وقوله تعالى: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الفرّاء (٤): يقول: (إلَّا أنْ يَعتَصموا بحبل من الله)، فأضمر ذلك، وأنشد:
رأتني بحَبْلَيْها فَصدّتْ مَخَافَةً ... وفي الحَبْلِ رْوْعاءُ الفُؤادِ فَرُوقُ (٥)
стр. 2879
قال أراد: أقْبَلْتُ (١) بحبليها (٢).
وقد نُعي هذا عليه، فقيل: لا يجوز حذف الموصول وإبقاء صلته (٣)؛ وذلك أن الموصول لمّا احتاج إلى الصِّلَةِ للبيان عنه، فالحاجة إلى ذِكْرِهِ أشدُّ (٤)، وإنَّما يجوز حذفُ الشيء للاستغناء بدلالة غيره عليه، فلو دَلّ دليل عليه لحُذف مع صلته؛ لأنه معها بمنزلِةِ شيءٍ واحد. ويجوز حذف الصلة دون الموصول؛ لأن الموصول [هو المعتمد عليه، والصلة تبع له؛ لأنها للبيان عنه، فإذا حُذِفَ الموصول] (٥) وجب حذفُ الصلة معه؛ [لأنها تَبَعٌ] (٦) له.
وقد أخبرني العَرُوضي ﵀، عن الأزهري، قال (٧): أخبرني
стр. 2880
المُنْذِريُّ، عن ثعلب، أنه قال: هذا الذي قاله الفرّاء (١)، بعيدٌ (٢)، ولكن المعنى إن شاءَ الله: ضربت عليهم الذِّلَّة أينما ثُقِفُوا؛ أي: بكلِّ مَكان إلّا بموضِع حَبْلٍ مِنَ الله، وهو استثناء مُتَّصل، كما تقول: (ضُرِبت عليهم الذِّلَّة في الأمكنة، إلّا في هذا المكان)، ثمّ حذف المضافُ (٣).
قال: وقول الشاعر: (رأتني بحبليها)؛ هو كما تقول: (أنا بالله، وبك) (٤)؛ أي: مُتَمَسِّك. فتكون الباءُ مِن صِلَة (رأتني متمسكًا
стр. 2881
بحبليها) (١)، فاكتفى بالرُّؤيَةِ (٢) مِن التمسك.
قال الأزهري: والقول، ما قال أبو العباس (٣).
وقال الأخفش (٤): قوله: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ استثناء خارج عن (٥) أول الكلام (٦)، ومعنى (إلّا): لكِنْ (٧).
واختار الزَّجَّاج هذا الوجه، فقال (٨): ما بعد الاستثناء (٩) ليس من الأول؛ المعنى (١٠): أنهم أذلَّاءُ، إلَّا أنهم يعتصمون بالعهد إذا أُعطوه.
ونَصَرَ محمدُ بن جَرِير هذه الطريقة أيضًا، فقال (١١): إن أهل الكتاب (قد) (١٢) ضربت عليهم الذلة، سواء كانوا على عهد من الله، أو لم يكونوا
стр. 2882
على عهد، فلا يخرجون بالاستثناء (١) عن الذِّلة إلى العِزَّة.
قال (٢): وتمام الكلام عند قوله: ﴿أَيْنَ مَا ثُقِفُوا﴾، ثم قال: ﴿إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أراد (٣): لكن قد يعتصمون بحبل من الله، أو قد يُثْقَفُونَ بحبل من الله، وحَبْلٍ مِنَ الناس كما قال: ﴿وَمَا كاَنَ لِمُؤمِنٍ أَن يَقتُلَ مُؤْمَنًا إِلا خَطأ﴾ [النساء:٩٢]، فـ (الخَطَأ) وإن كان منصوبًا بما عمل فيِه ما قبل الاستثناء، فليس باستثناء مُتَّصل حتى يَدُلَّ على أنَّ قتلَه خطأ مباحٌ (٤)، ولكن معناه: قد يقتله خطأ (٥).
ومَن نَصرَ طريقة أبي العباس، قال (٦): إنَّ عِزَّ (٧) المسلمين عِزٌّ لأهلِ الذِّمَةِ؛ لأنَّ أخْذَهم عَهْدَ المسلمين يَحقِنُ دماءَهم، ويمنع فُرُوجَهم وأموالهم عن الاغتنام بالسَّبْي، ثم هذا [العِزُّ] (٨) لا يخرجهم عن الذِّلَّة في أنفسهم، فهم على ما وصفهم الله من الذِّلَّة أينما ثقفوا، وإنْ اعتصموا بالذِّمَة (٩).
وأما التفسير: فقد ذكرنا معضى (الحبل) عند قوله: ﴿وَاعتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٠٣] وبعض المفسرين يذهب إلى أن حبلَ الله ههنا
стр. 2883
الإسلام (١)؛ يعني [إلّا] (٢) أنْ يُسْلِمُوا. وهذا بعيدة لعطف (حبل الناس) عليه، وإذا أسلموا، استغنوا عن حَبْلِ الناس، ولو أرادَ الله تعالى بالحبلَ الأوَّل: الإسلام، وبالثاني: الذِّمَّة؛ لقالَ: (أو حبل من الناس)، ولكن الصحيح: أن كلا (٣) الحبلين؛ المراد به العهد، والذِّمَّة، والأمان، كما قال ابن عباس (٤) يريد: بعهد مِنَ الله، وعهد مِنَ المؤمنين، وانما ذكر الله تعالى حبلَ الله مع حبل المؤمنين؛ لأن الأمان الذي يأخذونه (٥) من المؤمنين، هو بإذن الله تعالى، فهو أمانٌ مِن جهته.
وباقي الآية مشروح في سورة البقرة (٦).
١١٣ - قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَآءً﴾ قال أبو الهيثم (٧): يقال: (فلانٌ وفلانٌ سَواء) (٨)؛ أي: متساويان، و (قوم سَواء)؛ لأنه مصدر لا يُثَنّى ولا يُجمع. ومضى الكلام في (سواء) في أول سورة البقرة (٩).
стр. 2884
قال ابن الأنباري (١): يريد: ليس أهل الكتاب الذين سبق ذكرُهم وتقدم وصفُهم، سواءً؛ أي: متساوين في دينهم ومذهبهم. ثمّ ابتدأ فقال (٢):
﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ إنقطع الكلامُ عند (سواءً)، ورفع (الأُمة) بـ (مِنْ) (٣)، وأضمر (٤) (الأمَّة) المذمومة؛ لأن القائمة تكفي من التي ليست بقائمة، على مذهب العرب من الاكتفاء بالشيء من ضده، كما قال أبو ذؤيب (٥):
عَصاني إليها القَلْبُ إِنّي لأمرها ... مطيعٌ فما أدري أَرُشْدٌ طِلابُها؟ (٦)
стр. 2885
стр. 2886
أراد (١): أريد الخير والشر، فاكتفى بالخير من الشر (٢).
ويجوز أن يرتفع (الأُمَّة) (٣) بـ (سواء)، ويكون المعنى: لا يستوي من أهل الكتاب أمَّةٌ قائمةٌ، وأخرى غيرُ قائمةٍ.
وهذا الذي ذكر (٤) ابنُ الأنباري، كُلُّهُ مذهبُ الفرّاء في هذه الآية (٥).
قال [أبو إسحاق] (٦): هذا الذي قاله (٧)، خطأ فاحش في هذا المكان (٨)؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتابِ قد جرى في هذه القصة، وأنهم كانوا يكفرون بآيات الله، ويقتلون [الأنبياء] (٩)، فأعلمَ اللهُ أنَّ منهم المؤمنين، الذين هم (١٠) أمةٌ قائمةٌ، فما الحاجَةُ إلى أن يقال: غير قائمة؟ وإنما [المبدوء] (١١) به ما (١٢) كان مِن فِعْلِ أكثرِهم؛ من الكفر والمُشَاقَّةِ للنبي ﷺ .
стр. 2887
فّذَكَرَ مَنْ كان منهم مباينًا لهؤلاء.
فعند الزجّاج: لا يحتاج إلى إضمار الأمَّةِ المذمومة؛ لأن ذِكْرَ أهلِ الكتاب قد جرى، ثُمّ أخبر الله تعالى أنهم غير متساوين، بقوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، وههنا وقف التمام. ثُمّ أنبأ بافتراقهم، فقال: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ (١)
قال أبو بكر (٢): وقول الفرّاء هو الحق، واحتجاج الزّجاج عليه مُخْتَلٌّ (٣) فاسد، لأنه لو اكتفى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ﴾ [آل عمران: ١١٢] من إضمار الأُمَّة الكافرة بعد ذِكْرِ الأُمَّة المؤمنة، لاكتفى بقوله : ﴿مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، مِن ذِكْر الأُمَّتين جميعًا؛ فلما لم يكتفِ بالمؤمنين من الأُمَّة القائمة، لم يكتفِ بالفاسقين من الأُمَّة الكافرة، إذْ كان الله جل وعلا أتى بإخبار بعد إخبار، وَوَصْفٍ لهم إثْرَ وَصْفٍ؛ للزيادة (٤) في الإفهام، والمبالغة في الإيضاح والبيان. والله أعلم.
وكان أبو عبيدة يذهب مذهب الفرّاء: من إضمار الأُمَّة المذمومة، إلّا أنه لا يجعل تمامَ الوقف عند قوله: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾، ويقول (٥): (الأُمَّة) رُفِع
стр. 2888
стр. 2889
ولم يرتض هذا القولَ أحدٌ مِن النحويين، وقالوا: هذا الذي قاله، لغة رديئة في القياس والاستعمال.
أما القياس؛ فلأن الجمعَ عارِضٌ، والعارِضُ لا تُؤكَّد عَلامَتُه؛ لأنه بمنزلة ما لا يُعتَدُّ بِه، وليس كالتأنيث؛ للزومه، فَتُقَدَّم [له] (١) العَلامَةُ؛ لِتُؤذِنَ به قبل ذِكْرِهِ. ومع (٢) [هذا؛ فجائز] (٣) تركها فيه، فكيف (٤) بالعارض (٥)؟ ولزوم (٦) الفعل للفاعل يغني عن التثنية والجمع فيه، فلا
стр. 2890
يدخل جمعٌ على جمع، كما لا يدخل تعريفٌ على تعريف.
وأما الاستعمال؛ فإن أكثر العرب تَرَك هذه اللغة، وهي من لغة من لا يُرتَضى لغتُه، ولم ينزل الله كتابَه إلا بأعرب اللغات، وأقربها من البيان. ومتى جُمع الفعلُ مُقدَّمًا [أوْهَمَ] (١) أسماءً (٢) قبله، ولم يَقِفْ المخاطَبُ على معنى الكلام، إلّا بعد تفكر [من التَّوَهُّم] (٣).
ومعنى ﴿أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾: قال ابن عباس (٤): يريد: قائمة على الحَقِّ، وعلى أمر الله، لم تتركه كما تركه الآخرون.
وقال مجاهد (٥): عادلة. وقال السُدِّي (٦): قائمة بطاعة الله. وقال ابن قتيبة (٧): مواظبة على أمر الله.
وقوله تعالى: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ﴾. أي: يقرأون كتاب الله.
стр. 2891
стр. 2892
стр. 2893
جريج (١).
وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ قال الفرَّاء (٢)، والزجاج (٣): أي: يُصلُّون؛ لأن التلاوة لا تكون في السجود ولا في الركوع. فالمراد بـ (السجود) (هنا) (٤): الصلاة، وإنَّما ذكرت بلفظ السجود؛ لأن السجود نهاية ما فيها من التواضع.
فعلى ما ذكروا (٥)؛ الواو في (وهم) واو الحال؛ أي: يقرأون القرآن مُصَلِّينَ.
وقال غيرهما (٦): يجوز أن يكون المراد: حقيقة السجود، لا الصلاة؛ فيكون التأويل: يتلون آيات الله آناء الليل (٧)، وهم مع ذلك يَسجدون. فليست الواوُ حالًا، وإنَّما هي عطف جملةٍ على جملة (٨). وعلى هذا؛ لم يعدل بالسجود عن ظاهره.
وقال ابن مسعود (٩): هذه في صلاة العَتَمَة؛ يصلونها، ومن سواهم
стр. 2894
стр. 2895
الإقامة على مُشَاقَّتِه.
وقوله تعالى: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه وجهان لأصحاب المعاني:
أحدهما: أنهم يبادرونها خوف الفَوْتِ بالموت (١). والآخر: [يعملونها] (٢) غير متثاقلين (٣) فيها (٤).
والسُّرْعة محمودةٌ، بخلاف العَجَلَة؛ وذلك أنَّ (السرعة): التقدم فيما ينبغي أن تتقدم (٥) فيه. ونقيضها مذموم، وهو: (الإبطاء) (٦).
و (العَجَلَة) مذمومة، وهي: التقدم فيما لا ينبغي أن تتقدم (٧) فيه (٨). ونقيضها: (الأَنَاة) (٩)، وهي محمودة.
١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾ موضع ﴿يَفْعَلُوا﴾: جزم بالشرط، وجوابه: ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾.
وفيهما قراءتان (١٠):
стр. 2896
الياءُ؛ للكناية عن الأُمَّةِ القائمة، ثم سائر الخلق داخل في هذا الشرط.
ومن قرأ بالتَّاء؛ فلأن نظائره جاءت بالتَّاء؛ مخاطبة لجميع الخلائق، من غير تخصيص قوم دون قوم؛ كقوله: ﴿وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ﴾ (١) [البقرة: ٢٧٢].
ومعنى ﴿فَلَنْ يُكْفَرُوهُ﴾: فلن تعدموا (٢) ثوابه، ولن تُجحَدوا جزاءَه (٣) وسُمِّيَ منعُ الجزاء على عمل الخير كفرًا؛ لأنه بمنزلة الجَحْدِ له، والسَّتْر (٤)؛ لئلا يقع الجزاء عليه. ولمَّا جعل ثواب الطاعة من الله تعالى
стр. 2897
شُكْرًا لأن معنى الشاكر في (١) صفته: أنَّه يُثِيب (٢) على الطاعة (٣) جعل منع الثواب كفرًا.
ومعنى (٤) قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ أي: لا يُضيع شيئًا من أعمالهم (٥)؛ لأن المُجازي به عليمٌ بهم.
١١٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس (٦): يريد: قريظة والنضير (٧).
﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ أي: لن تدفع عنهم الضَّررَ إذا نزل بهم أموالُهم ولا أولادُهم. خُصَّا بالذكر؛ لأنهما مُعتَمَد ما يقع به الاغترارُ، فإذا لم يغنيا، فغناء مَن دونهما أبعد.
وقال الزجّاج (٨): لأن رؤوساء اليهود مالوا إلى الأموال في معاندتهم
стр. 2898
النبي ﷺ ، وإنما قامت لهم الرياسة، واكتسبوا الأموالَ بمعاندته.
والدليل على ذلك: قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩] الآية.
وخص الأولاد؛ لأنهم أقرب أنسبائهم (١) إليهم.
وقال بعض المفسرين (٢): لن تغني عنهم أموالُهم في الصدقات، ولا أولادُهم في الشفاعات، بخلاف المؤمن، فإنَّ المؤمنَ ينفعه مالُه في الكَفَّارات والصدقات؛ وأولاده في الشفاعة. والدليل على صحة هذا التفسير: ما ذكر مِن بُطلان نفقاتهم عقيب هذه الآية في:
١١٧ - قوله تعالى: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.
قال يَمَان (٣): نزلت في إنفاق أبي سفيان والمشركين في بدر وأحد، على عداوة النبي ﷺ .
وقال مقاتل (٤): يعني: نفقة سَفَلَة اليهود على علمائهم (٥).
وقال مجاهد (٦): يعني جميع نفقات الكفار في الدنيا، وصدقاتهم.
стр. 2899
стр. 2900
وقوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ اختلفوا في (الصّر): فقال أكثر المفسرين، وأهل اللغة (١): الصِّرُّ: البَرْد الشديد.
وهو قول ابن عباس في رواية عطاء (٢)، وقتادة (٣)، والربيع (٤)، والسدّي (٥)، وابن زيد (٦).
ومعنى الآية: أن إنفاقهم في الدنيا على عداوة الدين، أفسد عليهم أعمالَهم في الآخرة، كما أفسدت هذه الريحُ -التي فيها الصِّرُّ- الزرعَ الذي وقعت به (٧).
стр. 2901
стр. 2902
стр. 2903
صَرْصَرَةً) (١). و (الصَّرَّةُ): الصَّيْحة (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ﴾ (٣) [الذاريات: ٢٩]. وقول ابن عباس على هذا يتوجه، فإن السموم الحارة لها صوت، ألا ترى إلى قول الراعي:
فَعُجْنَا على رَبْعٍ بِرَبْعٍ تَعُودُهُ ... مِنْ الصَّيفِ جَشَّاءُ الحَنِينِ نَؤُوجُ (٤)
стр. 2904
فعلى هذا، قوله: ﴿رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ أي: سَمُوم؛ كالنار أحرقت الزرع، أو نارٌ لها صوت (١).
وروى ابن الأنباري -بإسناده- عن السُّدِّيّ، عن أبي مالك (٢)، عن ابن عباس، في قوله: ﴿فِيهَا صِرٌّ﴾، قال: فيها نار (٣).
وقوله تعالى: ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابن عباس (٤): جحدوا نعمة الله عندهم. وقال آخرون (٥): ظلموا أنفسهم بالكفر والمعصية.
стр. 2905
﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ﴾ لأنَّ كلَّ ما فعله بخلقه فهو منه عدلٌ، ومَن تَصَرَّف في حقيقة مُلْكِهِ، لا يُوصَفُ تصرفُهُ بأنه ظلم.
﴿وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ لأنَّ الإنسان -بالكفر والعصيان- هو الذي يَظلِمُ نفْسَه.
قال أهل المعاني: وفي هذا حسرة شديدة لهؤلاء المنفقين، ومصيبة عظيمة؛ لأنهم رجوا (١) فائدة نفقاتهم، وعائدتها، فعادت عليهم بالمَضَرَّة (٢)، كما رجا أصحابُ الزرع عائدةَ زرعِهم، فضربته (٣) الريحُ وأهلكته (٤).
١١٨ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ الآية. قال المفسرون: نزلت في النهي عن مداخلة اليهود والمنافقين (٥).
стр. 2906
стр. 2907
وبِطَانة الرجل: خاصَّتُه الذين يَسْتَبْطنون (١) أمْرَهُ. وأصله من: (البَطْنِ) خلاف الظهر، ومنه (٢): (بِطانَة الثوب)، خلاف (ظهارته) (٣).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين. يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون (٤) المسلمين (٥).
وصلح أن يُعَبَرَ ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ عن هذا. كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] (٦)؛ وهو يريد قتلتم إخواننا. وقد تقدم لهذا نظائر (٧).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يقال (٨): (أَلَوْتُ في الشيء،
стр. 2908
стр. 2909
стр. 2910