← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

لَيْسَ (١) يُعْطِيكَ لِلرَّجَاء ولِلْخَوْ ... فِ ولكن يَلَذُّ طَعْمَ العَطَاءِ (٢) فأي معنى لشكر (٣) من يعطي لاجتلاب لذته، ويجيب (٤) داعي رأفته. قال أبو بكر: ويحتمل أن يكون هذا ثناء أثنى به على نفسه، علم عباده في أول كتابه ثناء (٥) عليه، وشكرا (٦) له، يكتسبون بقوله وتلاوته أكمل الثواب وأعظم الأجر، لطفا بهم، وحسن نظر لهم، فقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي قولوا: يا معشر الناس ما إذا قلتموه علت منزلتكم [وارتفعت درجتكم بقوله] (٧) عند ربكم، فيضمر القول هاهنا كما أضمر في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] معناه يقولون: ما نعبدهم (٨). ثم إذا قال القائل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فقد (٩) أثنى على الله تعالى، فيكون

стр. 457

بذلك متعرضًا لثواب الله، ومن أثنى على واحد فقد تعرض لإحسانه وثوابه. يدل على صحة هذا أن بعض العلماء، سئل عن تفسير الحديث المروي: "أفضل الدعاء سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلى الله، والله أكبر" (١) فقيل له: ما في هذا من (٢) الدعاء؟ وإنما الدعاء: (اللهم اغفر لنا، وافعل بنا). فقال للسائل: أما سمعت قول أمية بن أبي الصلت لعبد الله بن (٣) جدعان: كَرِيمٌ لاَ يُغَيِّرُهُ صبَاحٌ ... عَنِ الخُلُقِ الجَمِيلِ وَلاَ مَسَاءُ إِذاَ أَثْنى عَلَيْهِ المَرْءُ يَوْمًا ... كَفَاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّنَاءُ (٤)

стр. 458

فهذا مخلوق اجتزأ من مسألة مخلوق مثله بالثناء عليه، فكيف يحتاج العبد مع ثنائه على ربه أن يسمي له حوائجه؟. قال (١): وإنما اختير (الحمد) على الشكر للمبالغة والعموم، وذلك أن الشكر لا يكون إلى مكافأة لنعمة سبقت إليك وأيضًا، فإنه لا يشكر أحد على ما فيه من الأوصاف الجميلة، وليس كذلك الحمد، فإنه يقع ابتداء قبل الصنيعة، ويقع على الأوصاف المحمودة فهو أبلغ وأعم وأجمع (٢). قال الشاعر: يَا أَيُّهَا المَائِحُ دَلْوى دُونكا ... إِنِّي رَأَيْتُ النَّاسَ يَحْمَدُونكا (٣)

стр. 459

فترجم بالثناء (١) والتمجيد (٢) عن الحمد، فدل هذا على عموم الحمد. وقد أخبرنا أبو الحسين بن أبي عبد الله الفسوي (٣) ﵁، أنبا (٤) أحمد بن محمد الفقيه (٥)، أبنا محمد بن هاشم (٦)، عن الدَّبَرِي (٧)، عن عبد الرزاق (٨)،

стр. 460

عن مَعْمر (١)، عن قتادة، عن عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ قال: (الحمد رأس الشكر، ما شكر الله عبدًا لا يحمده) (٢). قال أحمد (٣) على إثر هذا الحديث: الحمد نوع والشكر جنس (٤)، وكل حمد شكر (٥)، وليس كل شكر حمدا. وهو على ثلاث منازل: شكر القلب، وهو الاعتقاد بأن الله ولي النعم، قال الله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]، وشكر اللسان وهو إظهار النعمة بالذكر لها، والثناء على مسديها، قال الله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١] وهو رأس الشكر المذكور في الحديث. وشكر العمل، وهو (٦) إدآب النفس بالطاعة.

стр. 461

قال الله سبحانه (١): ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ (٢) [سبأ: ١٣]. وقام رسول الله ﷺ حتى تفطرت قدماه، فقيل: يا رسول الله أليس قد غفر الله (٣) لك ماتقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا" (٤). وقد جمع الشاعر أنواعه الثلاثة فقال: أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّى ثَلاَثَةً ... يَدِي وَلِسَانِي والضمِيرَ المُحَجَّبَا (٥) (٦) وبين الحمد والشكر فرق واضح (٧)، يظهر بالنقيض؛ لأن نقيض الشكر الكفر، ونقيض الحمد الذم (٨)، فهذا ما في معنى الحمد والشكر.

стр. 462

ولا بد من ذكر طرف من مذهب النحويين في (الألف واللام) اللتين للتعريف وحكمهما. ومذهب (١) الخليل في هذا أن (ال) حرف التعريف، بمنزلة (قد (٢)) في الأفعال، فإن الهمزة واللام جميعا (٣) للتعريف، وحكي عنه أنه كان يسميها (أل) كقولنا: (قد)، وأنه لم يكن يقول: (الألف (٤) واللام) كما لا يقول في (قد) القاف والدال. واحتج لهذا المذهب بفصلين (٥) (٦): أحدهما: أن العرب قد قطعت (أل) في أنصاف الأبيات، نحو قول عبيد (٧): يا خَلِيلَيَّ ارْبَعَا واستَخبِرَا الـ ... مَنْزِلَ الدّارِس مِنَ أَهْلِ الحِلاَل مِثْلَ سَحْقِ البُرْدِ عَفَّى بَعْدَكَ الـ ... قَطْرُ مَغْنَاهُ وتَأْوِيبُ الشَّمَالِ (٨)

стр. 463

قال (١): فلو كانت اللام وحدها حرف التعريف؛ لما جاز فصلها من الكلمة التي عرفتها، لاسيما واللام ساكنة، والساكن لا ينوي به الانفصال (٢). فصار قطعهم وهم يريدون الاسم بعدها كقطع النابغة (٣) (قد) في قوله: أَفِدَ (٤) التَّرحُّلُ (٥) غَيْرَ أَنَّ رِكَابَنَا ... لمَّا تَزُلْ بِرِحَالِهَا (٦) وَكَأَنْ قَدِ (٧)

стр. 464

ألا ترى أن التقدير: (كأن قد زالت)، فقطع (قد) من الفعل كقطع (ال) من الاسم. وإذا (١) كان (ال) عند الخليل حرفا واحدا، فقد ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة، كقاف (قد) وباء (بل)، إلى أنه لما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه، فحذفت همزته، كما حذفوا: (لم يَكُ) و (ولا أَدْرِ) (٢). والفصل (٣) الثاني (٤): أنهم قد أثبتوا هذِه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل، نحو قوله ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ﴾ (٥) [يونس: ٥٩] و ﴿قُلْ آلذَّكَرَيْنِ﴾ [الأنعام: ١٤٣]، ولم (٦) تر همزة وصل تثبت في نحو هذا، فهذا يؤكد أن همزة (أل) ليست بهمزة وصل وأنها مع اللام كقد. ومذهب الجمهور (٧) في هذا أن اللام وحدها هي حرف التعريف، وأن

стр. 465

الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها، والدليل على هذا (١) إيصالهم حرف الجار إلى ما بعد حرف التعريف نحو قولهم: (عجبت من الرجل) و (مررت بالغلام) فنفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور، وإنما كان كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرفه؛ لأنه على حرف واحد، ولاسيما ساكن، ولو كان حرف التعريف في نية الانفصال كـ (٢) (قد) لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف. وأيضا فإن (٣) حرف التعريف نقيض التنوين، لأن التنوين دليل التنكير، كما أن هذا (٤) دليل التعريف، فكما (٥) أن التنوين في [آخر الاسم حرف واحد، كذلك حرف التعريف في] (٦) أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا. فأما ما احتج به الخليل من قطع (أل) عن الحرف الذي بعده في الشعر فقد يقطعون (٧) في المصراع الأول بعض الكلمة وما هو منها أصل، ويأتون بالبقية في أول المصراع الثاني، كما قال:

стр. 466

يَا نَفْسِ أَكْلًا واضْطِجَا ... عًا نَفْسِ لَسْتِ بِخَالِدَه (١) وهو كثير، وإذا جاز ذلك في أَنْفُسِ الكَلِم، ولم يدل على انفصال بعض الكلمة من بعض، فغير منكر أيضًا أن تفصل (لام المعرفة) في الأول (٢). وأما ما احتج به من قطع الهمزة في نحو: ﴿آللَّهُ﴾ (٣) فإنما جاز ذلك لمخافة التباس الاستفهام بالخبر (٤). وإنما جعل حرف التعريف حرفا واحدا؛ لأنهم أرادوا خلطه (٥) بما بعده، فجعلوه على حرف واحد؛ ليضعف عن (٦) انفصاله مما بعده، فيعلم بذلك أنهم قد (٧) اعتزموا (٨) على خلطه به، ولهذا سكنوه، لأنه أبلغ فيما قصدوا، لأن الساكن أضعف من المتحرك، وأشد حاجة وافتقارا إلى ما يتصل به (٩).

стр. 467

وإنما اختاروا (١) (اللام) دون سائر حروف المعجم؛ لأنهم أرادوا إدغام حرف التعريف فيما بعده؛ لأن الحرف المدغم أضعف من الحرف الساكن غير المدغم؛ ليكون إدغامه دليلا على شدة اتصاله، فلما آثروا إدغامه فيما بعده اعتبروا حروف المعجم، فلم يجدوا فيها حرفا أشد مشاركة لأكثر الحروف من (اللام) فعدلوا إليها؛ لأنها تجاور أكثر حروف الفم (٢) التي هي معظم الحروف، وليصلوا بذلك إلى الإدغام المترجم عما عزموه (٣) من شدة وصل التعريف بما عرفه (٤) (٥)، ولو جاؤوا بغير (اللام) للتعريف لما أمكنهم أن يكثر (٦) إدغامها، كما أمكنهم ذلك مع (اللام)، فإدغامهم إياها مع ثلاثة (٧) عشر حرفا، وهي: (التاء، والثاء، والدال، والذال، والراء، والزاي، والسين، والشين، والصاد، والضاد، والطاء، والظاء، والنون) وذلك قولهم التمر، والثَّرِيد، والدِّبْس، والذَّوْق (٨)، والرُّطَب، والزُّبْد، والسَّفَرْجَل، والشَّعِير، والصَّيْر، والصَّنَاب (٩)،

стр. 468

والطَّبِيخ، والظُّلْم (١)، والنَّبِق، يدلك على (٢) ما ذكرنا أنك (٣) تجد (اللام) ساكنة وهي لغير التعريف مظهرة غير مدغمة مع أكثر هذِه الحروف، وذلك نحو: (التقت) (٤)، و (هل ثم أحد) (٥)، و (الْزَمْ (٦) بِه) و (أَلْسِنَة) هذا هو الكلام في (اللام) (٧). فأما الكلام في (الهمزة) الداخلة على هذِه (اللام): فاعلم أن (الهمزة) (٨) (إنما جيء بها توصلا إلى النطق بالساكن الذي بعدها، إذ لم

стр. 469

يمكن (١) الابتداء به، وكان حكم هذِه (الهمزة) أن تكون ساكنة، لأنها حرف جاء لمعنى، ولا حظ له في الإعراب. وهي في أول الحرف كالهاء التي لبيان الحركة (٢) في آخر الحرف. نحو (وازيداه) و (واعمراه) فكما أن تلك ساكنة فكذلك كان ينبغي في الألف (٣) أن تكون ساكنة (٤)، إلا أنها (٥) حركت لأجل الساكن الذي بعدها، ولم يجز أن يحرك ما بعدها لأجلها من قبل أنك لو فعلت ذلك لبقيت هي عليك (٦) أيضًا في أول الكلمة ساكنة، وكان يحتاج لسكونها إلى حرف قبلها محرك يقع به (٧) الابتداء. وإنما اختاروا الهمزة لوقوع الابتداء (٨) بها (٩)؛ لأنهم أرادوا حرفا يتبلغ به في الابتداء، ويحذف في الوصل للاستغناء عنه بما قبله، فجعلوه الهمزة؛ لأن العادة فيها في أكثر الأحوال حذفها للتخفيف، وهي مع ذلك أصل،

стр. 470

فكيف بها إذا كانت زائدة، ألا تراهم حذفوها في نحو: (خذ) و (مر) (١) و (وَيْلُمِّه) (٢) وفي قول الشاعر: وَكَانَ حَاملُكُمْ مِنَّا وَرَافِدُكُمْ ... وَحَامِلُ المِينَ بَعْد المِينَ والْأَلَفِ (٣) أراد المئين، فحذف الهمزة، وأراد (الألف) فحرك اللام ضرورة (٤). وقالوا: (ذن (٥) لا أفعل) فحذفوا همزة (إذن) (٦) ولو أنهم جعلوا مكان الهمزة غيرها لم يمكن حذفه؛ لأنه لم يحذف غيرها من الحروف كما حذفت هي، وكانت (الهمزة) بالزيادة في الابتداء أولى من سائر الحروف؛ لأنهم شرطوا على أنفسهم حرفا يحذف عند الغنى (٧) عنه، وذلك في أكثر أحواله؛ لأن الوصل أكثر من الابتداء والقطع، ولم يجدوا حرفا يطرد فيه الحذف

стр. 471

اطراده في الهمزة، فأتوا بها دون غيرها من سائر حروف المعجم. والأصل في جميع (ألفات الوصل) أن تبدأ بالكسر؛ لأنها إنما دخلت وصلة إلى النطق بالساكن (١)، وقد ذكرنا أن حقها كان في الأصل السكون، فلما كان حقها السكون ودخلت على الساكن حركت بالكسرة تشبيها بحركة الساكن إذا لقيه ساكن، لأن تحريك أحد الساكنين في سائر المواضع إنما هو أيضًا ليتصل به إلى النطق بالساكن الآخر (٢). وإنما فتحت مع (لام التعريف) لأن (اللام) حرف، فجعلوا حركة الهمزة معها فتحة؛ لتخالف حركتها في الأسماء والأفعال (٣) (٤). و (لام التعريف) تقع (٥) في الكلام في أربعة مواضع (٦) وهي: ١ - تعريف الواحد بعهد، نحو قولك لمن كنت معه في ذكر رجل: (قد وافى الرجل) أي: الرجل الذي كنا في حديثه وذكره. ٢ - وتعريف الواحد بغير عهد نحو قولك لمن لم تره قط ولا ذكرته: (يا أيها الرجل أقبل) فهذا تعريف لم يتقدمه ذكر ولا عهد.

стр. 472

٣ - الثالث: تعريف الجنس، نحو قولك: (العسل حلو والخل حامض) فهذا التعريف لا يجوز أن يكون عن إحاطة بجميع الجنس ولا مشاهدة له؛ لأن ذلك متعذر، وإنما معناه: أن كل واحد من هذا الجنس المعروف بالعقول دون حاسة المشاهدة (١). ٤ - الرابع: أن تكون زائدة، نحو قوله: (الآن، ولام الذي والتي وتثنيتهما وجمعهما، ولام اللات والعزى) وسنذكر كل واحد من هذِه الحروف إذا انتهينا إليه إن شاء (٢) الله. فأما قوله: (الحمد) فـ (اللام) فيه تحتمل (٣): أن تكون للجنس، أي جميع المحامد له؛ لأنه الموصوف بصفات الكمال في نعوته وأفعاله الحميدة (٤)، وتحتمل: أن تكون للعهد، أي: الحمد الذي حمد به نفسه

стр. 473

وحمده به أولياؤه (١). ورفعه على معنى قولوا: (الحمد لله) على ما حكينا عن ابن الأنباري (٢)، ويجوز أن يكون ابتداء، وخبره فيما بعده (٣). وقوله تعالى: ﴿لِلَّهِ﴾: هذِه (اللام) تسمى لام الإضافة (٤)، ولها في الإضافة معنيان (٥): أحدهما: الملك نحو: (المال لزيد). والآخر: الاستحقاق (٦) نحو: (الجُلُّ (٧) للدابة) أي: استحقته ولابسته، وكذلك (الباب للدار). وهذِه الجارة مكسورة مع المظهر، ومفتوحة مع المضمر، وإنما كسرت مع المظهر وكان من حقها الفتح؛ لأنا ذكرنا أن هذِه الحروف التي تستعمل على واحدة حقها الفتح (٨)، وكسرت مع المظهر للفرق

стр. 474

بينها (١) وبين (لام الابتداء) وذلك قولك في الملك: (إن زيدا لهذا) أي: في ملكه، و (إن زيدا لهذا) أي: هو (٢) هو، فلو فتحت في الموضعين لالتبس (٣) معنى (٤) الملك بمعنى الابتداء. وإنما كسرت الجارة وتركت (لام الابتداء) بحالها مفتوحة (٥)؛ لأن أول أحوال (٦) الاسم هو الابتداء، وإنما يدخل الناصب والجار والرافع على المبتدأ (٧) فلما كان المبتدأ متقدما في المرتبة، وكان فتح هذِه اللام هو الأول المتقدم من حالتها (٨)، جعل الفتح الذي هو أول مع الابتداء الذي هو أول، ولما كان الكسر فيها إنما هو ثان غير أول، جعل مع الذي هو تبع للابتداء، هذا هو القياس (٩).

стр. 475

وقوله تعالى ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾: (الرب) في اللغة له معنيان (١): أحدهما: أن يكون معناه من الرب بمعنى التربية. قال الأصمعي: (رب فلان الصنيعة يَرُبُّها رَبًّا إذا أتمها وأصلحها) قال: ويقال: فلان رَبَّ نِحْيَهُ يَرُبُّه رَبًّا (٢) إذا جعل فيه الرُّبَّ ومتَّنَهُ به، وهي (٣) نِحْيٌ مَرْبُوب (٤) وهذا -أيضًا- عائد إلى معنى التربية والإصلاح. قال الشاعر: فَإِنْ كُنْتِ مِنِّي أَوْ تُرِيدِين صُحْبَتِي (٥) ... فَكُونِي لَهُ كَالسَّمْنِ (٦) رُبَّتْ لَهُ الأَدَم (٧)

стр. 476

وتقول: رَبَّ الشيء يَرُبُّه ربوبًا فهو رَبٌّ، مثل: (بَرّ وَطَبّ (١)) (٢)، إذا تممه وأصلحه، قال الشاعر: يَرُبُّ الذِّي يَأْتِي مِنَ الخَيْرِ أَنَّهُ ... إذَا فَعَلَ المَعْرُوفَ زَادَ وَتَمَّمَا (٣) فالمعنى (٤) على هذا أنه يربي الخلق ويغذوهم (٥) بما ينعم عليهم (٦). الثاني: أن يكون الرب بمعنى المالك، يقال: رب الشيء إذا ملكه، ورببت (٧) فلانا، أي: كنت فوقه (٨). ومنه قول صفوان بن أمية (٩): لأن يَرُبَّنِي رجل من قريش أحب إِلي من أن يَرُبَّنِي رجل من هوازن (١٠) يعني: أن يكون ربًا فوقي، وسيدًا يملكني. وكل

стр. 477

من ملك شيئا فهو ربّه (١)، يقال: هو ربّ الدار وربّ الضيعة (٢)، وقال النبي ﷺ لرجل (٣): "أَرَبُّ إِبلٍ أنت أم رَبُّ غنم؟ " (٤)، وقال النابغة: فَإِنْ تَكُ رَبَّ أَذْوَادٍ بِحُزْوى ... أَصَابُوا مِنْ لِقَاحِكَ مَا أَصَابُوا (٥) ثم (السيد) يسمى ربًّا وإن لم يكن مالكا على الحقيقة (٦)، قال الله تعالى: ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢]. وقال الأعشى (٧): وَأَهْلَكْنَ يَوْمًا رَبَّ كِنْدَةَ وابْنَه (٨).

стр. 478

أي: سيدها. والله تعالى ربُّ كل شيء أي: مالكه، وهو السيد على الحقيقة. وقال بعض أهل اللغة: المعنى الثاني راجع إلى الأول الذي هو بمعنى التربية (١) وقيل للمالك: (رب) لأنه يرب مملوكه، ويملك تربيته وتنشئته، والسيد رب لأنه مالك. فأما ما يذهب إليه المتكلمون أنه لم يزل ربًّا (٢)، وأن هذا من صفة الذات، وقولهم: إن معناه الثابت الدائم، من قولهم: (ربُّ بالمكان) إذا أقام به (٣). فهذا لا يعرفه أهل اللغة، وليس يصح ربَّ (٤) بمعنى: أقام (٥)، وأربَّ بمعنى: أقام صحيح (٦)، فان أمكن بناء (٧) هذا الاسم من الإرباب صح قولهم.

стр. 479

وقوله تعالى: ﴿الْعَالَمِينَ﴾: هو جمع (عالم) على وزن (فَاعَل) (١)، كما قالوا: خَاتَم (٢)، وطَابَع، ودَانَق (٣)، وقَالَب (٤)، واختلفوا في اشتقاقه على وجهين: فمنهم من قال: اشتقاقه من (العَلَم) و (العلامة)، وذلك أن كل مخلوق دلالة وعلامة على وجود صانعه (٥)، فالعالم اسم عام لجميع المخلوقات، يدل على هذا قول الناس: (العالم محدث) يريدون به جميع المخلوقات، وهذا قول الحسن (٦) ومجاهد وقتادة (٧) في تفسير العالم: إنه جميع المخلوقات. ولدل على هذا القول من التنزيل قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [الشعراء: ٢٣، ٢٤] فسر (٨) العالمين بجميع المخلوقات. ومنهم من قال: إنه مشتق من العِلْم (٩).

стр. 480

فالعالمون على هذا هم من يعقل، قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: هم الجن والإنس (١). واختاره أبو الهيثم (٢) والأزهري (٣)، واحتجوا بقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] وإنما بعث محمد نذيرا للجن والإنس (٤). وقال الحسين بن الفضل وأبو معاذ (٥) النحوي: هم بنو آدم (٦)، لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ [الشعراء: ١٦٥]. وقال الفراء (٧) وأبو عبيدة: هو عبارة عما يعقل، وهو أربع أمم:

стр. 481

الملائكة والإنس والجن والشياطين، ولا يقال للبهائم: عالم (١). وقد ذكر الله تعالى ﴿الْعَالَمِينَ﴾ وأراد به أهل عصر واحد، وهو قوله لبني إسرائيل: ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٤٧] يعني عالمي زمانهم (٢). وهذِه الأقوال صحيحة على أصل من يجعله مشتقًّا من العِلْم، والذين صححوا هذِه الطريقة قالوا في جواب موسى لفرعون: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ (٣): إنه لم يشتغل بتفسير العالمين، وإنما أراد تعريفه على وجه أظهر من الأول (٤)، ليصير الخصم مبهوتًا. وأبو إسحاق (٥) اختار الطريقة الأولى، وقال: معنى العالمين: كل ما خلق الله. قال: وقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ كقوله ﴿وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٦٤] (٦). والعالم على كلا (٧) الأصلين: اسم للجمع (٨)، ولا واحد له من لفظه،

стр. 482

كالأنام والرهط والجيش (١). قال أبو إسحاق: وإنما لم يستعمل الواحد من لفظه؛ لأن (العالم) اسم لأشياء مختلفة، فإن جعل لواحد منها اسم من لفظه صار جمعا لأشياء متفقة (٢). وهذا النوع من الجمع (٣) يسمى (السالم) لسلامة لفظ الواحد فيه، ويجمع على الواو والياء (٤). واختلف النحويون في (الواو والياء والألف) اللواتي تلحق التثنية والجمع (٥)، فمذهب سيبويه فيها أنها حروف إعراب بمنزلة (الدال) من زيد (٦). والدليل على ذلك (٧): أن الذي أوجب للواحد المتمكن نحو: (زيد ورجل) حرف الإعراب، هو (٨) موجود في التثنية والجمع (٩)، وهو التمكن،

стр. 483

فكما أن الواحد المعرب المتمكن يحتاج إلى حرف إعراب، فكذلك الاسم المثنى والمجموع إذا كان معربا متمكنا احتاج إلى حرف إعراب، وإذا كان كذلك فقولنا: (الزيدان والزيدون) (١) لا يخلو حرف الإعراب، إما أن يكون ما قبل الألف والواو، أو هما، أو ما بعدهما. ويفسد أن تكون (الدال) من زيد هي حرف الإعراب في التثنية؛ لأنها قد كانت في الواحد حرف الإعراب، وقد انقلبت عن الواحد الذي هو الأصل إلى التثنية التي هي فرع، كما تقول في (قائمة) لما انقلبت عن المذكر (٢) الذي هو الأصل إلى المؤنث الذي هو الفرع، بطل أن تكون (الميم) التي كانت (٣) في المذكر حرف إعراب أن تكون (٤) في المؤنث حرف إعراب، وصار حرف الإعراب علم التأنيث وهو (الهاء) (٥) فكذلك ينبغي أن يكون علم التثنية والجمع (٦) هو حرف الإعراب (٧). ولا يجوز أن يكون ما بعد الألف والواو حرف إعراب، وهو (النون) لأنها حرف صحيح يتحمل (٨) الحركة، فلو كانت

стр. 484

حرف إعراب لوجب أن تعربه (١) في الرفع والنصب والخفض (٢)، كما تعرب (الدال) من زيد، وكما تقول: هؤلاء غلمان، ورأيت غلمانا، ومررت بغلمان (٣). وهذا الذي ذكرنا من مذهب سيبويه، مذهب أبي إسحاق وابن كيسان، وأبي بكر، وأبي علي (٤). وإذا ثبت أن هذِه الحروف حروف إعراب (٥) فلا إعراب في لفظها استثقالا للحركات فيها، ولا تقدير إعراب فيها -أيضًا- كما يقدر في الأسماء المقصورة المعربة نية الإعراب، ألا ترى أنك إذا قلت: هذا فتى، ففي الألف تقدير ضمة، وإذا قلت: رأيت فتى، ففي الألف تقدير فتحة، وإذا قلت: مررت بفتى، ففي الألف تقدير كسرة، وهو لا يرى (٦) أنك إذا قلت: هذان الزيدان، أن في الألف تقدير ضمة، ولا إذا قلت: مررت بالزيدين، وضربت

стр. 485

الزيدين، ففي الياء تقدير كسرة ولا فتحة (١). قال أبو علي: (٢) يدلك على أنه ليس في حرف الإعراب من التثنية والجمع تقدير حركة في المعنى، صحة (الياء) في الجر والنصب في قولك: (مررت برجلين) و (ضربت رجلين)، ولو كان في (الياء) منهما (٣) تقدير حركة، لوجب أن تقلب ألفا كرحى وفتى، ألا ترى أن (الياء) إذا انفتح ما قبلها وكانت في تقدير حركة وجب أن تقلب ألفا (٤). وهذا استدلال من أبي علي في نهاية الحسن، وصحة المذهب وسداد الطريقة (٥). ودخلت النون فيهما عوضا من الحركة والتنوين، وذلك أن من شرط التثنية، والجمع -الذي على حد التثنية- أن يكون (٦) له علامة مزيدة على لفظ الواحد، والواحد فيه حركة وتنوين، فكان حق العلامة أن تدخل على لفظ الواحد، ثم تلحقها الحركة والتنوين، فلما وجب أن يدخل التنوين

стр. 486

والحركة في التثنية والجمع، ثم عرض ما يمنع من دخولهما، وجب أن يعوض (١) منهما، وقد بينا أن الحركة إنما أسقطت استثقالا، والتنوين وجب إسقاطه لأنه ساكن، وهذِه الحروف سواكن ولم يمكن إسقاط هذِه الحروف لأنها علامات، ولا تحريكها للثقل، ولا تحريك التنوين؛ لأنه يخرج عن حكم العلامة ويصير نونا لازمة، فلم يبق إلا إسقاطه، فلما دخلت النون دخلت ساكنة؛ لأنه لا حظ لها من الإعراب فاجتمع ساكنان، فحركت نون التثنية بالكسرة ونون الجمع بالفتحة فرقا بينهما (٢). وكانت نون التثنية أولى بالكسرة لأن قبلها (ألفا) وهي خفيفة والكسرة ثقيلة (٣)، فاعتدلا، وقبل نون الجمع (واو (٤)) وهي ثقيلة ففتحوا النون ليعتدل الأمر. فإن قلت: إنك تكسر النون مع (الياء) في النصب والجر، فهلا هربت إلى الفتحة لمكان (الياء) كما هربت إلى الفتحة لمكانها في (أين وكيف)؟. والجواب: أن (الياء) في التثنية ليست بلازمة كلزومها في (أين) لأن الأصل هو الرفع، والنصب والجر فرعان عليه، فأجروا الباب على حكم الرفع الذي هو الأصل (٥)، وصارت النون أولى بالزيادة من بين سائر الحروف، لشبهها بحروف المد. وسترى وجه الشبه بينهما فيما يمر بك من الكتاب إن شاء الله.

стр. 487

٤ - قوله تعالى: ﴿مَالِكِ (١) يَوْمِ الدِّينِ﴾. المالك في اللغة: (الفاعل) من الملك، يقال: ملك فلان الشيء يملِكُه مُلكا ومِلكا ومَلْكا ومَلَكة (٢) ومَمْلَكة ومَمْلَكة (٣)، ويقال: إنه لحسن الملْكَة (٤) والمِلْك. وأصل المُلك والمِلك راجع إلى معنى واحد، وهو الربط والشد، فمالك الشيء من ربطه لنفسه وملكه ما يختص به، وشد بعقد يخرج به عن أن يكون مباحا لغيره، وملك القوم من غلبهم وربط أمرهم (٥). ومن هذا يقال: ملكت العجين أي شددت عجنه، وقول أوس بن حجر (٦): فملك بالليط الذي تحت قشرها ... كغِرْقيء بَيضٍ كنه القَيضُ من عَلِ (٧)

стр. 488

ملك: شدد. وقول قيس بن الخطيم (١): ملكت بها كفي فأنهرت فتقها (٢) أي: شددت بالطعنة كفي (٣). ويقال: ما تمالك فلان أن فعل كذا، أي لم يستطع أن يضبط نفسه (٤). وقال (٥): فلا تمالك (٦) عن أرض لها عمدوا (٧) وملاك (٨) الأمر: ما يضبط به الأمر، يقال: القلب (٩) ملاك الجسد (١٠).

стр. 489

وأبو مالك: كنية الكبر والسن، كني به لأنه يغلب الإنسان ويشده عما يريد، فلا ينبسط انبساط الشاب (١). قال: أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا (٢) ويقال للرجل إذا تزوج: ملك فلان، يملك ملكا؛ لأنه شد عقد النكاح. وأملك إملاكا إذا زوج (٣). وفي هذا الحرف قراءتان (مالك) و (ملك) (٤). فمن قرأ (ملك) قال: الملك أشمل وأتم؛ لأنه قد (٥) يكون مالك (٦) ولا ملك له، ولا يكون مَلِك إلى وله مُلك، ولأنه لا يقال: مالك على الإطلاق، حتى يضاف إلى شيء، ويقال: ملك على الإطلاق (٧). واحتج محمد بن جرير (٨) لهذِه القراءة فقال: إن الله نبه على أنه مالكهم بقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فحمل قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ على وصف زائد

стр. 490

أحسن (١). وقال محمد بن السري: الملك (٢) الذي يملك الكثير من الأشياء، ويشارك غيره من الناس بالحكم عليه في ملكه (٣)، وأنه لا يتصرف فيه إلا بما يطلقه له الملك ومع ذلك أن الملك يملك على الناس أمورهم، فلا يستحق اسم الملك حتى يجتمع له ملك هذا كله، فكل ملك مالك، وليس كل مالك ملكا. ويقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ (٤)، وقوله ﴿الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ [الحشر: ٢٣]، و ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٢]، و ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٦]، ولم يقل: (لمن المِلْك) (٥). وأكثر أهل اللغة اختاروا (مالك) أبو عبيدة، وأبو حاتم (٦)،

стр. 491

والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (١)، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس (٢)، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (٣)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (٤). واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) (٥). ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر

стр. 492

معناها (١) الملك (٢). ومن نصر هذِه القراءة أجاب (٣) ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. في أمثال كثيرة لهذا (٤). فمن قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة (٥) عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة (٦).

стр. 493

وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف (١)، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة. وأما إعراب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجر في القراءتين (٢). وهو صفة الاسم، مجرور (٣)، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها (٤) بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه (٥)، إنما يعمل فيه كونه نعتا (٦)، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ (٧) إنما يرفعه الابتداء (٨)، وإنما الابتداء معنى عمل (٩) فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا (١٠). وقوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك (١١) وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني

стр. 494

يوم يدين الله العباد بأعمالهم (١). تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته (٢). ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (٣) [الصافات: ٥٣] أي مجزيون. وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (٤) أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: ١٧]. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل (٥)، في معنى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب (٦)،

стр. 495

واختار أبو عبيد هذا القول (١). ومن الدين بمعنى الحساب قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: ذلك الحساب (٢) الصحيح، والعدد المستوي (٣). وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه (٤) ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة (٥) ، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. ٥ - قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٦). اختلفت (٧) مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب (٨). ذهب الخليل
следующие страницы →