← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 6056–6095 · переход к 6061.

стр. 6056

الخبر من المبتدأ، فالتأويل: ﴿التَّائِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿السَّاجِدُونَ﴾ هم الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر، أي الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وعلى هذا التأويل دخله واو العطف، لأنه ذهب به مذهب الفعل (١) بعضه في إثر بعض. وقوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ﴾، قال مجاهد: (حدود الله: فرائضه) (٢)، ومعناه: العاملون بما افترض الله عليهم)، وقال الزجاج: (القائمون بما أمر الله به) (٣). ١١٣ - قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، قال عامة المفسرين: (إن النبي ﷺ عرض على عمه أبي طالب الإسلام عند وفاته، وذكر له وجوب حقه عليه، وقال: "أعني على نفسك بكلمة أشفع لك بها عند الله يوم القيامة"، فأبى أبو طالب، فقال النبي ﷺ : "لأستغفرن لك حتى أنهى عن ذلك" فاستغفر له بعدما مات، فاستغفر المسلمون لآبائهم وذوي قراباتهم، فنزلت هذه الآية (٤)، وهذا قول الزهري (٥) وسعيد بن المسيب (٦)

стр. 6057

وعمرو بن دينار (١) ومحمد بن كعب (٢)، واستبعده الحسين بن الفضل؛ لأن هذه السورة من آخر القرآن نزولاً، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في عنفوان الإسلام (٣)، والله أعلم. وقال عطاء عن ابن عباس: إن رسول الله ﷺ سأل جبريل عن قبر أبيه وأمه فأرشده فذهب إليهما وكان يدعو لهما، وعلي يؤمن فنزلت هذه الآية) (٤) [وهذا قول أبي هريرة (٥). وقال الوالبي عنه (٦): كانوا يستغفرون لأمواتهم المشركين فنزلت هذه الآية (٧)] (٨) وهو قول قتادة، وقال: استأذنوا رسول الله ﷺ أن يستغفروا لآبائهم فقال: "وأنا والله لأستغفرن لأبي كما استغفر إبراهيم لأبيه" فنزلت هذه الآية) (٩).

стр. 6058

قال أهل المعاني: قوله ﴿مَا كاَنَ لِلنَّبِيِّ﴾ حظر وتحريم ونهي، وقد يأتي في القرآن بمعنى النفي البتة، كقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ [النمل: ٦٠] و ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٤٥] (١). والاستغفار طلب المغفرة، وليس يجوز أن يطلب من الله غفران الشرك؛ لأنه طلب ما أخبر أنه لا يفعل (٢). وقوله تعالى ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾، قال أبو إسحاق: (أي من بعد ما تبين لهم أنهم ماتوا كافرين، ثم أعلم الله كيف كان استغفار إبراهيم لأبيه [فقال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ (٣) الآية] (٤). قال عطاء عن ابن عباس: (كان أبو إبراهيم وعد إبراهيم أن يؤمن بالله ويخلع الأنداد، فلما مات على الكفر (٥) تبين لإبراهيم عداوة أبيه لله فترك الدعاء له) (٦)، فعلى هذا قوله: ﴿وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ الكناية في ﴿إِيَّاهُ﴾ تعود

стр. 6059

على إبراهيم، والواعد أبوه، ويجوز أن تعود على أبي إبراهيم ويكون الواعد إبراهيم، وذلك أنه وعد أباه [أن يستغفر له رجاء إسلامه وأن ينقل الله أباه باستغفاره له] (١) من الكفر إلى الإسلام، فلما مات مشركًا ويئس (٢) من مراجعته الحق تبرأ منه، وقطع الاستغفار له، والدليل على صحة هذا قراءة الحسن (وعدها أباه) بالباء (٣)، وهذا الوعد من إبراهيم ظاهر في قوله تعالى: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ [مريم: ٤٧] وقوله: ﴿لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ﴾ روي عن النبي ﷺ أنه قال: "الأواه: الخاشع المتضرع" (٤). ويروى أن عمر سأل رسول الله ﷺ عن الأواه فقال: "الأواه

стр. 6060

الدعاء" (١). قال ابن عباس (٢) في رواية عطاء: (الأواه: الدعاء (٣) الكثير البكاء) (٤). وقال في رواية عطية: (الأواه: المؤمن [بالحبشية) (٥)، وقال في رواية الوالبي: (الأواه: المؤمن التواب) (٦)] (٧). وقال في رواية أبي ظبيان: (الأواه: الموقن) (٨) وهو قول مجاهد (٩). وقال الفراء: (هو الذي يتأوه من الذنوب) (١٠). وقال ابن مسعود والحسن وقتادة: (الأواه: الرحيم) (١١).

стр. 6061

وقال أبو عبيدة: (الأواه: المتأوه شفقًا وفرقًا، المتضرع يقينًا ولزوماً للطاعة) (١). قال الزجاج: (انتظم قول أبي عبيدة أكثر ما روي في الأواه) (٢)، ويقال: تأوه الرجل تأوهًا، وأوه تأويهًا إذا قال: آه للتوجع ومنه قوله: تأوهُ آهة الرجل الحزين (٣) ويقال لتلك الكلمة: آه وهاه وآهة (٤) وأوه، قال أبو تراب: (وهو توجع الحزين الكئيب يخرج نفسه بهذا الصوت لينفرج عنه بعض ما به، ولو جاء من الأواه فعل لكان آه يؤوه أوهًا، مثل قال يقول قولًا) (٥). وقوله تعالى: ﴿حَلِيمٌ﴾، قال ابن عباس: (لم يعاقب أحدًا إلا لله ولم ينتصر من أحد إلا لله) (٦). ١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾ الآية، لما حرم الاستغفار للمشركين على المؤمنين بين أنه لم يكن الله

стр. 6062

ليأخذهم به من غير أن يدلهم على أنه يجب أن يتقوه، فهذا أمان بما يخاف من تلك الحال، وهذا معنى قول مجاهد (١). قال ابن الأنباري: (والتأويل (٢): حتى يبين لهم ما يتقون فلا يتقونه فعند ذلك يستحقون الإضلال، فحذف ما حذف لبيان معناه، كما تقول العرب أمرتك بالتجارة فكسبت الأموال، يريدون فتجرت وكسبت) (٣)، قال: واختلف الناس في تفسير الإضلال هاهنا فقالت فرقة: تأويله: وما كان الله ليحكم عليهم بالضلالة حتى يكون منهم ذا (٤)، واحتجوا بقول الكميت: فطائفة قد أكفروني بحبكم (٥) أي نسبوني إلى الكفر وحكموا علي به. وقال آخرون: وما كان الله ليوقع الضلالة في قلوبهم بعد الهدى حتى يكون منهم الأمر الذي يُستحق عليه العقاب، وأبطلوا القول الأول، وقالوا: العرب إذا أرادت ذلك المعنى قالت: ضلل يضلل، واحتجاجهم

стр. 6063

ببيت الكميت باطل؛ لأنه قياس في اللغة، [واللغة لا تؤخذ قياسًا] (١) وليس كل موضع تكلم فيه بفعل يصلح في موضعه (٢) أن يقال (أفعل) (٣) في النسبة (٤) إلى ذلك الفعل، فلا يقال: أكسر ولا أضرب، فليس علينا إلا اتباع العرب في استعمال ما استعملوا ورفض ما رفضوا) (٥) هذا كلامه، والآية بيان عما توجبه حال من لم (٦) يدل على (٧) ما يجب (٨) أن يجتنب (٩) من الأمر السمعي من أنه لا يطالب (١٠) باجتنابه ولا يضل بإتيانه حتى يُبين له أمره وتقرر عنده منزلته، فحينئذ يجازى به. ١١٧ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ الآية، يروى عن ابن عباس في معنى التوبة على النبي ﷺ أن ذلك لإذنه للمنافقين في التخلف عنه (١١)، وقد مر ذلك. وقال أبو عبيدة: (هو مفتاح كلام كقوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: ٤١] (١٢).

стр. 6064

ومعني هذا أن ذكر النبي ﷺ [بالتوبة عليه] (١) هاهنا تشريف للمهاجرين والأنصار، كما أن ضم اسم الله تعالى إلى اسم الرسول إنما هو تشريف للرسول فقط، فأما توبة الله على المهاجرين والأنصار فمن ميل (٢) قلوب بعضهم إلى التخلف عنه وهو قوله: ﴿كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾ ويذكر ذلك، ولكن الله تعالى قدم ذكر التوبة فضلًا منه، ثم ذكر ذنبهم. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾، قال أبو إسحاق: (معناه في وقت العسرة لأن الساعة تقع على كل الزمان) (٣) فهي عبارة (٤) عن جميع وقت تلك الغزوة، وهذا معنى قول الكلبي: (في حين العسرة) (٥). وقال غيره: (يريد أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزوة) (٦)، وهي الساعة التي كادت قلوبهم تزيغ فيها، والعسرة: تعذر الأمر وصعوبته، قال جابر: (هي عسرة الظهر، وعسرة الماء، وعسرة الزاد) (٧). أما عسرة الظهر فقال الحسن: (كان العشرة من المسلمين يخرجون على بعير يعتقبونه بينهم) (٨).

стр. 6065

وعسرة الزاد أنه (١) ربما مص التمرة الواحدة جماعة يتناوبونها حتى لا يبقى من التمرة إلا النواه (٢)، وأما عسرة الماء فقال عمر ﵁: (خرجنا في قيظ شديد، وأصابنا فيه عطش شديد، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه) (٣). وقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ﴾، قال ابن عباس: (يريد: يميل بعض من كان فيها إلى التخلف والعصيان) (٤). وقال الكلبي: (هم أناس من المسلمين هموا بالتخلف ثم لحقوه) (٥). وقال أبو إسحاق: (أي من بعد ما كادوا يقفلون عن غزوتهم للشدة ليس أنه زائغ (٦) عن الإيمان، إنما هو أن كادوا يرجعون) (٧). وقرأ حمزة (يَزِيغُ) بالياء (٨) [فمن قرأ] (٩) بالتاء فله وجهان:

стр. 6066

أحدهما: أن يضمر فاعل كاد، ويكون تقدير الكلام: كاد الحزب (١) أو القوم تزيغ قلوب فريق منهم (٢). والثاني: أن يكون فاعل (كاد) القلوب، كأنه: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ، ولكنه قدم (تزيغ) كما تقدم خبر كان في قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧]، وجاء تقديمه وإن كان فيه ذكر من القلوب (٣)، ولم يمتنع من حيث يمتنع الإضمار قبل الذكر، لما كان النية به التأخير، كما لم يمتنع: ضرب غلامه زيد، لما كان التقدير به التأخير، [ألا ترى أن حكم الخبر أن يكون بعد الاسم، كما أن حكم المفعول به أن يكون بعد الفاعل، وعلى هذا التقدير يجب التأنيث في (تزيغ)؛ لأن المراد به التأخير] (٤) وجاز التذكير في (كاد) لتقدم الفعل، وهذان الوجهان ذكرهما أبو علي الفارسي (٥)، وذكر الفراء وجهين آخرين: أحدهما: أن يكون الكلام على النظم الذي هو عليه، والفعل المسند إلى المؤنث إذا تقدم عليه جاز تذكيره وتأنيثه، فلما جاز الوجهان ذكر الفعل الأول لما وقع من الحيلولة بينه وبين المؤنث بالفعل الذي هو (يزيغ) فصار كقولهم: حضر القاضي امرأةٌ، وأنث الفعل الثاني لأنه ملتزق بالقلوب. الوجه الثاني: أن (كاد) ليس بفعل متصرف كغيره من الأفعال، ألا

стр. 6067

ترى أنه لا يبنى منه فاعل ولا مفعول فصار كـ (ليس)، و (ليس) يجوز تذكيره وإن أسند إلى مؤنث كقولك: ليس تخرج جاريتك (١). ومن قرأ (يزيغ) بالياء فوجهه تقدم الفعل (٢) فذكر (يزيغ) كما ذكر (كاد) ليتشابه الفعلان ويتشاكلا. قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ كرر ذكر التوبة وهما واحد لأنه ليس في ابتداء الآية ذكر ذنبهم، فقدم الله ذكر التوبة فضلا منه، ثم ذكر ذنبهم، ثم أعاد ذكر التوبة، وقيل: إن المراد بالتوبة بعد التوبة رحمة بعد رحمة، وقد قال رسول الله ﷺ : "إن الله تعالى ليغفر ذنب الرجل المسلم (٣) عشرين مرة" (٤)، وهذا معنى قول ابن عباس في قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ يريد (ازداد عنهم رضًا) (٥). ١١٨ - قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ الآية، هؤلاء هم المعنيون بقوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية، وقد ذكرنا هناك من هم، والمعنى: وتاب على الثلاثة الذين خلفوا، قال ابن عباس ومجاهد: (خلفوا عن التوبة عليهم) (٦).

стр. 6068

وقال كعب بن مالك الشاعر -وكان أحد الثلاثة الذين تخلفوا بغير عذر-: (ما هذا من تخلفنا إنما هو تأخير رسول الله ﷺ أمرنا) (١) لثير بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾ قال المفسرون: (ضيق الأرض عليهم بأن المؤمنين منعوا من كلامهم ومعاملتهم، وأمر (٢) أزواجهم باعتزالهم، وكان النبي ﷺ معرضًا عنهم، إلى أن أنزل الله توبتهم وأمر بالرجوع لهم بعد خمسين يومًا (٣)) (٤)، ومعنى ضاقت الأرض بما رحبت ذكرناه في هذه السورة (٥). وقوله تعالى: ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني ضيق صدورهم بالهم الذي حصل فيها، قال ابن عباس: (يريد من الوحشة) (٦)، يعني حين لم يكلمهم أحد من المؤمنين، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا﴾ أي أيقنوا ﴿أَ ﴿أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾ معتصم من الله إلا به (٧)، أي من عذاب الله إلا به.

стр. 6069

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾، قال صاحب النظم: قول: ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ﴾ معرفة منهم بالذنب وإضمار للتوبة وطلب لها، والله يقبل النية الصالحة، فلما كان هذا نيتهم أضمر الله في الكلام أنه قبل ذلك منهم ورحمهم، ثم نسق بـ (ثم) على هذا الإضمار، على تأويل: حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وعلموا (١) ألا ملجأ من الله إلا إليه رحمهم، ثم تاب عليهم) انتهى كلامه، وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ﴾ إعادة للتوكيد؛ لأن ذكر التوبة على هؤلاء قد مضى في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾، قال ابن عباس: (يريد: ازداد لهم رضا وعصمة) (٢)، وقد ذكرنا نظير هذا في الآية الأولى. ومعنى: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا﴾ أي لطف لهم (٣) في التوبة ووفقهم لها، وهذا دليل على أنه ما (٤) لم يرد الله تعالى توبة العبد ولم يوفقه لها لا يمكنه ذلك. وقال ابن الأنباري: (معناه: ثم تاب عليهم ليدوموا على التوبة، ولا يراجعوا ما يبطلها، قال: ويجوز أن يكون المعنى: ثم تاب عليهم لينتفعوا بالتوبة (٥) ويتوفر عليهم ثوابها، وهذان لا يقعان إلا بعد توبة الله عليهم) (٦).

стр. 6070

١١٩ - وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، قال ابن عباس ومقاتل: (يعني به مؤمني أهل الكتاب يأمرهم بالجهاد وأن يكونوا مع المهاجرين) (١)، قال ابن عباس: (سمى الله المهاجرين في هذه السورة صادقين وفي الحجرات ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: ١٥] [وفي الحشر ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحشر:]] (٢). وقال نافع (٣): (يريد بالصادقين محمدًا ﷺ والأنبياء) (٤)، أي كونوا معهم في الجنة بالعمل الصالح، وقال سعيد بن جبير والضحاك: مع أبي بكر وعمر) (٥).

стр. 6071

و (مع) تقتضي المصاحبة، والمعنى على (١) أنهم أمروا بأن يكونوا مع النبي ﷺ في الشدة والرخاء، قاله أبو إسحاق (٢). ١٢٠ - وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ﴾ قال ابن عباس: (يعني مزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار) (٣)، ﴿أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ﴾، قال: يريد لا يرضوا لأنفسهم بالخفض والدعة، ورسول الله ﷺ في الحر والمشقة (٤)، يحرضهم ويحضهم على الجهاد، يقال رغبت بنفسي عن هذا الأمر: أي ترفعت عنه

стр. 6072

وتركته (١)، وأنا أرغب بفلان عن هذا الأمر: أي أبخل به عليه (٢)، ولا أتركه له. وقال عطية العوفي: (ولا يرغبوا بأنفسهم عن الأمر الذي بذل له رسول الله ﷺ نفسه) (٣). وقال قطرب: (أي ليس لهم أن يكرهوا لأنفسهم ما يرضاه الرسول لنفسه) (٤). وقال الحسن: (لا يرغبون بأنفسهم أن يصيبهم من الشدائد مثل ما يصيب رسول الله ﷺ ) (٥)، وهذه ألفاظ معناها متقارب. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ الإشارة ﴿ذَلِكَ﴾ تعود إلى ما تقدم من النهي عن التخلف، وقال: ذلك النهى لما يحصل من الأجر والثواب في مقاساة كلف السفر، وهو قوله: ﴿لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾ وهو شدة العطش، يقال: ظمئ فلان يظمأ ظمأً (٦) على (فَعِلَ) إذا اشتد عطشه، وهو ظمئ وظمآن، ويجوز في المصدر: ظمأة وظماء، قال ابن عباس: (يريد عطشٌ في الطريق) (٧). وقوله تعالى: ﴿وَلَا نَصَبٌ﴾ النصب: الإعياء من العناء، يقال:

стр. 6073

نصب ينصب، وأنصبني هذا الأمر، قال ابن عباس: (يريد التعب من شدة الحر) (١)، (ولا مخمصة) مضى الكلام فيها (٢)، قال ابن عباس: (يريد: مجاعة) (٣)، ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في طاعة الله، ﴿وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾، قال: يريد: (ولا يضع قدمه ولا حافر فرسه ولا خف بعيره) (٤)، وقال الحسن: (ولا يقفون موقفًا) (٥). وقوله تعالى: ﴿يَغِيظُ الْكُفَّارَ﴾، قال ابن الأعرابي: (يقال غاظه وغيظه وأغاظه بمعنى واحد) (٦)، أي أغضبه ﴿وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا﴾، قال ابن عباس والحسن (٧): (أسرًا وقتلًا وهزيمة، قليلاً ولا كثيرًا، إلا كان ذلك قربة لهم عند الله) (٨). قال العوفي: (وفي الآية من الفقه أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ونصبه ومشيته وحركاته كلها حسنات مكتوبة له، وكذلك في المعصية، فما أعظم بركة الطاعة، وما أعظم شؤم المعصية) (٩).

стр. 6074

وأما حكم هذه الآية فقال قتادة: هذه خاصة لرسول الله ﷺ إذا غزا بنفسه فليس لأحد أن يتخلف عنه إلا بعذر (١). وقال ابن زيد: (هذا حين كان المسلمون قليلاً، فلما كثروا نسخها الله بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ (٢). وقال عطية: (وما كان لهم أن يتخلفوا عن رسول الله إذا دعاهم وأمرهم) (٣)، وهذا هو الصحيح، أن تتعين الإجابة والطاعة لرسول الله ﷺ إذا أمر، وكذلك غيره من الولاة والأئمة إذا ندبوا وعينوا؛ لأنا لو سوغنا للمندوب أن يتقاعد لم يختص بذلك بعض دون بعض، ولأدى ذلك إلى تعطيل الجهاد. ١٢١ - وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ قال ابن عباس: يريد تمرة فما فوقها ولا أدنى منها (٤)، وروي عنه: ولو عِلاقة سوط (٥)، وروى جماعة من الصحابة عن النبي ﷺ أنه قال: "من غزا بنفسه وأنفق في وجهه ذلك فله بكل درهم سبعمائة ألف (٦) درهم" (٧).

стр. 6075

وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا﴾، قال الليث: الوادي كل مَفْرج بين جبال وآكام وتلال يكون مسلكًا للسيل (١)، والجمع: الأودية، مثل: ناد وأندية (٢)، وقال ابن الأعرابي: يجمع الوادي أوداء على (أفعال) مثل صاحب وأصحاب (٣). قال ابن عباس: ولا يجاوزون واديًا في مسيرهم مقبلين أر مدبرين ﴿إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ يعني آثارهم وخطاهم (٤). ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ﴾ أي: بأحسن، ﴿مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهذا يدل على أن الجهاد من أحسن أعمال العباد. قال أكثر المفسرين: هذه الآية خاصة في صحبة النبي ﷺ والخروج معه (٥)، وقال الأوزاعى، وابن المبارك: هى لآخر هذه الأمة وأولها (٦). ١٢٢ - وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ الآية، قال أبو إسحاق: هذا لفظ خبر فيه معنى أمر كقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ (٧) [التوبة: ١١٣]، وقال صاحب النظم: هذا نفي معناه الحظر.

стр. 6076

واختلفوا في سبب نزول هذه الآية؛ فالذي عليه الجمهور أنه لما عيب من تخلف عن غزوة تبوك قال المؤمنون: والله لا نتخلف عن غزوة يغزوها رسول الله ﷺ [ولا عن سرية أبدًا، فلما أمر رسول الله ﷺ ] (١) [بالسرايا إلى العدو نفر المسلمون جميعًا إلى الغزو وتركوا رسول الله ﷺ ] (٢) وحده بالمدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية، وهذا قول ابن عباس في رواية الكلبي (٣)، وقتادة (٤)، واختيار الفراء (٥)، والزجاج (٦)، وعلى هذا معنى الآية: ليس لهم أن يخرجوا جميعًا إلى الغزو. وقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ (لولا) إذا دخل على الفعل كان بمعنى التحضيض مثل (هلّا). قال صاحب النظم: وإنما جاز أن يكون (لولا) بمعنى (هلّا) كلمتان: (هل) وهو استفهام وعرض و (لا) وهو جحد، فـ (هلا) تنتظم معنيين الجحد وهو (لا) والعرض وهو (هل)، وذلك أنك إذا قلت للرجل [هل تأكل] (٧) هل تدخل؛ كأنك تعرض ذلك (٨) عليه، وإنما جمعوا بين (هل) و (لا) (٩)؛

стр. 6077

لأنهم أرادوا أن (١) يخبروا بأنه لم يفعل ذلك (٢)، وكان يجب عليه أن يفعله، وكذلك (لولا)؛ لأن (لو) شبيهة المعنى بـ (هل)؛ لأنك إذا قلت: لو دخلت إليّ، ولو أكلت عندي، فمعناه أيضًا عرض (٣) وإخبار عن سرورك به لو فعل، فلذلك اشتبها في المعنى، وكذلك (لوما) بمنزلة (هلّا) (ولولا)؛ لأن (لا) و (ما) بمنزلة واحدة في النفي ومنه قوله: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَة﴾ [الحجر: ٧]، ومعنى الآية: فهلا خرج إلى الغزو من كل قبيلة جماعة، ويبقى مع النبي ﷺ جماعة؛ لئلا يبقى وحده. وقوله تعالى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ قال ابن عباس: يريد: يتعلموا القرآن والسنن والحدود والفرائض (٤)، ويريد بالتفقه الفرقة القاعدين عن الغزو، ونظم الكلام يصح بإضمار واختصار كأنه قيل: فلو نفر من كل فرقة طائفة [وأقام طائفة] (٥) ليتفقهوا في الدين، فاقتصر من ذكر إحدى الطائفتين على الأخرى، ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ يعني النافرين إلى الغزو، ﴿إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾، قال أبو إسحاق: المعنى أنهم إذا بقيت منهم بحضرة النبي ﷺ بقية فسمعوا منه علمًا (٦) أعلموا الذين نفروا ما علموا فاستووا في العلم (٧).

стр. 6078

قال المفسرون: إذا رجعت السرايا وقد نزل بعدهم قرآن وتعلمه القاعدون قالوا لهم إذا رجعوا: إن الله تعالى قد أنزل بعدكم على نبيكم قرآنًا، وقد تعلمناه فتتعلم السرايا ما أنزل الله على نبيهم بعدهم، فذلك قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: وليعلموهم بالقرآن ويخوفوهم به، ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ولا يعملون بخلافه، وهذا الذي ذكرنا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي (١)، وعطاء الخراساني عنه (٢). وقال الحسن: هذا التفقه والإنذار راجع إلى الفرقة النافرة (٣)، ومعنى الآية: ليتفقهوا: أي: ليتبصروا وليتيقنوا بما يريهم الله من الظهور على المشركين، ونصرة الدين، ولينذروا قومهم من الكفار إذا رجعوا إليهم من الجهاد، فيخبروهم بنصرة الله النبي والمؤمنين [وأنهم لا يدان لهم بقتال النبي ﷺ والمؤمنين] (٤) ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الكفار. قال أبو إسحاق: وفي هذه الآية دليل على أن فرض الجهاد يجزئ فيه

стр. 6079

الجماعة [عن الجماعة (١)] (٢). [قال أبو عبيد (٣)] (٤): لولا هذه الآية لكان الجهاد حتمًا واجبًا (٥) على كل مؤمن في خاصة نفسه وماله، كسائر الفرائض، ولكن هذه الآية جعلت للناس الرخصة في قيام بعضهم بذلك عن بعض (٦). ١٢٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ يريد: الذين يقربون منكم، قال ابن عباس: أمر الله المؤمنين أن يقاتلوا الأدنى فالأدنى (٧) من عدوهم من المدينة مثل قريظة النضير وخيبر وفدك (٨)، وقال في رواية عطاء: يريد الشام من الروم والعرب الكفار، وذلك أن الشام كانت أقرب إلى المدينة من العراق (٩). وقيل: إن النبي ﷺ كان ربما تخطى في حربه الذين يلونه من الأعداء ليكون أهيب له، فأمر بقتال من يليه (١٠)، وهذا دليل أنه إنما

стр. 6080

ينبغي أن يقاتل أهل كل ثغر الذين يلونهم، وفيه فوائد: خفة المؤنة على بيت المال بقرب الطريق، وأن كل طائفة من المسلمين أهدى إلى مكايد من يليهم وإلى عوراتهم؛ ولأن المسلمين إذا تباعدوا وخلفوا بالقرب منهم طائفة من المشركين لم يأمنوا أن يهجموا على ذراريهم فتوجل لذلك قلوب الغزاة. قوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، قال الزجاج: فيها ثلاث لغات: فتح الغين وضمها وكسرها (١)، قال ابن عباس: يريد شجاعة (٢)، وقال مجاهد: شدة (٣)، وقال الحسن: صبرًا منكم على الجهاد (٤)، وقال الضحاك: عنفًا (٥). وقال أهل المعاني: الغلظة ضد الرقة وهي الشدة في إحلال النقمة، وذلك أدل على البصيرة في الإيمان، وأزجر عن الكفر باللهِ، وأهيب لأعداء الله، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التحريم: ٩]، وقوله تعالى في صفة الصحابة: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ [الفتح:]، وقوله: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المائدة:٥٤]. ويخرج الكلام في هذه الآية على الأمر بالوجود، وإنما هو بالغلظة كانه قيل: اغلظوا عليهم بحيث يجدون ذلك. وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، قال أبو إسحاق: أي أن

стр. 6081

الله ناصر من أَمَرَهُ بالحرب (١). ١٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ (ما) صلة مؤكدة، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ﴾ يعني من المنافقين، قاله جميع أهل التفسير (٢). ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ﴾ هذه السورة ﴿إِيمَانًا﴾ يقوله المنافقون بعضهم لبعض هزؤًا، فقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، قال ابن عباس: يريد: تصديقًا ويقينًا وقربة من الله (٣). ومعنى الزيادة ضم الشيء إلى غيره بما يشاركه في صفته، فالمؤمنون إذا أقروا بالسورة عن ثقة ازدادوا تصديقًا إلى ما كانوا عليه من التصديق، وفي هذا دليل على زيادة الإيمان. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ أي: يفرحون بنزول السورة، قاله ابن عباس في رواية الضحاك (٤)، وقال في رواية عطاء: يستبشرون بالنعيم الدائم والرضوان الكبير (٥)، ومعنى الاستبشار: استدعاء البشارة بتذكر ما فيه النعمة، كأن المؤمنين (٦) يتذكرون ما بشروا به من النعيم فيفرحون به. وقال ابن كيسان في هذه الآية: كلما نزلت سورة كانت بينة لهم

стр. 6082

وحجة ازدادوا إخلاصًا ويقينًا (١). ١٢٥ - وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، قال المفسرون: شك ونفاق (٢)، وسمي الشك في الدين مرضًا؛ لأنه فساد في القلب يحتاج إلى علاج كالفساد في البدن. وقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، قال الحسن والأكثرون: زادتهم كفرًا إلى كفرهم (٣)، قال أبو إسحاق: لأنهم كلما كفروا بسورة ازداد كفرهم (٤)، وقال عطاء ومقاتل: أي إثمًا وعذابًا إلى ما أعد لهم من الخزي والعذاب (٥). ١٢٦ - قوله تعالى: ﴿أَوَلَا يَرَوْنَ﴾ الآية، هذه واو العطف دخل عليها ألف الاستفهام فهو متصل بذكر المنافقين وفي ﴿يَرَوْنَ﴾ قراءتان الياء والتاء (٦)، فمن قرأ بالتاء فهو خطاب للمؤمنين على معنى التنبيه، وقال سيبويه عن الخليل في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾

стр. 6083

[الحج:٦٣]، المعنى: انتبه! أنزل الله من السماء ماءً، فكان كذا وكذا (١)، والمعنى في هذه الآية: أن المؤمنين نُبِّهوا على إعراض المنافقين عن النظر والتدبر لما ينبغي أن ينظروا فيه (٢) ويتدبروه. ومن قرأ بالياء فمعناه التقريع بالإعراض عن التوبة للمنافقين من غير أن يُصرف التنبيه إلى المسلمين (٣) في الخطاب؛ لأن المسلمين قد عرفوا ذلك من أمرهم. والرؤية على ما ذكرنا بمعنى العلم، ويجوز أن تكون من رؤية العين المتعدية إلى مفعولين وسدَّ (أن) مسدهما، وهذا الوجه أولى؛ لأن معنى الآية أنهم يُستبطؤون (٤) على مشاهدة ما يفتتنون (٥) به في الاعتبار والإقلاع عما هم عليه من النفاق، وهذا أبلغ في هذا الباب؛ ألا ترى أن تارك الاستدلال أعذر من المضرب عما يحس ويشاهد. وقوله تعالى: ﴿أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾، قال ابن عباس في رواية عطاء: يمتحنون بالمرض في كل عام مرة أو مرتين (٦).

стр. 6084

﴿ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ﴾ من النفاق، ولا يتعظون بذلك المرض، كما يتعظ المؤمن إذا مرض ذكر ذنوبه وموقفه بين يدي الله، فيزيده ذلك إيمانًا وخوفًا من الله، وازداد الله له رحمة ورضوانًا. وهذا قول عطية قال: يفتنون بالأمراض والأوجاع وهن روائد الموت (١)، وهذا اختيار أبي علي قال: إنهم يمتحنون بالأمراض والأسباب التي لا يؤمن معها الموت، فلا يرتدعون عن كفرهم، ولا ينزجرون عما هم عليه من النفاق، ولا يُقَدِّمون عملًا صالحًا يقدمون عليه إذا ماتوا (٢). وقال مجاهد: يفتنون بالقحط والجوع (٣). وقال قتادة: بالغزو والجهاد (٤)؛ وذلك أنهم كانوا إذا نقضوا العهد بعث إليهم رسول الله ﷺ بالسرايا فيقتلونهم (٥)، وكل هذا من أسباب

стр. 6085

الموت التي يجب أن يتعظوا ويعتبروا بها. وقال مقاتل (١): يفضحون بإظهار نفاقهم، وهذا اختيار ابن الأنباري؛ قال: إنهم كانوا يجتمعون على ذكر رسول الله ﷺ بالطعن عليه، وكان جبريل يخبره بذلك فيوبخهم ويعظهم، فلا يتعظون ولا يرجعون عن ذلك (٢). قال أهل المعاني: وهذه الآية بيان عما يوجبه تقلب الأحوال مرة بعد مرة من تذكر العبرة التي تدعو إلى إخلاص الطاعة والتوبة من كل خطيئة لشدة الحاجة إلى من يكشف البلية ويسبغ النعمة (٣). ١٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ﴾ الآية، قال ابن عباس: كان إذا نزلت سورة فيها عيب المنافقين، وخَطَبَهم رسول الله ﷺ فعرض بهم في خطبته شق ذلك عليهم، فنظر بعضهم إلى بعض، يريدون الهرب من عند رسول الله ﷺ ، ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إن (٤) قمتم (٥)، فإن لم يرهم أحد خرجوا من المسجد، وإن علموا أن أحدًا يراهم ثبتوا مكانهم حتى يفرغ من خطبته، ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ من (٦) الإيمان (٧)، فعلى هذا قوله:

стр. 6086

﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ فيه إضمار أي: نظر بعضهم إلى بعض [وقال هل يراكم من أحد. وقال الأخفش: معنى ﴿نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾] (١) [قال بعضهم لبعض] (٢)؛ لأن نظرهم في هذا المكان كان (٣) قولًا (٤). فعلى هذا لا يحتاج إلى إضمار؛ لأن نظرهم قام مقام قولهم: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ في المفهوم، وذلك أنه لما جرت عادتهم بأنهم إذا نظر بعضهم إلى بعض أرادوا هذا المعنى صار كأنهم تلفظوا به. وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ إن أضمرنا (٥) القول في الآية كان هذا ملفوظًا به، وإن جعلنا النظر بمعنى القول لم يكن ملفوظًا به، وعرف ذلك بدلالة الحال. والمعنى: هل يراكم من أحد إن خرجتم، على ما ذكرنا وفيه حذف، ويصح المعنى من غير حذف وهو أن المعنى هل يراكم أحد (٦) من المؤمنين أنكم هاهنا، يقولون ذلك استسرارًا وتحرزًا أن يُعلم بهم مخافة القتل، وهذا معنى قول الضحاك (٧)، والزجاج (٨).

стр. 6087

وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا﴾ ذكرنا فيه قول ابن عباس: إن المعنى: ثم انصرفوا عن الإيمان به، ونحوه قال مقاتل (١). وقال الحسن: ثم انصرفوا على عزم الكفر والتكذيب بمحمد ﷺ وما جاء به (٢). قال الزجاج: جائز أن يكونوا ينصرفون عن العمل بشيء بما يسمعون (٣). وهذا كما (٤) حكينا عن المفسرين، قال: وجائز أن يكونوا ينصرفون عن المكان الذي استمعوا فيه (٥)، وعلى هذا لا إضمار؛ لأن المعنى أنهم ينظرون (٦) بعضهم إلى بعض ثم ينصرفون. وقوله تعالى: ﴿صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، قال ابن عباس: عن كل رُشْد وخير وهدى (٧). وقال الحسن: صرف الله قلوبهم فطبع عليها بكفرهم ونفاقهم (٨)،

стр. 6088

﴿بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ عن الله دينه وما دعاهم إليه. وقال الزجاج: أي أضلهم الله مجازاةً على فعلهم (١)، وهذا معنى قول الحسن (٢). ١٢٨ - قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: محمدًا ﷺ ، وليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي ﷺ مُضَريُّها (٣) وربعيها (٤) ويمانيها (٥) (٦)، وقال السدي: من المحرب من بني إسماعيل (٧). قال الزجاج: أي: هو بشر مثلكم فهو أوكد للحجة عليكم؛ لأنكم تفهمون ممن هو مثلكم (٨)، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].

стр. 6089

قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾، قال ابن عباس: يريد: يعز عليه مشقتكم وكل مضرة تصيبكم (١). وقال أهل المعاني: معنى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ﴾ شديد عليه بامتناعه من إمكان زواله (٢) (٣)، ﴿مَا عَنِتُّمْ﴾ ما يلحقكم من الضرر، ومعنى عزّ عليّ كذا: أي اشتد (٤) عليّ بامتناعه (٥) من إزالته (٦)، ويقال: عَنَتَ الرجل يعنت عنتًا: إذا وقع في مشقة شديدة، أو أذى لا يهتدى للمخرج منه، وأعنته غيره إعناتًا، وقد سبق الكلام في هذا في مواضع (٧). وقال الزجاج: معناه: عزيز عليه عنتكم، وهو لقاء الشدة والمشقة (٨). وقال الفراء: (ما) في موضع رفع، معناه: عزيز عليه عنتكم (٩)، وقوله تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أي: حريص على إيمانكم (١٠)، وهو قول الكلبي (١١)، فعلى هذا هو من باب حذف

стр. 6090

المضاف. وقال الحسن: حريص عليكم أن تؤمنوا (١). وقال الفراء: الحريص الشحيح بأن تدخلوا النار (٢)، والمعنى على هذا: شحيح عليكم أن تدخلوا النار، والحرص على الشيء: الشح عليه أن يضيع ويهلك، وتم الكلام هاهنا، ثم استأنف فقال: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾، قال عطاء، عن ابن عباس: سماه الله تعالى باسمين من أسمائه (٣). ١٢٩ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، قال ابن عباس: يريد: المشركين والمنافقين والكفار (٤). وقال الكلبي: أعرضوا عن الإيمان وعنك يا محمد فلم يؤمنوا بك (٥). وقال الحسن: تولوا عن طاعة (٦)، ﴿فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ أي: الذي يكفيني الله ، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، قال النحويون: موضع هذه الجملة نصب؛ لأنه في موضع الحال بتقدير: حسبي الله مستحقًّا لإخلاص العبادة، والإقرار بأن لا إله إلا هو (٧).

стр. 6091

﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾، قال أهل المعاني: إنه رب كل شيء، وخص العرش بالذكر؛ لأنه لما ذكر الأعظم دخل فيه الأصغر (١)، ويجوز أن يكون التخصيص تشريفًا للعرش وتفخيمًا لشأنه.

стр. 6092

سورة يونس

стр. 6093

سورة يونس ﵇ بسم لله الرحمن الرحيم ١ - ﴿الر﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد: أنا الله الرحمن (١)، وعنه أيضًا: أنا الله أرى (٢)، وهو قول الضحاك (٣). وقال قتادة: (الر) اسم من أسماء القرآن (٤)، وقال أبو روق (٥): ﴿الر﴾ فاتحة السورة (٦)، وعلى هذا هي صلة وابتداء واستفتاح للكلام (٧)،

стр. 6094

والمعنى: كأنه ابتدأ فقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ﴾. وقال أبو عبيدة: الله أعلم بما أراد بهذه الحروف (١) (٢). وقرأ القراء الراءَ بالإمالة في ﴿الر﴾ وتركها (٣)، فمن ترك الإمالة فلأن كثيراً من العرب لا تميل ما يجوز فيه الإمالة عند غيرهم، والأصل ترك الإمالة في هذه الحروف، نحو: (ما)، و (ولا)؛ لأن ألفاتها لا تكون منقلبة عن الياء، وأما من أمال فلأن هذه الحروف أسماء لما (٤) يلفظ به من

стр. 6095

الأصوات المقطعة في مخارج الحروف، فجازت الإمالة فيها من حيث (١) كانت أسماء (٢) ولم تكن الحروف التي تمتنع فيها (٣) الإمالة (٤)، نحو: (ما) (٥) و (لا) وما أشبههما، فقصد بإمالة هذه الحروف -التي هي أسماء للأصوات- الإعلام بأنها أسماء (٦) ليست بحروف. وفإن قلت: فإن الأسماء لا تكون على حرفين أحدهما حرف لين، وإنما تكون على هذه الصفة الحروف نحو: (لا) و (ما)، فالقول: إن هذه الأسماء لم تمتنع أن تكون على حرفين أحدهما حرف لين؛ لأن التنوين لا يلحقها، فيؤمن لامتناع التنوين من اللحاق لها أن تبقى على حرف واحد، وإذا أمن ذلك لم يمتنع أن يكون الاسم على حرفين أحدهما حرف لين ألا ترى أنهم قالوا: هذه شاة (٧)، فجاء على حرفين، أحدهما حرف لين لما أمن لحاق التنوين له لاتصال علامة التأنيث به، وكذلك قوله: رأيت رجلاً ذا مال؛ لاتصال المضاف إليه به، وكذلك قولهم: كسرت فا زيدٍ. ومثل شاة في كونها على حرفين أحدهما حرف لين لما دخلت (٨) عليه
следующие страницы →