← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

والأصمعي، والأخفش، وأبو العباس (١)، وقالوا: إنه أجمع وأوسع، لأنه يقال: مالك الطير والدواب والوحوش وكل شيء، ولا يقال: ملك كل شيء، إنما يقال: ملك الناس (٢)، قالوا: ولا يكون مالك الشيء إلا وهو يملكه، وقد يكون ملك الشيء وهو لا يملكه كقولهم: (ملك العرب والعجم)، ولأنه يجمع الفعل والاسم (٣)، ولأن معنى الآية أنه يملك الحكم يوم الدين بين خلقه دون غيره، فالوصف يكون مالكا (٤). واحتج أبو العباس لهذِه القراءة فقال: (مالك يوم الدين) معناه يملك إقامة يوم الدين، على معنى يملك أن يأتي به، وإذا كان المعنى على هذا فالوجه (مالك) لا (ملك) (٥). ومما يقوي هذِه القراءة من التنزيل قوله ﴿وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ﴾ [الانفطار: ١٩] فقولك: الأمر له، وهو مالك الأمر بمعنى، ألا ترى أن لام الجر

стр. 492

معناها (١) الملك (٢). ومن نصر هذِه القراءة أجاب (٣) ابن جرير بأن قال: ما ذكرت لا يرجح قراءة ملك؛ لأن في التنزيل أشياء على هذِه الصورة قد تقدمها العام وذكر بعده الخاص، كقوله ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١ - ٢]. وقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، ثم قال: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ [البقرة: ٤]. في أمثال كثيرة لهذا (٤). فمن قرأ ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فقد أضاف اسم الفاعل إلى الظرف وحذف المفعول من الكلام للدلالة (٥) عليه، تقديره: مالك يوم الدين الأحكام، لأن القديم سبحانه ينفرد في ذلك اليوم بالحكم. فأما الدنيا فإنه يحكم فيها -أيضًا- الولاة والقضاة (٦).

стр. 493

وعلى ما ذكره أبو العباس، الآية تكون من باب حذف المضاف (١)، وإقامة المضاف إليه مقامه، وهو كثير في الكلام، وسترى منه مالا يحصى كثرة. وأما إعراب ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ فالجر في القراءتين (٢). وهو صفة الاسم، مجرور (٣)، والصفات تجري على موصوفاتها إذا لم تقطع عنها (٤) بمدح أو ذم. وأما العامل فيها، فزعم الأخفش أبو الحسن أن الوصف يجري على ما قبله، وليس معه لفظ يعمل فيه (٥)، إنما يعمل فيه كونه نعتا (٦)، وذلك الذي يرفعه وينصبه ويجره، كما أن المبتدأ (٧) إنما يرفعه الابتداء (٨)، وإنما الابتداء معنى عمل (٩) فيه، وليس لفظا، فكذلك هذا (١٠). وقوله تعالى: ﴿الدِّينِ﴾ قال الضحاك (١١) وقتادة: (الدين) الجزاء، يعني

стр. 494

يوم يدين الله العباد بأعمالهم (١). تقول العرب: دنته بما فعل أي جازيته (٢). ومنه قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَدِينُونَ﴾ (٣) [الصافات: ٥٣] أي مجزيون. وقال: واعلم وأيقن أن ملكك زائل ... واعلم بأن كما تدين تدان (٤) أي تجزى بما تفعل. ويقوي هذا التفسير قوله ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ [غافر: ١٧]. وقوله: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٨]. وقال ابن عباس، والسدي، ومقاتل (٥)، في معنى قوله ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾: قاضي يوم الحساب (٦)،

стр. 495

واختار أبو عبيد هذا القول (١). ومن الدين بمعنى الحساب قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦] أي: ذلك الحساب (٢) الصحيح، والعدد المستوي (٣). وقيل في قوله: "الكيس من دان نفسه (٤) ": أي حاسبها. وخص هذا اليوم بأنه مالكه، تعظيما لشأنه وتهويلا لأمره، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾ [العاديات: ١١] وهو خبير سائر الأيام. وللدين معان كثيرة في اللغة (٥) ، وكل موضع انتهينا إليه من القرآن ذكرنا ما فيه. ٥ - قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ (٦). اختلفت (٧) مذاهب النحويين في هذا الحرف، وأنا ذاكر لك هنا منها ما يحتمله هذا الكتاب (٨). ذهب الخليل

стр. 496

إلى أن (إيا) اسم مضمر، مضاف إلى (الكاف) وهذا -أيضًا- مذهب أبي عثمان (١). وحكى أبو بكر (٢) عن أبي العباس (٣) عن أبي الحسن (٤) أنه اسم مفرد مضمر يتغير آخره كما تتغير (٥) أواخر المضمرات، لاختلاف أعداد المضمرين، وأن الكاف في (إياك) كالكاف التي في (ذلك) في أنه دلالة على الخطاب فقط، مجردة من كونها علامة للضمير، ولا يجيز أبو الحسن فيما يحكى عنه: (إياك وإيا زيد) و (إياي وإيا الباطل) (٦). وقال سيبويه: حدثني من لا أتهم عن الخليل أنه سمع أعرابيا يقول: إذا

стр. 497

بلغ الرجل ستين فإياه وإيا الشواب (١). وحكى ابن كيسان عن بعض النحويين أنه قال: (إياك) بكمالها: اسم. قال: وقال بعضهم: (الياء والكاف والهاء) هي الأسماء، و (إيا) عماد لها؛ لأنها لا تقوم بأنفسها (٢). وقال أبو إسحاق: (الكاف) في (إياك) في موضع جر بإضافة (٣) (إيا) إليها، إلى أنه ظاهر يضاف إلى سائر المضمرات. (٤) وليس يصح من هذِه الأقوال إلا قول أبي الحسن (٥). أما قول الخليل: إن (إيا) اسم مضمر مضاف فظاهر الفساد؛ وذلك أنه إذا ثبت أنه مضمر فلا سبيل إلى إضافة؛ لأن الغرض في الإضافة التعريف والتخصيص، والمضمر على نهاية الاختصاص فلا حاجة به إلى الإضافة، فهذا يفسد قول الخليل والمازني جميعا (٦).

стр. 498

وحكاية سيبويه في إضافة (١) (إيا (٢)) ليس سبيل مثله -مع قلته- أن يعترض به على السماع والقياس جميعا، ألا ترى أنه لم يسمع منهم: (إياك وإيا الباطل). وأما قول من قال: (إياك) بكماله اسم، فليس (٣) بقوي، وذلك أن (إياك) في أن فتحة الكاف تفيد خطاب المذكر، وكسرتها تفيد خطاب المؤنث، بمنزلة (أنت) في أن الاسم هو الهمزة والنون، والتاء (٤) المفتوحة تفيد خطاب المذكر، والمكسورة خطاب (٥) المؤنث، فكما أن ما قبل التاء في (أنت) هو الاسم، والتاء حرف خطاب، كذلك (إيا) هو الاسم، والكاف حرف خطاب (٦). وأما من قال: إن (الكاف والهاء والياء) (٧) هي الأسماء و (إيا) عماد لها لقلتها، فغير مرضي أيضا وذلك أن (إيا) في أنه (٨) ضمير منفصل بمنزلة (أنت وأنا ونحن، وهو وهي) في أن هذِه مضمرات منفصلة، كما أن (أنا وأنت) ونحوهما مخالف للفظ المرفوع المتصل نحو (التاء) في قمت، و (النون) في

стр. 499

قمنا، و (الألف) في قاما، و (الواو) في قاموا، بل هي ألفاظ أخر (١) غير ألفاظ الضمير المتصل، وليس شيء منها معمودًا به شيء من الضمير المتصل بل هو قائم بنفسه، فكذلك (إيا) مضمر (٢) منفصل، ليس معمودًا به غيره، كما أن (التاء) في (أنت) وإن كانت بلفظة (التاء) في (قمت)، فليست اسما مثلها (٣)، بل الاسم قبلها وهو (أن)، وهي بعده للخطاب، وليست (٤) (أن) عمادا للتاء (٥)، فكذلك (إيا) هي الاسم، وما بعدها يفيد الخطاب تارة، والغيبة تارة، والتكلم (٦) أخرى، وهذا محض القياس. وأما قول أبي إسحاق: وإن (إيا) اسم مظهر، خص بالإضافة إلى المضمر (٧) ففاسد أيضًا وليست (إيا) بمظهر كما زعم، والدليل على أن (إيا) ليست باسم مظهر اقتصارهم به على ضرب واحد من الإعراب، وهو النصب، كما اقتصروا بـ (أنا وأنت) على ضرب واحد من الإعراب، وهو الرفع (٨)،

стр. 500

ولم نعلم اسمًا مظهرًا اقتصر به على النصب ألبتة، إلا ما كان ظرفا (١)، وليس (إيا) بظرف، فقد صح بما أوردناه سقوط هذِه الأقوال، ولم يبق قول يجب اعتقاده، ويلزم الدخول تحته غير قول أبي الحسن: إن (إيا) مضمر، وإن (الكاف) بعده ليست اسمًا، وإنما هي للخطاب، بمنزلة (كاف) ذلك، وأرأيتك (٢) وأبصرك زيدا، وليسك عمرا (٣)، والنجاءك (٤). فإن قيل: إذا كانت (الكاف) في إياك ليست اسمًا فكيف تقولون في (الهاء) و (الياء) في (إياه وإياي)؟ (٥). قلنا: هما مثل الكاف، وإنما اختلف ما بعد (إيا) لاختلاف أعداد المضمرين وأحوالهم من الحضور والمغيب، ولسنا (٦) نجد حالا سوغت هذا المعنى للكاف، وانكفت غير (٧) (الهاء والياء) (٨). وقد وجدنا غير (الكاف)

стр. 501

لحقه من سلب الاسمية وإخلاصه للحرفية (١) ما لحق (الكاف)، وهي (التاء) في أنت و (الألف) في قول من قال: قاما أخواك (٢)، و (الواو) في: قاموا إخوتك، و (النون) في: قمن الهندات، ألا ترى أن من قال: (أخواك قاما) كانت الألف عنده علامة الضمير والتثنية، وإذا قال: (قاما أخواكا) كانت الألف مخلصة للدلالة على التثنية مجردة من مذهب الاسمية، لامتناع تقدم المضمر (٣)، وخلو (٤) الفعل من علم الضمير بارتفاع الاسم الظاهر بعده، وكذلك الجمع والتأنيث على هذا القياس (٥)، فلا ينكر أيضا أن تكون (الهاء) و (الياء) في ضربه وضربني على معنى الاسمية، فإذا قلت: (إياه) و (إياي) تجردتا من معنى الاسمية، وخلصتا (٦) لدلالة الحرفية، فاعرف هذا، فإنه من لطيف ما تضمنه هذا الفصل (٧)، وهذا الذي ذكرنا كلام أبي علي وأبي الفتح (٨). واعلم: أن الضمير ينقسم إلى ثلاثة أقسام (٩): ظاهر منفصل، وظاهر

стр. 502

متصل، ومستكن، وهو على ثلاثة (١) أوجه: ضمير المرفوع، وضمير المنصوب، وضمير المجرور، وكل واحد منها على وجهين: متصل ومنفصل، إلا ضمير المجرور، فإنه متصل، ولا منفصل له. أما ضمير المرفوع المتصل فنحو (تاء) فعلت وفعلت، وتثنيتهما، وجمعهما وتأنيثهما. وأما ضمير المرفوع المنفصل فنحو (أنا وأنت وهو) وتثنيتها وجمعها، وتأنيثها (٢). وأما ضمير المنصوب المتصل فنحو (ياء) ضربني، و (كاف) ضربك و (هاء) ضربه (٣)، وتثنيتها وجمعها وتأنيثها (٤). وأما ضمير المجرور المتصل فنحو (ياء) بي، و (كاف) بك و (هاء) به، ولا منفصل له. وأما المستكن فهو ما كان مستكنا في الفعل كقولك: قعد، وقام، فالضمير (٥) مستفاد من الفعل وإن لم يصرح به، لأن الفعل لا يقوم إلا بفاعل. واعلم: أن (إيا) مبنية على السكون؛ لأن فيها شبه الحرف، فهي مثل (أنت، وأنا، وهو) وهذِه كلها مبنية لشبه الحرف، والألف في آخرها غير

стр. 503

منقلبة مثل ألف (لا) و (ما) و (حتى) و (كلا) (١). قال أبو الفتح: وحكى لي حاك عن أبي إسحاق قال (٢): سمعته يقول وقد سئل عن معنى قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ ما تأويله؟ فقال: حقيقتك نعبد، قال: واشتقاقه من الآية، وهي العلامة، قال (٣): وهذا القول عندي من أبي إسحاق غير مرضي، وذلك أن جميع (٤) الأسماء المضمرة مبني غير مشتق نحو: (أنا وأنت وهو وهي) وقد قامت الدلالة على كون (إيا) اسما مضمرًا (٥)، فيجب أن لا يكون مشتقا (٦). فإن قلت: فما مثال (إيا) من الفعل؟ فإن المضمر لا ينبغي أن يمثل؛ لأنه غير مشتق ولا متصرف (٧). وقال صاحب "النظم" (٨): معنى (إيا) الاختصاص، وقول القائل: (إياك ضربت) يعني: أن الضرب اختص بك وأردتك به، ولهذا وضعت العرب

стр. 504

(إياك) في موضع التحذير لما فيه من تأويل الاختصاص، فقالوا: إياك والأسد، أي: احفظ نفسك واحذر الأسد، ومنه قول الشاعر: فإياك والأمر الذي إن توسعت ... موارده ضاقت عليك المصادر (١) وربما قالوا: إياك الأسد، بلا (واو)، قال (٢) الشاعر: عليك القصد فاقصده برفق ... وإياك المحاين أن تحينا (٣) فمن حذف (الواو)، فمعناه احذر على نفسك الأسد، وصن (٤) نفسك منه. وهذا الضمير (٥) يستعمل مقدما ولا يستعمل مؤخرا، إلى أن يفصل بينه وبين الفعل، فيقال: ما عنيت إلا إياك. قال أبو بكر (٦): وقوله: ﴿إِيَّاكَ﴾ بعد (٧) قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ (٨)

стр. 505

[الفاتحة: ٤] رجوع من الغيبة إلى الخطاب، والعرب تفعل ذلك كثيرًا، وهو نوع من البلاغة والتصرف في الكلام (١)، ومثله قوله: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١] ثم قال: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً﴾ [الإنسان: ٢٢] وقال الأعشى: عنده البر والتقى وأسا الصد ... ع وحمل لمضلع الأثقال ووفاء (٢) إذا أجرت فما غر ... ت حبال وصلتها بحبال (٣) وأنشد أبو عبيدة (٤): يا لهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر (٥) وقال كثير (٦):

стр. 506

أسيئي بنا أو أحسني لا ملومة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت (١) وقوله تعالى: ﴿نَعْبُدُ﴾ معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع والتذلل، وهو جنس من الخضوع، لا يستحقه إلى الله ، وهو خضوع ليس فوقه خضوع، وسمي العبد عبدا لذلته وانقياده لمولاه، ويقال: طريق معبد، إذا كان مذللا موطوءا (٢) بالأقدام (٣)، وهو في شعر طرفة (٤). وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال أبو بكر: وإنما كرر (إياك) للتوكيد، كما تقول: بين زيد وبين عمرو خصومة، فتعيد (بين) (٥). قال: ولأن كل واحد من الفعلين يطلب مفعولا على حدته، ولو أخر المكنيان (٦) إلى

стр. 507

موضعهما بعد الفعل لقيل: (نعبدك ونستعينك) فلما كان كل واحد من الفعلين يقع على (الكاف) (١) في تأخرها وقع على (إياك) في تقدمه (٢). والقول هو الأول (٣)؛ لأن العرب إذا جمعت فعلين واقعين اكتفت بوقوع أحدهما من وقوع الآخر، فيقولون: قد أكرمتك وألطفت (٤). قال الله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ٣] أراد (وما قلاك) فاكتفى بوقوع الأول من وقوع الثاني (٥). ويقال: لم قدم ذكر العبادة على المعونة، وإنما المعونة بها تكون العبادة؟ والجواب: أن الواو عند النحويين لا توجب ترتيبا (٦)، وإنما هي للجمع (٧)، يدل على ذلك أنه لو اتفقت الأسماء لم

стр. 508

نحتج (١) إليها، لا تقول: قام زيد وزيد، ولكن قام الزيدان. فكما لا يوجب (قام الزيدان) ترتيبا، كذلك لا يوجب قام زيد وعمرو ترتيبا، وسنقضي حق الواو، والكلام فيها في موضع آخر إن شاء الله. ٦ - قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ قال الأصمعي: هداه في الدين يهديه هدى (٢)، وهداه يهديه هداية، إذا دله على الطريق (٣). وأصل الهداية في اللغة: الدلالة. وهوادي الخيل والوحش التي تتقدم للدلالة (٤). قال عبيد (٥) يذكر الخيل (٦): وغداة صبحن الجفار عوابسا (٧) ... تهدى أوائلهن شُعثٌ شزَّبُ (٨)

стр. 509

هذا هو الأصل، ثم سمي كل متقدم هاديا وإن لم يتقدم للدلالة (١). ومنه: كأن دماء الهاديات بنحره (٢) يريد أوائل الوحش ومتقدماتها. وتسمى العنق هادية لتقدمها على البدن، ويقال: أقبلت هوادي الخيل إذا بدت أعناقها؛ لأنها أول شيء من أجسادها (٣). وقول طرفة: للفتى عقل يعيش به ... حيث تهدي ساقه (٤) قدمه (٥) أي: حيث تقودها قود الدليل. وسمى الأعشى العصا هاديا (٦) في قوله: إذا كان هادي الفتى في البلاد ... صدر القناة أطاع الأميرا (٧)

стр. 510

إما لأنها تتقدمه، وإما لأنها تدله على الطريق، والتقدم في هذا راجع إلى (١) الهداية، لأن من دلك (٢) على الطريق تقدمك، ثم سمي المتقدم هاديا وإن لم يدل (٣). والفعل من (الهدى) (٤) يتعدى إلى مفعولين، ويتعدى إلى الثاني بأحد حرفي جر (إلى) و (اللام (٥)) كقوله: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ (٦) [الصافات: ٢٣]، وقوله: ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾ [ص: ٢٢]، وقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ [الأعراف: ٤٣]، وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥]. ومثل هذا في التعدي (٧) (الإيحاء) (٨) قال الله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]، وقال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥]. وقد يحذف حرف الجر من المفعول الثاني في (الهدى) فيصل الفعل إليه بغير حرف جر (٩). كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦]. ومعناه: دلنا عليه، واسلك بنا فيه (١٠).

стр. 511

ويقال: ما معنى سؤال المسلمين الهداية في قولهم: (اهدنا) وهم مهتدون؟ والجواب عنه من وجوه: أحدها: أنه قد تعرض للعارف شبه ينتقل بها إلى الجهل، فيحسن أن يسأل اللطيفة التي يتمسك معها بالمعرفة (١)، ولا ينتقل إلى الجهالة. والثاني: أنهم لما كانوا لا يعلمون ما يكون منهم في المستأنف، حسن أن يسألوا الهداية على (٢) وجه التثبيت لما هم عليه من الحق، وقد تستعمل الهداية لا من الضلالة كما قال الحطيئة لعمر ﵁: فلا تُعْجِلَنِّي هداك المليكُ ... فإنَّ لكلِّ مَقَامٍ مَقَالا (٣) لم يرد من ضلالتك؛ لأنه لو أراد ذلك قد هجاه، ولكنه على معنى التوفيق و (٤) التثبيت (٥). وقال بعض أصحابنا: يجوز أن يحمل على سؤال الهداية ابتداء فيما

стр. 512

يستقبل؛ لأن الهداية عرض لا يبقى، فهو يسأل أن (١) يخلق له أمثالها (٢). وقال بعضهم: هذا سؤال، واستنجاز لما وعدوا به في قوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿الصِّرَاطَ﴾ [الفاتحة: ٦] (٣)، فيه لغات قد قرئ بها: السين، والصاد، والزاي، وإشمام (٤) الصاد الزاي (٥). فمن قرأ بالسين فإنه يقول: هو أصل الكلمة؛ لأنه من الاستراط بمعنى: الابتلاع (٦)، فالسراط يسترط السابلة (٧). ولو لزم لغة من يجمعها صادا مع (الطاء (٨)) لم يعلم (٩) ما أصل الكلمة (١٠). ويقول من يقرأ بالصاد: إنها أخف

стр. 513

على اللسان، لأن (الصاد) حرف مطبق كـ (الطاء) فيتقاربان ويحسنان في السمع، والسين حرف مهموس فهو أبعد من الطاء (١). ويقول من قرأ بالزاي: أبدلت منها حرفًا مجهورًا (٢) حتى يشبه (الطاء) في الجهر، ورمت الخفة، ويحتج بقول العرب: (زقر) في (صقر) (٣). ويقول من قرأ بالمضارعة (٤): رمت الخفة، ولم أجعلها (زايا) خالصة، ولا (صادا) خالصة، فيلتبس أصل الكلمة بأحدهما (٥). قال ابن السراج (٦): الاختيار (الصاد) للخفة والحسن في السمع، وهو غير ملتبس، لأن (السين) كأنها مهملة في الاستعمال مع (٧) (الطاء) عند من (الصاد) لغته، ومع ذلك فهي قراءة الأكثر. وأما (الزاي) الخالصة فليست (٨) بمعروفة (٩)، ولست أحب أن تحمل القراءة على هذِه اللغة. وأما المضارعة (١٠) فهو تكلف حرف بين حرفين، وذلك أصعب على

стр. 514

اللسان؛ لأنه إنما استعمل في هذِه الحال فقط، وليس هو حرفا تبنى عليه الكلمة، ولا هو من حروف المعجم. وقال صاحب "الحجة" (١): الحجة لمن قرأ بالصاد: أن (٢) السين مضارعة لما أجمعوا على رفضه من كلامهم، ألا ترى أنهم تركوا إمالة (واقد) ونحوه كراهة أن يصعدوا بالمستعلي بعد التسفل (٣) بالإمالة. فكذلك يكره (٤) أن يتسفل (٥) بالسين (٦) ثم يتصعد (٧) بالطاء في (سراط)، وإذا كانوا قد أبدلوا من (السين) (الصاد) مع القاف في: (صقت وصويق) (٨) ليجعلوها في استعلاء (القاف) (٩)، فلأن يبدلوا منها (الصاد) مع (الطاء)

стр. 515

أجدر (١) من حيث كانت (الصاد) إلى (الطاء) أقرب منه إلى (القاف) (٢). ألا ترى أنهما جميعا من حروف طرف اللسان وأصول الثنايا (٣). وأن (٤) من يقول: (صويق) و (صقت)، إذا قال: (قست وقست) (٥) لم يبدل (الصاد) من (٦) (السين)، لأنه الآن ينحدر بعد الإصعاد، وهذا يستخف ولا يستثقل كما استثقل عكسه. واحتجاجهم بأن (السين) هو الأصل، قلنا: قد يترك ما هو الأصل في كلامهم إلى ما ليس بأصل؛ طلبا لاتفاق الصوتين (٧). ألا تراهم قالوا: (شنباء)، و (من بكر) (٨) فلم يبينوا (٩) (النون) التي هي الأصل في

стр. 516

(الشنب) (١)، و (من عامر) (٢)؟ لما أرادوا أن يوفقوا بين الصوتين (٣). فكما تركوا الأصل ههنا طلبًا للمشاكلة، كذلك يترك الأصل في (صراط) (٤) فتترك السين (٥) ويختار إبدال الصاد من السين. وأما القراءة (بالزاي) فليس بالوجه، وذلك أن من قال في: (أصدرت): (أزدرت) وفي (القصد): (القزد) (٦) فأبدل (٧) من (الصاد الزاي)، فإنه إذا تحركت (الصاد) في نحو (٨) (صدرت) و (قصدت (٩)) لم يبدل، فإذا لم يبدلوا (الصاد) (زايا) إذا تحركت مع (الدال)، وكانت (الطاء) في (الصراط) مثل الدال في (القصد) (١٠) في الجهر (١١)، فكذلك ينبغي ألا يبدل من (السين) (الزاي) في (سراط)، من أجل (الطاء)، لأنها قد تحركت

стр. 517

كما تحركت في (قصدت) (١) مع أن بينهما في (سراط) حاجزين (٢). ومما يحتج (٣) من أخلص (الصاد (٤)) على من ضارع بها (الزاي (٥)) أن يقول: إن الحرف قد أعل مرة بالقلب، فلا تستقيم المضارعة؛ لأنها إعلال آخر، وقد رأيتهم كرهوا الإعلال في الحرفين إذا تواليا، فإذا لم يوالوا بين إعلالين في حرفين مفترقين (٦)، فألا (٧) يوالوا بين إعلالين في حرف واحد أجدر (٨). مثاله (٩) أنهم حذفوا النون من نحو (بلعنبر) و (بلحرث (١٠))، ولم

стр. 518

يحذفوا من (بني النجار) (١) مع توالي النونات حيث كانت (اللام) قد أعلت بالقلب (لئلا يتوالى إعلالان: [الحذف والقلب] (٢)، وإن كانا من كلمتين مفترقتين (٣)، فإذا كره في هذا النحو، كان توالي إعلالين في حرف واحد أبعد (٤). قوله تعالى: ﴿الْمُسْتَقِيمَ﴾: (الاستقامة) في اللغة: الاستواء، يقال: قام إذا استوى منتصبا، وأقامه: إذا سواه، وقاومه إذا ساواه في القوة. وقيمة الشيء ما يساويه من ثمنه، ومعنى الاستقامة استمرار الشيء في جهة واحدة (٥). وأما تفسير ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فروى علي وابن مسعود ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "الصراط المستقيم: كتاب الله " (٦).

стр. 519

وقال جابر ومقاتل: (هو الإسلام) (١). وعن أبي العالية الرياحي (٢)، قال: هو طريق رسول الله ﷺ وصاحبيه من بعده أبي بكر وعمر) (٣).

стр. 520

وقال بكر بن عبد الله المزني (١): رأيت رسول الله ﷺ في المنام فسألته عن الصراط المستقيم، فقال: "سنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي" (٢). قال أهل المعاني: إنما وصف الدين الحق (٣) بأنه الصراط المستقيم؛ لأنه يؤدي إلى الغرض المطلوب من رضاء الله تعالى والخلود في النعيم المقيم، كما أن الصراط المستقيم يؤديك إلى مقصودك (٤). ٧ - قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ﴾: (صراط) بدل من (الصراط)

стр. 521

الأول (١)، وهو بدل الشيء من نفسه في المعنى (٢)؛ لأن ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ هو ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ بعينه، وهو كقولك: جاءني أبوك زيد، فزيد هو الأب بعينه، وهو من بدل (المعرفة من المعرفة)، وللبدل باب معروف يذكر فيه وجوهه (٣). وقوله: ﴿الَّذِينَ﴾ النحويون يسمون (الذي والتي) وتثنيتهما، وجمعهما: الأسماء الموصولة، والأسماء النواقص، والأسماء المبهمة، وذلك لأنها (٤) أسماء لا تتم إلا بصلاتها، إما من مبتدأ وخبر (٥)، أو فعل وفاعل، أو ظرف، أو شرط وجزاء (٦) كقولك: جاءني الذي أبوه منطلق، والذي قام أبوه، والذي عندك، والذي إن تأته يأتك. ولا بد أن يكون في صلة (الذي) ضمير يرجع (٧) إليه، وإلا فسد الكلام (٨). و (الذين) لا يظهر فيه

стр. 522

الإعراب (١)، تقول (٢) في الرفع والنصب والجر: (الذين) وكذلك (الذي) وإنما منع الإعراب؛ لأن الإعراب إنما يكون في أواخر الأسماء، و (الذين) من المبهمات لا تتم إلا بصلاتها، فلذلك منعت الإعراب (٣). فإن قيل فلم أعربته في التثنية؟. قيل: إن جميع ما لا يعرب في الواحد مشبه بالحرف الذي جاء لمعنى، فإذا ثنيته بطل شبه الحرف؛ لأن حروف المعاني لا تثنى (٤). فإن قيل: فلم منعته الإعراب في الجمع؟ قيل: الجمع الذي ليس على حد (٥) التثنية كالواحد، ألا ترى أنك تقول في جمع (٦) هذا: هؤلاء، فتجعله اسما واحدا للجمع (٧). فكذلك قوله (٨): ﴿الَّذِينَ﴾ إنما هو اسم لجمع، فبنيته كما بنيت (٩) الواحد، ونظير (الذي) (هذا)، فإنك لا تعربه ثم تعرب (هذين) ثم تترك الإعراب في (هؤلاء) (١٠).

стр. 523

قال أبو إسحاق: وأصل (الذي)، (لذ) على وزن (عم)، كذلك قال سيبويه والخليل والأخفش (١). وأما الألف واللام فيه (٢)، فقال أبو الفتح الموصلي (٣): (الألف واللام) في (الذي) و (التي) وبابهما (٤) زيادة، ويدل على زيادتهما وجود أسماء موصولة مثلها معراة من (الألف واللام)، وهي مع ذلك معرفة، وتلك: (من) و (ما) و (أي) (٥). ويدل على ما قلنا: أن (الذي) إنما تعرفه (٦) بصلته دون (اللام) التي فيه، فبان أن (٧) (اللام) زائدة، إلى أنها (٨) زيادة لازمة لا يجوز (٩) حذفها (١٠). فإن قيل: وما كانت الحاجة إلى زيادة (اللام) (١١) حتى إنها لما زيدت

стр. 524

لزمت؟ قيل: إن (الذي) (١) إنما وقع في الكلام توصلا إلى وصف المعارف بالجمل، وذلك أن الجمل نكرات. ألا ترى أنها تجري أوصافا على النكرات، نحو (٢): مررت برجل أبوه زيد، ونظرت إلى غلام قامت أخته. فلما أريد مثل هذا في المعرفة لم يمكن أن يقول (٣): مررت بزيد أبوه كريم، على أن تكون الجملة وصفا لزيد (٤)، ولم يمكن (٥) إذا أرادوا وصف المعرفة بالجمل أن يدخلوا اللام على الجملة، لأن اللام من خواص الأسماء، فجاؤوا بـ (الذي) متوصلين به إلى وصف المعارف بالجمل، وجعلوا (٦) الجملة التي كانت صفة للنكرة صلة لـ (الذي) فقالوا: مررت بزيد الذي أبوه منطلق، فألزموا (اللام) هذا الموضع لما أرادوا التعريف للوصف، ليعلموا أن الجملة قد صارت وصفا لمعرفة (٧)). (٨)

стр. 525

وبيان ما ذكرنا (١) من الآية أن معنى قوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ صراط القوم الذين أنعمت عليهم، ولو أريد وصف القوم (بأنعمت عليهم) لم يسهل، لأنه يصلح وصفا للنكرة (٢)، فيصح في الكلام أن يقول: (٣) (صراط قوم أنعمت عليهم) فلا يصلح أن يكون وصفا للمعرفة، فلما أريد ذلك (٤) توصلوا إلى ذلك بـ (الذي). جاءوا (٥) بالحرف الذي وضع للتعريف (٦)، فأولوه (الذي) (٧) ليحصل لهم بذلك لفظ التعريف الذي قصدوه، ويطابق اللفظ المعنى الذي حاولوه (٨). وقوله تعالى: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، إنعام الله تعالى: مَنُّه (٩) وعطاؤه، و (النعمة) بالكسر اسم من أنعم الله عليه إنعاما ونعمة، أقيم الاسم مقام الإنعام، كما يقال: أنفق إنفاقا ونفقة (١٠).

стр. 526

وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه (١). فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو (٢)) كقولك (٣) ضربته (٤). زعم (٥) سيبويه أن (٦) (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في (٧) المؤنث ليستويا في باب الزيادة.

стр. 527

قال الزجاج: و (١) القول في هذِه (الواو (٢)) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق (٣)، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج (٤) من طرف الشفتين (٥)، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في (٦) الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو (٧) وصل) فلو ثبتت لالتبس (٨) بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت (٩) الواو (ياء) لانكسار ما قبلها (١٠) أعني (الباء) (١١)، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا

стр. 528

لخفائه، فكأن (١) الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها. وبهذه (٢) العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) (٣) فقلبت (٤) الواو (ياء) (٥) للياء التي قبلها ثم حذفت (٦) لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ (٧) كانت العلة واحدة (٨). ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو (٩). وأما حمزة (١٠) فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة (١١) وحجته (١٢): أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن)

стр. 529

ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر (١)، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف (٢)، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل (٣) دون الرسم والخط (٤). فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية (٥)؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم (٦)) ولم يضم في (عليه وعليهما). وأما من (٧) ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم

стр. 530

ويأتيهم (١)، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء). فأما (الميم) فأهل (٢) الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) (٣) في اللفظ (٤)، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل (٥) والاسم، نحو: فعلوا (٦) (٧) ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و (٨) الأفعال من إلحاق الواو بها (٩). والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني (١٠)، كقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] و ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: ٩٢].
следующие страницы →