← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5916–5955 · переход к 5921.

стр. 5916

مريض، فإذا أردت أن تعلم غيرك مرضه قلت: اعلم أن زيدًا (١) مريض، ولو قلت: اعلم زيدًا مريضًا، كان العلم واقعًا على زيد نفسه دون المرض وانتقل المعنى عما كان عليه، فإذا قلت: اعلم أنه زيد مريض فقد تضمن (أن) ما بعده من المبتدأ والخبر، وجمع معناهما في الهاء التي وقع عليها (٢) (أن) وعمل (أن) فيها، وشغل بها عن غيرها، فصارت الهاء كناية عن القصة والشأن، وارتفع ما بعدها من المبتدأ والخبر لشغلك (أن) بالهاء، وصار ما بعد الهاء من المبتدأ والخبر بيانا لما في الهاء من نية تلك القصة لأنها مبهمة، فقوله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ﴾ الهاء (٣) قد تضمنت ما بعدها من المبتدأ وخبره، وما بعدها من قوله: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ مبتدأ، ولذلك (٤) جزم لأنه شرطٌ مبتدأ (٥). وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قال الليث: (حاددته أي: عاصيته (٦) وخالفته، والمحادة كالمجانبة والمخالفة والمعاداة، وذكر الزجاج اشتقاقه من الحد، قال: (ومعنى حاد فلان فلانًا: أي: صار في حد غير حده، كقولك: شاقه، ومعنى: ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ أي يصير في حد غير حد أولياء الله بالمخالفة) (٧).

стр. 5917

قال ابن عباس: (يعني من يخالف الله ورسوله بتكذيب نبيه، والإظهار باللسان خلاف ما في القلب) (١)، وقال الأخفش: ﴿يُحَادِدِ اللَّهَ﴾: يحارب الله) (٢)، وقال قطرب: (يعاند الله) (٣)، وقال الزجاج: (يعاد (٤) الله) (٥). ﴿فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [المعنى: فله نار جهنم] (٦) ولكنه لما طال الكلام أعيد (أن) ليكون أوكد، ويجوز كسر (فإن) على الاستئناف بعد الفاء، والقراءة بالفتح (٧)، هذا معنى كلام أبي إسحاق (٨)، والكلام في إعراب هذه الآية يأتي (٩) في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ [الحج: ٤] (١٠).

стр. 5918

٦٤ - قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ الآية، قال مجاهد والكلبي: (كان المنافقون يعيبون رسول الله ﷺ فيما بينهم، يقولون: عسى الله أن لا يفشي علينا سرنا، فأنزل الله هذه الآية) (١). وقوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ إخبار عنهم بما كانوا يفرقون من هتكهم وفضيحتهم، قال الزجاج: (ويجوز أن يكون لفظه خبرًا ومعناه أمرًا) (٢)، وهذا بعيد، وآخر الآية دليل على أن المراد بقوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾ (٣) الخبر وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾. وقوله: ﴿أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾ الظاهر أن الكناية عائدة على المنافقين، والوجه أن ترجع إلى المؤمنين، [والمعنى: أن تنزل على المؤمنين، (٤) سورة تنبئهم بما في قلوب المنافقين (٥)، [ونحو هذا قال الحسن (٦).

стр. 5919

وقوله تعالى: ﴿تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾] (١) قال ابن عباس: (يريد: ينزل الله في تلك السورة [ما استتروا به من الناس) والمعنى: يظهر] (٢) ما في قلوبهم من الحسد لرسول الله ﷺ والمؤمنين وما كانوا ينطوون (٣) عليه من العداوة لهم. وقوله تعالى: ﴿قُلِ اسْتَهْزِئُوا﴾ أمر وعيد ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ﴾ مظهر ﴿مَا تَحْذَرُونَ﴾ ظهوره، قال عطاء عن ابن عباس: (أنزل الله أسماء المنافقين وكانوا سبعين رجلاً فأنزل الله أسماءهم، وأسماء آبائهم وعشائرهم في القرآن، ثم نسخ تلك الأسماء رأفة منه ورحمة؛ لأن أولادهم كانوا مسلمين، والناس يعير بعضهم بعضًا) (٤)، فعلى هذا قد أنجز الله وعده بإظهار ذلك في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾، وقال بعضهم: (إن الله أخرج ذلك حيث ألهم النبي ﷺ معرفتهم فقال: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] (٥)، قال عطاء ومقاتل وقتادة: (كانت تسمى هذه السورة الفاضحة والمثيرة والمبعثرة، أثارت مخازي المنافقين وفضحتهم) (٦) فإن قيل: أكان

стр. 5920

المنافقون يحذرون هذا وهم ينطوون (١) على الكفر ومجانبة الإيمان؟. قيل: هذا لا يلزم على مذهب الزجاج، حيث جعل (٢) قوله: (يحذر) بمعنى الأمر (٣)، وإن جعلته خبرًا فالمنافقون كانوا ينحرفون عن النبي ﷺ حسدًا له (٤) وبغيًا، وقلوبهم تشهد بصدقه، وهم يخافون نزول سورة عليه يكشف فيها أمرهم، إذا كانوا لا يشكون في نزول الملائكة عليه، وأن الله يطلعه من الغيب على ما هو مستور عن غيره، هذا كلام ابن الأنباري (٥)، وقد أشار الزجاج إلى هذه الجملة حيمث قال في قوله: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ﴾: (ويجوز أن يكون خبرًا عنهم؛ لأنهم كانوا يكفرون عنادًا وحسدًا) (٦). ٦٥ - وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال ابن عمر، وزيد بن أسلم والقرظي: (قال رجل من المنافقين في غزوة تبوك: ما رأيت مثل هؤلاء أرغب بطونًا، ولا أكذب ألسنًا، ولا أجبن عند اللقاء، يعني رسول الله ﷺ والمؤمنين، فقال له عوف بن مالك (٧): كذبت، ولكنك منافق [لا خير فيك] (٨)، لأخبرن رسول الله ﷺ ، فذهب عوف ليخبره فوجد القرآن قد

стр. 5921

سبقه، فجاء ذلك الرجل إلى رسول الله ﷺ وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله ﷺ ، إنما كنا نلعب ونتحدث بحديث الركب نقطع به عناء الطريق، قال ابن عمر: كأني انظر إليه متعلقًا بنسعة (١) ناقة رسول الله ﷺ وإن الحجارة لتنكب رجليه، وهو (٢) يقول: إنما كنا نخوض ونلعب، ورسول الله ﷺ يقول: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ ما يلتفت إليه، وما يزيده عليه (٣). وقال قتادة والحسن: "إن المنافقين قالوا في غزوة تبوك أيرجو هذا الرجل أن يفتح قصور الشام وحصونها، هيهات هيهات (٤)، فأطلع الله (٥) نبيه على ما قالوا (٦) " (٧)، فقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾، قال الزجاج: (عما كانوا فيه من الاستهزاء) (٨).

стр. 5922

وقال غيره: هذا سؤال تأنيب كقولك للإنسان: لم فعلت هذا القبيح (١)؟ وكذلك قيل لهم: لم طعنتم في الدين بالباطل والزور؟ فأجابوا بما لا عذر فيه، بل هو وبال على المجيب، وهو قولهم: ﴿إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ وأصل الخوض الدخول في مائع، مثل الماء والطين، ثم كثر حتى صار في كل دخول فيه تلويث وأذى، فمعنى ﴿نَخُوضُ﴾: أي: في الباطل من الكلام كما يخوض الركب يقطعون به الطريق، ﴿وَنَلْعَبُ﴾، فأجابهم الرسول ﷺ ﴿أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: حدوده وفرائضه ﴿كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾. وذكر الكلبي ومقاتل بن سليمان وغيرهما في سبب نزول هذه الآية غير ما ذكرنا أولاً، وهو أنهم قالوا: كان رسول الله ﷺ راجعًا من غزوة تبوك في مسيره، وثلاثة نفر (٢) يسيرون بين يديه، فجعل رجلان منهم يستهزآن بالقرآن ورسول [الله ﷺ ] (٣) والثالث يضحك، فنزل جبريل وأخبر رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ للمؤمنين: "أتدرون ما يتحدث به هؤلاء النفر الثلاثة (٤)؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنهم يستهزؤن بالله ورسوله وبالقرآن، نزل علي جبريل فأخبرني بذلك، ولئن أرسلت إليهم فسألتهم مم كانوا يضحكون؟ ليقولن: كنا نتحدث بحديث الركب ونضحك"، ثم قال لعمار بن ياسر: "انطلق فاسألهم عما كانوا (٥) يضحكون

стр. 5923

ويتحدثون، وقل لهم: [احترقتم أحرقكم الله"، فأتبعهم عمار فلحقهم، وقال لهم:] (١) مم تضحكون وتتحدثون؟ قالوا: نتحدث بحديث الركب ونضحك بيننا، فقال: صدق الله ورسوله (٢)، احترقتم أحرقكم الله (٣). ٦٦ - قوله تعالى: ﴿لَا تَعْتَذِرُوا﴾، قال المفضل بن سلمة: (معنى الاعتذار هو أثر الموجدة، من قولهم اعتذرت المنازل إذا درست) (٤)، يقال: مررت بمنزل معتذر بال. قال ابن أحمر في الاعتذار بمعنى الدروس: قد كنت تعرف آيات فقد جَعَلت ... أطلال إلفك بالودكاء تعتذر (٥) وأخذ الاعتذار من هذا؛ لأن من اعتذر شاب اعتذاره بكذب (٦) يعفي على ذنبه.

стр. 5924

وقال ابن الأعرابي: (اعتذرت إليه: هو قطع ما في قلبه) (١)، ومنه عذرة الغلام لقُلفته، وهي ما يقطع عند الختان، وعذرة الجارية سميت عذرة بالعذر وهو القطع، قاله اللحياني (٢)، لأنها إذا خفضت (٣) قطعت نواتها، وإذا افترعت (٤) انقطع حاتم عذرتها، ومن هذا يقال: اعتذرت المياه إذا انقطعت، وعلى هذا معنى العذر (٥): قطع اللائمة عن الجاني، فالقولان قريبان من السواء لأن هو أثر الموجدة قطع له. وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾، قال أبو إسحاق: (تأويله: قد ظهر كفركم بعد إظهاركم الإيمان) (٦). وقوله تعالى: ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾، قال المفسرون: (الطائفتان كانوا ثلاثة نفر هزيء اثنان وضحك واحد على ما بينا) (٧)، فالطائفة الأولى الضاحك، والأخرى الهازئان، قال مجاهد في

стр. 5925

قوله، تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٢]، أقلها واحد (١)، وقال عطاء: أقلها اثنان (٢). وقال أبو إسحاق: (الطائفة في اللغة: أصلها الجماعة؛ لأنها المقدار الذي يطيف بالشيء، وقد يجوز أن يقال (٣) للواحد: طائفة يراد نفسٌ طائفة) (٤). وقال ابن الأنباري: (العرب توقع الجمع على الواحد فتقول: خرج فلان إلى مكة على الجمال، والله تعالى يقول (٥): ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ﴾ [آل عمران: ١٧٣] يعني نعيم بن مسعود. قال: ويجوز أن تكون الطائفة إذا أريد بها الواحد يكون أصلها طائفا فتدخل الهاء للمبالغة) (٦). وروى الفراء بإسناده عن ابن عباس قال: (الطائفة: الواحد فما فوقه) (٧)، قال الكلبي: (الذي ضحك هو المعفو عنه) (٨)، وقال محمد بن

стр. 5926

إسحاق: (الذي عفي عنه رجل واحد يقال له: مخشي (١) بن حُمير الأشجعي (٢)، أنكر (٣) عليهم بعض ما سمع، وجعل يسير مجانبًا لهم، فلما نزلت هذه الآية بريء من النفاق) (٤). ٦٧ - قوله تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾، قال ابن عباس: (أي على دين بعض) (٥). قال أبو علي: (أي بعضهم يلابس بعضا، ويوالي بعضا، وليس المعنى على النسل (٦) والولادة؛ لأنه قد يكون من نسل المنافق مؤمن، ومن نسل المؤمن منافق) (٧). وقال أبو إسحاق: (هذا يتلو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ﴾ [التوبة: ٥٦] أي ليس المنافقون من المؤمنين) (٨).

стр. 5927

وقال غيره من أهل المعاني: (معنى ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق (١)، كما تقول للإنسان (٢): أنت مني وأنا منك، أي أمرنا واحد لا ينفصل) (٣)، وقد ذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢٥]. وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: بالنفاق والتثبيط عن الجهاد في سبيل الله، والتكذيب برسول الله ﷺ ) (٤)، وقال الضحاك: (يأمرون بالكفر بمحمد) (٥)، ونحوه قال الزجاج (٦). ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (عن اتباع رسول الله ﷺ (٧)، وقال عطاء عنه: (الإخلاص لله بنية صادقة) (٨)، وقال الزجاج: (عن الإيمان بمحمد ﷺ ) (٩). وقال الضحاك: (عن الإسلام وأداء الصدقات إلى رسول الله ﷺ ) (١٠).

стр. 5928

وقوله تعالى: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (عن النفقة في سبيل الله) (١)، وهو قول الحسن (٢) ومجاهد (٣). وقال قتادة: (لا يبسطونها بخير) (٤)، وقال القرظي: (يقبضون أيديهم عن كل خير) (٥). وقال الزجاج: (أي: لا يصدقون ولا يزكون) (٦). والأصل في هذا أن (٧) المعطي يمد يده ويبسطها بالعطاء، فقيل لمن بخل ومنع: قد قبض يده، وقد ذكرنا هذا المعنى (٨) مستقصى في (٩) قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] (١٠).

стр. 5929

وقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (تركوا ما أمرهم [به من] (١) طاعته (٢)، وحضهم عليه من الجهاد في سبيله، فتركهم وخذلهم في الشك في قلوبهم) (٣)، وقال الضحاك: ([تركوا أمر الله فتركهم من كل خير) (٤)، وقال أهل المعاني: (معناه:] (٥): تركوا أمره حتى صار بمنزلة المنسي بالسهو عنه، فجازاهم بأن صيرهم بمنزلة المنسي من ثوابه ورحمته، وجاء هذا على مزاوجة الكلام) (٦). ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: العاصون الله (٧) والخارجون عن أمره وطاعته. ٦٨ - قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ﴾ الآية، يقال: وعده بالخير وعدًا، ووعده بالشر وعيدًا، وقوله تعالى: ﴿نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ [العامل في الحال محذوف بتقدير: أن يصلوها (٨) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ﴾ (٩)، قال الزجاج وغيره: (هي كفاية (١٠) ذنوبهم، ووفاء

стр. 5930

لجزاء عملهم، كما يقال: عذبتك حسب فعلك، وحسب فلان ما نزل به، أي ذلك على قدر فعله) (١) (٢). ٦٩ - قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ هذا الرجوع من الخبر إلى الخطاب، قال الفراء: (فعلتم كأفعال الذين من قبلكم) (٣)، يعني أن قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ وصف لهم بهذه الأفعال، ثم قال: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ أي فعلتم هذه الأفعال [كأفعال الذين من قبلكم] (٤) فيكون المعنى على حذف المضاف، وقال الزجاج: (موضع الكاف نصب، أي وعدهم الله على الكفر به كما وعد الذين من قبلكم (٥)) (٦)، فعلى هذا: قوله: ﴿كَالَّذِينَ﴾ أي: كوعد الذين، والكاف متعلق بقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ﴾. وقال غيره (٧): (شبه المنافقون في عدولهم عن أمر الله للاستمتاع بلذات الدنيا بمن قبلهم) فعلى هذا: الكاف في محل الرفع بأنه خبر (٨) ابتداء محذوف على تقدير: أنتم كالذين من قبلكم (٩). قال ابن عباس: (يريد الأمم الخالية) (١٠).

стр. 5931

وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾، قال: (يريد: بنصيبهم في الدنيا) (١)، قال الفراء: (يقول رضوا بنصيبهم في الدنيا من (٢) أنصبائهم (٣) في الآخرة) (٤)، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ يعني: أن هؤلاء استمتعوا بنصيبهم من الخير العاجل، وباعوا بذلك الخير الآجل فهلكوا بشر استبدال، وقال الفراء: (أي أردتم ما أراد الذين من قبلكم) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾، قال: يريد: كخوضهم الذي خاضوا (٦)، فـ (الذي) صفة مصدر محذوف، دل عليه الفعل، قال ابن عباس: (يريد في الطعن علي أنبيائهم)، وقال أهل المعاني: (يعني في كل باطل؛ لأن الخوض الدخول فيما يؤدي إلى تلويث صاحبه). وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أي: بطلت حسناتهم في الدنيا بأنها لا تقبل منهم، وفي الآخرة بأنهم لا (٧) يثابون عليها، وقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد في الدنيا مقتهم المؤمنون، وفي الآخرة العذاب والخزي) (٨)، ويروى عنه: الخاسرون أنفسهم ومنازلهم وخدمهم في الجنة، وورثها المؤمنون) (٨).

стр. 5932

٧٠ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، احتج الله على الكفار والمنافقين بالكفار الماضية، أي أنهم إذا هلكوا بعلة التكذيب فلم يأمن هؤلاء أن ينزل بهم مثل ما نزل بمن قبلهم؟ قال الزجاج: (أي ألم يأتهم خبر الذين أهلكوا في الدنيا بذنوبهم (١) فيتعظوا؟) (٢) وهذا الاستفهام للتنبيه والتحذير والتوبيخ. وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: نمرود بن كنعان (٣)) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ﴾ مدين (٥): اسم البلد الذي كان فيه قوم شعيب [قال المفسرون: يعني قوم شعيب] (٦) أهلكوا بعذاب يوم الظلة (٧). وقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ﴾ قال المفسرون: يعني (٨) قريات قوم لوط (٩)، وهي جمع مؤتفكة، ومعنى الائتفاك في اللغة: الانقلاب (١٠)،

стр. 5933

وتلك القرى ائتفكت بأهلها، أي انقلبت بأهلها (١) فصار أعلاها أسفلها و (المؤتفكات) معطوفة على (مدين) يعني: وأصحاب المؤتفكات. ويقال: أفكه فائتفك أي: قلبه فانقلب (٢). وقوله تعالى: ﴿أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (لوط وحده) (٣) فعلى هذا قال المفسرون: (كان لوط قد بعث في كل قرية رسولاً يدعوهم إلى الله) (٤)، ويجوز أن يكون هذا من الجمع الذي أريد به الواحد كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [المؤمنون: ٥١] ولم يكن في عصره سواه رسول، وقال آخرون: (الكناية في الرسل تعود إلى جميع الأمم المذكورة) (٥). وقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ليهلكهم حتى يبعث إليهم نبيا ينذرهم) (٦) ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [قال أبو إسحاق: (أعلم الله أن تعذيبهم كان باستحقاقهم وأن ذلك عدل منه) (٧)] (٨). ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، قال ابن

стр. 5934

عباس: (يريد في الرحمة والمحبة) (١). قال أبو علي: (المعنى فيه أن بعضهم يوالي بعضًا ولا يبرأ بعضهم من بعض كما يبرؤون ممن خالفهم وشاقهم، ولكنهم يد واحدة في النصرة والموالاة، فهم أهل كلمة واحدة لا يفترقون، ومن ثم قالوا في خلاف الولاية: العداوة، ألا ترى أن العداوة من عدا الشيء: إذا جاوزه، فمن ثم كانت (٢) خلاف الولاية) (٣). وقوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال ابن عباس: (بأنه لا إله إلا الله) (٤) ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ يريد: عن الشرك بالله) (٤)، قال أبو العالية: (كل ما ذكر الله في كتابه من الأمر بالمعروف فهو الدعاء إلى الإسلام، والنهي عن المنكر: النهي عن عبادة الأوثان) (٥). وقال بعض أهل المعاني: [ذكر الله المنافقين] (٦)، فقال: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ وذكر المؤمنين فقال: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وذلك أن المعنى في المنافقين: أن بعضهم يضاف إلى بعض بالاجتماع على النفاق، ولا يكون بينهم موالاة؛ لأن قلوبهم تكون مختلفة، ولا تكون كقلوب المؤمنين في التواد والتعاطف) (٧).

стр. 5935

٧٢ - قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد قصور الزبرجد والدر والياقوت يفوح طيبها من مسيرة خمسمائة عام) (١)، ونحوه قال الحسن (٢). وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، قال الأزهري: (العدن مأخوذ من قولك: عدن فلان بالمكان إذا أقام به يعدن عدونًا، قال ذلك أبو زيد وابن الأعرابي. وقال شمر: تقول العرب: تركت إبل بني فلان عوادن بمكان كذا، وهو أن تلزم الإبل المكان فتألفه ولا تبرحه، قال: ومنه المعدن لإنبات الله الجوهر فيه وإنباته إياه في الأرض حتى عدن فيها أي ثبت) (٣)، ونحو هذا قال أبو عبيدة وغيره من أهل اللغة: (إن معنى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: جنات إقامة) (٤).

стр. 5936

قال ابن مسعود: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾: (بطنان الجنة) (١)، قال الأزهري: (وبطنانها وسطها، وبطنان الأودية: المواضع التي يستنقع فيها ماء السيل فيكرُم نباتها واحدها بطن) (٢). وقال عطاء عن ابن عباس: (هي قصبة الجنة، وسقفها عرش الرحمن) (٣). وقال الضحاك: (هي مدينة الجنة، وفيها الرسل والأنبياء والشهداء وأئمة الهدى، والناس حولهم بعد، والجنات حولها) (٤). [وقال مقاتل والكلبي: (عدن: أعلى درجة في الجنة وفيها عين التسنيم، والجنان حولها] (٥) محدقة بها وهي مغطاة من يوم خلقها الله حتى ينزلها (٦) أهلها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون، وفيها قصور الدر والياقوت والذهب، فتهب ريح طيبة من تحت العرش فتدخل عليهم كثبان المسك الأبيض) (٧). وقال عبد الله بن عمرو (٨): (إن في الجنة قصرًا يقال له: عدن، حوله

стр. 5937

البروج والمروج (١)، له خمسة آلاف باب، على كل باب خمس آلاف حبرة (٢)، لا يدخله (٣) إلا نبي أو صديق أو شهيد) (٤)، فعلى قول المفسرين وأهل الأثر: جنات عدن مخصوصة من سائر الجنات، كما ذكرنا (٥)، وعلى قول أهل اللغة: هي عامة؛ لأن الجنات كلها جنات إقامة، إذ أهلها مخلدون فيها لا يظعنون عنها. وقوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، قال ابن عباس: (أي أكبر مما يوصف) (٦)، وقال أبو إسحاق: (أي أكبر مما هم فيه من النعيم) (٧)، وقال أهل المعاني: (إنما صار الرضوان أكبر من الثواب؛ لأنه لا يوجد شيء منه إلا بالرضوان، إذ هو الداعي إليه، والموجب له) (٨)، وقال الحسن: (لأن ما يصل إلى قلبه من السرور برضوان الله أكبر من جميع ذلك) (٩).

стр. 5938

٧٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أمره الله بجهاد الكفار بالسيف، والمنافقين باللسان) (١)، وزاد عطاء عنه بيانًا فقال: (يريد جاهد الكفار بالسيوف والرماح والنبل، والمنافقين باللسان وشدة الانتهار وترك الرفق) (٢)، ونحو هذا قال ابن جريج والضحاك: (بتغليظ الكلام) (٣). وقال عبد الله (٤) في قوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ قال: بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، فمن لم يستطع فليكفهر في وجهه (٥) إذا لقيه (٦). قال أبو إسحاق: (لما كشفت حال المنافقين أمر بجهادهم، والمعنى: جاهدهم بالحجة، فالحجة على المنافق جهاد لهم) (٧)، وعلى هذا الاحتجاج على المنافقين والملحدين والرادين للكتاب (٨) والسنة، والمخالفين لهما من الجهاد.

стр. 5939

وقوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ يقال: غلظ الشيء يغلظ غلظا في الخلقة، ثم يقال: رجل غليظ: إذا كان فظا، وغلظ له القول وأغلظ: إذا لم يرفق به، وهذا نحو قوله: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ [التوبة: ١٢٣]، قال أهل المعاني: (وهي قوة القلب على إحلال الألم بصاحبه، كما (١) أن الرقة ضعف القلب عن ذلك) (٢). قال ابن عباس: (يريد شدة الانتهار، والنظر بالبغضة، والمقت) (٣). وقال ابن مسعود: (هو أن تكفهر في وجوههم) (٤)، قال عطاء: (وهذه الآية نسخت كل شيء من العفو والصفح) (٥). ٧٤ - قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا﴾ الآية، نزلت حين بلغ النبي ﷺ أن المنافقين يسيؤون فيه القول ويطعنون فيه، وفي الدين والقرآن، فأنكر ذلك عليهم فحلفوا ما قالوا فكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ﴾ (٦) يعني سبهم الرسول، وطعنهم في الدين، وقال قتادة: (قالوا (٧): ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون:

стр. 5940

٨] فسعي بها إلى النبي ﷺ ، فدعاهم فحلفوا ما قالوا) (١)، وكان هذا في غزوة تبوك (٢)، وقال السدي: (قالوا: إذا قدمنا المدينة عقدنا على رأس عبد الله بن أبي تاجًا يباهي به رسول الله ﷺ ) (٣). وقوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾، قال ابن عباس ومجاهد: (هم المنافقون بقتل المؤمن الذي أنكر عليهم طعنهم في الرسول (٤)، قال (٥): وهو عامر بن قيس (٦) الذي سعى بهم، وقال السدي: (هو أنهم لم ينالوا ما

стр. 5941

هموا به من عقد التاج على رأس عبد الله بن أبي) (١)، وقال الكلبي: (هموا أن يفتكوا بالنبي ﷺ ليلاً ويغتالوه فأعلمه الله ذلك فأمر من نحاهم عن طريقه وسماهم رجلاً رجلاً، وكانوا خمسة عشر رجلاً) (٢)، وهذا اختيار أبي إسحاق (٣). وقوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾، قال ابن عباس: (يريد مما كانوا غنموا حتى صارت لهم العقد (٤) والأموال من العين (٥) والحيوان) (٦).

стр. 5942

وقال الكلبي: (كانوا قبل قدوم النبي ﷺ ، في ضنك من عيشهم لا يركبون الخيل، ولا يحوزون الغنيمة، فلما قدم عليهم رسول الله ﷺ ، استغنوا بالغنائم) (١)، وذكرنا معنى ﴿نَقَمُوا﴾ عند قوله: ﴿هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا﴾ [المائدة: ٥٩] (٢). قال أهل المعاني في هذه الآية: (إنهم عملوا بضد الواجب فجعلوا موضع شكر الغني أن نقموه فهذا معنى قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ﴾ (٣) ويجوز أن يكون المعنى: إنهم بطروا النعمة (٤) بالغني فنقموا بطرُا وأشرًا (٥)، وقال ابن قتيبة: (أي: ليس ينقمون شيئًا ولا يتعرفون من الله إلا الصنع (٦)، [وهذا كقول الشاعر: ما نقموا من بني أمية إلا ... أنهم يحلمون إن غضبوا] (٧) وهذا ليس مما ينقم، وإنما أراد: إن الناس لا ينقمون عليهم (٨) شيئا كقول النابغة:

стр. 5943

ولا عيب فيهم غير إن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب (١) أي ليس فيهم عيب) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ﴾، قال الكلبي: (لما نزلت هذه الآية قام (٣) الجلاس بن سويد (٤)، وكان ممن طعن علي النبي ﷺ ، فقال: أسمع الله قد عرض علي التوبة، وأنا أستغفر الله وأتوب إليه بما قلته فقبل رسول الله ﷺ توبته) (٥)، ونحو هذا روى عطاء عن ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَوَلَّوْا﴾ أي يعرضوا عن الإيمان، قال ابن عباس: ([يريد كما تولى ابن أبي) (٦). ﴿يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ بالقتل، قال الزجاج] (٧): (لأنهم (٨) أمر بقتلهم) (٩) وفي ﴿الْآخِرَةِ﴾: بالنار، ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾، قال عطاء: (يريد لا يتولاهم أحد من الأنصار) (١٠).

стр. 5944

٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ﴾ الآية، المعاهدة: معاقدة بعزيمة تتحقق بذكر الله، نحو: علي عهد (١) الله لأفعلن كذا، قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: (أتى ثعلبة بن حاطب (٢) مجلسًا من الأنصار

стр. 5945

فأشهدهم وقال: (لئن آتاني الله من فضله آتيت منه كل ذي حق حقه، وتصدقت منه، ووصلت منه القرابة، فابتلاه الله، فلم يف بما قال) (١).

стр. 5946

وقال أبو أمامة الباهلي: (عاود ثعلبة رسول الله ﷺ مرارًا كل ذلك يقول: ادع الله أن يرزقني مالاً ورسول الله ﷺ يقول له: "قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه" حتى قال: والذي بعثك بالحق نبيًا (١) لئن رزقني الله مالاً لأعطين كل ذي حق حقه، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم ارزق ثعلبة مالًا" فاتخذ غنمًا وكثر ماله حتى اشتغل به عن الصلاة مع رسول الله ﷺ ، وخرج عن المدينة، ومنع الزكاة، وبلغ من أمره ما قص الله في كتابه) (٢).

стр. 5947

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5948

وقوله تعالى: ﴿لَنَصَّدَّقَنَّ﴾، قال الزجاج: (الأصل: لنتصدقن ولكن التاء أدغمت في الصاد لقربها منها) (١). قال الليث: (المتصدق: المعطي والمتصدق: السائل) (٢)، وأنكر ذلك (٣) أهل اللغة، ولم يجيزوا أن يقال للسائل: متصدق، قال ذلك الفراء (٤) والأصمعي (٥) وغيرهما، فالمتصدق المعطي، قال الله تعالى: ﴿وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ﴾ [يوسف: ٨٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي لنعملن ما يعمل أهل الصلاح في أموالهم من صلة الرحم، والنفقة في الخير، وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد الحج) (٦)، لأن ثعلبة كان مسكينًا فعاهد الله لئن وسع الله عليه (٧) ليصدقن وليحجن.

стр. 5949

وقال الضحاك: (نزلت هذه الآيات في رجال من المنافقين سماهم، بسط الله لهم الدنيا فبخلوا بها بعدما عاهدوا أن يتصدقوا) (١). ٧٧ - قوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، قال الليث: (يقال أعقبت (٢) فلانًا ندامة: إذا صيرت عاقبة أمره ذلك، وأنشد للهذلي (٣): أودى (٤) بني وأعقبوني حسرة ..... بعد الرقاد وعبرة لا (٥) تقلع (٦) قال الأزهري: (ويقال: أكل فلان أكلة أعقبته سقمًا، وأعقبه الله خيرًا بإحسانه (٧) بمعنى عوضه وأبدله، وهو معنى قول النابغة (٨): ومن أطاع فأبدله (٩) بطاعته ...... كما أطاعك واد لله على الرشد (١٠)

стр. 5950

فإن (١) شئت قلت في قوله: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾ صير عاقبة أمرهم ذلك، وإن شئت قلت (٢): عوضهم وأبدلهم والمعنى واحد؛ لأنه التصيير إلى حالة (٣) مخصوصة في العاقبة بخير أو بشر، فالخير ما ذكره النابغة، والشر ما ذكره الله في هذه الآية، قال عطاء عن ابن عباس: (فأعقبه الله نفاقًا حتى مات) (٤). وقال مجاهد: (أعقبهم الله ذلك بحرمان التوبة كما حرم إبليس) (٥). قال الزجاج: ([والمعنى: أضلهم بفعلهم، قال: ويجوز أن يكون لما قال: ﴿بَخِلُوا بِهِ﴾ قال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا﴾، (٦) أي فأعقبهم بخلهم نفاقًا) (٧). وقوله تعالى: ﴿إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ﴾ هذا دليل على أنه مات منافقا، فقد روي أنه أتى النبي ﷺ بصدقته فقال: "إن الله منعني أن أقبل منك صدقتك" ثم لم يقبلها أبو بكر ولا عمر ولا عثمان، ومات في خلافته (٨)، فمن قال:

стр. 5951

أعقبهم الله (١) رد الضمير في ﴿يَلْقَوْنَهُ﴾ إلى اسم الله ، ومن قال: أعقبهم بخلهم، رد الضمير إليه، بمعنى: يلقون جزاء بخلهم (٢). وقوله تعالى: ﴿بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ هذا بيان عما يوجبه الكذب مع إخلاف الوعد من النفاق، فمن أخلف في المواثيق مع الله فقد تعرض للنفاق، وكان جزاؤه من الله إفساد قلبه بما يكسبه (٣) النفاق، فأما ما روي عن النبي ﷺ : "ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صلى وصام وزعم أنه مؤمن، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان" (٤)، فقد أجرى هذا الخبر على ظاهره الحسن (٥) وعبد الله بن عمرو (٦) ومحمد بن كعب (٧)، وقال عطاء بن أبي (٨) رباح: (حدثني جابر بن

стр. 5952

عبد الله أن رسول الله ﷺ إنما قال هذا الحديث في المنافقين خاصة، الذين حدثوا النبي ﷺ فكذبوه، وائتمنهم على سره (١) فخانوه، ووعدوا أن يخرجوا معه في الغزو فأخلفوه) (٢) فعنده هذا الحديث خاص في المنافقين (٣).

стр. 5953

٧٩ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ﴾ الآية، مضى الكلام في اللمز عند قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨]. والمطوعون: المتطوعون (١)، والتطوع التنفل، وهو الطاعة لله فيما ليس بواجب، ومضى الكلام في إدغام التاء في الطاء عند قوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٥٨] (٢)، وقوله: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] (٣)، قال المفسرون: حث النبي ﷺ على الصدقة فجاء عمر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف، بصدقة عظيمة، وجاء رجل يقال له: أبو عقيل الأنصاري (٤) بصاع من تمر وكان قد أجر نفسه ليلة إلى الصبح يسقي نخل رجل، فأخذ أجرته فجعل نصفها صدقة لوجه الله تعالى ونصفها

стр. 5954

لعياله، فلمزهم المنافقون وقالوا: ما أخرج هؤلاء صدقاتهم إلا رياء، وأما أبو عقيل فإنما جاء بصاعه ليذكر نفسه، وإن كان الله ورسوله لغنيين عن صاعه، فأنزل الله هذه الآية (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ﴾ يعني أبا عقيل، وقال عطاء عن ابن عباس: هو سهل بن نافع (٢). قال الليث: الجهد شيء قليل يعيش به المقل (٣). وقال الزجاج: (إلا جهدهم) و (جهدهم) بالفتح والضم (٤).

стр. 5955

قال الفراء: الضم لغة أهل الحجاز والفتح لغيرهم (١)، وحكى (٢) ابن السكيت عنه الفرق بينهما فقال: الجُهد: الطاقة، تقول: هذا جهدي أي طاقتي، والجهد: المشقة، تقول: اجهد جهدك (٣). وقال الشعبي: الجهد في العمل، والجهل في القوت (٤). وقوله تعالى: ﴿فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ﴾ الكناية تعود إلى الذين لا يجدون إلا جهدهم، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ خبر الابتداء الذي هو قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ ومعناه: جازاهم جزاء سخريتهم، ومضى الكلام في هذا (٥)، قال ابن عباس: (يريد حيث صاروا إلى النار) (٦). وقال صاحب "النظم": قوله: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ﴾ صفة للمكني المتصل بقوله في الآية التي قبل هذه: ﴿سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ﴾ [التوبة: ٧٨] ولا يحتمل أن يكون قوله: (الَّذِينَ (٧) يَلْمِزُونَ) مبتدأ؛ لأنه لم يجيء له جواب، وقوله تعالى: ﴿سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ﴾ لا يحتمل أن يكون جوابًا لأنه فعل ماض (٨)، وهذه السخرية لا تكون إلا في الآخرة، فكان هذا القول دعاء،
следующие страницы →