← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ التَوَكُّل: تَفَعُّل، مِن: (وَكَلَ أمْرَهُ إلى فلان): إذا اعتمد في كفايته عليه، ولم يَتَوَلَّهُ بنفسه (١). وفي الآية إشارة إلى أنَّه ينبغي أن يستدفع (٢) الإنسان ما يعرض له مِن حَرْفٍ (٣) ومكروهٍ بالتوكل على الله، وأن (٤) يَصْرِفَ الجَزَعَ (٥) عن نفسه بالتوكل. ١٢٣ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾. الآية (٦). النَّصْرُ: حُسْنُ المَعُونة (٧). وبَدْرٌ: بِئْرٌ (٨) لرجل [يقال] (٩) له: بَدْر (١٠)،

стр. 2942

سُمِّيَت باسم صاحبها، في قول الشعبي (١). يدل على هذا قولُ حَسَّان (٢): وبِبِئْرٍ إذْ يَرُدُّ وجوهَهُم ... جبريلُ تحت لِوائِنا ومُحَمَّدُّ (٣) وقال الواقِدِيُّ (٤) -عن شيوخه- (٥): (بدر) (٦)، هو اسمٌ لِمَوضِعٍ (٧).

стр. 2943

وقيل: هو ماءٌ (١) لبني غِفَار (٢)، بين مكة والمدينة (٣). وقوله تعالى: ﴿وَأَنتُم أَذِلَّةٌ﴾ في موضع الحالِ، وإنّما كانوا أذلةً؛ لقلة العَدَدِ، وضعف الحال (٤)؛ لقلة (٥) السلاح والمال عن مقاومة العدو (٦).

стр. 2944

ومعنى الذلِّ: الضَّعْف عن المقاومة. ونقيضه: العِزُّ، وهو: القوة والغَلَبَة (١). و ﴿أَذِلَّةٌ﴾ (٢): جمع ذليل. والأصل في (فَعِيل) إذا كان صفةً، أن يجمع على (فُعَلاَء, نحو: (ظَرِيف وظُرَفَاء)، و (شَرِيك وشُرَكَاء)، ولكن لفظ (٣) (فُعَلاَء) [اجتُنِبَ] (٤) في التضعيف؛ لأنه [لو قيل: (خُلَلاَء) (٥)، و (قُلَلاَء)، في جمع: خَلِيل (٦) وقَلِيل، لا جتمع حرفان من جنسٍ واحد، فَعُدِل به] (٧) إلى (أفْعِلَة)؛ لأن (أفْعِلَة) مِن جمْع الأسماء في (فَعِيل) (٨)، [نحو: جَرِيب] (٩) وأَجْرِبَة) (١٠)، و (قَفِيز (١١) وأَقْفِزَة) (١٢).

стр. 2945

قال أبو إسحاق (١) في هذه الآية (٢): أعلم الله -جَلَّ وعَزَّ- أنَّهم حين لَزِمُوا الطاعةَ، نصرهم اللهُ، وهم قليل، ويوم أُحُد نَزَلَ بهم ما نزل؛ بمخالفة أمرِ النبي ﷺ ، فجعل ذلك عقوبة. وقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: اتقوا معاصي الله بالعمل بطاعته، أو اتَّقوا عقابَ اللهِ بالعمل بطاعته؛ لتقوموا بشكر نعمته. وهذا (٣) معنى قول محمد بن إسحاق بن يَسَار في هذه الآية (٤): اتَّقُونِي فإنَّه شكر نعمتي (٥).

стр. 2946

١٢٤ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية. قال الشَّعْبيُّ (١): حُدِّثَ المسلمون أن كُرْز بن جابر المُحَارِبي (٢) يريد أن يُمِدَّ (٣) المشركين، فَشَقَّ ذلك عليهم، فقيل لهم: ﴿أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ﴾. ومعنى الكِفَايَةِ، هو: سَدُّ الخَلَّةِ (٤)، والقيام بالأمر، يقال: (كفاهُ أمْرَ كذا): إذا قامَ (٥) بِهِ دونه، وسَدَّ خَلَّتَهُ (٦). ومعنى الإمْدَاد: إعطاء الشيء حالًا بعد حال (٧). قال المُفَضَّلُ (٨): ما كان على جهة القوة والإعانة، قيل فيه: (أَمَدَّهُ،

стр. 2947

يُمِدُّهُ) (١)، وما كان على جهة الزيادة، قيل فيه: (مَدَّةُ، يَمُدُّهُ، مَدًّا) (٢)، ومنه قوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ﴾ (٣). ١٢٥ - قوله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا﴾ الآية. ﴿بَلَى﴾: تصديق لوعد الله. ومضى الكلامُ فيه (٤) إذا وقع في ابتداء الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَصْبِرُوا﴾ (٥). أي: على لقاء العدو.

стр. 2948

﴿وَتَتَّقُوا﴾ معصية الله، ومخالفة النبي ﷺ (١). ﴿وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا﴾ قال ابنُ عبَّاس -في رواية العَوْفي- (٢): مِن وجههم هذا. وهو قول: الحسن (٣)، وقتادة (٤)، والربيع (٥)، والسّدِّي (٦)، وابن زيد (٧). وقال (٨) في رواية باذان: من غَضَبِهم هذا (٩). وهو قول: مجاهد (١٠)، والضَّحَّاك (١١). وأصل الفَوْرِ: غَلَيانُ القِدْرِ. يقال: (فارت القِدْرُ، تَفُورُ فَوْرًا)، وهو

стр. 2949

غليانها عند شدة الحَمْي (١). ومنه: فَوْرُ الغَضَبِ؛ لأنه كَفَوْرِ القِدْرِ بالحَمْي. ومنه، يقال: (جاء على الفَوْر)؛ أي: على ابتداء الحَمْي، قبل أن تَبْرُدَ نَفْسُه عنه (٢). وقوله تعالى: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ مَنْ فَتَحَ الواو (٣)، معناه: مُعْلَمِين، قد سُوِّمُوا، فهم مُسَوَّمِين. والسُّوْمَة: العَلاَمَةُ يُفْرَقُ بها الشيءُ مِن غَيْرِه. ومضى شيءٌ من هذا في قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ (٤). وهذه (٥) العَلامَةُ يُعْلِمُها الفارسُ يوم اللقاء؛ ليُعْرَفَ بها. قال عنترة (٦): فَتَعَرَّفوني إنَّنِي أنا ذِلكُم ... شاكٍ سِلاحي في الحوادِثِ مُعْلَمُ (٧)

стр. 2950

ومَن كَسَرَ الواو (١)، نَسَبَ الفِعْلَ إليهم؛ لِمَا جاء في الخبر: أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "سَوَمُوا، فإن الملائكة قد سَوَّمَتْ" (٢).

стр. 2951

قال ابن عباس: كانت الملائكة قد سَوَّمت يوم بدر بالصُّوف الأبيض في نواصي الخيل، وأذنابها (١). وقال الربيعُ (٢)، وهشامُ بن عُرْوة (٣): كانت عليهم عمائم صُفْرٌ،

стр. 2952

وروي عن علي (١) وابن عباس (٢): كانت عليهم عمائمُ بِيضٌ، قد أرسلوها بين أكتافهم. قال المفسرون: فصبر المسلمون يوم بَدْرٍ، واتَّقوا اللهَ، فأَمَدَّهم (٣) الله

стр. 2953

بخمسة آلافٍ من ملائكته (١) على ما [وَعَدَهم] (٢). قال الحسن (٣): فهؤلاء الخمسة آلاف رِدْءٌ (٤) للمؤمنين إلى يوم القيامة. وقال ابن عباس (٥)، ومجاهد (٦): لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر، وفيما سوى ذلك، يشهدون القتال ولا يُقاتِلُون. ١٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى﴾ الكناية (٧) تعود على المَصْدَرِ؛ كأنه قال: وما جعل الله المَدَدَ والإمْدادَ إلّا بُشْرى. فَدَلَّ ﴿يُمْدِدْكُمْ﴾ على الإمداد، فَكَنَى عنه (٨)، كما قال: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ [الأنعام: ١٢١]؛ معناه (٩): وإن أكلَهُ لَفِسْقٌ. فَدَلَّ ﴿تَأْكُلُوا﴾ على الأكل، فكنى عنه، والعرب تقول: (مَنْ صَدَقَ؛ كان خيرًا له، ومَن كَذَبَ؛ كان شرًا له). فدل الفعلان على المَصْدَرَيْنِ (١٠). هذا كلام

стр. 2954

ابن الأنباري (١). وكذلك قال الزجاج (٢)؛ أي: وما جَعَلَ اللهُ ذِكْرَ المَدَدِ إلّا بُشْرَى (٣). والبُشْرى: اسم من (الإبشار)، و (التبشير) (٤). ومضى الكلام في معنى التبشير (٥)، وسيأتي الكلام في (بُشْرى) في سورة يوسف إن شاء الله (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ فلا تجزع من كثرة العَدُوِّ (٧)، وقِلَّةِ عَدَدِكم. وإنما قال: ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾، ولم يقل: واطْمِئْنانًا، كما قال ﴿بُشْرَى﴾، لأن ذِكْر المَدَدِ سببٌ لاطمئنان القلوب، ولم يكن نفس الاطمئنان، وكان ذكر المَدَدِ نفس البُشْرَى. وقال صاحب النظم (٨): هذا على تأويل: وما جعله الله إلّا لِيُبَشِّركم (٩)، ولِتَطمئنَّ به قلوبُكم. ومن أجاز إقحام الواو -وهو مذهب الكوفيِّين (١٠) - جعلها مقحمةً في

стр. 2955

﴿وَلِتَطْمَئِنَّ﴾ فيكون التقدير: وما جعله الله إلا بُشْرَى لكم؛ لِتَطمئنَّ قلوبكم به. قال: وزعم بعضهم أنَّ الواو لإضمارٍ بعده، على تأويل: (ولتطمئن قلوبكم به، جَعَل ذلك). واحتج بقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ [فصلت: ١٢]، على تأويل: (وحفظًا لها، جَعَل ذلك). ومثله: قوله: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢]، على (١) تأويل: ليقضي اللهُ أمرًا كان مفعولًا، فَعَلَ ذلك. ونحو هذا قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ (٢) [الأنعام: ٧٥]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال المفسرون: أرادَ الله تعالى: أنْ لا يَرْكَن المؤمنون إلى الملائكة، وأَعْلَمَ أنهم وإنْ (٣) حضروا وقاتلوا، فما النصر إلا من عند الله؛ ليستعينوا به [و] (٤) يَتَوَكَّلوا عليه. والإمداد بالملائكة؛ بُشرَى لهم [وطُمَأنِينة] (٥) لقلوبهم (٦)؛ لما في البَشَرِ من الضَّعْف، فأما حقيقة النصرِ والاستعلاءِ في العرب، فهو من عند الله العزيز الحكيم (٧).

стр. 2956

١٢٧ - قوله تعالى: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اللّام تعود إلى قوله: ﴿وَلَقَد نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدرٍ﴾ (١). ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾؛ أي: لِيُهلك طائفةً، ولِيَقْتُلَ قِطْعَةً. قال السُّدِّي (٢): معناه: لِيَهدِمَ رُكْنًا مِن أركان الشرك، بالقتل والأَسْرِ، فقُتِلَ من قادتهم وسادتهم يومَ بَدْرٍ، سبعون، وأُسِرَ سبعون (٣). وقال بعضهم (٤): المعنى: وما النصر إلا من عند الله، ليقطع طرفًا (٥). وقيل (٦): إنَّ هذا راجعٌ إلى [معنى قوله] (٧): ﴿وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ بِهِ﴾،

стр. 2957

و ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا﴾، ولكنه ذُكِر بغير حرفِ العطف؛ لأنَّ الكلامَ إذا كان بعضُه ملتبسًا ببعضٍ، جاز حذفُ العاطف؛ كقوله: ﴿ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢]. وإنما قال: ﴿طَرَفًا﴾ ولم يقل: (وَسَطًا)؛ لأنه لا يُوصَلُ إلى الوَسَطِ الا بعد قطع الطَّرَفِ، وهذا القَطْعُ إنما هو بأيدي المؤمنين، وإنما يقطعون الطَّرَفَ الذي يليهم مَنَ الكافرين، وهذا يوافق قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: ١٢٣]، وعلى هذا -أيضًا- قولُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ [الرعد: ٤١]. وقوله تعالى: ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ الكَبْتُ -في اللغة-: صَرْعُ الشيء على وجهه؛ يُقال: (كَبَتَهُ، فانْكَبَتَ) (١). هذا تفسيره، ثم قد (٢) يُذكرُ (٣) المرادُ به: الإخزَاءُ، والإهلاكُ، واللَّعْنُ، والهَزِيمَةُ، والغَيْظُ، والإذلالُ. وكلُّ هذا ذكره المفسرون في تفسير (الكَبْتِ) (٤).

стр. 2958

وقوله تعالى: ﴿خَائِبِينَ﴾ الخَيْبَةُ: حِرْمانُ البُغْيَة (١)، ولا تكون إلّا بعد الأَمَلِ. واليَأْسُ قد يكون قبل الأَمَلِ، وقد يكون بعده. فنقيض اليَأْسِ: الرَّجَاءُ، ونقيض الخَيْبَةِ: الظَّفَرُ. وقد أنجز الله وَعْدَهُ يوم بَدْرٍ؛ بِقَطْع (٢) طَرَفٍ مِن الكفار بالقتال والأسر، وَرَدَّ الباقين منهزمين، خائبين مِمّا أَمَّلُوا مِن الظَّفَرِ، فتحقق نصرُه، وعَلَت كلمَتُهُ. ١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. ذَكَرَ النحويون -الفرّاء (٣)، والزّجاج (٤)، وغيرُهما (٥) - في هذه الآية قولين:

стр. 2959

أحدهما: أنَّ قوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ عَطْفٌ عَلَى قوله: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾، ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، ويكون قولُه: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ اعتراضًا بين المعطوف والمعطوف عليه؛ كما تقول: (ضَرَبْتُ زيدًا -فاعْلَمْ ذلك- وعَمْرًا) (١). فعلى هذا القول: هذه الآية متصلة بما قبلها. القول الثاني: وهو أنَّ الموافق لِمَا ذُكِرَ في تفسير هذه الآية: أنَّ معنى (أو) -ههنا- معنى (حتَّى) و (إلّا أنْ)؛ وذلك أنَّ أكثر المُفَسِّرِين -ابنَ عباس (٢)، والحسنَ (٣)، وقتادةَ (٤)، والربيع (٥) - قالوا: لَمّا كان من المشركين يوم أحد ما كان (٦)، مِنْ كَسْرِ رَبَاعِيّةِ (٧) النبي ﷺ ، وشَجِّهِ حتَّى

стр. 2960

جَرَت الدِّماءُ على وجهه، قال: "كيف يُفْلِحُ قومٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهم، وهو يدعوهم إلى ربهم؟! " (١)، فأنزل اللهُ هذه الآية، لِعِلْمِهِ أنَّ كثيرًا منهم سيؤمِنُونَ، فَكَفَّ عن ذلك (٢). وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ مختَصَرُ معناه: ليس لَكَ مِنَ الأمْرِ في عقابهم، أو (٣) استصلاحهم شيءٌ، حتى تقَعَ إنابَتُهم (٤) أو

стр. 2961

تعذيبهم. فيكون أمْرُكَ -حينئذٍ - تابعًا لأمْرِ اللهِ، بِرِضَاكَ بتدبيره قال الفرّاء (١): ومِثْلُ هذا مِن الكلام: (لأَذُمَّنَّكَ (٢) أو تُعْطِيَنِي)؛ على معنى: (إلّا أنْ تُعْطِيَني)، و (حتى تُعْطِيَنِي) (٣). وأنشد ابن الأنباري (٤) على هذا: فَقُلْتُ لَهُ لا تَبْكِ عيْنُكَ إنَّما ... نُحاوِلُ مُلْكًا أو نَمُوتَ فَنُعْذَرَا (٥) أراد: (حتَّى)، و (إلّا أنْ نموت) (٦).

стр. 2962

١٢٩ - وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال أهلُ المعاني (١): لَمَّا نَفَى [اللهُ] (٢) الأمرَ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ ، ذَكَرَ أنَّ جميع الأمر له؛ كأنه قال: الأمر ليس لك منه شيءٌ، فمن شاء عَذَّبَهُ، ومَن شاءَ غَفَرَ له. وقوله تعالى: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ ولم يقل: (مَنْ)؛ لأنه ذهب به مَذْهَب الجنس، فَدَخَلَ فيه الجميع (٣). وقوله تعالى: ﴿يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ قال ابنُ عَبَّاس، في رواية عطاء (٤): الذنْبَ العظيمَ للمُوَحِّدِينَ (٥). ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ يريد: المشركين (٦)، على الذنب الصغير (٧). ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ﴾ لأوليائه، ﴿رَحِيمٌ﴾ بهم. ١٣٠ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ قال ابن عباس (٨)، وسعيد بن جبير (٩) هو أنهم كانو يزيدون على

стр. 2963

المال، وُيؤَخِّرُونَ الأَجَلَ، كلَّما أخّر عن أَجَلٍ إلى غيره، زِيد زيادة. وانتصب ﴿أَضْعَافًا﴾ على الحال. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال عطاء (١): يريد: كي تسعدوا، وتبقوا في الجنة. وقال الزّجاج (٢): المُفْلِحُ: الذي أدرك ما أمَّلَ مِنَ الخير. وذكرنا معنى (الإفلاح) فيما تقدم (٣). ١٣١ - قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ النَّارَ﴾ الآية. قال أبو إسحاق (٤): أي: اتَّقُوا أن تُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ، فإنَّ مَنْ أَحَلَّ شيئًا مِمَّا حَرَّمَ اللهُ، فهو [كافرٌ] (٥) بإجماع. وهذا معنى قول ابن عبَّاس، قال (٦): يُهَدِّدُ المؤمنين إن استحلوا ما حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِم مِنَ الرِّبَا وغيره، مِمَّا أوجَبَ الله فيه النَّارَ؛ والتقدير: واتَّقُوا النَّارَ التي أُعِدَّت للكافرين، أن تستحلوا الرِّبا، فتستحقوها (٧). وفي الآية تَقْويَةٌ لِرَجاءِ المؤمنين، رحمةً من الله -تعالى-؛ لأنه قال: ﴿أُعِدَّت لِلكَافِرِينَ﴾. فَجَعلها مُعَدَّةً للكفار، دونَ أهلِ الإيمان. ١٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اَللَّهَ وَاَلرَّسُولَ﴾ لَمَّا نَهَى عن أكل الرِّبَا، أمَرَ بطاعة الرسولِ فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، مِن أكلِ الرِّبَا وغيره.

стр. 2964

وذُكِر عن محمد بن إسحاق بن يَسَار، أنَّه قال (١): [في] (٢) هذه الآية معاتَبة للذين عَصَوا رسولَ الله ﷺ حين أمرهم بما أمرهم به يوم أُحُد. ١٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قُرِئ بالواو، وبغير الواو (٣). فَمَن (٤) قرأ بالواو؛ فلأنه عَطَفَ الجملة على الجملة، والمعطوف عليها قوله: ﴿وَأَطِيعوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، ﴿وَسَارِعُوَاْ﴾. ومَن تَرَكَ الواو؛ فلأن الجملة الثانيةَ مُلْتَبسَةٌ بالأولى (٥)، مستغنية بالتباسها عن عطفها بالواو (٦). وقد جاء الأمران في التنزيل، في قوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ [الكهف: ٢٢] الآية (٧)، وقوله -تعالى-: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ

стр. 2965

هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٣٩] (١). ورُوِي عن الكِسائي الإمالة في (٢) ﴿وَسَارِعُواْ﴾ و ﴿أُولَئِكَ يسُارِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١] و ﴿نُسَارِعُ﴾ (٣) [المؤمنون: ٥٦]. وذلك مُستَحسَنٌ لِمَكان الرَّاءِ المكسورة؛ فكما تمنع المفتوحةُ الإمالةَ، فكذلك المكسورةُ تَجلِبُها (٤). وفي الكلام محذوف، والمعنى على: وسارعوا إلى مُوجِبِ (٥) مغفرة مِن رَبِّكم. واختلفوا في ذلك الذي إذا سارع إليه، فقد سارع إلى مغفرة: فقال عطاء عن ابن عباس (٦): يريد: لا تُصِرُّوا على الذنب. إذا أذنب أحدٌ فلْيُسْرع الرجوع، يغفر الله له. وقال ابن عباس -أيضًا- (٧): سارعوا إلى الإسلام. وروي عن

стр. 2966

علي ﵁، أنه قال (١): إلى أداء الفرائض. وعن أنس بن مالك، قال (٢): هو التكبيرة الأولى (٣). وقوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ أي: عرضها عَرْضُ السَّموات والأرض، فحذف المضاف، كقوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ (٤). يدل على هذا قوله في سورة الحديد: ﴿عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد:٢٨]. قال ابن عباس (٥): تُقرَنُ السَّمواتُ السبعُ والأرَضُونَ السَّبْعُ، كما يُقرن (٦) الثيابُ بعضها إلى بعض، فذلك عَرْضُ الجنَّةِ.

стр. 2967

قال أهل المعاني (١): إنَّمَا خَصَّ العَرْضَ دون الطول، لأن طولَ كلِّ شيءٍ في الأغلب أكثر من عَرْضِه. يقول: هذه صفة عرضها، فكيف طولُها؟. كما قال الزُّهْري (٢): إنما وصف عرضها، فأما طولها فلا يعلمه إلَّا الله. وهكذا قوله: ﴿بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ [الرحمن: ٥٤]، وصَفَ (٣) البِطَانَةَ وتَرَكَ الظِّهارَةَ؛ إذ مِنَ المعلوم (٤) أنها (٥) أحسن وأنفس من البطائن. وقال عطاء عن ابن عباس (٦) - في قوله: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾، يريد: لِرَجُلٍ واحدٍ مِن أوليائه. [و] (٧) قال جماعة من أهل المعاني (٨): لم يُرِدْ العَرْضَ الذي هو ضِد الطُوْلِ، وإنما أراد بالعرض: السَّعَةَ. والعرب تقول: (بلاد عَرِيضةٌ)، أي:

стр. 2968

واسعة. (وفي الأرض العريضة مذهبٌ) (١) [و] (٢) قال: كأنَّ بِلادَ اللهِ وَهْيَ عَرِيضةٌ ... على الخائفِ المَطْلُوبِ كِفَّةُ حابِلِ (٣) وإنما يقال للشيءِ الواسع: (عَرِيض)؛ لأن الشيء إذا عَرُضَ اتَّسَعَ، وإذا لم يَعْرُضْ، ضاقَ وَرَقَّ. قالوا (٤): وتشبيه عرض الجنة بعرض السَّموات والأرض على التمثيل لا على التحقيق؛ معناه: عرضها كعَرْضِ السموات والأرض عند ظَنِّكم؛ لأنه لا شيء عندنا أعرض منها، فهو كقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ (٥)؛ يعني: عند ظنكم؛ لأنَّهما لابد زائلتان. فَلمَّا كانَ قوله: ﴿مَا

стр. 2969

دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَاَلأَرضُ﴾ عندنا -في عادة الاستعمال- من ألفاظ التأبيد، خُوطِبْنا على ما نَعْرِف (١)؛ كذلك في هذه الآية. وسُئِل أنسُ بن مالك عن الجَنَّة: أفي الأرض أم في السماء؟ فقال: وأيُ أرضٍ وسماءٍ تَسَعُ الجَنَّة؟! قيل: فأين هي؟ فقال: فوق السَّموات السَبْع، تحت العَرْش (٢) (٣). ١٣٤ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ قال ابن عباس (٤): يعني: في اليُسْرِ والعُسْر. كأنه يريد: السَّرَّاء؛ بكثرة المال، والضَّراء، بِقِلَّتِهِ. وهذه الآية من صفة المُتَّقِين الذين أعِدت لهم الجَنَّة. وأول ما وصفهم الله تعالى به: الإنفاق في كل حال. وهو من أقسام السَّخَاء. وقوله تعالى: ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾ يقال: (كَظَمَ غَيْظَه): إذا سكت

стр. 2970

عليه، ولم يُظْهِرْهُ بقول أو فِعْلٍ (١). قال المُبَرِّد (٢): تأويله: أنه كتمه على امتلائه منه. ويقال: (كظَمتُ [السِّقَاءَ): إذا ملأتُه] (٣)، وَشَدَدْتُ عليه. ويقال: ما يَكْظِمُ فلانُ على (جِرَّةٍ) (٤): إذا كان لا يحتمل شيئًا. قال أبو زيد (٥): وكل ما سددت (٦) من مجرى ماءٍ أو طريق؛ فهو (كَظْمٌ). ويُدعَى الذي تَسُدُّه (٧) به: (الكاظِمَة) و (السَّدَادَة). و (فلانٌ كَظِيْمٌ)، و (مَكْظُومٌ): إذا كان ممتلئا (٨) حُزْنًا، مُمْسِكًا عليه. وهما في التنزيل (٩).

стр. 2971

ويقال للقناة (١) التي تجري في بطن الأرض: [كِظَامَة] (٢)؛ لامتلائها بالماء كامتلاء القِرْبَةِ المكظومة. ومنه الحديث: (كيف بك إذا بُعِجَتْ مَكَّةُ كظَائِمَ) (٣).

стр. 2972

ومنه يقال: (أَخَذَ بكَظْمِهِ): إذا أخذ بمجرى نَفَسِهِ؛ لأنه موضع الامتلاء بالنَّفَسِ. و (كَظَمَ البعِيرُ والنَّاقَةُ، كُظُومًا): إذا أَمْسَكا على ما في جَوْفِهما ولم يَجْتَرَّا (١). قال الراعي: فَأَفَضْنَ (٢) بعد كُظُومِهِنَّ بِجِرَّةٍ ... مِن ذِي الأَبَاطِح إذْ رَعَيْنَ حَقِيلاَ (٣)

стр. 2973

وإنَّما تفعل ذلك الإِبِلُ مِنَ الفَزَع أو الجهد. قال الأعشى (١) -ووصف رجلًا نَحَّارًا للإبل، وهي (٢) تفزع منه-: قَد تَكْظِمُ البُزْلُ مِنه حين تُبْصِرهُ ... حتَّى تَقَطَّعَ في أجوافها الجِرَرُ (٣) ومعنى ﴿وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ﴾: الكافِّينَ غَضَبَهم (٤) عن إمضائه، يَردُّون غيظهم في أجوافهم، ويصبرون فلا يُظِهرون (٥). وهذا الوصف من أقسام

стр. 2974

الصبر والحِلْم (١). وقوله تعالى: ﴿وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ﴾ قال ابن عباس (٢): يريد: المَمَالِيك؛ إذا أذنب واحد منهم ذنبًا، عفوت عنه؛ لما يرجو من ثواب الله. وقال زيد بن أسلم (٣)، ومقاتل (٤): أي: عمَّن ظَلَمَهم وأساء إليهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال ابن عباس (٥): يريد: المُوَحِّدِين، الذين هذه الخِصَال فيهم. قال الثَّوْرِي في هذه الآية (٦): الإحسان: أن تُحْسِن إلى مَن أساء

стр. 2975

إليك؛ فإنَّ الإحسانَ إلى المُحسِنِ مُتَاجَرَةٌ (١)، كَنَقْدِ السُّوقِ: خذْ مِنِّي وهات (٢). وصدَقَ؛ فإنَّ الله -تعالى- عقَّبَ وَصْفَ هؤلاء بالكَظْمِ والعَفْوِ، بِحُبِّهِ المحسنين. وفي ذلك دليل على أن هؤلاء محسنون، والأوصاف التى وُصِفوا بها، كلُّها إحسانٌ إلى مَن أساء إليهم. ١٣٥ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ الآية. الظاهر أنَّ هذا عطفٌ على ﴿المُتَّقِينَ﴾ (٣). فيكون موضع (الذين): جَرًّا (٤). ويُحتمل أنْ يكون موضِعُه: رفْعًا على الاستئناف؛ بعطف جملة على جملة. وهو قول أكثر المفسرين. قال ابن عباس -في رواية عطاء- (٥): نزلت الآيةُ في نَبْهان التَّمَّار؛ أتته امرأة حسناء، تَبْتَاعُ منه تَمْرًا، فَضمَّها إلى نَفْسِه وقَبَّلَها، ثم ندمَ على

стр. 2976

ذلك، فأتى النبي ﷺ ، وذَكَر له ذلك، فنزلت هذه الآية (١).

стр. 2977

وقال ابنُ مسعود (١): قال المؤمنون للنبي ﷺ : كانت بنو إسرائيلَ أكرَمَ على اللهِ مِنَّا؛ كان أحدُهم إذا أذنب ذَنْبًا، أصبحت كفَّارةُ ذَنْبِهِ مكتوبةً (٢) في عَتَبَةِ بابِهِ (٣): (اجْدَعْ أنفَكَ)، (افعل كذا)! فأنزل اللهُ هذه الآيةَ، وبَيَّنَ أنَّهم أكرم على اللهِ منهم؛ حيث جعل كفّارةَ ذنوبهم الاستغفار. وقوله تعالى: ﴿فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ يعني: الزِّنَا -ههنا- (٤). وهي-في اللغة-: كلُّ قَبِيحةٍ خارِجَةٍ عَمَّا أذِنَ اللهُ فيه (٥). وذكرنا معنى (الفُحْش) و (الفحشاء) فيما تقدم. والفاحشة -ههنا- نعتُ محذوفٍ؛ التقدير: فعلوا فِعْلَةً فاحشةً (٦). وقوله تعالى: ﴿أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ قال ابنُ عباس (٧)، ومقاتل (٨)،

стр. 2978

والكلبي (١): هو ما دون الزِّنَا، مِن قُبْلَةٍ أو لَمْسَةٍ، أو نَظَرٍ فيما [لا يَحِلُّ؛ مثل الذي (٢) فَعَلَ نَبْهانُ التَّمَّار. وقوله تعالى: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ﴾ فيه وجهان: أحدهما: أن المعنى: ذكروا وعيد الله. فيكون من باب حَذْفِ المضاف. والذِّكْرُ -ههنا- يكون: هو الذي ضد النسيان. وهذا معنى قول: الضحاك، ومقاتل، والواقدي. فإن الضَّخَاكَ قال (٣): ذكروا العَرْضَ الأكبر على الله. ومقاتل والواقدي قالا (٤): تَفكَّرُوا أنَّ اللهَ سائِلُهُم عنه. الوجه الثاني: ذكروا الله بأن قالوا: اللهُمَّ اغفر ذنوبنا، فإنَّا تُبْنا إليك, ونَدِمْنا. وهذا معنى قولِ مُقاتل بن حَيَّان (٥). والذكْر -ههنا- ليس الأول وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ قال الفَرَّاءُ (٦) هذا محمولٌ على المعنى؛ تأويله: ما يَغْفِرُ الذنوبَ أحَدٌ إلّا اللهُ؛ فلذلك رفعت

стр. 2979

ما بعد (إلّا) (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا﴾ يقال: (أصَرَّ (٢) على الشيء): [إذا قام عليه] (٣)، ودام. ومِن هذا يقال للعَزِيمَةِ (٤) التي لا تُنْقَضُ: (صِرِّي) (٥). قال المفسرون (٦): معناه: لم يُقِيموا، ولَمْ يَدُومُوا، [بل تابوا، وأَقَرُّوا] (٧)، واستغفروا. والذي يُؤَكِّد هذا القول (٨):

стр. 2980

أنه تعقب (١) قوله: ﴿ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ﴾ فوَصَفَ الذَّاكرَ بأنه غير مُصِرٍّ (٢). ورُوِيَ عن [النبي] (٣) ﷺ أنه قال: "ما أصَرَّ مَن استَغْفَرَ، وإنْ عادَ في اليوم سبعينَ مَرَّةً" (٤).
следующие страницы →