← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

وقوله تعالى: ﴿عَلَيْهِمْ﴾ يجوز كسر (الهاء) فيه وضمه (١). فمن كسر فلأن الياء أخت الكسرة وبعضها، على معنى أنها تتولد من الكسرة، ألا ترى أن (الياء) كسرة مشبعة، كما أن (الواو) ضمة مشبعة، والألف فتحة مشبعة، وإذا كان كذلك فلو انكسر ما قبل (الهاء) وجب كسرها نحو: (بهم) و (من دونهم) وكذلك (عليهم وفيهم) وذلك أن إتباع (الياء) التي هي أخت الكسرة بالكسرة أولى من إتباعه بالضمة، لثقل الانتقال من الكسرة إلى الضمة. ألا ترى أنه ليس في كلامهم (فِعُل)، ولأن هذِه (الهاء) في (عليهم) هي التي في (عليه) وفي (عليه) كسر، لأن الأصل كان (عليهو (٢)) كقولك (٣) ضربته (٤). زعم (٥) سيبويه أن (٦) (الواو) زيدت على (الهاء) في المذكر، كما زيدت (الألف) في (٧) المؤنث ليستويا في باب الزيادة.

стр. 527

قال الزجاج: و (١) القول في هذِه (الواو (٢)) أنها زيدت لخفاء (الهاء)، وذلك أن (الهاء) تخرج من أقصى الحلق (٣)، و (الواو) حرف مد ولين، تخرج (٤) من طرف الشفتين (٥)، فإذا زيدت (الواو) بعد (الهاء) أخرجتها من الخفاء، وتسقط في (٦) الوقف، كما تسقط الضمة والكسرة، ولأنها (واو (٧) وصل) فلو ثبتت لالتبس (٨) بالأصل. فإذا قلت: مررت به، قلبت (٩) الواو (ياء) لانكسار ما قبلها (١٠) أعني (الباء) (١١)، و (الهاء) لا يعتد به حاجزا حصينا

стр. 528

لخفائه، فكأن (١) الكسرة تلي (الواو)، ولو كانت (الهاء) حاجزا حصينا ما زيدت (الواو) عليها. وبهذه (٢) العلة كسرت الهاء في (عليه) وكان الأصل (عليهو) (٣) فقلبت (٤) الواو (ياء) (٥) للياء التي قبلها ثم حذفت (٦) لسكونها، وسكون الياء قبل الهاء، والهاء ليس بحاجز، فإذا كسر في (عليه) أقر على الكسر في (عليهم) إذ (٧) كانت العلة واحدة (٨). ومن ضم (الهاء) فقال: كان الأصل (عليهو) فحذفت الواو لسكونها وسكون (الياء) وبقيت الضمة لتدل على الواو (٩). وأما حمزة (١٠) فإنه يقرأ: (عليهم) و (إليهم) و (لديهم) بالضم في هذِه الثلاثة (١١) وحجته (١٢): أن هذِه الحروف إن وليهن ظاهر صارت (ياءاتهن)

стр. 529

ألفات، نحو: على زيد، وإلى عمرو، ولدى بكر (١)، ولا يجوز كسر (الهاء) إذا كان قبلها ألف (٢)، فلما كان الأصل في هذِه (الياءات) الألف اعتبره حمزة فيها الأصل (٣) دون الرسم والخط (٤). فإن قيل: ينقض هذا بالواحد والتثنية (٥)؟ قلنا: لا ينقض، لأنه أراد أن يخالف بين بناء الواحد والتثنية، وبين بناء الجمع، وذلك أن الجمع يخالفهما في البناء في أكثر الأمر، ألا ترى أنك تقول: رجل ورجلان، وحمار وحماران، ثم تقول في الجمع: رجال وحمر، فاتفق بناء الواحد والتثنية، وخالف بناء الجمع بناءها، فلهذا ضم الهاء في (عليهم ولديهم وإليهم (٦)) ولم يضم في (عليه وعليهما). وأما من (٧) ضم من القراء كل هاء قبلها (ياء) ساكنة نحو: فيهم

стр. 530

ويأتيهم (١)، فحجته إجماعهم على ضمها إذا كان قبلها حرف ساكن سوى الياء، نحو (عنهم ومنهم) فكذلك الياء. هذا هو الكلام في (الهاء). فأما (الميم) فأهل (٢) الحجاز يضمون (ميم) كل جمع حتى يلحقوا بها (واوا) (٣) في اللفظ (٤)، وحجتهم: أن أصلها أن تكون مقرونة (بواو) في اللفظ والخط، لأن أكثر جموع المذكورين بالواو في الفعل (٥) والاسم، نحو: فعلوا (٦) (٧) ويفعلون ومسلمون وصالحون، فعاملوا المكني معاملة الأسماء الظاهرة المجموعة و (٨) الأفعال من إلحاق الواو بها (٩). والدليل على أن الأصل فيه ما ذكرنا، إجماعهم على إثبات الواو في اللفظ بعد الميم عند اتصاله بالمكني (١٠)، كقوله: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا﴾ [هود: ٢٨] و ﴿وَاتَّخَذْتُمُوهُ﴾ [هود: ٩٢].

стр. 531

وأما من أسكن الميم (١)، فحجته: خط المصاحف، وذلك أن هذِه الواوات حذفت من الخط اقتصارًا على الميم، واكتفاءً بها من علامة الجمع كما حذفت ياء الإضافة من الأسماء والأفعال اقتصارا على الكسرة والنون التي قبلها (٢). وقال ابن السراج (٣): إنما أسكنوا لأنه قد أمن اللبس، إذ كانت (الألف) في التثنية قد دلت على الاثنين، ولا (ميم) في الواحد، فلما لزمت (الميم) الجمع حذفوا (الواو) وأسكنوا (الميم) طلبا للتخفيف، إذ كان لا يشكل (٤). وروى ورش (٥) عن نافع (٦) ضم الميم ووصلها بواو إذا (٧) استقبلها

стр. 532

همزة (١)، ومذهبه حذف الهمزة ونقل حركتها [إلى الساكن قبلها، فلما احتاج إلى تحريك الميم حركها (٢)] (٣) بالحركة التي كانت لها في الأصل وهي (الضمة)، فلما أشبع ضمتها تولدت منها (واو)، فاحتاج إلى مدها لاستقبال الهمزة إياها (٤). وأيضا فإنه لو نقل فتحة الهمزة إلى ميم الجمع عند استقبال الهمزة المفتوحة نحو: ﴿عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ﴾ (٥) [البقرة: ٦] وما أشبهه، لأشبه التثنية، فلما مدها عند الهمزة المفتوحة ولم ينقل حركتها إليها مخافة الالتباس فعل ذلك به عند الهمزة المضمومة والمكسورة؛ لئلا يختلف الطريق عليه (٦). وكان حمزة والكسائي يضمان (٧) (الهاء) و (الميم) عند ألف الوصل (٨) نحو: ﴿عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [البقرة: ٦١] و ﴿إِإِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ﴾ [يس: ١٤] و ﴿مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ﴾ [القصص: ٢٣] وحجتهما أنه لما احتيج إلى تحريك (الميم) لالتقاء الساكنين كان تحريكها بحركة الأصل، وهي الضم أولى (٩)، ثم أتبعت الهاء

стр. 533

ضمة الميم استثقالًا للخروج من الكسر إلى الضم (١). وكان أبو عمرو (٢) يكسرها عند ألف الوصل؛ لأنه يكسر الميم على أصل تحريك الساكن بالكسر إذا لقيه ساكن آخر، ويكسر الهاء بتبع الكسر لثقل الضم بعد الكسر (٣). وأما من كسر (الهاء) وضم (الميم) عند ألف الوصل (٤)، فإنه يقول: لما احتجت إلى حركة الميم رددته إلى أصله، فضممت وتركت الهاء على كسرها، لأنه لم تأت ضرورة تحوج (٥) إلى ردها إلى الأصل (٦). فأما التفسير: فقال ابن عباس: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: ٧]: هم قوم موسى وعيسى قبل أن يغيروا نعم الله (٧). وقال عكرمة: أنعمت عليهم بالثبات على الإيمان والاستقامة (٨).

стр. 534

وقيل: هم الذين ذكرهم الله في قوله (١) سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: ٦٩]. وقال ابن جرير: في الآية اختصار، معناه: صراط الذين أنعمت عليهم بالهداية إلى الصراط. والعرب تحذف من الكلام إذا كان في الباقي دليل عليه (٢). وستمر بك أشباه لهذا كثيرة. وقوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ (غير) (٣) ينخفض على ضربين (٤): على البدل من (الذين)، ويستقيم أن يكون صفة (الذين). و (غير) نكرة، وجاز (٥) أن يقع هاهنا صفة لـ (الذين)، لأن الذين هاهنا ليس بمقصود قصدهم (٦)، فهو بمنزلة قولك: إني لأمرُّ بالرجل مثلك فأكرمه.

стр. 535

ويجوز (النصب) على ضربين: على الحال، والاستثناء (١)، أما الاستثناء: فكأنك قلت: إلا المغضوب عليهم، وهو (٢) استثناء الشيء من غير جنسه، وحق (غير) في الاستثناء النصب إذا كان ما بعد (إلا) منصوبا (٣). وأما الحال: فكأنك قلت: (صراط الذين أنعمت عليهم لا مغضوبا عليهم). قال ابن السراج (٤): ويجوز عندي النصب على (٥) (أعنى). وقد حكي عن الخليل نحو هذا، أنه أجازه على وجه (٦) القطع من الأول، كما يجيء المدح. ولمن نصب أن يقول (٧): (غير) نكرة وكرهت أن أصف بها المعرفة.

стр. 536

والاختيار الكسر (١). ولا يلزم وصف المعرفة بالنكرة؛ لأن حكم كل مضاف إلى معرفة (٢) أن يكون معرفة، وإنما تنكرت (غير) و (مثل) مع إضافتهما إلى المعارف من أجل معناهما، وذلك أنك إذا قلت: رأيت غيرك، فكل شيء يرى سوى المخاطب هو غيره (٣)، وكذلك إذا قال: رأيت مثلك، فما هو مثله لا يحصى، يجوز أن يكون مثله في خلقه، وخلقه، وفي جاهه، وفي نسبه، وفي علمه، فإنما صارا (٤) نكرتين من أجل المعنى. فأما إذا كان شيء معرفة له ضد واحد، وأردت إثباته ونفي ضده، وعلم السامع (٥) ذلك الضد فوصفته بـ (غير) وأضفت (غير (٦)) إلى ضده، فهو معرفة، وذلك نحو قولك: عليك بالحركة غير السكون، فغير السكون معرفة، وهو (٧) الحركة، فكأنك كررت الحركة تأكيدا. وكذلك قوله: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ فغير المغضوب عليهم، هم الذين أنعم عليهم، لأن من أنعم عليه بالإيمان، فهو غير مغضوب عليه، فهو مساو له في معرفته، ومتى كانت (غير) بهذِه الصفة، وقصد هذا

стр. 537

القصد فهي معرفة (١). وكذلك لو عرف إنسان بأنه مثلك في ضرب من الضروب لقيل فيه (٢): قد جاء مثلك، لكان معرفة، إذا أردت المعروف بشبهك (٣)، والمعرفة والنكرة بمعانيهما (٤). ومن جعل (غير) بدلا استغنى عن هذا الاحتجاج (٥)، لأن النكرة قد تبدل من المعرفة)، انتهى كلام ابن السراج (٦). قال صاحب (٧) "الحجة": أما الخفض في (٨) (غير) فعلى البدل أو الصفة، والفصل بين البدل والصفة في قول سيبويه (٩) إن البدل في تقدير تكرير العامل، بدلالة (١٠) حرف الجر في قوله سبحانه: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا

стр. 538

مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ﴾ (١) فهو يفارق الصفة من هذا الوجه (٢). وأيضًا (٣) فإن النكرة تبدل من المعرفة، والمظهر من المضمر (٤)، وهذا مما لا يجوز في الصفة، لا يجوز وصف المعرفة بالنكره، ولا وصف المضمر بالظاهر (٥). وكما أعيدت اللام الجارة في البدل (٦)، فكذلك يكون العامل الناصب (٧) والرافع في تقدير التكرير. ويشترك البدل مع الصفة في أن كل واحد منهما تبيين (٨) للأول (٩).

стр. 539

فمن جعل (١) (غير) في الآية (٢) بدلا، كان تأويله بيِّنًا، وذلك أنه لا يخلو من أن يجعل (غير (٣)) معرفة (٤) أو نكرة. فإن جعله معرفة فبدل المعرفة من المعرفة سائغ (٥)، وإن جعله نكرة فبدل النكرة من المعرفة مشهور (٦). وأما من قدر (غير) صفة و (الذين (٧) فإنما جاز أن يصف (الذين) بـ (غير) (٨) من حيث لم يكن (الذين) مقصودا قصدهم (٩). فصار مشابها للنكرة، من حيث اجتمع معه في أنه لم يرد به شيء معين. ونظير ذلك مما دخله (الألف واللام)، فلم يختص بدخولهما عليه (١٠)،

стр. 540

لما لم يكن مقصودا قصده (١)، قولهم: قد أمر (٢) بالرجل مثلك فيكرمني (٣)، فوصف الرجل بمثلك لما لم يكن معينا (٤). ومما (٥) جاء (غير) فيه صفة (٦) قوله: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] فمن رفع (غير) (٧) كان وصفا للقاعدين، والقاعدون غير مقصود قصدهم (٨)، كما كان قوله: ﴿الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ كذلك. والتقدير: لا يستوي القاعدون من المؤمنين الأصحاء، والمجاهدون (٩). وأما من نصب (غير) على الاستثناء، فإن الفراء ينكر جواز (١٠) ذلك،

стр. 541

وقال: لو كان (غير) هاهنا منصوبا على الاستثناء كان بمعنى (سوى) فلم يجز أن يعطف عليه بقوله: (ولا (١)) لأن (لا) نفي وجحد، ولا يعطف بجحد إلا على جحد، ولا يجوز في الكلام استثناء يعطف عليه بجحد، كما تقول: [رأيت القوم إلا زيدا ولا عمرا، وإنما يعطف الجحد على الجحد، كما تقول:] (٢) ما قام أبوك ولا أخوك (٣). ومن أجاز (٤) الاستثناء فإنه يقول: لا يمتنع دخول (لا) (٥) بعد الحرف العاطف (٦) لأن الاستثناء يشبه النفي، ألا ترى أن قولك: جاءني القوم إلا زيدا، بمنزلة قولك: جاءني القوم لا زيد. فيجوز أن تعطف (٧) بـ (لا) حملا على المعنى، ويجوز أن تجعلها زيادة في هذا الوجه (٨)، كما تجعلها زيادة في قوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ (٩) [فاطر: ٢٢].

стр. 542

وإذا جاز دخول (لا) (١) مع الاستثناء لهذين الوجهين (٢) فلا وجه لقول من أنكره (٣). وكذلك (٤) يجوز زيادة (لا) في قول من جعل (غير) حالا أو صفة أو بدلا. وقد دخلت (لا) زائدة في مواضع كثيرة في التنزيل وغيره، من ذلك قوله (٥): ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ الآية [الحديد: ٢٩]. والذين يجوزون زيادة (لا) يقولون: إنما تجوز إذا تقدمه نفي (٦) كقوله: ما كان يرضى رسول الله دينهم ... والطيبان أبو بكر ولا عمر (٧) وليس الأمر كذلك (٨) فقد جاء زيادتهما في الإيجاب كما في النفي، قال

стр. 543

ساعدة الهذلي (١): أفعنك لا برق كأن وميضه ... غابٌ تشيَّمَه (٢) ضِرامٌ مثقَبُ (٣) وأنشد أبو عبيدة: ويلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل (٤) وقال الله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ (٥) [الأعراف: ١٢]، وفي الأخرى ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ [ص: ٧٥] وهذا الحرف (٦) -أعني: (لا) - يدخل (٧) في النكرة على وجهين: أحدهما: أن يكون (٨) زائدًا كما ذكرنا في بيت الهذلي (٩).

стр. 544

والآخر: أن يكون (١) غير زائد، فإذا لم يكن زائدا كان على ضربين: أحدهما: أن يكون (لا) مع الاسم بمنزلة اسم واحد نحو: خمسة عشر (٢)، وذلك نحو قولهم: (غضب من لا شيء، وجئت بلا مال) فـ (لا) مع الاسم المنكور في موضع جر بمنزلة خمسة عشر (٣). والآخر: ألا تعمل (٤) (لا) في اللفظ، ويراد بها معنى النفي، فيكون صورتها صورة الزيادة، ومعنى النفي فيه مع ذلك صحيح، وذلك كقول النابغة: أمسى ببلدة لا عمٍّ ولا خالِ (٥) وقال الشماخ (٦):

стр. 545

إذا ما أدلجت وصفت يداها ... لها إدلاج ليلة لا هجوع (١) وقال صاحب "النظم" (٢): دخلت (لا) في قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ لمعنى من المعاني، وهو أنها منعت من ميل الوهم إلى غير ما نظم عليه الكلام، وذلك أن قوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ وفي (غير) تأويل جحد، فدخلت (لا) على الضالين، ليعلم أنها معطوفة على (غير)، ولو لم تدخل (لا) لاحتمل أن يكون قوله: (والضالين) منسوقا (٣) على قوله: (صراط الذين أنعمت عليهم والضالين﴾، فلما احتمل ذلك أدخل فيه (لا) ليحسم هذا الوهم (٤)، وهو كما قال: ما كان يرضى رسول الله فعلهم والطيبان أبو بكر ولا عمر (٥) أدخل (لا) (٦) في قوله: (ولا عمر)؛ لأنه لو لم يدخل لاحتمل أن يكون انقطاع القصة عند تمام قوله: (ما كان يرضى رسول الله فعلهم)، ثم ابتدأ كلاما آخر على معنى المبتدأ وخبره، فيكون معناه حينئذ: (و (٧) الطيبان أبو

стр. 546

بكر وعمر) أي: أنهما هما الطيبان دون غيرهما. فلما دخلت (لا) علم أن عمر داخل في المعنى الذي أضيف إلى (١) رسول الله من أنه لا يرضى فعلهم على تأويل، ولا يرضى -أيضا- فعلهم الطيبان أبو بكر وعمر (٢). وأما معنى (الغضب) من الله تعالى فهو إرادة العقوبة، وتسمى العقوبة غضبا على التوسع (٣). وإنما لم يقل (المغضوبين) كما قال: (ولا الضالين) لأن كل فعل تعدى إلى المفعول بحرف الجر فإن جمعه وتثنيته وتأنيثه في المكنى المتصل بحرف الجر (٤)، كقولك (٥): المأخوذ منه، والمأخوذ منهما، والمأخوذ منهم، والمأخوذ منهن. وكذلك تقول في: الممرور (٦) به، والمقعود (٧) عليه، والمتوجه (٨) إليه وما أشبهها (٩).

стр. 547

والعلة فيه أن تمام الاسم عند ذكر المكنى، علامة التثنية والجمع والتأنيث تلحق (١) آخر الأسماء عند تمامها. وقال النحويون: هذا وأمثاله بمنزلة الفعل المقدم، نحو قولك: (ضرب أخواك، وضرب إخوتك) (٢). و (عليهم) في الموضع رفع، لأنه بمنزلة اسم ما لم يسم فاعله (٣). وقوله: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ أصل الضلال في اللغة الغيبوبة، يقال: ضل الماء في اللبن إذا غاب، وضل الكافر: غاب عن المحجة (٤). ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ [السجدة: ١٠] أي: غبنا فيها بالموت وصرنا ترابا وعظاما فضللنا في الأرض، ولم يتبين (٥) شيء من خلقنا، ويقال: أضللت الشيء إذا غيبته، [وأضللت الميت إذا غيبته] (٦) في التراب ودفنته (٧). وقال المخبل (٨):

стр. 548

أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم (١) فالضال هو الغائب عن الحق الزائغ عن الرشد، ويقال: ضَل يضِل، وضَل يضل لغتان، وضلِلنا وضلَلنا (٢). فأما التفسير فروى عدي بن حاتم (٣) عن النبي ﷺ في تفسير ﴿الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾ قال: اليهود، ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: النصارى (٤). وروي أن رسول الله ﷺ كان بوادي القرى (٥) على فرسه (٦)، [فسأله

стр. 549

رجل (١)] من بلقين (٢) فقال: يا رسول (٣) الله، من هؤلاء الذين يقاتلونك؟ قال: "المغضوب عليهم" وأشار إلى اليهود، فقال: من هؤلاء الطائفة الأخرى؟ قال: "الضالون" وأشار إلى النصارى (٤). قال المفسرون: وتصديق هذا حكم الله بالغضب على اليهود (٥) في قوله: ﴿مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] وحكمه على النصارى بالضلال في قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ﴾ [المائدة: ٧٧] الآية، وهذا قول ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وغيرهم (٦). وهذا التفسير يوافق في ظاهر اللفظ قراءة من قرأ (غير) بالنصب على

стр. 550

معنى الاستثناء (١)، [كأنه استثنى] (٢) اليهود والنصارى من الذين أنعم عليهم، وكأن المسلمين (٣) سألوا أن يهديهم طريق المنعم عليهم لا طريق اليهود والنصارى. وهذِه قراءة شاذة (٤). وتصحيح هذا التفسير على القراءة المعروفة هو أن (٥) المعنى: اهدنا صراط المنعم عليهم، الذين لم تغضب (٦) عليهم ولم يضلوا (٧). فلما وصفوا

стр. 551

بنفي الغضب عليهم والضلال كان في ضمن ذلك (١) إثباتهما لغيرهم، كما تقول في الكلام: أنا غير كاذب، يجوز أن تريد بنفي الكذب عنك إثباته لغيرك ممن تخاطبه، وفي هذا حجة للقائلين بالمفهوم وفحوى الخطاب (٢). ثم من المغضوب عليهم؟ ومن الضالون؟ (٣) قد بينه النبي ﷺ وذكره المفسرون (٤). * * *

стр. 552

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِير البَسِيْط لأبي الحسن على بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (٦٦) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني

стр. 553

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإِمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي التَّفْسِيرُ البَسِيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨هـ) من أول سورة البقرة إلى آية (٦٦) تحقيق د. محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركى بن سهو العتيبي الجزء الثاني

стр. 554

جامعة الإِمام محمد بن سعود إلاسلامية ١٤٣٠هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي, علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ)./ علي بن أحمد الواحدي, محمد بن صالح بن عبد الله الفوزان, الرياض١٤٣٠هـ. ٢٥مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي, علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسة ديوي ٢٢٧٠٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠هـ ردمك ٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ١ - ٨٥٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج١)

стр. 555

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت٤٦٨هـ) [٢]

стр. 556

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 557

سورة البقرة

стр. 558

تفسير (١) سورة البقرة بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله ﴿الم﴾: إجماع النحويين أن (٢) هذه الحروف ما دامت حروف هجاء غير معطوفة، ولا موقعة موقع الأسماء، أنها سواكن الأواخر في الإدراج والوقف، وذلك قولك (٣): (ألف (٤)، با تا ثا) إلى آخرها، وذلك أنها أسماء الحروف الملفوظة بها في صيغ الكلم، بمنزلة أسماء الأعداد، نحو: ثلاثة، أربعة، خمسة. ولا تجد لها رافعاً، ولا ناصباً، ولا جاراً، وإذا (٥) جرت مجرى الحروف لم يجز تصريفها، ولا اشتقاقها (٦)،

стр. 559

ولا تثنيتها, ولا جمعها، كما أن الحروف كذلك. ويدلك (١) على كونها بمنزلة (هل، وبل، وقد، وحتى، وسوف) أنك (٢) تجد فيها ما هو على حرفين الثاني منهما ألف نحو: (با، تا، طا) ولا تجد (٣) في الأسماء المعربة ما هو على حرفين الثاني منهما حرف لين، إنما ذلك في الحروف نحو: (ما، ولا، ويا (٤)، وأو، ولو، وكي، وأي) فلا تزال (٥) هذِه الحروف هكذا مبنية غير معربة؛ لأنها أصوات بمنزلة: (صه) (٦)، و (مه) (٧)، و (غاق) (٨)، و (إيه) (٩). حتى توقعها مواقع الأسماء فتعربها حينئذٍ كما تفعل بالأسماء، وذلك قولك (١٠): أول الجيم (جيم) وآخر الصاد (دال) وأوسط الكاف (ألف) وكتبتُ جيمًا حسنةً (١١).

стр. 560

وكذلك العطف (١)، لأنه نظير التثنية، فتقول: ما هجاء بكر؟ فيقول المجيب: (باء، وكاف، وراء) فيعرب، لأنه قد عطف، فإن لم يعطف بني، فقال: (باء، كاف، را). ونظير هذِه الحروف في أنها موقوفة غير موصولة، أسماء العدد نحو ثلاثة وأربعة (٢). وإذا أخبرت عن حروف الهجاء، أو أسماء الأعداد فقد أخرجتها بذلك عن حيز الأصوات، وأدخلتها في جملة الأسماء المتمكنة (٣)، فاستحقت أن تعرب للإخبار عنها، فإنه لا معنى [للحرفية فيها إذا] (٤) زال إدارة الحكاية بها، فدخل بذلك في حد [المتمكنات، وخرج] (٥) من باب الأصوات. وكذلك العدد إذا أردت به معدودًا، ولم ترد به العدد وحده دون المعدود أعربت كقولك (٦): ثمانية ضعف أربعة، وسبعة أكثر من أربعة بثلاثة، فأعربت هذه الأسماء ولم تصرفها لاجتماع التأنيث والتعريف فيها، ألا ترى أن (٧) (ثلاثة) عدد معروف القدر، وأنه أكثر من اثنين بواحد، وكذلك سائر الأعداد (٨).

стр. 561

وأنشدوا قول أبي النجم (١): أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لامَ الف (٢) كأنه قال (٣): (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب (٤). قال أبو إسحاق (٥): وهذه الحروف ليست كالحروف (٦) المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم

стр. 562

المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله (١)، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم. فأما قول الشاعر: كافاً وميمَين وسينًا طاسما (٢) فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم (٣): إذا اجتمعوا على ألف وياء (٤) ... وواو هاج بينهم جدال (٥)

стр. 563

فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء. ويجوز (١) تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] (٢) الحرف (٣). ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب (٤). ومن قال: إنها أسماء للسور (٥) والقرآن، قال: محلها رفع (٦)، كأنه

стр. 564

قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره ﴿ذَلِكَ اَلكِتَابُ﴾ كما تقول (١): زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك (٢) أن أنزله إليك (٣) ﴿الم﴾ (٤). فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (٥) علمها إلى الله تعالى (٦). وعن الشعبي (٧) أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن

стр. 565

حروف التهجي (١). ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (٢) ﵄. والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (٣)، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. فيروى عن ابن عباس في ﴿الم﴾ ثلاثة أوجه (٤): أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (٥).
следующие страницы →