← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 5986–6025 · переход к 5991.

стр. 5986

جامعة الامام محمد بن سعود الاسلامية ١٤٣٠ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الواحدي، علي بن أحمد التفسير البسيط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ)./ علي ن أحمد الواحدي، إبراهيم بن علي الحسن، عبد الله بن إبراهيم الريس، الرياض ١٤٣٠ هـ. ٢٥ مج. (سلسلة الرسائل الجامعية) ردمك:٤ - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٠ - ٨٦٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١١) ١ - القرآن تفسير ... ٢ - الواحدي، علي بن أحمد أ- العنوان ... ب- السلسلة ديوي ٢٢٧.٣ ... ٨٦٨/ ١٤٣٠ رقم الإيداع: ٨٦٨/ ١٤٣٠ هـ ردمك ٤: - ٨٥٧ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (مجموعة) ٠ - ٨٦٨ - ٠٤ - ٩٩٦٠ - ٩٧٨ (ج ١١)

стр. 5987

المملكة العربية السعودية وزارة التعليم العالي جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية عمادة البحث العلمي سلسله الرسائل الجامعية - ١٠٦، ١٠٧ - التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من آية (٩٣) من سورة التوبة إلى آخر سورة يونس تحقيق د. إبراهيم بن علي الحسن سورة هود تحقيق د. عبد الله إبراهيم الريس أشرف على طباعته وإخراجه د. عبد العزيز بن سطام آل سعود ... أ. د. تركي بن سهو العتيبي الجزء الحادي عشر

стр. 5988

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 5989

التَّفْسِيرُ البَسِيْط لأبي الحسن علي بن أحمد بن محمد الواحدي (ت ٤٦٨ هـ) من آية (٩٣) من سورة التوبة إلى آخر سورة يونس تحقيق د. إبراهيم بن علي الحسن

стр. 5990

٩٤ - قوله تعالى: ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالأباطيل (١)) (٢) ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ من غزوة تبوك، ﴿قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ﴾ لن نصدقكم ﴿قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾ يريد: قد أخبرنا الله بسرائركم وما تخفي صدوركم ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ أي فيما تستأنفون، تبتم عن النفاق أو أقمتم عليه ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ يريد: يعلم ما غاب عنا من ضمائركم ونياتكم، ومعنى: ﴿ثُمَّ تُرَدُّونَ﴾ أي للجزاء ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ قال (٣): يريد: يخبركم بما كنتم (٤) تكتمون وتسرون. ٩٥ - قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ أي إذا (٥) رجعتم إليهم من تبوك، والمحلوف عليه محذوف من الآية على معنى: يحلفون بالله لكم أنهم ما قدروا على الخروج، أو ما أشبه هذا ﴿لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾ أي: لتصفحوا عنهم فلا تؤنبوهم (٦). والمعنى: لتعرضوا عن لائمتهم، فهو من باب حذف المضاف. قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد ترك الكلام والسلام والموالاة) (٧).

стр. 5991

وقال مقاتل: (قال النبي ﷺ حين قدم المدينة: "لا تجالسوهم ولا تكلموهم" (١). وقال أهل المعاني: (هؤلاء طلبوا إعراض الصفح، فأعطوا إعراض المقت) (٢). وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: إن عملهم رجس من عمل الشيطان ليس لله برضى) (٣)، فعلى هذا يكون التقدير: إنهم ذوو رجس أي ذوو عمل قبيح، وذكرنا الكلام في معنى الرجس عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] (٤).

стр. 5992

٩٦ - قوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ﴾، قال مقاتل: (وذلك أن عبد الله بن أبي حلف للنبي ﷺ بالله الذي لا إله إلا هو أن لا يتخلف عنه وليكونن (١) معه على عدوه، وطلب إلى النبي ﷺ أن يرضى عنه) (٢) [وحلف عبد الله بن سعد بن أبي سرح (٣) لعمر بن الخطاب أن يرضى عنه] (٤) فأنزل الله هذه الآية (٥)، قال عطاء عن ابن عباس في هذه الآية: (يريد أن المؤمن إذا حلف له بالله اطمأن قلبه، فأحب الله أن يخبر المؤمنين بما في قلوبهم حتى لا يصدقوهم) (٦). وقد كان رسول الله ﷺ إذا اعتذر إليه أحد بعذر وإن كان كاذبًا قبل علانيته، ووكل سريرته إلى الله، حتى أخبره الله بنفاق المنافقين وأسمائهم

стр. 5993

وأسماء آبائهم وقبائلهم (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾، قال ابن عباس: (يريد الذين ألسنتهم مخالفة لما في قلوبهم) (٢)، والله لا يرضى أن يكون ما في اللسان غير ما في القلب، وقال أهل المعاني: (هذا بيان عن التفصيل الذي يحتاج إليه لئلا يتوهم متوهم أن رضي المؤمنين عنهم يقتضي أن يرضي الله تعالى عنهم، فجاء على اليأس من هذا) (٣)، وهذه الآية وما قبلها دليل على أن المنافقين تحقن دماؤهم بسبب الشهادتين، ولا تجوز موالاتهم والرضا عنهم. ٩٧ - قوله تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال ابن عباس: (نزلت في أعاريب أسد وغطفان وأعراب من حوالي المدينة) (٤). قال العلماء من أهل اللغة: (يقال رجل عربي إذا كان نسبه في العرب ثابتًا، وجمعه العرب، كما يقال: مجوسي ويهودي، ثم تحذف ياء النسبة في الجمع فيقال: المجوس واليهود، ورجل أعرابي -بالألف- إذا كان بدويًا صاحب نجعة وانتواء (٥)، وارتياد للكلأ، وتتبع لمساقط الغيث، وسواء كان من العرب أو من مواليهم، ويجمع الأعرابي على الأعراب

стр. 5994

والأعاريب، والأعرابي إذا قيل له: يا عربي فرح بذلك، والعربي إذا قيل له يا أعرابي غضب له، فمن نزل البادية أو جاور البادين وظعن بظعنهم فهم أعراب، ومن استوطن القرى العربية فهم عرب) (١). قال الأزهري: (والذي لا يفرق بين الأعراب والعرب والأعرابي والعربي (٢) ربما تحامل على العرب بما يتأوله في هذه الآية، ولا يجوز أن يقال للمهاجرين والأنصار أعراب، إنما هم عرب) (٣)، وهم مقدمون في مراتب الدين على الأعراب، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لا تَؤُمَّنَّ امرأة رجلاً، ولا فاسق مؤمنًا، ولا أعرابي مهاجرًا" (٤). وقال أهل العلم: (إنما سمي العرب عربًا؛ لأن أولاد إسماعيل نشأوا بعربة (٥) وهي من تهامة فنسبوا إلى بلدهم، وكل من سكن بلاد العرب وجزيرتها ونطق بلسان أهلها فهو منهم، وسموا عربًا باسم بلدهم عربة) (٦).

стр. 5995

قال إسحاق بن الفرج (١): عربة باحة العرب ودار إسماعيل بن إبراهيم، وفيها يقول قائلهم (٢): وعربة أرض ما يُحل حرامها ... من الناس إلا اللوذعي الحُلاحل يعني النبي ﷺ : (أحلت له مكة ساعة من النهار) (٣). واضطر الشاعر إلى شيئين: سكون الراء من عربة وهي مفتوحة، وكان [يجب أن يقول أحلت له فقال يُحل هو (٤). وقال (٥): أقامت قريش بعربة وانتشر سائر] (٦) العرب في جزيرتها،

стр. 5996

فنسبوا كلهم إلى عربة؛ لأن أباهم إسماعيل ﵇ بها (١) نشأ وربل (٢) أولاده بها (٣) وكثروا فلما لم تحتملهم البلد انتشروا وأقامت قريش بها. وقال أهل المعاني: (هذه الآية دليل على أن اللفظ العام يرد للخاص؛ لأن الأعراب لفظ عام (٤) وليس المراد به جميع الأعراب) (٥). وقوله تعالى: ﴿أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا﴾، قال أبو إسحاق: (كفرهم أشد لأنهم أقسى وأجفى من أهل المدر (٦)، وهم أيضاً أبعد عن سماع التنزيل، وإنذار الرسول ﷺ ) (٧). والمعنى: أشد كفرًا من أهل الحضر لجفاء صدورهم [ونبو طباعهم (٨)، وكذلك الأكراد والأتراك، وسائر أهل الخباء (٩) أو العمد (١٠)] (١١).

стр. 5997

وقوله تعالى: ﴿وَأَجْدَرُ﴾: أي أولى وأخلق، قال الليث: (يقال فلان جدير لذلك الأمر: أي خليق له، وما كان جديرًا، ولقد جدر جدارة، وأجدر به) (١)، وإنه لجدير، وإنهما لجديران، وإنهم لجديرون، قال زهير: جديرون يومًا أن ينالوا ويستعلوا (٢) (٣) [والمرأة جديرة، والنساء جديرات وجدائر قاله اللحياني (٤)، وهو مأخوذ من حيدر الحائط وهو رفعه بالبناء له، فقولهم: ذاك أجدر أن تظفر] (٥) بحاجتك: أي أقرب أن تستعلي عليها، فكذلك هؤلاء أقرب أن يستعلوا على الجهل بالتمكن فيه، وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَعْلَمُوا﴾، قال الفراء والزجاج: (أن) في موضع نصب لأن الباء محذوفة (٦). وقوله تعالى: ﴿حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ [قال ابن عباس: (يريد

стр. 5998

فرائض ما أنزل الله على رسوله) (١)] (٢) ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما في قلوب خلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ بما فرض من فرائضه. وقال يمان: وأجدر ألا يعلموا الحلال والحرام (٣)، وقال ابن كيسان: (يعني حجج الله في توحيده وتثبيت رسالة (٤) رسوله ﷺ ؛ لأنهم لا ينظرون فيها) (٥). ٩٨ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا﴾ الآية، المغرم مصدر كالغرم، ومعنى الغرم لزوم نائبة في المال من غير جناية (٦) فيثقل ذلك على الإنسان، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿وَالْغَارِمِينَ﴾ [التوبة: ٦٠] يعني: يتخذ ما ينفق في الجهاد والغزو مغرمًا، قال ابن عباس: (يريد: لا يرجو له ثوابًا، ولا يخاف على إمساكه عقابًا) (٧). وقوله تعالي: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ الدوائر (٨): جمع دائرة، وهي الحال المنقلبة عن (٩) النعمة إلى البلية، وخصت بانقلاب النعمة دون انقلاب النقمة لأن النعمة أغلب وأعم، إذ كل أحد فعليه نعمة من الله، وليس كذلك النقمة؛ لأنها خاصة، مع أنه قد يقال: (دارت [الدوائر:

стр. 5999

أي) (١) دارت لهم] (٢) الدنيا، بخلاف ما دامت عليهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ﴾ [المائدة: ٥٢] (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾ يعني الموت أو القتل (٤)، ونحوه قال الفراء (٥) والزجاج (٦). وقال يمان: (أي ينتظر أن تقلب الأمور عليكم، فيموت الرسول ويظهر (٧) عليكم المشركون) (٨). ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الدائرة هاهنا: يجوز أن تكون [واحدة الدوائر، وتكون صفة غالبة، ويجوز أن تكون] (٩) مصدرًا، كالعاقبة والعافية، قال أبو علي: (والصفة أكثر في الكلام فينبغي أن يحمل عليها، والمعنى فيها: أنها خلة تحيط بالإنسان حتى لا يكون له منها مخلص) (١٠).

стр. 6000

وقوله: ﴿السَّوْءِ﴾ قرئ بفتح السين وضمه (١)، قال الفراء: (فتح السين هو وجه الكلام؛ لأنه مصدر قولك: سؤته سوءًا ومسائية ومساءة (٢) وسوائية، فهذه مصادر (٣)، ومن رفع السين جعله اسمًا كقولك: عليهم دائرة البلاء والعذاب، ولا يجوز ضم السين في قوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ [مريم: ٢٨] ولا في قوله: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ﴾ [الفتح: ١٢] لأنه ضد لقولك: هذا رجل صدق، وثوب صدق، فليس للسوء هاهنا معنى في عذاب ولا بلاء فيضم) (٤). وقال الأخفش وأبو عبيد: (من فتح السين فهو كقولك: رجل سوء، وامرأة سوء، ثم تدخل الألف واللام فتقول: رجل السوء، وأنشد الأخفش: وكنت كذئب السوء لما رأى دمًا ... بصاحبه يوما أحال (٥) على الدم (٦)

стр. 6001

ومن ضم السين أراد بالسوء: المضرة والشر والمكروه والبلاء، كأنه قيل: عليهم دائرة الهزيمة والمكروه، وبهم يحيق ذلك) (١)، وعلى هذا القياس تقول: رجل السوء (٢)، [قال (٣): وذا (٤) ضعيف، ودائرة السوء أحسن من رجل السوء (٥)] (٦) [والرجل لا يضاف إلى السوء كما يضاف هذا (٧).

стр. 6002

قال أبو علي الفارسي: (الدائرة لو لم تضف إلى السوء] (١) أو السوء عرف منها معنى الشر؛ لأن الدائرة من دوائر الدهر تستعمل للمكروه، ووجه الإضافة هاهنا التوكيد والزيادة في التبيين، كقولك لَحْيَا رأسه، وشمس النهار، فأما السوء فإنه يراد به الرداءة والفساد، ودائرة السوء: دائرة الضرر والمكروه (٢)) (٣). وقال يمان: (عليهم يدور النبلاء والحزن فلا يرون في محمد ودينه إلا ما يسوؤهم) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد: سميع لقولهم عليم بنياتهم) (٥). ٩٩ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال ابن عباس: (يعني من أسلم من أعراب أسد وجهينة وغفار) (٦)، وقال مجاهد: (هم بنو مقرن من مزينة) (٧)، وقال الضحاك:

стр. 6003

(يعني عبد الله ذا البجادين (١) ورهطه) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس] (٣): (يريد: يتقرب بذلك من الله) (٤)، قال الزجاج: (يجوز (٥) في القربات ثلاثة أوجه: ضم الراء وإسكانها وفتحها) (٦). وقوله تعالى: ﴿وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾، قال قتادة: (يعني دعاءه بالخير والبركة) (٧)، وقال ابن عباس والحسن: (يعني استغفار الرسول لهم) (٨). وقال عطاء: (يريد: يرغب (٩) في دعاء الرسول (١٠) ﷺ ) (١١)، ويجوز

стр. 6004

عطف الصلوات على (ما) في قوله: ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ﴾ [والمعنى أنه] (١) يتقرب بصدقته ودعاء الرسول إلى الله، ويجوز عطفها (٢) على (القربات)، كأنه يتخذ إنفاقه قربة، ويلتمس به (٣) صلوات الرسول ودعاءه كما يلتمس القربات. وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾ القربة: ما يدني من رحمة الله من فعل خير وإسداء عرف، وقرأ نافع في بعض الروايات (قربة) بضم الراء (٤)، وهو الأصل، ثم تخفف نحو كتُب ورسُل وطنُب، فالأصل الضم، والإسكان تخفيف، ومثله ما حكاه محمد بن يزيد (٥): بُسْرة وبُسُرة وهُدْبة وهُدُبة، قال أبو علي الفارسي: (ولا يجوز أن يكون الأصل التخفيف ثم يثقل لأن ذلك إنما يجوز إما في الوقف كقوله (٦): أنا ابن ماوية إذ جد النُّقُرْ

стр. 6005

حرك القاف بالحركة التي كانت تكون للام في الإدراج، وإما في إتباعٍ (١) لما قبلها للضرورة نحو قول الشاعر (٢): إذا تجرد نوح قامتا معه ... ضربا أليمًا بسبتٍ يلعج الجِلِدا كسر اللام إتباعًا لحركة فاء الفعل للضرورة، ولا يجوز واحد من الوجهين في الآية؛ لأن قوله: (قُربة) ليس موقوفًا عليه، ولا يجوز أن تحمل حركة الراء على إتباع ما قبلها؛ لأن ذلك إنما يجوز في الضرورة، وإذا لم يجز الحمل على واحد من الأمرين علمت أن الحركة هي الأصل (٣). قال ابن عباس في قوله: ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ﴾، يريد نور (٤) لهم ومكرمة (٥) عند الله (٦).

стр. 6006

قوله تعالى: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ قال يريد: (في جنته) (١)، ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ لذنوبهم ﴿رَحِيمٌ﴾ بأوليائه وأهل طاعته. ١٠٠ - قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد الذين صدقوا النبي وهاجروا إلى المدينة) (٢). وقال أبو موسى وسعيد بن المسيب وقتادة وابن سيرين: هم الذين صلوا القبلتين (٣). وقال عطاء بن أبي رباح: هم الذين شهدوا بدرًا (٤). وقال الشعبي: (هم الذين شهدوا بيعة الرضوان) (٥) فهؤلاء السباق من المهاجرين (٦)، وسباق الأنصار أهل بيعة العقبة الأولى [وكانوا سبعة،

стр. 6007

والثانية] (١) وكانوا سبعين، والذين آمنوا بالمدينة حين قدم عليهم مصعب بن عمير يعلمهم القرآن. قاله ابن عباس وغيره (٢). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾، قال عطاء عن ابن عباس: (يريد: يذكرون المهاجرين والأنصار بالجنة والرحمة والدعاء لهم، ويذكرون محاسنهم ويسألون الله أن يجمع بينهم) (٣)، وقال في رواية أخرى: (والذين اتبعوهم على دينهم من أهل الإيمان إلى أن تقوم الساعة) (٤)، ونحوه قال الزجاج: (أي من اتبعهم إلى يوم القيامة) (٥). وقال الفراء: (ومن أحسن من بعدهم إلى يوم القيامة) (٦).

стр. 6008

وقال الكلبي: (السابقون من الفريقين الذين سبقوا بالإيمان والهجرة والجهاد والنصرة، ثم من اتبعهم على منهاجهم إلى قيام الساعة) (١). وقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ يريد: رضي الله أعمالهم ورضوا ثواب الله [قاله ابن عباس (٢)، ونحوه قال الزجاج: (رضي الله أفعالهم (٣) ورضوا ما جازاهم به) (٤)] (٥). وروي عن أبي صخر حميد (٦) بن زياد (٧) أنه قال: قلت يوما لمحمد ابن كعب القرظي: ألا تخبرني عن أصحاب رسول الله (٨) ﷺ فيما كان بينهم، وإنما أريد الفتن (٩)، فقال لي: إن الله قد غفر لجميع أصحاب النبي ﷺ [وأوجب لهم الجنة، (في كتابه محسنهم ومسيئهم، قلت له: وفي أي موضع أوجب الله لهم الجنة؟) (١٠) قال: سبحان الله! ألا

стр. 6009

تقرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ إلى آخرها (١)، فأوجب الله لجميع أصحاب النبي ﷺ ] (٢) الجنة والرضوان، وشرط على التابعين شرطًا لم يشرطه عليهم، قلت: وما ذلك الشرط؟ قال: اشترط عليهم (٣) أن يتبعوهم بإحسان، يقول: فاقتدوا بأعمالهم الحسنة ولا تقتدوا بهم في غير ذلك، قال أبو صخر (٤): (فوالله لكأني لم أقرأها قط، وما عرفت تفسيرها حتى قرأها علي محمد بن كعب) (٥)، فعلى هذا يراد بالسابقين الأولين جميع (٦) أصحاب محمد ﷺ من المهاجرين والأنصار، وهم أول هذه الأمة، والأولية لجميعهم ثابتة بإدراكهم النبي ﷺ [وصحبتهم معه. ١٠١ - قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾] (٧)، قال ابن عباس والمفسرون: (يريد: مزينة وأسلم وجهينة وغفار ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ يريد الأوس والخزرج (٨).

стр. 6010

وقوله (١): ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾، قال الزجاج: ﴿مَرَدُوا﴾ متصل بقوله: ﴿مُنَافِقُونَ﴾ على التقديم والتأخير) (٢)، بتقدير: وممن حولكم من الأعراب ومن أهل المدينة منافقون (٣) مردوا على النفاق، قال ابن الأنباري: (ويجوز أن يكون التقدير: ومن أهل المدينة من مردوا على النفاق، فأضمر (مَن) لدلالة (٤) (مِن) عليها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ﴾ [الصافات: ١٦٤]: يريد: إلا من) (٥)، ومضت نظائر هذا (٦). ومعنى: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ يقال: مرد يمرد مرودًا فهو مارد ومريدٌ: إذا عتا وطغى وأعيا خبثًا، قال الليث: (والمرادة: مصدر المارد، والمريد من شياطين الإنس والجن، وقد تمرد علينا أي عتا ومرد على الشر، وتمرد: أي عتا وطغى) (٧). وقال ابن الأعرابي: (المرد: التطاول بالكبر والمعاصي، ومنه قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ أي تطاولوا (٨).

стр. 6011

وقال الفراء: (يريد: مرنوا عليه وجرنوا (١)، كقولك: تمردوا) (٢). وأصل الحرف اللين والملاسة، ومنه صرح ممرد، وغلام أمرد، والمرداء الرملة التي لا تنبت شيئًا (٣)، قال محمد بن إسحاق: (لجوا فيه وأبوا غيره) (٤)، وقال ابن زيد: (أقاموا (٥) عليه ولم يتوبوا كما تاب الآخرون) (٦)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ هو كقوله: ﴿لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠]. ﴿سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد: الأمراض في الدنيا، وعذاب الآخرة، وذلك (٧) أن من مرض من المؤمنين كفر الله سيئاته، ومحص ذنوبه، وأبدله لحمًا ودمًا خيرًا بما ذهب منه، وأعقبه ثوابًا عظيمًا، ومن مرض من المنافقين زاده نفاقًا وإثمًا (٨) وضعفًا) (٩).

стр. 6012

وقال في رواية السدي عن أبي مالك عنه: قام رسول الله ﷺ خطيباً (١) يوم (٢) الجمعة فقال: اخرج يا فلان فإنك منافق [اخرج يا فلان فإنك منافق] (٣) فأخرج من المسجد ناسًا وفضحهم، فهذا العذاب الأول، والثاني عذاب القبر) (٤). [وقال مجاهد: (بالقتل والسبي وعذاب القبر) (٥). وقال قتادة: (بالدبيلة (٦) وعذاب القبر) (٧)] (٨) وذلك أن النبي ﷺ أسر

стр. 6013

إلى حذيفة اثني عشر رجلاً من المنافقين وقال: "ستة يكفيهم الله بالدبيلة، سراج من نار تأخذ أحدهم حتى تخرج من صدره، وستة يموتون موتًا" (١). وقال الحسن: (بأخذ الزكاة من أموالهم وعذاب القبر) (٢). وقال محمد بن إسحاق: (هو ما يدخل عليهم من غيظ الإسلام ودخولهم فيه من غير حسبة (٣)، ثم عذابهم في القبور) (٤). وقال إسماعيل بن أبي زياد (٥): (أحد العذابين ضرب الملائكة الوجوه والأدبار، والثاني عند البعث، يوكل بهم عنق من نار) (٦). ﴿ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ﴾ يعني: الخلود في النار. ١٠٢ - قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ﴾ أي ومن أهل المدينة آخرون ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ الاعتراف: الإقرار [بالذنب أو بالذل والمهانة والرضا به، واعترف فلان] (٧) إذا ذل وانقاد، قال أصحاب العربية: (ومعناه الإقرار

стр. 6014

بالشيء عن معرفة (١) (٢). وقال أهل التفسير: (نزلت في قوم من المؤمنين، كانوا تخلفوا عن رسول الله ﷺ عن (٣) غزوة تبوك ثم ندموا على ذلك، وتذمموا، وقالوا نكون في الكن (٤) والظلال مع النساء ورسول الله ﷺ وأصحابه في الجهاد، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري فلا نطلقها حتى يكون رسول الله ﷺ هو يطلقنا ويعذرنا، فأوثقوا أنفسهم بسواري المسجد، فلما رجع رسول الله ﷺ أقسم لا يطلقهم ولا يعذرهم حتى يؤمر بذلك، فأنزل الله هذه الآية، فأطلقهم وعذرهم) (٥). وقوله تعالى: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾، قال ابن عباس: (يريد نية صادقة وبراءة من النفاق) (٦)، وقال الكلبي: ﴿اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ﴾ يعني التخلف عن الغزو، و ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ يعني التوبة، ﴿وَآخَرَ سَيِّئًا﴾ تقاعدهم عن الغزو) (٧).

стр. 6015

وقال الحسن: (العمل الصالح: خروجهم إلى الجهاد مع النبي ﷺ قبل هذا، والسيء: تخلفهم عن تبوك) (١)، وذكر الفراء القولين جميعًا (٢). والعرب تقول: خلطت الماء باللبن، وخلطت الماء واللبن. [قال أهل المعاني: (من قال بالواو فلأنه أراد معنى الجمع كأنه يقول: جمعت بينهما] (٣) كما تقول: جمعت زيدًا وعمرًا، والواو في الآية أحسن من الباء؛ لأنه أريد معنى الجمع لا حقيقة الخلط، ألا ترى أن العمل الصالح لا يختلط بالسيء كما يختلط الماء باللبن، ولكن قد يجمع بينهما. وقوله تعالى: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، قال ابن عباس والمفسرون: ((عسى) من الله واجب) (٤). لأنه قال: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ﴾ [المائدة: ٥٢] ففعل ذلك، وكذلك تاب على هؤلاء، وقال أهل المعاني: (لفظ (عسى) هاهنا بيان عن أنه ينبغي أن يكونوا على الطمع والإشفاق؛ لأنه أبعد من الاتكال والإهمال) (٥).

стр. 6016

١٠٣ - قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، قال المفسرون: (لما عذر رسول الله ﷺ هؤلاء وأطلقهم قالوا: يا رسول الله هذه أموالنا التي خلفتنا عنك، فتصدق بها عنا وطهرنا واستغفر لنا، فقال رسول الله ﷺ : "ما أمرت أن آخذ من أموالكم شيئًا" فأنزل الله هذه الآية (١)، فأخذ رسول الله ﷺ ثلث أموالهم وترك الثلثين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ولم يقل (٢) أموالهم) (٣). قال الحسن: (هذه الصدقة هي كفارة الذنوب التي أصابوها وليست بالزكاة المفروضة) (٤)، ونحو هذا قال ابن كيسان (٥)، وقال عكرمة: (هي صدقة الفرض) (٦)، وقال أهل العلم: (الآية وإن كانت نازلة في صدقة التطوع، فهي عامة الحكم) (٧). والإمام أولى بأن يتولى أخذ الصدقات [ومعنى الجمع في الأموال يقتضي أنه يأخذ بعض كل صنف من المال: الثمار والمواشي والنقود.

стр. 6017

وقوله] (١) تعالى: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: تطهرهم من الذنوب) (٢)، قال أبو إسحاق: (يصلح (٣) أن يكون: ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ [نعتاً للصدقة كأنه قال خذ من أموالهم صدقة مطهرة، والأجود أن يكون ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾] (٤) للنبي ﷺ ؛ المعنى خذ من أموالهم صدقة فإنك تطهرهم بها) (٥). قال أبو علي: (من جعل (التاء) في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ ضمير الصدقة ولم يجعله ضمير (٦) فعل المخاطب فلِما جاء من أن الصدقة أوساخ الناس (٧)، فإذا أخذت منهم كان كالدفع (٨) لذلك، ودفعه (٩) تطهيره) (١٠)، ويجوز أن

стр. 6018

تكون طهارة من جهة الحكم وإن لم تُزِل شيئاً نجسًا عن (١) أبدانهم كما (٢) أثبت نجاسة الحكم للمشركين في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] أثبت طهارة الحكم للمسلمين بالصدقة، وعلى هذا الوجه في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ تجعل: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [منقطعًا عن الأول، أي: وأنت تزكيهم بها] (٣)، ويجوز أن تجعل (التاء) في في ﴿تُطَهِّرُهُمْ﴾ ضمير المخاطب، ويكون المعنى: تطهرهم أنت أيها الآخذ بأخذها (٤) منهم، ويقوي هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ لأن قوله: (تزكي) للآخذ (٥)، فكذلك (تطهير)، ولا يحسن الانقطاع مع إمكان الاتصال (٦). وقوله: ﴿وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ أي: ترفعهم بهذه الصدقة من منازل المنافقين (٧) إلى منازل المخلصين، وإلى هذا المعنى أشار ابن عباس في تفسير هذا الحرف فقال: أقبل منهم (٨) وأتوب عليهم (٩).

стр. 6019

﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾، قال يريد: (ادع لهم) (١)، وذكرنا أن معنى الصلاة في اللغة: الدعاء، وهذا دليل على أن السنة للإمام إذا أخذ الصدقة أن يدعو للمتصدق فيقول: آجرك الله فيما أعطيت، وبارك لك فيما أبقيت (٢)، وقال رسول الله ﷺ : "اللهم صل على آل أبي أوفى" (٣) [لما أتاه أبو أوفى] (٤) بصدقته (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقرئ (صلاتك) على واحدة (٦)، قال أبو عبيد (٧): (الصلاة عندي أكثر من الصلوات؛ لأن الصلوات للجمع القليل، كقولك: ثلاث صلوات، وأربع (٨) وخمس) (٩).

стр. 6020

وقال أبو حاتم: (من زعم أن الجمع بالتاء تقليل فقد غلط؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٢٧]، لم يرد القليل) (١). قال أبو علي الفارسي: (الصلاة مصدر يقع على الجميع والمفرد بلفظ واحد كقوله سبحانه: ﴿لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] [فإذا اختلفت جاز أن يُجمع لاختلاف ضروبه كما قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾] (٢) [لقمان: ١٩] ومن المفرد الذي يراد به الجميع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (٣) والمصدر إذا سمي به صار (٤) بالتسمية وكثرة الاستعمال كالخارجة (٥) عن حكم المصادر، وإذا (٦) جمعت (٧) المصادر إذا اختلفت نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ [لقمان: ١٩] فأن يجمع ما صار بالتسمية كالخارج عن حكم المصادر أجدر) (٨).

стр. 6021

وقال بعضهم: (الصلوات) في هذه السورة وفي هود (١) وفي المؤمنين (٢) مكتوبات (٣) في المصحف بالواو، والتي في (سأل سائل) مكتوبة بغير واو (٤)، فإذا اتجه الإفراد والجمع في العربية ورجح أحدَ (٥) الوجهين الموافقةُ لخط المصحف كان ذلك ترجيحًا يجعله أولى بالأخذ به، قال: (ومن زعم أن (الصلاة) أولى لأن (الصلاة) للكثرة (٦) و (الصلوات) للقليل (٧) فليس قوله بمتجه؛ لأن الجمع بالتاء قد يقع على الكثير كقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٨). وقوله تعالى: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ السكن في اللغة: ما سكنت إليه، فالمعنى: إن دعواتك مما تسكن إليه نفوسهم، قال ابن عباس: (يريد: دعاؤك رحمة لهم) (٩). وقال قتادة: (وقار لهم) (١٠).

стр. 6022

وقال الكلبي: (طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم) (١). وقال الكفراء: (استغفر لهم؛ فإن استغفارك لهم تسكن إليه قلوبهم، وتطمئن بأن قد تاب الله عليهم) (٢). وقوله (٣): ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم ورجوعهم. ١٠٤ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآية، قال أهل التفسير: (لما نزلت توبة هؤلاء، قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فقال الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٤). ومعنى صيغة الاستفهام هاهنا: التنبيه على ما يجب أن يعلموا، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، قال المفسرون وأهل المعاني: (معناه: يقبلها) (٥)، ولكن ذكر بلفظ الأخذ ترغيبًا في الصدقة ودعاء إليها. قال بعض أهل (٦) المعاني: (معنى أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها ولما كان هو المجازي بها والمثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان السائل يأخذها كمن أهديت إليه شيئًا فأخذه بعض من أقامه لأخذ

стр. 6023

الهدايا كان الأخذ منسوبًا إلى المهدي إليه وإن لم يتول الأخذ بنفسه لأنه هو المقصود بتلك الهدية). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ يريد: يرجع إلى من رجع إليه بالرحمة والمغفرة، قاله ابن عباس (١). ١٠٥ - وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، قال عطاء عن ابن عباس يريد: (يا معشر عبادي المحسن والمسيء (٢)) (٣) ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يريد: إن الله تعالى يطلع (٤) المؤمنين على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشر؛ إن كان خيرًا أوقع في قلوبهم لهم المحبة، وإن كان شرًا أوقع في قلوبهم لهم (٥) البغضة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لو (٦) أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنًا ما كان" (٧) ومعنى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ سيحدث المرئي فتصح الصفة (برأى) (٨)

стр. 6024

وإذا لم يحدث استحالت إذ كانت الرؤية تدل على وجود المرئي. وقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: (يوقفكم على أعمالكم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء) (١)، كما (٢) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم:٣١] الآية، ومثل هذه الآية قد تقدم في هذه السورة (٣). ١٠٦ - وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في معنى الإرجاء في سورة الأعراف، وهو تأخير الأمر إلى وقت، وسميت المرجئة (٤) لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها (٥) إلى مشيئة الله تعالى.

стр. 6025

وقال الأوزاعي: (لأنهم يؤخرون (١) العمل من الإيمان) (٢)، قال ابن عباس وعامة المفسرين: (نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر: كعب بن مالك (٣) من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي (٤)، ومرارة بن الربيع الزبيدي (٥) كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك وكانوا مياسير، ثم (٦) لم يتسع لهم العذر كما اتسع للآخرين الذي ذكروا قبل هذا (٧)، ولم يبالغوا في التنصل والاعتذار كما فعل الآخرون، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فوقف رسول الله ﷺ أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآيات بعد خمسين ليلة (٨).
следующие страницы →