← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

وأنشدوا قول أبي النجم (١): أقبلت من عند زياد كالخرف ... تخطّ رجلاي بخط مختلف تكتبان في الطريق لامَ الف (٢) كأنه قال (٣): (لام ألف) إلا أنه ألقى حركة (الهمزة) على (الميم) للوزن ولم يعرب (٤). قال أبو إسحاق (٥): وهذه الحروف ليست كالحروف (٦) المتمكنة، والأفعال المضارعة التي يجب لها الإعراب، وإنما هي تقطيع الاسم

стр. 562

المؤلف الذي لا يجب الإعراب إلا مع كماله (١)، فقولك: (جعفر) لا يعرب منه حرف دون تكميل الاسم. فأما قول الشاعر: كافاً وميمَين وسينًا طاسما (٢) فإنما أعرب لأنه أجرى الحروف مجرى الأسماء. وقال يزيد بن الحكم (٣): إذا اجتمعوا على ألف وياء (٤) ... وواو هاج بينهم جدال (٥)

стр. 563

فأعرب لأنه أدخل حرف العطف، وجعلها في حكم الأسماء. ويجوز (١) تأنيث هذه الحروف وتذكيرها، فمن أنث فلمعنى [الكلمة. ومن ذكر فلمعنى] (٢) الحرف (٣). ولا محل لها من الإعراب لأنها حكايات وضعت على هذه الحروف، ولم تجر مجرى الأسماء المتمكنة، ولا الأفعال المضارعة، وإنما هي كقولهم: (غاق يا فتى) إذا حكوا صوت الغراب، فهذه الحروف وإن كانت إشارات إلى معان فلا موضع لها من الإعراب (٤). ومن قال: إنها أسماء للسور (٥) والقرآن، قال: محلها رفع (٦)، كأنه

стр. 564

قيل: هذه ألم، كما تقول: هذا زيد، أو يكون رفعًا على الابتداء، وخبره ﴿ذَلِكَ اَلكِتَابُ﴾ كما تقول (١): زيد ذلك الرجل، ويحتمل أن يكون رفعًا على أنه خبر مقدم، كأنه قال: ذلك الكتاب الذي وعدتك (٢) أن أنزله إليك (٣) ﴿الم﴾ (٤). فأما التفسير: فقد كثر اختلاف الناس في هذه الحروف المقطعة وأشباهها في القرآن. فذهب قوم إلى أن الله لم يجعل لأحد سبيلا إلى إدراك معانيها، وأنها مما استأثر الله بعلمها، فنحن نؤمن بظاهرها ونكل (٥) علمها إلى الله تعالى (٦). وعن الشعبي (٧) أنه قال: لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن

стр. 565

حروف التهجي (١). ومثل هذا روي عن أبي بكر الصديق وعلي (٢) ﵄. والأكثرون من أهل التفسير تكلموا في معاني هذه الحروف واستنبطوا لها وجوها من التأويل (٣)، وقالوا: لا يجوز أن يلغى شيء من كتاب الله تعالى، لأنه قال: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾ [الشعراء: ١٩٥]. فيروى عن ابن عباس في ﴿الم﴾ ثلاثة أوجه (٤): أحدها: أن الله تعالى أقسم بهذه الحروف، أن هذا الكتاب الذي أنزل على محمد الكتاب الذي عند الله، لا شك فيه (٥).

стр. 566

وهذا الوجه من تفسير ابن عباس اختيار (١) الأخفش، لأنه قال: أقسم الله تعالى بهذه الحروف لشرفها (٢) وفضلها (٣)، لأنها (٤) مباني كتبه المنزلة بالألسنة (٥) المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، بها يتعارفون ويذكرون الله ويوحدونه، فكأنه (٦) أقسم بهذه الحروف أن القرآن كتابه وكلامه لا ريب فيه (٧). الوجه الثاني: أن هذه الحروف وإن كانت متفرقة في النزول، فإذا ألّفت ضربًا من التأليف كانت (٨) اسمًا لله، وإن كنا لا نقف على تأويلها، فـ (ألف، لام، را)، و (حم)، و (ن) (٩) اسمه: الرحمن (١٠). إلا أنا لا نقف

стр. 567

على كيفية نظمها. قال سعيد بن جبير (١): لو أحسن الناس تأليفها لعلموا (٢) اسم الله الأعظم (٣). الوجه الثالث عنه (٤): ﴿الم﴾: أنا الله أعلم، و ﴿الر﴾ (٥): أنا الله أرى، و ﴿المص﴾ [الأعراف: ١]: أنا الله أعلم وأفصل (٦)، و ﴿المر﴾ [الرعد: ١]: أنا الله أعلم وأرى (٧). وهذا الوجه اختيار الزجاج.

стр. 568

قال: المختار: ما روي عن ابن عباس وهو أن معنى: (الم) أنا الله أعلم، وأن كل حرف منها له تفسير (١). قال: والدليل على ذلك أن العرب تنطق بالحرف الواحد تدل به على الكلمة التي هو (٢) فيها، وأنشد: قلت لها قفي فقالت قاف (٣) ... ................ فنطق (٤) - بقاف- فقط، يريد قالت: أقف (٥). وقال الفراء: معنى هذه الحروف [المقطعة في أوائل السور: أن هذه الحروف] (٦) ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أنزله عليك، لأن قوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] وعد من الله تعالى أن ينزل عليه كتابا، فلما أنزل عليه القرآن قال: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الذي وعدتك أن أقرئكه فلا تنسى، فاكتفى من حروف (أ، ب، ت، ث) بـ ﴿الم﴾، و ﴿المص﴾، وأشباه ذلك؛ لأن هذه الحروف لما

стр. 569

كانت موضوعة للكتاب معروفة، كان الحرفان (١) والثلاثة منها يدل على الجمع، والعرب تعبر ببعض الشيء عن كله. كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اُرْكَعُواْ لَا يَرْكَعُونَ﴾ [المرسلات: ٤٨] أي: صلوا لا يصلون، وقال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَت يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠] وقال الشاعر: لما رأيت أنها في حُطِّي ... أخذتُ منها بقرونٍ شُمْطِ (٢) فعبر بفظة (حطى) عن جميع حروف (أبجد) (٣). وهذا القول اختيار الحسن (٤) بن محمد بن نصر الجرجاني (٥)، فإنه

стр. 570

قال: ﴿الم﴾ مبتدأ مرصد لخبر (١)، أو لأن يبنى عليه خبر، أي: أن هذه الحروف التي منها (الم) الكتاب الذي (٢) وعدتك إنزاله عليك، فتكون هذه الحروف الثلاثة اسما لجميع الحروف المعجمة، كما يستدل ببعض الشيء على كله، يقول الرجل: قرأت (نون) و (صاد) و (حم) (٣) وهو لا يريد (٤) هذه الحروف بعينها، وإنما يريد كلّ ما اتصل به مما (٥) بعده. ومنه قول النبي ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله" (٦) وقد كان ﷺ يقاتل اليهود والنصارى، وهم يقولون: لا إله إلا الله، [وهو أراد (لا إله إلا الله)] (٧) وما اتصل بها من أسبابها، فجعل (لا إله إلا

стр. 571

الله) اسماً لجميع الإيمان. وعلى هذا قوله: ﴿وذلك﴾ مبتدأ ثان و ﴿الكتاب﴾ (١) خبره، وهما جميعا خبر للمبتدأ الأول (٢)، لأنهما صارا قصة وشأنا، مثل قولك: (زيد أبوه قائم) و (عمرو وجهه حسن). وزعم قطرب (٣): أن هذه الحروف المقطعة ذكرت في القرآن لتدل على أن هذا القرآن المؤلف من هذه الحروف المقطعة التي هي مقدورة للمشركين في تخاطبهم، فلولا أنه من عند الله نزل وأنه معجز في نفسه، وإلا وهلا جئتم بمثله لأنكم (٤) متمكنون من المخاطبة بهذه الحروف. (٥) وحكي عنه- أيضا- قول آخر، وهو أنه قال (٦): يجوز أن يكون لما لغا القوم في القرآن فلم يتفهموه (٧) حين قالوا: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ (٨) وَالْغَوْا فِيهِ﴾ [فصلت: ٢٦] أنزل الله سبحانه هذه الحروف المقطعة، ولم

стр. 572

تجر لهم عادة بسماع مثلها حتى إذا سكتوا واستمعوا إلى ذلك، هجم القرآن أسماعهم وقرع (١) المعاني آذانهم، فيكون في إنزال هذه الحروف (٢) المقطعة نوع من المبالغة في الدعوة وتأكيد (٣) للحجة عليهم (٤). ويروى عن الحسن أنه قال: ﴿الم﴾ وسائر حروف التهجي في القرآن أسماء للسور (٥). فعلى هذا إذا قال القائل (٦): قرأت (المص) عرف السامع أنه قرأ السورة المخصوصة التي افتتحت بـ (المص) كما أنه إذا قال: لقيت عمرا، علم السامع أنه يريد شخصاً معلومًا عنده. ويجوز أن يكون ﴿الم﴾ اسما للسورة المفتتحة بها، ثم لا تعرف تلك السورة بعينها ما لم يقرن بـ ﴿الم﴾ لفظ آخر، فيقال: سورة ﴿الم ذَلِكَ﴾،

стр. 573

وسورة (الم الله) (١)، لأنه وقع الاشتراك، ولا يمنع احتياجهم (٢) إلى ذكر القرينة أن يكون ذلك اسما له في الأصل. ألا ترى أنه إذا قال: رأيت زيدا، والسامع عرف (٣) رجلين اسمهما زيد، فيقول: أيما (٤) زيد؟ فيقول: الأزدي أو (٥) التميمي (٦). فلا يمنع هذا أن يكون (زيد) اسما (٧) في الأصل لذلك الشخص، وإن (٨) لم يحصل به التمييز حتى ذكر معه النسبة (٩) عند وقوع الاشتراك، ويجوز تسمية الشيء ببعضه، أو بما هو من جملة معناه، كالقصائد التي تسمى بما افتتحت به كقولهم: (لخولة أطلال)، و (قفا نبك)، و (أما صحا) (١٠). وقول الحسن (١١) هذا مختار عند النحويين، من قبل أن الأسماء

стр. 574

الأعلام منقولة عن معانيها للتفرقة بين المسميات (١)، ونقلت هاهنا حروف المعجم إلى التسمية. وقد جاء نظير ذلك (٢) في أسماء العرب، قالوا: (أوس بن حارثة بن لأم الطائي) (٣). ولا خلاف بينهم أن لك أن تسمي بحروف المعجم كما أن لك أن تسمي بالجمل (٤) كقولهم (٥): (تأبط شرًّا (٦))، و (ذرّى حبًّا (٧))، قال الشاعر: إن لها لَرَكَبًا (٨) إرزَبَّا (٩) ... كأنه جبهةُ ذرّى حَبَّا (١٠)

стр. 575

فكل (١) كلمة لم تكن على معنى الأصل فهي منقولة إلى التسمية للفرق، فمن ذلك (زيد (٢)) لما لم يرد به معنى الزيادة، لم يكن إلا منقولا (٣). وكذلك جميع الأسماء الأعلام ولو سميت رجلا: (ب ت ث)، [لقلت (هذا ب ت ث)] (٤)، ورأيت: (ب ت ث) فحكيت هذا القول كان جائزا. وقال أبو العالية: ليس منها حرف إلا وهو مفتاح اسم من أسماء الله ، وليس منها حرف إلا وهو في آلائه وبلائه، وليس منها حرف إلا وهو في مدة قوم وآجال آخرين (٥).

стр. 576

فالاختلاف في هذه الحروف كما ترى، وقد ذكرت عيون أقاويل أهل (١) التأويل. وليس يبعد أن يقال: إن جميع ما ذكر من هذه التأويلات كلها مرادة بهذه الحروف مودعة فيها، ولا تنافي في هذه الأقوال، لأنه ليس كون هذه الحروف مفاتح أسماء الله تعالى بمانع أن تكون (٢) مما (٣) أقسم الله بها، ولا أن يشير بها إلى مدة قوم وآجال أناس عرف الله نبيه ﵇ ذلك على الخصوص (٤).

стр. 577

فإن قيل: كيف كتبوا في المصحف هذه الحروف موصولة، والهجاء منقطع لا يتصل بعضه ببعض؟ قلنا: لأنه لم يقصد به الهجاء، إنما هي حروف اجتمعت يراد بكل حرف منها معنى، فهي وإن كانت في صورة الهجاء فإن تحتها معاني، فكانت من هذا الوجه في معنى الكلمات الموصولة (١). فإن قيل: فلم قطعت ﴿حم عسق﴾ ولم تقطع ﴿كهيعص﴾. قلنا: لأن (حم) قد ذكرت في أوائل سور أخرى، فقطعت مما (٢) بعدها، لأن هذه السور كغيرها (٣) مما افتتح بـ (حم) (٤). هذا هو الكلام في الحروف المقطعة في هذه السورة. (٥) فأما في سائر السور فسنأتي على بيانها إن شاء الله. ٢ - وقوله تعالى: ﴿ذَالِكَ اَلكِتَبُ﴾. قال أبو الهيثم (٦): (ذا) اسم كل

стр. 578

مشار إليه يراه المتكلم والمخاطب كقولك: ذا الرجل، وذا الفرس، فإذا (١) بعد المشار إليه زادوا (كافا) فقالوا: ذاك (٢) الرجل، وهذه (الكاف) ليست في موضع نصب ولا خفض (٣) ولا رفع، إنما أشبهت كاف (أخاك) و (عصاك) فتوهم السامع أنها في موضع خفض (٤)، فلما دخل فيها هذا اللبس زادوا (لاما) فقالوا: ذلك أخوك (٥)، فإن اللام إذا دخلت ذهبت بمعنى الإضافة. و (ذا) مبني (٦)، نصبه وخفضه ورفعه سواء، لأن فيه معنى الإشارة إلى معرفة فكأنه قد تضمن معنى من الحروف (٧). وهذا الذي ذكره

стр. 579

أبو الهيثم في ذلك، إجماع من النحويين (١). وقال الزجاج (٢): كسرت (اللام) في (ذلك) لالتقاء الساكنين (٣)، قال: ولم يذكر الكوفيون كسرة هذه (اللام). قال أبو الفتح الموصلي (٤): (اللام) قد تزاد في الكلمة مبنية (٥) معها، غير مفارقة لها، كقولهم: (ذلك) و (ألالك) (٦)، و (هنالك) و (عبدل) (٧)، و (زيدل) (٨)، و (فيشله) (٩). والذي يدل على زيادة (اللام) في هذه الحروف قولهم: (ذاك) (١٠) بمعنى:

стр. 580

(ذلك)، و (أولئك) بمعنى: (ألالك) (١)، و (هناك) بمعنى: (هنالك)، ومعنى (عبدل) كمعنى (عبد) (٢)، ومعنى: (زيدل) كمعنى: (زيد) (٣)، ومعنى: (فيشلة) كمعنى (٤): (فيشة) (٥). وأما (٦) (الكاف) فهي في (ذاك)، و (ذلك)، و (تلك)، و (تانك) (٧)، و (ذانك)، و (أولئك) حرف يفيد الخطاب، وليست باسم (٨). والدليل (٩) على ذلك ثبوت النون [في (ذانك، وتانك) ولو كانت اسما لوجب حذف النون] (١٠) قبلها، وجرها بالإضافة، كما تقول: غلاماك وصاحباك. والعرب قد تزيد (الكاف) للخطاب كقولهم: (النجاءك) أي: انج، ولو كانت (١١) (الكاف) اسما لما جازت إضافة ما فيه (الألف واللام)

стр. 581

إليهما (١)، وكذلك قولهم: أبصرك زيدا. ولا يجوز أن تكون (الكاف) اسما لأن هذا الفعل لا يتعدى إلى ضمير المأمور (٢)، ألا ترى أنك لا تقول: أضربك، ولا أقتلك، إذا أمرته بضرب نفسه وقتله إياها (٣). وزاد غيره بيانا فقال: (الكاف) في (ذلك) حرف، وفي (غلامك) وأشباهه اسم، الدليل على هذا أنك تؤكد (الكاف) في غلامك، كما تؤكد الاسم، فتقول: جاءني غلامك نفسك، ولا تؤكد (الكاف) في ذلك، فلا يجوز أن تقول: ذلك نفسك، على معنى تأكيد (الكاف) بالنفس (٤). قوله تعالى: ﴿الْكِتَابُ﴾ يقال: كتب يكتب كتابًا وكَتْبًا وكتابةً. و (الكتاب) أيضا اسم لما كتب، وهو من باب تسمية المفعول بالمصدر، وهو كثير (٥). وأصل (الكتب) في اللغة جمعك بين الشيئين، يقال: اكتب بغلتك، وهو أن يضم بين شفريها بحلقة (٦)، ومن ذلك سميت (الكتيبة) لأنها تكتبت واجتمعت (٧). ويقال: كتبت السقاء أكتبه كَتْبًا إذا خرزته (٨). وهي الكُتْبة وجمعها

стр. 582

كُتَب للخروز (١). ومنه قيل: كتبت الكتاب، لأنه يجمع حرفا إلى حرف (٢). فأما التفسير فقوله (٣): ﴿ذلك﴾ يجوز أن يكون بمعنى: (هذا) عند كثير من المفسرين وأهل المعاني (٤). قال الفراء: وإنما يجوز (ذلك) بمعنى: (هذا) لما مضى، وقرب وقت تقضيه، أو تقضي ذكره، فأما الموجود الحاضر (٥) فلا يقال فيه (ذلك) (٦) مثاله أنك تقول (٧): قد قدم فلان، فيقول السامع: قد بلغنا ذلك، وبلغنا هذا الخبر، فصلحت فيه (هذا)، لأنه قرب من جوابه (٨)، فصار كالحاضر الذي تشير (٩) إليه، وصلحت (ذلك) لانقضائه، والمنقضي

стр. 583

كالغائب (١). وتقول: أنفقت ثلاثة وثلاثة، فذلك ستة، وإن شئت قلت: فهذا ستة، وقد قال الله : ﴿فَحَشَرَ فَنَادَى﴾ [النازعات: ٢٣] تْم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [النازعات: ٢٦]، وقال: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ﴾ (٢) [الأنبياء: ١٠٥]، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا﴾ [الأنبياء: ١٠٦] (٣). وقال محمد بن جرير: أشار بقوله: ﴿ذلك﴾ إلى ما تقدم ومضى من قوله: ﴿الم﴾ لأن كل ما تقضى (٤) وقرب تقضيه من الأخبار فهو في حكم الحاضر، كالرجل يحدث الرجل الحديث، فيقول السامع: (إن ذلك لكما (٥) قلت)، و (هذا والله كما قلت)، فيخبر مرة عنه بمعنى الغائب (٦)، إذا كان قد تقضى، ومرة بالحاضر لقرب جوابه من كلامه، كأنه غير متقض (٧)، فكذلك لما ذكر الله سبحانه ﴿الم﴾ التي ذكرنا تصرفها في وجوهها من المعاني، قال: يا محمد هذا الذي ذكرته وبينته لك: الكتاب، [فحسن وضع (ذلك) في موضع (هذا) (٨) وروى عن ابن عباس أنه قال:

стр. 584

معنا ذلك الكتاب] (١) الذي أخبرتك أنى أوحيه (٢) إليك (٣). وقال يمان بن رباب (٤): ذلك (٥) الكتاب الذي ذكرته في التوراة (٦) والإنجيل (٧). وهذان القولان (٨) متقاربان، والأول (٩) اختيار ابن الانباري،

стр. 585

والثاني (١) اختيار الزجاج (٢). أما ابن الانباري فقال: إنما قال عز (٣) ذكره: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، فأشار إلى غائب، لأنه (٤) أراد هذه الكلمات يا محمد: ذلك الكتاب الذي وعدتك أن أوحيه إليك، لأن الله تعالى لما أنزل على نبيه ﷺ ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥]، كان ﵇ واثقا بوعد الله إياه، فلما أنزل عليه ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة:١, ٢]. دله على (٥) الوعد المتقدم (٦). وقال الزجاج: القرآن، ذلك الكتاب الذي وعدوا به على لسان موسى وعيسى (٧). فجعل ﴿الم﴾ بمعنى القرآن، لأنه من القرآن فهو قرآن. والمراد بالكتاب هاهنا: القرآن في (٨) قول ابن عباس، والحسن، وقتادة، ومجاهد والضحاك، ومقاتل (٩).

стр. 586

والمراد به المفعول (١)، كقولهم: الخلق، يريدون: المخلوق (٢)، لا الحدث الذي هو اختراع وإبداع. وهذا (٣) أرجح عندي من قول من قال: إنه سمي به لما فرض فيه (٤)، وأوجب العمل به (٥)، ألا ترى أن جميع التنزيل مكتوب، وليس كله فروضًا، وإذا كان كذلك كان العام (٦) الشامل [بجميع المسمى أولى مما كان بخلاف ذلك. فإن جعلت ﴿الم﴾ متعلقا بما بعده، فهو ابتداء، وخبره] (٧) ﴿ذلك﴾، والكتاب تفسير وبيان (٨) للمشار إليه (٩). ويصح أن

стр. 587

يقال: ﴿الم﴾ ابتداء، ﴿وذلك﴾ ابتداء آخر، و ﴿الكتاب﴾ خبره، وجملة الكلام خبر الابتداء الأول. وإن (١) جعلت ﴿الم﴾ منقطعًا مما بعده، فـ ﴿ذلك﴾ ابتداء، وخبره ﴿هُدًى﴾ (٢). وقوله تعالى: ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾. الريب: الشك يقال: رابني فلن يريبني أي: علمت من الريبة، وأرابني (٣) أوهمنيها ولم يحققها (٤)، وقال: أَخُوكَ الذي إنْ رِبْتَهُ قَالَ إنَّمَا ... أرَابَ وإنْ عَاتَبْتَهُ (٥) لاَنَ جَانِبُه (٦) أراد أنه (٧) مع اليقين بالريبة يتوهمها (٨) منك، جريا على حكم

стр. 588

المودة، هذا قول جمهور أهل اللغة (١). وقال سيبويه: (أراب) الرجل أي: صار صاحب ريبة. كما قالوا: ألام أي: استحق أن يلام (٢). وأما (رابني) فمعناه: جعل في ريبة (٣)، كما تقول: قطعت النخل، أي: أوصلت إليه القطع، واستعملته فيه (٤). وقال أبو زيد (٥): قد رابني من فلان أمر رأيته منه رَيْبًا، إذا كنت مستيقنا منه بالريبة، فإذا أسأت به الظن ولم تستيقن بالريبة منه قلت: قد أرابني من فلان أمر هو فيه، إذا ظننته من غير أن تستيقنه (٦). وقوم على أن: (راب) و (أراب) بمعنى واحد (٧)، وينشدون قول الهذلي (٨):

стр. 589

كأنَّما أَرَبْتُهُ بِرَيْبِ (١) والحذاق (٢) على الفرق بينهما، كما أخبرتك، قال الأزهري: والقول في (راب وأراب) قول أبي زيد (٣). وموضح (ريب) نصب (٤)، قال سيبويه: (لا) تعمل فيما بعدها فتنصبه، ونصبها لما بعدها كنصب (إن) إلا أنها تنصب بغير تنوين (٥). وإنما شبه (لا) بـ (إن)، لأن (إن) للتحقيق في الإثبات، و (لا) في النفي، فلما كان (لا) تقتضي (٦) تحقيق النفي، كما تقتضي (إن) تحقيق الإثبات أجري مجراه. وزعم سيبويه أنها مع ما بعدها بمنزلة شيء واحد (٧)؛ لأنها جواب لما يكون بمنزلة شيء واحد، ولذلك لم ينون وبني على الفتحة، كأنها جواب قول

стр. 590

القائل: هل من رجل في الدار؟، فـ (من) مع رجل كشيء واحد. فإن قيل: فما (١) أنكرت أن يكون جواب هل رجل في الدار؟ قيل: معنى (لا رجل في الدار)، عمهم (٢) النفي، لا يجوز أن يكون في الدار رجل، ولا أكثر منه، وكذلك (هل من رجل في الدار) استفهام عن الواحد وأكثر منه. فإن قلت: (هل رجل في الدار) أو (لا رجلٌ في الدار)، جاز أن يكون في الدار رجلان، لأنك إنما أخبرت أنه ليس فيها واحد، فيجوز أن يكون فيها أكثر منه، فإذا قلت: (لا رجلَ في الدار)، فهو نفي عام، وكذلك ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ (٣) وموضع ﴿لا رَيْبَ﴾ رفع بالابتداء عند سيبويه، لأنه بمنزلة خمسة (٤) عشر (٥)، إذا ابتدأت به، ولهذا جاز العطف عليه بالرفع في قوله: لا أُمَّ لي إنْ (٦) كان ذَاكَ ولا أَبُ (٧)

стр. 591

ومن نصب المعطوف (١) فهو عاطف على اللفظ (٢). وسنستقصي الكلام في هذا عند قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ (١٩٧)﴾ [البقرة: ١٩٧]، إن شاء الله. وقوله تعالى: ﴿فِيهِ﴾. يجوز (٣): أن تجعله خبرا للابتداء الذي هو ﴿لَا رَيْبَ﴾ ويجوز: أن تجعله صفة لقوله ﴿لَا رَيْبَ﴾، وإذا جعلته صفة أضمرت الخبر، كأنه قيل: لا ريب فيه واقع أو كائن، فإن جعلته خبرا كان موضعه رفعا من وجهين: أحدهما: بكونه خبرًا (٤) للمبتدأ (٥). والثاني: من حيث كان خبر إن رفعا (٦)، وقد ذكرنا أن (لا) بمنزلة (إن).

стр. 592

وإن جعلت (فيه) صفة، ولم تجعله خبرا، كان موضعه نصبا في قول من وصف على اللفظ (١)، [كما عطف (٢) على اللفظ] (٣) في قوله: فلا أبَ وابْنًا مِثْلُ مَرْوانَ (٤) ومن وصفه على الموضع (٥)، كما عطف على الموضع في قوله: لا أمَّ لي إنْ كان ذَاكَ ولا أَبُ (٦) كان موضعه على هذا رفعا (٧). وفي قوله: ﴿فِيهِ﴾: قراءتان، إشباع (الهاء) حتى تلحق به (ياء) وكذلك في (الهاء) المضمومة (٨) مثل (منهو) و (عنهو)، وهو مذهب ابن كثير (٩).

стр. 593

والباقون يقتصرون على الضمة والكسرة (١). وأصل (الهاء) في ﴿فيه﴾ الضم، لأن الأصل (فيهو) كما ذكرنا في (عليهو) ثم كسرت (الهاء) للعلة التي ذكرنا في (عليهم) (٢) فمن اقتصر على الضمة والكسرة قال: إن (الهاء) حرف خفي (٣)، فإذا اكتنفها (٤) ساكنان من حروف اللين صار كأن الساكنين قد التقيا (٥)؛ لخفاء (الهاء)، وأنهم لم يعتدّوا بها حاجزًا (٦) للخفاء في مواضع. ألا ترى أن من قال: (رُدُّ)، فأتبع الضمة الضمة، فإذا وصل الفعل بضمير (٧) المؤنث قال: (ردَّها)، فلم يتبع الضم الضم، كما كان يتبع قبل، لأنه جعله بمنزلة (رُدَّا) وفي (رُدَّا) لا يمكن إتباع الضم الضم، وفي (رُدَّها) (٨)

стр. 594

جعلت الدال (١) في حكم الملازمة للألف، إذ (٢) لم يعتد بها حاجزا، كذلك إذا لم يعتد بها في نحو (فيهي)، و (عصاهو)، و (خذوهو) صار كأن الساكنين قد التقيا. ولهذه العلة -أيضًا- حذف حرف اللين بعد (الهاء) من حذف، وإن كان الساكن الذي قبلها ليس من حروف اللين نحو: (منه) و (عنه) (٣). ومثل (الهاء) (٤) في أنه (٥) لما كان حرفا خفيًّا لم يعتدوا به حاجزًا (النون)، وذلك في قولهم: (هو (٦) ابن عمي دِنْيا) (٧) و (قِنْيَة) (٨)، لما كانت (النون) خفية صارت (الواو) كأنها وليت الكسرة، فقلبتها كما قلبتها في

стр. 595

(غازية)، و (محنية) (١)، ولو كان مكان (النون) (٢) حرف غيره لم يكن فيما بعده القلب، نحو: (جرو) و (عدوة) (٣). فهذا (٤) مثل (الهاء) في أنه للخفاء لم يعتد به حاجزا (٥). وأما ابن كثير: فإنه يتبع هذه (الهاء) في الوصل (الواو) و (الياء) (٦) ويسوى بين حروف اللين وبين (٧) غيرها من الحروف، إذا (٨) وقعت قبل (الهاء) وحجته: أن (الهاء) وإن كانت خفية (٩) فليس يخرجها (١٠) ذلك من أن تكون كغيرها من حروف المعجم التي لاخفاء فيها، نحو: (الدال) و (الصاد) و (الهاء). و (النون) عند الجميع في وزن الشعر بمنزلة الدال والصاد (١١)، وإذا

стр. 596

كان كذلك كان حجزها [بين الساكنين كحجز] (١) غيرها (٢). وقوله تعالى ﴿هُدًى﴾: قال سيبويه: قلّما (٣) يكون ما ضم أوله من المصدر إلا منقوصًا، لأن (فُعَل) لا تكاد (٤) تراه مصدرًا من غير بنات (٥) (الياء) و (الواو) (٦) كالهُدى والسُّرى، والنُّهى (٧)، والتُّقَى، والقِرى، والقِلَى (٨)، وقالوا: كِسْوَة، ورِشْوَة، وجِذْوَة، وصُوَّة (٩)، وإذا (١٠) جمعوا جمعوها على (فِعَل)

стр. 597

و (فُعَل)، ومنهم من يضم في الواحد ويكسر في الجمع (١)، ويجوز (٢) الكسر في واحده، والضم في الجمع (٣)، وهذا مما يدلك على اشتراكهما. وقال أناس من النحويين (٤): إنه قد تجرى الأسماء التي ليست بمصادر مجرى المصادر فيقولون: جلس جلسة، وركب ركبة، ويقولون: عجبت من دهنك لحيتك (٥)، وينشدون: وبعد عطائك المائة الرتاعا (٦) فيجري (٧) مجرى الإعطاء، وقال لبيد (٨):

стр. 598

بَادَرْتُ حَاجَتَها (١) الدَّجَاج (٢) وفسروه على حاجتي (٣) إليها (٤)، فأضيف إلى المفعول كما يضاف المصدر إليه، فعند هؤلاء (الهُدى والسُّرى والتُّقَى) أسماء أجريت مجرى المصادر (٥)، وليست مصادر (٦) حقيقة. وزعم الأخفش: أن من العرب (٧) من يؤنث الهدى (٨). ومعنى الهدى: البيان، لأنه قد قوبل به الضلال في قوله ﴿وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]، [أي من قبل هداه] (٩).

стр. 599

وقوله تعالى: ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. الاتقاء في اللغة: الحجز بين الشيئين، يقال: اتقاه بترسه، أي: جعل الترس حاجزا بينه وبينه، واتقاه بحقه، إذا وفاه (١)، فجعل الإعطاء وقاية بينه وبين خصمه عن نيله إياه بيده أو لسانه، ومنه (التقية في الدين) بجعل ما يظهره حاجزا بينه وبين ما يخشاه من المكروه (٢)، ومنه الحديث: كنا إذا احمرّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ ، وكان أقربنا إلى العدو (٣). فالمتقي هو الذي يتحرز بطاعته عن العقوبة، ويجعل اجتنابه عما نهى، وفعله ما (٤) أمر، حاجزًا بينه وبين العقوبة التي توعد (٥) بها العصاة. وكان (اتقى) (٦) في الأصل (اوْتقى) (٧) لأنه (افتعل) (٨) من الوقاية، وأصل هذا الباب بالواو (٩)، كالاتزان (١٠) من الوزن، والاتضاح من

стр. 600

الوضوح، إلا أن الواو صارت (ياء) لانكسار ما قبلها وهي ساكنة، ثم اندغمت (الياء) في (تاء) (١) الافتعال بعدما صارت (تاء)، فتولدت التشديدة لذلك (٢). وقال أبو الفتح الموصلي (٣): إن (افْتَعَل) إذا كانت فاؤه (واوا)، فإن (واوه) تقلب (٤) (تاء)، وتدغم في (تاء) (افْتَعَل) مثل (اتَّعد) (٥) و (اتَّلج) (اتَّصف). والعلة في قلب هذه الواو (تاء)، أنهم لو لم يقلبوها (تاء) لوجب أن يقلبوها إذا انكسر ما قبلها (ياء)، فيقولوا: (٦) (ايتقى) (٧) وإذا (٨) انضم ما قبلها ردت إلى (الواو) فقالوا: (مُوتَق) (٩)، وإذا انفتح ما قبلها قلبت (ألفا)، فقالوا: (ياتقي) (١٠)، فلما (١١) كانوا لو لم يقلبوها (تاء) صائرين من قلبها (١٢) مرة (ياء) ومرة (ألفا)، ومرة (واوا)، أرادوا أن يقلبوها حرفا جلدا
следующие страницы →