стр. 2906
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2907
وبِطَانة الرجل: خاصَّتُه الذين يَسْتَبْطنون (١) أمْرَهُ. وأصله من: (البَطْنِ) خلاف الظهر، ومنه (٢): (بِطانَة الثوب)، خلاف (ظهارته) (٣).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: مِن دون المسلمين، ومِن غير أهل ملَّتكم، وظاهر هذا للمخاطَبِين، وهو يريد: جميع المسلمين. يعني لا تتخذوا بطانة مِن دون (٤) المسلمين (٥).
وصلح أن يُعَبَرَ ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ عن هذا. كما يقول الرجل: (قد قتلتمونا [وهزمتُمُونا] (٦)؛ وهو يريد قتلتم إخواننا. وقد تقدم لهذا نظائر (٧).
وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يقال (٨): (أَلَوْتُ في الشيء،
стр. 2908
стр. 2909
стр. 2910
стр. 2911
ويقال: (في قوائم الدابَّة خَبَالٌ)، و (في عَقْلِهِ خبالٌ)؛ أي: و (رجلٌ مُخَبَّلُ الرأي): فاسدُهُ، [و] (١) مُضْطَرِبُهُ. و (خَبَلَهُ (٢) الحُبَّ)؛ أي: أفسده (٣).
ومعنى قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يَدَعُونَ جهدَهم في مضرَّتِكم، وفسادكم (٤).
يقال: (ما أَلَوْتُهُ نُصْحًا)؛ ما قصَّرت في نصيحته (٥)، و (ما أَلَوْتُه شَرًّا)، مثله. قال الزجَّاج (٦): ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾ أي: لا يُبْقون (٧) غايةً في إلقائكم فيما يضركم (٨).
ومحل قوله: ﴿لَا يأْلُونَكُمْ﴾: النَّصْبُ، لأنه صفة البطانة (٩).
стр. 2912
стр. 2913
وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.
قال المفسرون (١): ودُّوا عَنَتَكم (٢). والعَنَت (٣): دخول المشقة على الإنسان، ووقوعه فيما لا يستطيع الخروج منه. يقال: (عَنِتَ الرجل): إذا صار إلى هذه الحالة. و (عَنِتَ) -أيضًا-: إذا أثم (٤).
و (ما) (٥) -ههنا- (ما) المصدر، كقوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ (٦)؛ أي (٧): عزيز عليه عنَتُكم (٨)، وهو: لقاء الشِّدَّةِ والمَشَقَّةِ (٩).
وقيل (١٠) في قوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾، أي: ما أعنتكم من مكروه،
стр. 2914
وضُرٍّ (١). وهو معنًى وليس بتفسير.
وقال السُّدِّي (٢): ودُّوا ضلالكم عن دينكم؛ وذلك أن الحَيْرَة بالضلال مشقة.
ومضى الكلام في (العَنَتِ)، و (الإعْنَاتِ) عند قوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
ولا محل لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾؛ لأنه استئنافٌ بالجملة. وقيل (٣): إنَّه من صِفَةِ البِطَانَةِ، ولا يصح هذا؛ لأن البطانة قد وصفت بقوله: ﴿لَا يألُونَكُم خَبَالًا﴾.
فلو رجع هذا إلى البطانة، لأدخل حرف العطف؛ لأنك لا تقول في الكلام: (لا تَتَّخذ صاحبًا يَشْتِمُكَ، أحبَّ مُفارقَتَكَ) (٤).
وقوله تعالى: ﴿قَد بَدَتِ اَلبغضَاَءُ مِن أَفوَاهِهِم﴾ البَغْضاءُ: شِدَّةُ البُغْضِ (٥) قال الفراءُ (٦): البغضاء: مصدرٌ مؤنثٌ.
стр. 2915
стр. 2916
стр. 2917
من الواو؛ لأنهما (١) شفويتان (٢)، وفي الميم هُوِىٌّ في الفَمِ يضارع امتداد الواو.
والدليل على أن أصله (فَوْه): جمعه على (أفواه)، نحو: (سَوْطٍ، وأسواط)، و (حَوْضٍ، وأحواض)، و (طَوْقٍ، وأطواق).
وقال أُمَيَّةُ (٣):
وما فَاهُوا بِهِ أبدًا مُقِيمُ (٤).
وقالوا: (رجلٌ مُفَوَّهٌ): إذا أجادَ (٥) القولَ، و (أَفْوَهُ): إذا كان واسع الفَمِ. وجمعه: (فُوْهٌ) (٦).
стр. 2918
стр. 2919
قوله تعالى: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ (١) أي: من العداوة والخيانة (٢). وقيل (٣): من الكفر بالله ومحمد ﷺ .
وقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ قال عَطَاء (٤): يريد: ما أمرهم به مِن طاعته، وما نهاهم عنه من معصيته.
وقال السُّدِّي (٥): قد بيَّنَّا آياتهم؛ لتعرفوهم بها.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُون﴾ قيل (٦): إن كنتم تعقلون موقعَ يقع (٧) البيان، ومبلغَ عائدتِهِ عليكم (٨).
وقيل (٩): إن كنتم تعقلون الفَصْلَ بينَ ما يستحقه العدوُّ، والوَلِيُّ.
١١٩ - قوله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ الآية. مضى الكلام في (ها) مع (أنتم) عند قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ﴾ [آل عمران: ٦٦].
قال الفراء (١٠): العرب إذا جاءت إلى اسمٍ مَكنيٍّ قد وُصِفَ بـ (هذا) و (هذان) و (هؤلاء)، فَرَّقوا بينَ (ها) وبين (ذا)، المَكنِيَّ بينهما، وذلك في
стр. 2920
جهة التقريب (١)، فيقولون: (أين أنت؟) فيقول القائلُ:
(ها أنا ذا) (٢). ولا يكادون يقولون: (هذا أنا) (٣). و-كذلك-: التثنية والجمع، ومنه (٤): ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾، وربَّما أعادوا (ها) فوصلوها بـ (ذا)، و (ذان)، و (أولاء) (٥)، فيقولون: (ها أنت هذا)، و (ها أنتم هؤلاء). قال الله -تعالى-: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ جَادَلْتُمْ﴾ [النساء: ١٠٩].
стр. 2921
قال (١): وإنَّما فعلوا ذلك؛ ليفصلوا بين (التقريب) وغيره. ومعنى (التقريب) عنده: أنك لا تقصد أن تخبر (٢) عن (هذا) بالاسم (٣)، فيقولون (٤): (هذا زيد).
وإذا (٥) كان الكلام على غير تقريبٍ، وكان (٦) مع اسم ظاهر، جعلوا (ها) موصولةً بـ (ذا)؛ فقالوا (٧): (هذا زيد)، و (هذان الزيدان) (٨)، إذا كان على خَبَرٍ يكتفي كلُّ واحدٍ بصاحبه بلا [فِعْلٍ] (٩). فقد (١٠) أنشد ابنُ الأنباري (١١) على هذا قولَ أُمَيَّة بن أبي الصَّلْت:
لَبَّيْكُما لَبَّيْكُما ها (١٢) أنا ذا لَدَيْكُما (١٣)
стр. 2922
فَجَعَل (أنا) بين (ها) و (ذا)؛ لتقريبه طاعتهما، والانقياد لأمرهما.
وقال الزَّجاجُ (١): (ها) -ههنا- تَنْبيهٌ (٢) دَخَلَ على (أنتم) و (٣) (أولاء) في معنى: (الذين)، كأنه قيل: (ها أنتم الذين تُحِبُّونَهم ولا يُحِبُّونَكم). فيكون ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ صِلَةً (٤).
قال (٥): وكُسِرت (أولاء)؛ لأن أصلها السكون، لكن الهمزة كُسِرت؛ لسكونها وسكون الألف. وإنما كان أصلُها السكون؛ لأنها بمنزلة حَرْفِ الإشارة، والحروفُ أصلها السكون.
وسنذكر الفرقَ بين (أولاء) و (أولئك) عند قوله: ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ [النساء: ٩٩].
قال المفسرون: هذا خطاب للمؤمنين، أُعلِموا فيه أن منافقي أهلِ الكتابِ (٦) لا يُحِبُّونَهم، وأنهم يَصْحَبونَ هؤلاء المنافقين بالبِرِّ، والنصيحة
стр. 2923
التي يفعلها المُحِبُّ.
قال المُفَضَّلُ (١): معنى ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾: تريدون لهم الإسلام، وهو خير الأشياء. ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾؛ لأنهم يريدونكم على الكفر، وهو الهلاك.
قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، وهو اسم جنس؛ كقولهم: كثر الدرهم في أيدي الناس، أو لأن الكتاب مصدر، فيجوز أن يسمى (٢) به الجمع.
قال ابن عباس (٣): يريد: الذي أُنزل على محمد، والذي أنزل على عيسى، والذي أنزل على موسى، وهم لا يؤمنون بشيء منه؛ لأنهم (٤) يَنتحِلون (٥) التوراةَ، ولم يعلموا بما (٦) فيها.
стр. 2924
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ يقال: عَضَّ، يَعَضُّ، عَضًّا، وعَضِيضًا) (١).
قال امرؤ القَيس:
كَفَحْلِ الهِجَانِ يَنْتَحِي لِلعَضِيض (٢)
والأنامِل: جمع أَنْمُلَة (٣)؛ وهي: أطراف الأصابع (٤).
[والغَيْظُ: الإغضابُ (٥)، يقال؛ (غاظَهُ الشيءُ)؛ أي: أغضبه (٦).
стр. 2925
وعَضُّ الأصابع] (١)، والأنامِل، واليد (٢): مِن فِعْلِ المُغضَبِ (٣)، الذي فاته ما لا يقدر [على] (٤) أن يتداركه، أو يرى شيئًا يكرهه، ولا يقدر على أن يُغيِّره. ثم كثر استعمال (٥) [هذا] (٦) فيه، حتى استُعمِلَ مَثَلًا، مجازًا، فيقال للمُغضبِ: (هو يَعَضُّ يدَهُ غَضَبًا وحَنَقًا) (٧)، وإنْ لم يكن هناك عَضٌ. قال الشاعر:
قَدَ أَفْنَى أنامِلَهُ أَزْمُهُ ... فأَضْحى يَعَضُّ عَلَيَّ الوَظِيفا (٨)
стр. 2926
وقال أبو طالب (١):
يَعَضُّونَ غَيْظًا خلفَنا بالأَنَامِلِ (٢)
قال المفسرون (٣): وإنما ذلك لِما يَرَوْنَ من ائتلاف المؤمنين، واجتماع كلمتهم، وصَلاح ذات بَيْنِهم.
وفي الآية تقديم وتأخير؛ لأن التقدير: وإذا خَلَوْا عَضُّوا الأنامِلَ مِنَ الغَيْظِ عليكم.
وقوله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ خرج هذا مخرج الأمر، وليس معناه الأمرَ، لكنَّه دعاء عليهم، أمر اللهُ نَبِيَّهُ ﷺ بأن يَدْعُوَ عليهم بهذا (٤).
стр. 2927
ومعنى موتِهم بِغَيْظِهم: هو أن يَدُوم غيظُهم إلى أن يموتوا، أو (١) يصير الغيظُ قاتِلَهم، وسببَ موتهم (٢).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بما فيها من خير وشر. قال (٣) النحويون (٤): (ذات) تأنيث (ذو). وإذا وقَفْتَ (٥) على (ذات): فمنهم مَن يَدَعُ التَّاء على حالها؛ لكثرة ما جرى على اللسان بالتَّاء، ومنهم من يردها إلى هاء (٦) التأنيث. وهو القياس.
وقال ابن الأنباري (٧): ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، أي: بما فيها (٨) من خير وشر (٩). معناه: بحقيقة القلوب من المضمرات. فتأنيث (ذات) (١٠)
стр. 2928
لهذا المعنى؛ كما قال: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، فَأَنَّثَ؛ لمعنى (الطائفة)؛ كما يقال: (لقيته ذات يوم)، فيؤنثون؛ لأن مقصدهم: لقيته مرَّةً في يوم. وقد ذكرنا زيادة في الشرح والبيان عند قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
١٢٠ - قوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ الآية. (المَسُّ)، أصله باليد، ثم يُسَمَّى المُقارِبُ والمخالِطُ: (ماسًّا)؛ تشبيهًا بالمتناوِلِ للشيء، فيقال: (أمْرُكَ يَمَسُّنِي)؛ أي: يَكْرِثُني (١)، ويهمني، ويَقْرُبُ مِن قلبي. فأشبه بذلك المَسَّ بالأصابع (٢).
ومعنى (الحسنة) -ههنا-: النصر (٣)، والغنيمة، والخِصْب (٤).
стр. 2929
و (تسؤْهم)، أي: تُخْزِيْهم، يقال: (ساءَهُ، يَسُوءُهُ، مَسَاءَةً (١)، ومَسَائِيَةً) (٢)، فـ (استاءَ) (٣)؛ أي: اهتم (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي: نالكم ضد ذلك.
ويقال: (ساء (٥) الشيءُ)، (يسوء (٦)، فهو سيِّء)، والأنثى: (سيِّئةٌ)؛ أي: قَبُحَ (٧). ومنه قوله: ﴿سَاَءَ مَا يَعمَلُونَ﴾ [المائدة: ٦٦]. و (سَوَّأتُ على الرجل (٨) فعلَهُ)؛ أي: قَبَّحْتُهُ عليه، وعِبْتُهُ به. و (السُّوْءَى) (٩): ضد الحُسْنَى، و (السَّوْءاءُ) (١٠): المرأةُ القبيحة (١١).
стр. 2930
وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا﴾. أي: على ما تسمعون منهم، وعلى أذاهم.
﴿وَتَتَّقُوا﴾. قال ابنُ عباس (١): وتخافوا ربَّكم، في سِرِّكم وعلانِيَتِكم. وقال غيره (٢): وتتقوا مقاربتهم في دينهم، والمحبة لهم.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يقال: (ضارَهْ، يَضِيرُهُ، ضَيْرًا)، و (يَضُورُهْ ضَوْرا): إذا ضرَّهُ (٣).
وقرئ: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ مُشَدَّدا (٤) من: الضَّرِّ (٥). وأصله: (يَضْرُرْكُمْ) -جَزْمًا-، وأُدغِمَت (٦) الرَّاءُ في الرَّاءِ، ونقلت ضَمَّةُ الرَّاء الأولى إلى
стр. 2931
الضاد، وضُمَّت الرَّاءُ الأخيرةُ؛ إتْباعًا لأقرب الحركات إليها، وهي: حركة الضادُ، كقولهم: (مُدُّ يا هذا) (١).
واعلم أنه إذا كان قبل الحرف المُدْغم (٢)، حرفٌ مضمومٌ، فلك في تحريك الأخير ثلاثة أوجه: الضمُّ؛ للإتْباع، والكسرُ؛ على أصل ما يجب (٣) في التقاء الساكنين، والفتحُ؛ للخفة.
قال جرير:
فَغُضّ الطَرْفَ إنك مِن نُمَيْرٍ (٤)
يُنشَد باللغات الثلاث (٥). ولا يجوز في القراءة إلّا الرفع، على ما قرأته القُرَّاءُ المُتَّبَعون (٦).
стр. 2932
стр. 2933
[ورُدَّ على الفرَّاء] (١) [في هذه الآية شيئان:
أحدهما: أنه قال (٢): ولو] (٣) قرئ: (لا يَضُرْكم) -بضم الضاد-، جازَ؛ فقد سمع الكسائيُّ بعضَ أهل العالِيَةِ (٤) يقول: [(لا ينْفَعُني ذاك (٥) ولا يَضُورُني) (٦).
قال الزجاج (٧): وهذا غير جائز، لا يُقرأ حرفٌ من كتاب الله بخلاف الإجماع، على قول رجل من أهل العالية. وهذا كما قاله؛ لأن القراءةَ بالسَّمَاع والتَّوْقِيف، لا بالجَوَازِ في اللغة.
والآخر: أنه قال (٨) في قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ -على قراءة من قرأ بالتشديد-: يجوز أن يكون جواب الشرط: فَاء مُضْمَرَة (٩)، ويكون (لا)
стр. 2934
стр. 2935
الراء في ﴿يَضُرُّكُمْ﴾ وجهٌ حسن.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ أي: عالم به؛ على معنى: أنه باقتداره عليه، وعلمه به (١)، قد (٢) حَصَرَه مِن (٣) جميع جهاته، كما حَصَرَه (٤) المحيطُ به. هذا معناه وحقيقته؛ لأن المحيط بالشيء، هو المحيط به من حواليه، وهذا من صفة الإحكام (٥)] (٦).
١٢١ - قوله تعالى (٧): ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ (٨) الآية. مضى (٩) الكلام [في (إذ) في مواضع؛ (١٠) والعامل فيه -ههنا- محذوف، وهو: اذكر. وحُذِفَ؛ لأن الحال تدل على أن (١١)] (١٢) المعنى تذكير لتلك الحال.
قال ابن عباس (١٣)، وقتادة (١٤)، والربيع (١٥)، والسدي (١٦)، وأكثر
стр. 2936
المفسرين (١): هذا كان يوم أُحُد، غدا رسول الله ﷺ من منزل عائشة إلى أُحُد (٢)، فجعل يصف أصحابَه للقتال.
قال ابن عباس (٣): ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ يريد: مِن (٤) منزل عائشة (٥).
وقوله تعالى: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ يقال: (بَوَّأتُه مَنْزِلًا)، و (بَوَّأتُ له منزلًا)؛ أي: أنزلته إيَّاهُ (٦).
قال ابن هَرْمَة (٧):
وبُوِّئَتْ في صَميمِ مَعْشَرِها ... فَتَمَّ في قومِها مُبَوَّؤُها (٨)
стр. 2937
وفي قراءة عبد الله: (تبوِّئُ للمؤمنين) (١). و (المَبَاءَة) (٢)، و (البَاءَة) (٣): المنزل (٤).
قال أبو علي (٥): (بَوَّأتُ فُلانًا (٦) منزلًا)، تُعدِّيْهِ إلى مفعولين، وكأنه منقول من قولك: (باءَ فلانٌ منزِلَهُ)؛ أي: لَزِمَه. وإن كنّا لا نرى ذلك؛ ولكن يدل على ذلك قولهم: (المَبَاءَة) (٧) - وهي: المُرَاحُ (٨) الذي تبيت فيه النَّعَم (٩) -: [اسمٌ] (١٠) للمكان (١١).
стр. 2938
وقوله تعالى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ أي (١): مواطن. قال ابن عباس (٢): كل رجل لِمَقعَدِه الذي يصلح له.
وقد بيّنّا أن معنى القُعُود -في أصل اللغة-: الثُّبُوت، على أي حال كانت، عند قوله: ﴿الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ﴾ [البقرة: ١٢٧].
فمعنى: ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ مراكز (٣)، ومَثابِتَ، لا مَجَالِس (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قال ابن عباس (٥): يريد: سميعٌ لقولكم، عليمٌ بما في قلوبكم؛ وذلك أن رسول الله ﷺ استشار أصحابه في ذلك الحرب (٦)، فمنهم من أشار عليه بأن يقيم في المدينة، ومنهم من أشار عليه بالخروج إليهم، فقال الله -تعالى-: أنا ﴿سَمِيعٌ﴾ لِمَا يقوله المُشيرون عليك (٧)، ﴿عَلِيُمٌ﴾ (٨) بما يُضْمِرُون.
стр. 2939
١٢٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ قال الزّجاج (١): العامل في (إذ) (٢): التَّبْوِئَة؛ المعنى: كانت التَّبْوِئَةُ في ذلك الوقت. و ﴿هَمَّتْ﴾؛ أي: قَصَدَت وأرادت. يقال: (هَمَمْتَ بالشيء)، (أَهَمُّ به هَمًّا) (٣). والطائفتان -في قول ابن عباس وأكثر المفسرين- (٤): بَنُو سَلِمَة (٥) مِن الخزرج، وبنو حَارِثَة من الأنصار (٦).
стр. 2940
وكان سبب ذلك أن (١) عبد الله بن أُبَيٍّ انْخَزَلَ (٢)، فرجع عن الطريق في ثلاثمائةٍ، وهمت الطائفتان بالانصراف معه، فعصمهم الله، فلم ينصرفوا ومضوا مع رسول الله ﷺ (٣).
والفَشَل: الجُبْنُ، والخَوَرُ (٤).
وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ قال ابن عباس (٥): يريد: ناصِرُهما، ومُوَالٍ لهما على مَنْ عاداهما (٦).
стр. 2941
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التَوَكُّل: تَفَعُّل، مِن: (وَكَلَ أمْرَهُ إلى فلان): إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يَتَوَلَّهُ بنفسه (١). وفي الآية إشارة إلى أنَّه ينبغي أن يستدفع (٢) الإنسان ما يعرض له مِن حَرْفٍ (٣) ومكروهٍ بالتوكل على الله، وأن (٤) يَصْرِفَ الجَزَعَ (٥) عن نفسه بالتوكل.
١٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. الآية (٦).
النَّصْرُ: حُسْنُ المَعُونة (٧). وبَدْرٌ: بِئْرٌ (٨) لرجل [يقال] (٩) له: بَدْر (١٠)،
стр. 2942
стр. 2943
стр. 2944
ومعنى الذلِّ: الضَّعْف عن المقاومة. ونقيضه: العِزُّ، وهو: القوة والغَلَبَة (١).
و ﴿أَذِلَّةٌ﴾ (٢): جمع ذليل. والأصل في (فَعِيل) إذا كان صفةً، أن يجمع على (فُعَلاَء, نحو: (ظَرِيف وظُرَفَاء)، و (شَرِيك وشُرَكَاء)، ولكن لفظ (٣) (فُعَلاَء) [اجتُنِبَ] (٤) في التضعيف؛ لأنه [لو قيل: (خُلَلاَء) (٥)، و (قُلَلاَء)، في جمع: خَلِيل (٦) وقَلِيل، لا جتمع حرفان من جنسٍ واحد، فَعُدِل به] (٧) إلى (أفْعِلَة)؛ لأن (أفْعِلَة) مِن جمْع الأسماء في (فَعِيل) (٨)، [نحو: جَرِيب] (٩) وأَجْرِبَة) (١٠)، و (قَفِيز (١١) وأَقْفِزَة) (١٢).
стр. 2945
قال أبو إسحاق (١) في هذه الآية (٢): أعلم الله -جَلَّ وعَزَّ- أنَّهم حين لَزِمُوا الطاعةَ، نصرهم اللهُ، وهم قليل، ويوم أُحُد نَزَلَ بهم ما نزل؛ بمخالفة أمرِ النبي ﷺ ، فجعل ذلك عقوبة.
وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: اتقوا معاصي الله بالعمل بطاعته، أو اتَّقوا عقابَ اللهِ بالعمل بطاعته؛ لتقوموا بشكر نعمته. وهذا (٣) معنى قول محمد بن إسحاق بن يَسَار في هذه الآية (٤): اتَّقُونِي فإنَّه شكر نعمتي (٥).