← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.

стр. 6021

وقال بعضهم: (الصلوات) في هذه السورة وفي هود (١) وفي المؤمنين (٢) مكتوبات (٣) في المصحف بالواو، والتي في (سأل سائل) مكتوبة بغير واو (٤)، فإذا اتجه الإفراد والجمع في العربية ورجح أحدَ (٥) الوجهين الموافقةُ لخط المصحف كان ذلك ترجيحًا يجعله أولى بالأخذ به، قال: (ومن زعم أن (الصلاة) أولى لأن (الصلاة) للكثرة (٦) و (الصلوات) للقليل (٧) فليس قوله بمتجه؛ لأن الجمع بالتاء قد يقع على الكثير كقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ﴾ [سبأ: ٣٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] (٨). وقوله تعالى: ﴿سَكَنٌ لَهُمْ﴾ السكن في اللغة: ما سكنت إليه، فالمعنى: إن دعواتك مما تسكن إليه نفوسهم، قال ابن عباس: (يريد: دعاؤك رحمة لهم) (٩). وقال قتادة: (وقار لهم) (١٠).

стр. 6022

وقال الكلبي: (طمأنينة لهم أن الله قد قبل منهم) (١). وقال الكفراء: (استغفر لهم؛ فإن استغفارك لهم تسكن إليه قلوبهم، وتطمئن بأن قد تاب الله عليهم) (٢). وقوله (٣): ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ﴾ لقولهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بندامتهم ورجوعهم. ١٠٤ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا﴾ الآية، قال أهل التفسير: (لما نزلت توبة هؤلاء، قال الذين لم يتوبوا من المتخلفين: هؤلاء كانوا بالأمس معنا لا يكلمون ولا يجالسون فما لهم؟ فقال الله : ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٤). ومعنى صيغة الاستفهام هاهنا: التنبيه على ما يجب أن يعلموا، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾، قال المفسرون وأهل المعاني: (معناه: يقبلها) (٥)، ولكن ذكر بلفظ الأخذ ترغيبًا في الصدقة ودعاء إليها. قال بعض أهل (٦) المعاني: (معنى أخذ الله الصدقات تضمنه الجزاء عليها ولما كان هو المجازي بها والمثيب عليها أسند الأخذ إلى نفسه وإن كان السائل يأخذها كمن أهديت إليه شيئًا فأخذه بعض من أقامه لأخذ

стр. 6023

الهدايا كان الأخذ منسوبًا إلى المهدي إليه وإن لم يتول الأخذ بنفسه لأنه هو المقصود بتلك الهدية). وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ يريد: يرجع إلى من رجع إليه بالرحمة والمغفرة، قاله ابن عباس (١). ١٠٥ - وقوله تعالى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا﴾، قال عطاء عن ابن عباس يريد: (يا معشر عبادي المحسن والمسيء (٢)) (٣) ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ يريد: إن الله تعالى يطلع (٤) المؤمنين على ما في قلوب إخوانهم من الخير والشر؛ إن كان خيرًا أوقع في قلوبهم لهم المحبة، وإن كان شرًا أوقع في قلوبهم لهم (٥) البغضة، وقد قال رسول الله ﷺ : "لو (٦) أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائنًا ما كان" (٧) ومعنى: ﴿وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ﴾ سيحدث المرئي فتصح الصفة (برأى) (٨)

стр. 6024

وإذا لم يحدث استحالت إذ كانت الرؤية تدل على وجود المرئي. وقوله تعالى: ﴿فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، قال ابن عباس: (يوقفكم على أعمالكم فيثيب المحسن ويعاقب المسيء) (١)، كما (٢) قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ [النجم:٣١] الآية، ومثل هذه الآية قد تقدم في هذه السورة (٣). ١٠٦ - وقوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في معنى الإرجاء في سورة الأعراف، وهو تأخير الأمر إلى وقت، وسميت المرجئة (٤) لأنهم لا يجزمون القول بمغفرة التائب ولكن يؤخرونها (٥) إلى مشيئة الله تعالى.

стр. 6025

وقال الأوزاعي: (لأنهم يؤخرون (١) العمل من الإيمان) (٢)، قال ابن عباس وعامة المفسرين: (نزلت هذه الآية في ثلاثة نفر: كعب بن مالك (٣) من بني سلمة، وهلال بن أمية الواقفي (٤)، ومرارة بن الربيع الزبيدي (٥) كانوا تخلفوا عن غزوة تبوك وكانوا مياسير، ثم (٦) لم يتسع لهم العذر كما اتسع للآخرين الذي ذكروا قبل هذا (٧)، ولم يبالغوا في التنصل والاعتذار كما فعل الآخرون، ولم يوثقوا أنفسهم بالسواري، فوقف رسول الله ﷺ أمرهم، ونهى الناس عن مكالمتهم ومخالطتهم، حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآيات بعد خمسين ليلة (٨).

стр. 6026

ومعنى: ﴿مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾، قال ابن عباس: (مؤخرون ليقضي فيهم ما هو قاضٍ) (١). وقوله تعالى: ﴿إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: ((إما) لأحد الشيئين، والله عالم بما يصير إليه أمرهم، إلا أن هذا للعباد، خوطبوا بما يعلمون، المعنى: ليكن أمرهم عندكم على هذا أي على الخوف والرجاء) (٢)، فجعل أناس يقولون: هلكوا إذ لم ينزل لهم (٣) عذر، وجعل آخرون يقولون: عسى الله أن يغفر لهم. وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ أي بما تؤول إليه حالهم ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما يفعله بهم. ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ الآية، قرأ نافع وابن عامر: (الذين) بغير واو (٤)، وكذلك هي في مصاحف الشام والمدينة (٥)، فمن ألحق (٦) الواو جعله معطوفًا على ما قبله من قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ﴾ [التوبة: ١٠١] [(وآخرون اعترفوا)] (٧) ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ [التوبة: ١٠٦] أي ومنهم

стр. 6027

آخرون، ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا﴾ أي: ومنهم الذين اتخذوا، ومن لم يلحق الواو لم (١) يجز أن يكون (الذين) بدلًا من قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ﴾ كما تبدل المعرفة من النكرة؛ لأن أولئك غير هؤلاء الذين اتخذوا مسجدًا (٢)، وإذا لم يكونوا هم لم يجز أن يبدلوا منهم، ولكن من لم يلحق الواو جاز (٣) على أمرين أحدهما: أن تضمر: ومنهم الذين اتخذوا؛ كما أضمرت الحرف مع الفعل في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي فيقال لهم: أكفرتم؛ فكذلك حذف الخبر مع الحرف اللاحق له هاهنا. والثاني: أن تضمر الخبر على تقدير: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ منهم، وحسن حذف الخبر لطول الكلام بالمبتدأ وصلته، ومثله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْبَادِ﴾ [الحج: ٢٥] والمعنى فيه: ينتقم منهم، أو يعذبون، ونحو ذلك مما يليق بهذا المبتدأ (٤). قال ابن عباس ومجاهد وقتادة وعامة أهل التفسير: (هؤلاء كانوا اثني (٥) عشر رجلًا من المنافقين بنوا مسجدًا يضارون به مسجد قباء) (٦).

стр. 6028

والضرار محاولة التفسير، كما أن الشقاق محاولة ما يشق، قال أبو إسحاق: (وانتصب (ضرارًا) لأنه (١) مفعول له، المعنى: اتخذوه للضرار ولما ذكر بعده، فلما حذفت اللام أفضى الفعل فنصب، قال: وجائز أن يكون مصدرًا محمولًا على المعنى [لأن معنى] (٢) قوله: ﴿اتَّخَذُوا مَسْجِدًا﴾: ضاروا به ضرارًا (٣)) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَكُفْرًا﴾، قال ابن عباس: (يريد ضرارًا للمؤمنين وكفرًا بالنبي ﷺ وما جاء به) (٥) وقال الزجاج: (لأن عناد النبي ﷺ كفر) (٦)، وقال غيره: (اتخذوه ليكفروا فيه بالطعن علي النبي ﷺ والإسلام) (٧). وقوله تعالى: ﴿وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، قال المفسرون: (يفرقون به جماعتهم؛ لأنهم كانوا يصلون جميعًا في مسجد قباء فبنوا مسجد الضرار ليصلي فيه بعضهم فيختلفوا (٨) بسبب (٩) ذلك، ويفترقوا عن النبي ﷺ ،

стр. 6029

فيؤدي إلى التحزب، واختلاف الكلمة وبطلان الألفة) (١). وقوله تعالى: ﴿وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ قالوا: يعني أبا عامر الراهب (٢) الذي سماه رسول الله ﷺ الفاسق، وكان قد تنصر في الجاهلية وترهب، فلما خرج رسول الله ﷺ عاداه، وقال: لا أجد قوماً يقاتلونك (٣) إلا قاتلتك معهم، فلم يزل يقاتله إلى يوم حنين، فلما انهزمت هوازن خرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استطعتم من قوة وسلاح (٤) وابنوا لي مسجدًا فإني آتٍ من عند قيصر بجند فأخرج محمدًا وأصحابه، فبنوا هذا المسجد، وانتظروا مجيء أبي عامر ليصلي بهم في ذلك المسجد) (٥). قال الزجاج: (والإرصاد: الانتظار) (٦). وقال ابن قتيبة: (﴿وَإِرْصَادًا﴾ أي ترقبًا بالعداوة (٧)) (٨)، وقال

стр. 6030

الأكثرون: (الإرصاد: الإعداد) (١)، روى أبو عبيد عن الأصمعي والكسائي: (رصدت فلانا أرصده: إذا ترقبته، وأرصدت له شيئًا أرصده: إذا أعددت له) (٢)، قال الأعشى: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى ... ولاقيت بعد الموت من قد تزودا ندمت على أن لا تكون كمثله ... وأنك لم ترصد كما كان أرصدا (٣) وقال الليث: (يقال أنا لك مُرصد بإحسانك حتى أكافئك به) (٤)، قال: (والإرصاد في المكافأة بالخير) (٥)، وقال ابن الأعرابي: (أرصدت في الخير والشر جميعًا بالألف) (٦). [وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ يعني من قبل بناء مسجد الضرار] (٧)، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ أي: ليحلفن ما أردنا ببنائه إلا الفعلة الحسنى، وهو الرفق بالمسلمين والتوسعة على أهل الضعف والعلة والعجز عن المصير إلى مسجد رسول الله ﷺ [وذلك أنهم قالوا لرسول الله

стр. 6031

- ﷺ ] (١): إنا قد بنينا مسجدًا لذي العلة والحاجة، والليلة المطيرة، والليلة الشاتية) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾، قال الزجاج: (أطلع الله نبيه ﷺ على طويتهم وعلى أنهم سيحلفون كاذبين) (٣). ١٠٨ - قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ الآية، قال المفسرون: (إن أهل مسجد الضرار قالوا للنبي ﷺ : إنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه وتدعو بالبركة، فنهاه الله عن ذلك، وقال: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ (٤)، قال ابن عباس وغيره: (يريد لا تصل فيه أبدًا) (٥). ثم بين أي المسجدين أحق بالقيام فيه، فقال: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى﴾ اللام تأكيد للقسم، كأنه قيل: والله لمسجد أسس، أي (٦) بنيت حدوده ورفعت من قواعده، هذا معنى التأسيس، والتقوى: خصلة من الطاعة يحذر بها العقوبة، ثعلب عن ابن الأعرابي: (التقاة والتقية والتقوى والاتقاء: كله واحد) (٧)، والتقوى اسم، وموضع التاء واو وهي (فَعْلى) من

стр. 6032

وقيت مثل (شروى) من شريت وهذا بما قد تقدم الكلام فيه، قال ابن عباس: (أسس على التقوى: بني على الطاعة، وبناه المتقون الموحدون) (١)، وقوله تعالى: ﴿مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ (من) هاهنا: تدل على البداية؛ لأنها نقيضة (إلى) كقولك من كذا إلى كذا، قال زهير: لمن الديار بقُنَّة الحِجْر (٢) ... أقوين من حِجَج ومن شَهْر (٣) وقوله تعالى: ﴿أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ معناه أول الأيام إذا ميزت يومًا يومًا، كما تقول: أعطيت كل رجل في الدار، أي كل الرجال إذا ميزوا رجلاً رجلاً (٤) ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، قال الزجاج: (أن) في موضع نصب، المعنى: أحق بأن تقوم فيه) (٥)، وهذا كما قلنا في قوله: ﴿وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا﴾

стр. 6033

[التوبة: ٩٧] فإن قيل لم قال: ﴿أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ مع أنه لا يجوز قيامه في الآخر؟ قيل: للمظاهرة في الحجة بأنه لو كان من الحق الذي يجوز لكان هذا أحق. واختلفوا في المسجد الذي أسس على التقوى فقال ابن عُمر، وزيد ابن ثابت، وأبو سعيد الخدري، وابن المسيب: هو مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة) (١). وروي ذلك عن النبي ﷺ أنه قال: "هو مسجدي" رواه الخدري (٢) وأُبي بن كعب (٣)، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء، وقال في رواية الوالبي والعوفي: هو مسجد قباء (٤)، وهو قول الحسن (٥) وابن زيد (٦) وعروة بن الزبير (٧) واختيار الزجاج (٨).

стр. 6034

وقوله تعالى: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد الأنصار) (١)، ﴿يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾، قال الحسن: (أي من الذنوب) (٢)، وقال ابن عباس والكلبي وغيرهما: (يعني غسل الأدبار بالماء) (٣)، ويروى أن رسول الله ﷺ أتاهم وهم في مسجدهم فقال: "إن الله قد أحسن الثناء عليكم في طهوركم فبم تتطهرون؟ " فقالوا: نغسل أثر الغائط بالماء، فقال النبي ﷺ "دوموا عليه" (٤). قال المفسرون: (كان من عادة هؤلاء في الاستنجاء [استعمال الأحجار ثم الماء بعدها وهو الأكمل والأفضل في باب الاستنجاء) (٥)] (٦)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ أي: من الشرك والنفاق والأنجاس، قالوا: فلما نزلت هذه الآية أمر رسول الله ﷺ أصحابه (٧) فقال: "انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فأحرقوه واهدموه" (٨) ففعلوا ذلك، وأمر أن

стр. 6035

يتخذ كناسة تلقى فيها الجيف (١). ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾ الآية، البنيان: مصدر الغفران، يراد به المبني هاهنا، نحو ضرب الأمير ونسج اليمن، قال أدو زيد: (يقال بني يبنى بنيًا وبناءً وبنية وبنيانًا، وأنشد: بني السماء فسواها ببنيتها ... ولم تُمد بأطناب ولا عُمُد (٢) (٣) وجمع البنية: بني، ويجوز أن يكون البنيان جمع بنيانة إذا جعلته اسمًا؛ لأنهم قد قالوا: بنيانة في الواحد، قال الشاعر (٤): كبنيانة القريي موضع رحلها ... وآثار نسعيها من الدف أبلق (٥) وقرأ نافع وابن عامر (أُسِّس) بضم الألف، (بنيانُه) رفعًا (٦)، فمن قرأ

стр. 6036

بفتح الألف بني الفعل للفاعل (١) الباني (٢) والمؤسس، فأسند الفعل إليه، كما أضاف البنيان إليه في قوله (بنيانه) وكما أن المصدر مضاف إلى الفاعل كذلك الفعل يكون (٣) مبنيًّا له، ويدل على ترجيح هذا الوجه اتفاقهم على قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ﴾، ومن بني الفعل للمفعول لم يبعد أن يكون في المعني كالأول؛ لأنه إذا أسس بنيانه فتولى ذلك غيره بأمره كان كبنيانه (٤) هو له، والقراءة الأولى أرجح (٥). وقوله تعالى: ﴿عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ﴾، قال ابن عباس: (يريد مخافة من الله، ورجاء ثوابه ورضوانه) (٦)، يريد أنهم طلبوا مرضاة الله في بنيانه (٧). وقوله تعالى: ﴿خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ قال الحسن: (هذا مثل لنفاقهم، أي مثلهم كمثل من أسس بنيانه على سهل وتراب ليس له أجل، فانهار ولم يثبت (٨) البناء) (٩).

стр. 6037

وقال أبو إسحاق: (المعنى أن من أُسس بنيانه على التقوى خير ممن أُسس بنيانه على الكفر، وهذا مَثَل، المعنى: إن بناء هذا المسجد الذي بني ضرارًا كبناءٍ على جرف جهنم تتهور بأهلها فيها) (١). قال ابن عباس في قوله: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾، يريد: صيرهم النفاق إلى النار (٢). وشرح أبو علي الفارسي هذه الآية أبلغ شرح فقال: (يجوز أن تكون المعادلة وقعت بين البانئين ويجوز أن يكون بين البناءين، فإذا عادلت بين البانئين كان المعنى: المؤسس بنيانه متقيًا خير أم المؤسس بنيانه غير متق؟ لأن قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ يدل على أن بانيه غير متق لله، ولا خاش له، وإن عادلت بين البناءين قدرت حذف المضاف كأنه قيل: أبناء من (٣) أسس بنيانه متقيًا خير أم بناء من أسس بنيانه على شفا جرف (٤)؟ والبنيان يراد به المبني لأنه إنما يؤسس المبني، والجار من قوله: ﴿عَلَى تَقْوَى﴾ في موضع نصب على الحال تقديره: أفمن أسس بنيانه متقيًا، وكذلك قوله: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ﴾ لأ ن معناه غير متق، أو معاقبًا على بنائه) (٥).

стр. 6038

قال أبو عبيدة: (الشفا: هو الشفير) (١)، وشفا الشيء: حرفه، ومنه يقال: أشفى على كذا: إذا دنا منه، والجرف: ما ينجرف بالسيول من الأودية، وهو جانبها الذي ينحفر بالماء أصله، فيبقى واهيًا، قال شِمْر (يقال: جُرْف وأجراف وجُرْفَةٌ وهي المهواة) (٢)، وأصله من الجرف والاجتراف، وهو اقتلاع الشيء من أصله، فالجرف ما جرفه السيل، ويقرأ (جُرْفٍ) و ﴿جُرُفٍ﴾ مخففًا ومثقلًا (٣) وهما لغتان كالشُغْل والشُغُل والعُنْق والعُنُق. وقوله تعالى: ﴿هَارٍ﴾، قال الليث: (الهور: مصدر هار [الجرف يهور إذا انصدع من خلفه وهو ثابت بعد مكانه وهو (٤) جرف هار] (٥) هائر، فإذا سقط فقد إنهار وتهور) (٦) [وقال الزجاج: (هار: هائر] (٧) وهذا من المقلوب، كما قالوا: لاث الشيء به إذا دار (٨)، فهو لاثٍ، والأصل لائث) (٩).

стр. 6039

قال أبو علي: (الهمزة من (١) (هائر) منقلبة عن الواو؛ لأنهم قد قالوا: تهور الناء: إذا تساقط وتداعى، وتهور الليل: إذا مضى أكثره، وهذا في الليل كالمثل والتشبيه بالباء، ويجوز في العين إذا قلبت همزة في هذا النحو ضربان، أحدهما: أن يُعل بالحذف كما أعل بالقلب، فيقال هار (٢) وشاك السلاح، والآخر أن يُعلّ بقلبها إلى موضح اللام فيصير في التقدير: (فالع)، ويجوز في قوله: خيلان من قومي ومن أعدائهم ... خفضوا أسنتهم فكلٌّ ناعي (٣) أن يكون مقلوبا من النائع الذي يراد به العطشان، من قوله: والأسلَ النياعا (٤) (٥) أي العطاش إلى دماء من يغزون (٦)، ويجوز أن يكون من قولك: نعى ينعى، وهو أن تقول: يالثارات فلان، ويجوز في (هار) أن يكون على قول من حذف. فيقال: جرف هارٌ، وفي محل الخفض: جرفٍ (٧) هارٍ، ووزنه

стр. 6040

من (فعل) (قال) لأن العين محذوفة (١)، ويجوز أن يكون على القلب، كأنه هاري، وإذا دخل التنوين سقط الياء لالتقاء الساكنين نحو قاضٍ ورامٍ، قال الأخفش: (ويقال هار يهار، مثل خاف يخاف) (٢). وقرى (٣) (هار) بالإمالة (٤)، وهي حسنة لما في الراء من التكرير، فكأنك قد لفظت براءين مكسورتين وبحسب كثرة الكسرات تحسن الإمالة. وقوله تعالى: ﴿فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾ الانهيار والانهيال متقاربان في المعنى كما تقاربا في اللفظ، قال الشاعر (٥): كمثل هيل نقًا طاف الوليد به ... ينهار حينًا وينهاه الثرى حينا وفاعل (انهار): البنيان، والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الباني أي انهار البنيان بالباني ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنه معصية وفعل لما كرهه الله من الضرار والكفر والتفريق بين المؤمنين، وهذه الآية بيان عما يوجبه تأسيس البنيان

стр. 6041

على التقوى من الله والرضوان من أن صاحبه هو الأفضل، مما يجب له من ثواب الله وكرامته، خلاف من أسسه على الفساد، فكان كمن بني على شفير النار، قال أبو إسحاق: (وفي هذا دليل على أن جهنم في الأرض؛ لأن البناء إنما ينهار إلى أسفل) (١). ١١٠ - قوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، ذكرنا الكلام في ﴿لَا يَزَالُ﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾

стр. 6042

[البقرة: ٢١٧] (١). وقوله تعالى: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ هو مصدر يراد به المفعول، وإذا كان كذلك كان المضاف محذوفًا تقديره: لا يزال بناء (٢) المبني الذي بنوه ريبة، ومعنى: ﴿الَّذِي بَنَوْا﴾ مع قوله: ﴿بُنْيَانُهُمُ﴾ يبين معنى ذلك البناء، إذ قد يجوز أن يراد به المستقبل لو لم يوصف بالماضي، وقوله تعالى: ﴿رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الريبة والريب: الشك، قال ابن عباس: (يريد شكًا في قلوبهم، كما قال في سورة البقرة لأهل العجل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣] (٣) وهذا قول ابن زيد (٤) والضحاك (٥). وقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد الموت) (٦)، وقال الضحاك: (يقول: لا يزالون في شك منه إلى

стр. 6043

الموت) (١)، ونحو هذا قال مجاهد وقتادة: (إلى الممات) (٢)، وقال أبو عمرو: (معناه حتى يموتوا فيستيقنوا) (٣)، هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، ومعنى الآية على ما قالوا: إن الريبة في التردد هي المعنى بالحيرة، يقول: لا يزالون شاكين مترددين في الحيرة، يحسبون أنهم كانوا في بنائه محسنين، كما حُبب (٤) العجل إلى قوم موسى، قال أبو علي: (والمعنى: لا يخلص لهم إيمان ولا ينزعون (٥) عن النفاق، ولا تثلج قلوبهم بالإيمان أبدًا، ولا يندمون على الخطيئة التي كانت منهم في بناء المسجد) (٦)، قال أبو إسحاق: يجوز أن يكون الله -جل وعز- جعل عقوبتهم أن ألزمهم الضلال بركوبهم هذا الأمر الغليظ) (٧). وقوله تعالى: ﴿إِلَأ أَن﴾ (إلا) هاهنا بمعنى (حتى) لأنها استثناء من الزمان المستقبل، والاستثناء منه منتهي إليه، فاجتمعت مع (حتى) في هذا الموضع على هذا المعنى، وموضع (أن) نصب، وفي ﴿تُقَطَّعَ﴾ قراءتان: ضم التاء (٨)، ومعناه: إلا أن تبلى وتتفتت قلوبهم بالموت، وقرأ حمزة وابن

стр. 6044

عامر ﴿تَقَطَّعَ﴾ بفتح التاء (١)، بمعنى تتقطع، ومعنى هذه القراءة كمعنى قراءة الأولى؛ إلا أن الفعل أسند إلى القلوب لمّا (٢) كانت هي البالية المتقطعة، وهذا مثل: مات زيد، ومرض عمرو، وسقط الحائط، ونحو ذلك مما يسند الفعل فيه إلى من حدث فيه، وإن لم يكن له، ويدل على صحة ما قلنا إن معنى (إلا) هاهنا: الغاية، ما روي أن في حرف أُبىَّ: (حتى الممات) (٣) وهذا يدل على أنهم يموتون على نفاقهم، فإذا ماتوا عرفوا بالموت ما كانوا تركوه من الإيمان، وأخذوا به من الكفر، وفي قراءة الحسن (إلى أن) (٤) مخففة بمعنى حتى، وهو اختيار أبي حاتم ويعقوب (٥) (٦)، هذا الذي ذكرنا مذهب عامة المفسرين وقول أصحاب المعاني (٧)، وفي الآية قول آخر زعم المبرد أن الآية على تقدير حذف

стр. 6045

المضاف كأنه قيل لا يزال هدم بنيانهم الذي بنوا ريبة، أي: حزازة وغيظًا في قلوبهم منكم ﴿إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ أي إلا أن يتوبوا توبة تتقطع بها قلوبهم ندمًا وأسفًا على تفريطهم (١)، وهذا قول السدي (٢) وحبيب بن أبي ثابت (٣) (٤) والقول هو الأول (٥)، والآية بيان عما يوجبه البناء على الفساد من كون القلب على الريبة الموجبة للحيرة، حتى تتقطع حسرة حين لا تنفع الندامة، ولا يمكن استدراك الخطيئة، أو حتى تنقطع بالموت، فحينئذ يستيقن أنه كان مسيئاً بما فعل من النفاق، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (يريد بخلقه، الصادق منهم والشاك ﴿حَكِيمٌ﴾ فيما جعل للصادقين من الثواب، وللكاذبين (٦) من العقاب) (٧).

стр. 6046

١١١ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى﴾ الآية، قال القرظي: (لما بايعت الأنصار رسول الله ﷺ ليلة العقبة بمكة، وهم سبعون نفسًا، قال عبد الله بن رواحة: اشترط لربك ولنفسك ما شئت فقال: "أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، ولنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم" قالوا فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا قال: (الجنة) قالوا ربح البيع لا نقيل (١) ولا نستقيل فنزلت هذه الآية) (٢)، قال مجاهد ومقاتل (٣): ثامنهم (٤) فأغلى ثمنهم) (٥). قال أبو إسحاق: (وهذا مثل، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾ [البقر: ١٦] (٦).

стр. 6047

قال أهل المعاني: (لا يجوز أن يشتري الله شيئًا في الحقيقة (١)؛ لأن المشتري إنما (٢) يشتري ما لا يملك، لكن هذا أجري -لحسن المعاملة والتلطف في الدعاء إلى الطاعة- مجرى ما لا يملكه (٣) المعامل فيه) (٤)، وحقيقة هذا أن المؤمن متى ما قاتل في سبيل الله حتى يقتل فتذهب روحه، أو أنفق ماله في سبيل الله، أخذ من الله في الآخرة الجنة جزاءً لما فعل، فجعل هذا استبدالًا واشتراء، هذا معنى قوله: ﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾، قال ابن عباس: (يريد بالجنة) (٥)، وكذا قرأه عمر بن الخطاب والأعمش (٦). قال الحسن: (اسمعوا والله بيعة ربيحة بايع الله بها كل مؤمن، والله ما على الأرض مؤمن إلا وقد دخل في هذه البيعة) (٧). وقال الصادق (٨): (ليس لأبدانكم ثمن إلا الجنة فلا تبيعوها إلا

стр. 6048

بها) (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَأَمْوَاَلَهُم﴾: (يريد التي ينفقونها في سبيل الله، وعلى أنفسهم وأهليهم وعيالاتهم (٢) فتفنى، اشترى (٣) الجنة التي لا تفنى ولا تبيد ولا تذهب) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، قال ابن عباس: (فيقتلون عدو المه ويقتلون في طاعتي ومحبتي) (٥)، هذه قراءة العامة قدموا الفعل (٦) المسند إلى الفاعل على المسند إلى المفعول؛ لأنهم يَقتُلون أولاً ثم يُقتلون، وقرأ حمزة والكسائي (فيُقتَلون ويَقتُلون) على تقديم الفعل المسند إلى المفعول به على المسند إلى الفاعل (٧)، وله وجهان: أحدهما: أن هذا في المعنى كالذي تقدم؛ لأن المعطوف بالواو يجوز أن يراد به التقديم، والثاني: أن معنى قوله (يَقتُلون) بعد قوله (يُقتَلون) أي من بقي منهم بعد قتل من قتل، كما أن قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا﴾ [آل عمران: ١٤٦]، أي ما وهن من بقي منهم.

стр. 6049

وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ هو [قال أبو إسحاق: (نصب ﴿وَعْدًا﴾ للمعني؛ لأن معنى قوله: ﴿بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ وعدهم الجنة) (١)، وقوله: ﴿حَقًّا﴾]، (٢)، قال ابن عباس: [لآن مالهم من الله لا خلف فيه (٣)) (٤). وقوله تعالى: ﴿فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ﴾، قال الزجاج: (هذا يدل على أن كل أهل ملة أمروا بالقتال ووعدوا عليه الجنة) (٥). وقال ابن عباس: (يريد شهدت لهم بهذه الشهادة وهذا الثواب في التوراة والإنجيل والقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ ) (٦)، والمعنى أن الله تعالى بين في الكتابين أنه اشترى من أمة محمد ﷺ أنفسهم وأموالهم بالجنة، كما بين في القرآن، والقول هذا (٧)، لا ما قاله أبو إسحاق. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (يريد بوعده) (٨)، وهذا استفهام معناه الإنكار، أي: لا أحد أوفى بما وعد من الله تعالى. ١١٢ - قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ﴾، قال الفراء: (استؤنفت بالرفع لتمام الآية قبلها وانقطاع الكلام، فحسن الاستئناف) (٩)، وقال صاحب النظم:

стр. 6050

(زعم بعضهم أن قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ منظوم بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ على النعت للمؤمنين، وإنما رفع كما رفع قوله: ﴿جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (٣٦) رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النبأ: ٣٦، ٣٧] (١)، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [المزمل: ٨، ٩] (٢)، وذكر أبو إسحاق في رفع قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ وجوهًا: أحدها: المدح كأنه قال: هؤلاء التائبون، أو هم التائبون. والثاني: أن يكون على البدل، المعنى يقاتل التائبون، قال: وهذا مذهب أهل اللغة (٣)، والذي عندي أن قوله ﴿التَّائِبُونَ﴾ رفع بالابتداء وخبره مضمر، المعنى: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى آخر الآية: لهم الجنة أيضًا، أي: من لم يجاهد غير معاند ولا قاصد لترك الجهاد فله الجنة أيضًا) (٤)، وهذا الذي اختاره أبو إسحاق وجه حسن لأنه وعدٌ لجميع المؤمنين بالجنة، وإذا جعل

стр. 6051

قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ تابعًا لأول الكلام كان الوعد بالجنة خاصًا للمجاهدين الموصوفين بهذه الصفات (١). وأما التفسير فقال ابن عباس في قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ يريد: (الراجعون عن الشرك) (٢)، وقال قتادة: (التائبون من الشرك ثم لم ينافقوا في الإسلام) (٣)، وقال الزجاج: (الذين تابوا من الكفر) (٤). وقال أهل المعاني: (كل من أخلص هذه الصفات مما يحبطها استحق إطلاق هذه الأوصاف عليه) (٥). وقوله تعالى: ﴿الْعَابِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (الذين يرون عبادة الله واجبة عليهم) (٦). وقال الزجاج: (الذين عبدوا الله وحده) (٧)، وهو معنى قول الكلبي:

стр. 6052

(الذين أخلصوا لله العبادة) (١)، وقال الحسن: (هم الذين عبدوا الله باتباع أمره) (٢). وقوله تعالى: ﴿الْحَامِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد: الله (٣) على كل حال) (٤)، ﴿السَّائِحُونَ﴾، قال عامة المفسرين: (الصائمون) (٥)، قال الوالبي عن ابن عباس: (كل ما ذكر في القرآن من السياحة فهو الصيام) (٦)، وقال النبي ﷺ : "سياحة أمتي الصيام" (٧). وروى معمر (٨) عن الحسن قال:

стр. 6053

(هذا صوم القرض) (١)، وقيل (٢): هم الذين يديمون الصيام) (٣)، وقال الزجاج: (وقول الحسن أبين) (٤). وقال الأزهري: (وقيل للصائم سائح لأن الذي يسيح في الأرض متعبدًا لا زاد معه فحين يجد الزاد يطعم، والصائم لا يطعم أيضًا فلشبهه به سمى سائحًا) (٥)، وهذا معنى قول سفيان بن عيينة: (إنما قيل للصائم سائح لأنه تارك اللذات كلها من المطعم والمشرب والنكاح) (٦)، يريد أنه كالمسافر في تركه هذه الأشياء. وقال أهل المعاني: (أجل السياحة: الاستمرار بالذهاب في الأرض كما يسيح الماء، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك المنهي من المأكل والمشرب والمنكح) (٧)، وهذا اشتقاق، وقد روى لي الأستاذ أبو إسحاق (٨) ﵀ بإسناده عن عكرمة أنه قال هم: طلبة العلم) (٩)،

стр. 6054

يريد: الذين يسافرون لأجل طلب العلم والحديث، والقول هو الأول. وقوله تعالى: ﴿الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ﴾، قال ابن عباس: (يريد الذين يصلون لله بنية صادقة (١)) (٢). وقال الزجاج: (الذين أدوا (٣) ما افترض عليهم من الركوع والسجود) (٤)، وهو قول الحسن، قال: (هذا صلاة الفرض) (٥). قوله تعالى: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، قال عامة المفسرين: (بالإسلام والإيمان بالله) (٦)، وقال عطاء: (يريد بفرائض الله وحدوده وتوحيده). وقوله تعالى: ﴿وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، قال: (يريد عن ترك فرائض الله وحدوده والشرك به) (٧). وقال الكلبي: (عن اتباع الجبت والطاغوت) (٨)؛ والأولى أن هذا عام في كل معروف ومنكر. وأما دخول الواو في قوله: ﴿وَالنَّاهُونَ﴾ فإن العرب قد تنسق بالواو

стр. 6055

وغير الواو، منه قوله (١) : ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ [غافر: ١ - ٣]،وجاء بعض بالواو وبعض بغير الواو، ومنه قول الخرنق: لا يبعدنْ قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الحزر النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر (٢) وإنما يفعل ذلك لالتباس الكلام بعضه ببعض. وقال صاحب النظم: قوله: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿السَّاجِدُونَ﴾ مبتدأ يقتضي جوابًا، وجاء بهذا (٣) النظم منسوقًا بعضه على بعض بلا واو العطف، ثم أجاب هذا المبتدأ بقوله: ﴿الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ فلما كان الفصل الأول مبتدأ جعل له نظمًا غير نظم الجواب، ونظم الجواب نسق بواو العطف فرقًا بينهما، ولولا هذا الفرق لما امتاز

стр. 6056

الخبر من المبتدأ، فالتأويل: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿السَّاجِدُونَ﴾ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (١) بعضه في إثر بعض. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٢)، ومعناه: العاملون بما افترض الله عليهم)، وقال الزجاج: (القائمون بما أمر الله به) (٣). ١١٣ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، قال عامة المفسرين: (إن النبي ﷺ عرض على عمه أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، وقال: "أعني على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة"، فأبى أبو طالب، فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك حتى أنهى عن ذلك" فاستغفر له بعدما مات، فاستغفر المسلمون لآبائهم وذوي قراباتهم، فنزلت هذه الآية (٤)، وهذا قول الزهري (٥) وسعيد بن المسيب (٦)

стр. 6057

وعمرو بن دينار (١) ومحمد بن كعب (٢)، واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام (٣)، والله أعلم. وقال عطاء عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فأرشده فذهب إليهما وكان يدعو لهما، وعلي يؤمن فنزلت هذه الآية) (٤) [وهذا قول أبي هريرة (٥). وقال الوالبي عنه (٦): كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية (٧)] (٨) وهو قول قتادة، وقال: استأذنوا رسول الله ﷺ أن يستغفروا لآبائهم فقال: "وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" فنزلت هذه الآية) (٩).

стр. 6058

قال أهل المعاني: قوله ﴿مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ﴾ حظر وتحريم ونهي، وقد يأتي في القرآن بمعنى النفي البتة، كقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] (١). والاستغفار طلب المغفرة، وليس يجوز أن يطلب من الله غفران الشرك؛ لأنه طلب ما أخبر أنه لا يفعل (٢). وقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، قال أبو إسحاق: (أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه [فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (٣) الآية] (٤). قال عطاء عن ابن عباس: (كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر (٥) تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله فترك الدعاء له) (٦)، فعلى هذا قوله: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الكناية في ﴿إِيَّاهُ﴾ تعود

стр. 6059

على إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن تعود على أبي إبراهيم ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه [أن يستغفر له رجاء إسلامه وأن ينقل الله أباه باستغفاره له] (١) من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركًا ويئس (٢) من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له، والدليل على صحة هذا قراءة الحسن (وعدها أباه) بالباء (٣)، وهذا الوعد من إبراهيم ظاهر في قوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الأواه: الخاشع المتضرع" (٤). ويروى أن عمر سأل رسول الله ﷺ عن الأواه فقال: "الأواه

стр. 6060

الدعاء" (١). قال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: (الأواه: الدعاء (٣) الكثير البكاء) (٤). وقال في رواية عطية: (الأواه: المؤمن [بالحبشية) (٥)، وقال في رواية الوالبي: (الأواه: المؤمن التواب) (٦)] (٧). وقال في رواية أبي ظبيان: (الأواه: الموقن) (٨) وهو قول مجاهد (٩). وقال الفراء: (هو الذي يتأوه من الذنوب) (١٠). وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: (الأواه: الرحيم) (١١).
следующие страницы →