← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

ويقال: أَيْقَن بالأمر واسْتَيْقَن وتَيَقَّن كله واحد. ويقال في الثلاثي: يَقِنَ يَيْقَن يَقَناً فهو يَقِنٌ، واليَقِنُ: اليَقِين (١). وقوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾. تخصيص بعد التعميم على قول مجاهد (٢)، لأن الإيقان بالآخرة داخل في قوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ على التفسير الأول في (٣) (الغيب) (٤) ومثل هذا قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ [العلق: ١، ٢] عمَّ بقوله: ﴿خَلَقَ﴾ جميع المخلوقات، ثم خص بعد. ٥ - قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى﴾ الآية. (أولاء) كلمة معناها الكناية عن جماعة، وهي لا تعرب لأنها اسم الإشارة، وكسرت الهمزة فيها لالتقاء الساكنين (٥)، قال الله تعالى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ [طه: ٨٤] ودخلت الكاف للمخاطبة كما ذكرنا في قوله (ذلك)، وفيه ثلاث لغات: (أولئك) و (أولاك) و (أولالك) (٦). قال الشاعر:

стр. 632

أولئك قومي لم يكونوا أُشابةً ... وهل يَعِظُ الضِّلِّيلَ إلا أولالكا (١) وقال آخر: أولاكَ بنو (٢) خير وشرٍّ كليهما (٣) ... جميعًا ومعروفٍ ألمَّ ومُنكرِ (٤) فمن قال: (أولاك) قال: (هؤلا) مقصورًا (٥)، قال أوس بن حجر: لعمرك إنّا والأحاليف هؤلا ... لَفي فتنةٍ أظفارُها لم تُقَلَّمِ (٦)

стр. 633

وكتبت (١) الواو في ﴿أُولَئِكَ﴾ لئلا يشتبه في الكتابة بـ (إليك) وأشار بقوله: (أولئك) إلى الموصوفين بالصفات المتقدمة (٢). ومحله رفع بالاستئناف (٣). وقوله تعالى: ﴿عَلَى هُدًى﴾ معنى: (على) كمعنى: (فوق) (٤). وهي (٥) تكون: اسما وحرفا (٦)، يقول: عليه مال (٧)، فهذا حرف، وكأنه شيء اعتلاه. وقول الشاعر: غَدَتْ مِنْ عليه تنفُضُ الطَّلَّ بعدما ... رأتْ حاجبَ الشمسِ استوى فترفَّعا (٨)

стр. 634

فهذا اسم لدخول (من) عليها (١)، كأنه قال: غدت تنفض الطل من فوقه. وقوله تعالى: ﴿هُمُ اَلمُفلِحُونَ﴾. (هم) دخلت فصلا (٢)، وإن شئت كان تكريرا للاسم، كما تقول: زيد هو العالم، ترفع (٣) (زيدا (٤)) بالابتداء، و (هو) ابتداء ثان، و (العالم) خبر له (٥)، وهما جميعا خبر لزيد، وكذلك قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. وإن شئت جعلت (هو) فصلا، وترفع (زيدا)، و (العالم) على الابتداء والخبر، والفصل هو الذي يسميه (٦) الكوفيون عماداً. قال سيبويه (٧): دخل الفصل في قوله: ﴿تَجِدُوهُ عنِدَ اللهِ هُوَ خَيراً﴾ [المزمل:٢٠]. وفي قوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ (٨) [آل عمران: ١٨٠]. وفي قوله: ﴿وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ

стр. 635

الْحَقَّ﴾ [سبأ: ٦]، وفي قوله: ﴿إِن كاَنَ هَذَا هُوَ اَلحَقَّ مِن عِندِكَ﴾ [الأنفال:٣٢]. وذكر أن [هذا] (١) بمنزلة (ما) (٢) اللغو (٣) في قوله: ﴿فبَمَا رحمَةٍ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. وقوله ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ قال أبو عبيد (٤): أصل الفلاح: البقاء (٥)، وأنشد للأضبط (٦) بن قريع (٧) السعدي: لِكلِّ هَمِّ من الهموم سَعَةْ ... والمُسْيُ والصبحُ لا فلاحَ مَعَهْ (٨) يقول: ليس مع كر الليل والنهار بقاء. ومنه قول عَبِيد (٩):

стр. 636

أفلِحْ بما شئتَ فقد يُبلَغ بالـ ... ـضَّعف (١) وقد يُخْدَعُ الأريبُ (٢) يقول: عش بما (٣) شئت من عقل أو حمق، فقد يرزق الأحمق ويحرم العاقل. قال: وإنما قيل لأهل الجنة: مفلحون، لفوزهم ببقاء الأبد، ومن هذا يقال للسحور (٤): الفلح والفلاح، أي: أن (٥) به بقاء الصوم (٦). الحراني عن ابن السكيت (٧) الفلح والفلاح: البقاء، وأنشد لعدي بن زيد: ثم بعد الفلاح والرشد والإ ... مَّة وارَتْهمُ هناك القبورُ (٨) وقال الأعشى:

стр. 637

ولَئن كُنَّا كقومٍ (١) هلكوا ... ما لِحَيٍّ يا لَقومٍ مِنْ فَلَحْ (٢) وقال لبيد: نَحُلّ بلاداً كلُّها (٣) حُلَّ قبلنا ... ونرجو الفلاحَ بعد عادٍ وحِمْيَرِ (٤) هذا معنى الفلاح في اللغة. ثم يقال لكل من ظفر ببغيته وأصاب خيرا: أفلح (٥)، وقال (٦) لبيد: اعْقِلي إن كنت لمّا تَعْقِلي ... ولقد أفلحَ مَنْ كان عَقَلْ (٧) يعني: ظفر بحاجته ووصل إلى بغيته (٨)، وهو راجع إلى معنى البقاء، لأن البقاء هو سبب إدراك البغية ونيل المطلوب. فمعنى قوله: ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: هم الذين أدركوا البغية، ووجدوا

стр. 638

البقاء في الدار الآخرة في النعيم المقيم (١). وحكم لهم بالفلاح ولم يصلوا بعد إلى الجنة، لأن المعنى أنهم يصلون إلى البغية والبقاء بكونهم على الهدى، أو كأنهم قد وصلوا للثقة بالموعود لهم. وقيل: هم على هدى في الحال، وهم المفلحون في المآل. ٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُوا﴾ الآية. ﴿إِنَّ﴾ الثقيلة تكون منصوبة الألف وتكون مكسورة الألف. فإذا (٢) كانت مبتدأة ليس قبلها شيء تعتمد (٣) عليه، أو جاءت بعدها (لام) مؤكدة يعتمد عليه (٤) أو جاءت بعد القول وما تصرف (٥) منه، وكانت حكاية: كسرت الألف، وفيما سوى ذلك تنصب (٦). ومعناها في الكلام: التوكيد، وهي التي تنصب الأسماء وترفع الأخبار، وإنما نصبت ورفعت، لأنها تشبه بالفعل، وشبهها أنها لا تلي الأفعال ولا تعمل فيها، وأنها يذكر بعدها الاسم والخبر، كما يذكر بعد الفعل الفاعل والمفعول، إلا أنه قدم المفعول فيها ليفصل بين ما يشبه بالفعل وليس لفظه لفظ الفعل (٧)، وبين ما يشبه بالفعل ولفظه لفظ الفعل،

стр. 639

نحو (كان) وبابه (١). وقوله تعالى: ﴿كَفَرُوا﴾ معنى الكفر في اللغة: التغطية. أقرأني أحمد بن محمد بن عبد الله بن يوسف العروضي (٢) ﵀ قال: أخبرني الأزهري، عن المنذري، عن الحراني، عن ابن السكيت قال: إذا لبس الرجل فوق درعه ثوباً فهو كافر، وقد كفر فوق درعه، وكل ما غطى شيئاً فقد كفره. ومنه قيل لليل: كافر، لأنه ستر بظلمته وغطى، وأنشد لثعلبة بن صُعَير المازني (٣): فتذكّرا ثَقَلًا رثيداً بعدما ... ألقت ذكاءُ يمينَها في كافرِ (٤) أي: الليل. ومنه يسمى الكافر كافراً، لأنه ستر نعم الله.

стр. 640

ويقال: رماد مكفور، أي: سَفَت عليه الريح التراب حتى وارته، قال الراجز: قد درسَتْ (١) غير رمادٍ مكفورْ ... مكتئبِ اللون مَريحٍ ممطورْ (٢) وقال آخر (٣): فوردَتْ قبلَ انبلاجِ (٤) الفَجْرِ ... وابنُ ذُكاءٍ كامنٌ فى كَفْرِ (٥) أي: فيما يواريه من سواد الليل، وقد كفر الرجل متاعه [أي:] (٦) أوعاه في وعاء (٧).

стр. 641

وقال ابن المظفر (١): سمي الكافر: كافراً، لأن الكفر غطى قلبه كله. قال الأزهري: وهذا يحتاج إلى إيضاح. وهو: أن (الكفر) في اللغة: التغطية، فالكافر معناه: ذو الكفر، ذو تغطية لقلبه بكفره، كما يقال للابس السلاح: كافر، وهو الذي غطاه السلاح. ومثله: رجل كاس أي: ذو كسوة، وناعل: ذو نعل (٢). وقول ابن (٣) السكيت في معنى الكافر أبين وأصح (٤). والنعمة التي أنعم الله على العبد فكفرها (٥) الكافر، أي: سترها، هي الهدى والآيات التي أبانت لذوي التمييز أن الله واحد لا شريك له، فمن لم يصدق بها وردها فقد كفر النعمة، أي: سترها وغطاها. ويجوز أن يقال: إن الكافر لما دعاه الله إلى توحيده فقد دعاه إلى نعمة أوجبها له إذا أجابه إلى ما دعاه إليه، فإذا لم (٦) يجب كان كافرا لتلك النعمة، أي: مغطيا لها، مكذبًا بها، حاجبا لها عنه (٧). قال شمر: قال بعض أهل العربية (٨): الكفر على أربعة أنحاء: كفر إنكار، وكفر جحود، وكفر معاندة، وكفر نفاق، من لقي ربه بشيء من ذلك

стр. 642

لم يغفر له. فأما كفر الإنكار: فهو أن يكفر بقلبه ولسانه ولا يعرف ما يذكر له من التوحيد. وكذلك روي في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ [البقرة: ٦]، أي: الذين كفروا بتوحيد الله. وأما كفر الجحود: فأن يعرف بقلبه ولا يقر بلسانه، فهذا كافر جاحد ككفر إبليس، وكفر أمية بن أبي الصلت (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة: ٨٩]، يعني: كفر الجحود. وأما كفر المعاندة: فهو أن يعرف بقلبه ويقر بلسانه، ويأبى أن يقبل، ككفر أبي طالب حيث يقول: ولقد علمتُ بأنّ (٢) دين محمد ... من خير أديان البرية دينا (٣) لولا الملامةُ أو حِذارُ مسَبّةٍ ... لوجدتَني سمحاً (٤) بذاك متينا (٥)

стр. 643

وأما كفر النفاق: فأن يقر بلسانه ويكفر بقلبه. قال (١): والكفر -أيضا- يكون بمعنى: البراءة، كقول الله خبرًا عن الشيطان ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ﴾ [إبراهيم: ٢٢]، أي تبرأت (٢). ويقال: كفر كفراً وكفوراً، كما يقال: شكر شكراً وشكوراً (٣) قال الله تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ [الإسراء:٨٩]. وقوله تعالى: ﴿سَوَآءُ عَلَيهِم﴾. السواء (٤)، والعدل، والوسط، والقصد، والنصف: ألفاظ متقاربة في المعنى. يقال للعدل: السواء، قال زهير (٥). أرُوني (٦) خُطَّةً لا خَسْفَ فيها ... يُسَوِّي (٧) بيننا فيها السَّوَاءُ (٨)

стр. 644

وأنشد أبو زيد لعنترة (١): أبَينا فلا نُعطي السَّواءَ عدوَّنا ... قيامًا بأعضاد السَّراءِ المُعَطَّفِ (٢) و (السواء): وسط الشيء، ومنه قوله: ﴿فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ (٣) [الصافات: ٥٥]. و (سواء) مأخوذ من الاستواء والتساوي، وهو الاعتدال (٤)، قال الشاعر: وليلٍ يقولُ المرءُ من ظلماته ... سواءٌ صحيحاتُ العيونِ وعُورُها (٥) أي: معتدلة في البصر والإدراك. وقالوا: سِيٌّ بمعنى: سواء، كما قالوا: قِيّ وقَواء (٦)، ولا يثنى (سواء) كما ثني (سيان) وإن كانوا قد جمعوه جمع التكسير في قولهم:

стр. 645

(سواسية) (١). قال أبو الهيثم (٢): يقال فلان وفلان سواء (٣)، أي: متساويان، وقوم سواء، لأنه مصدر، لا يثنى ولا يجمع. قال الله : ﴿لَيسُواْ سَوَآء﴾ [آل عمران: ١١٣] أي: ليسوا مستوين (٤)، وإذا قلت: سواء عليّ، احتجت أن تترجم عنه بشيئين، كقولك: سواء حرمتني أو أعطيتني. وحكى السكري عن أبي حاتم إجازة تثنية (سواء) (٥). قال أبو علي الفارسي: لم يصب ابن (٦) السجستاني في ذلك، لأن الأخفش وأبا عمر الجرمي (٧) زعما (٨) أن ذلك لا يثنى، كأنهم استغنوا بتثنية (سي) (٩) عن تثنية (سواء)، كما استغنوا عن (ودع)، بـ (ترك) (١٠). وأنشد أبو زيد:

стр. 646

هلاّ، (١) كوصل ابن عمّارٍ تُواصلني ... ليس الرجالُ وإن سُوُّوا بأسواءِ (٢) فـ (أسواء): ليس يخلو من (٣) أن يكون جمع (سي) [أو (سواء) فإن كان جمع (سي)] (٤) فهو كـ (مثل) و (أمثال) و (نقض) و (أنقاض)، وإن كان جمع (سواء) فهو كقولهم في النعت (٥): جواد وأجواد، وفي الاسم: حياء الناقة وأحياء، ولا يمتنع جمعه، وإن كانوا لم يثنوه كما لم يمتنعوا من جمعه على سواسية (٦). وقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ (٧). الإنذار: إعلام مع تخويف، فكل منذر معلم، وليس كل معلم منذراً (٨). وأنذرت يتعدى إلى مفعولين كقوله تعالى: ﴿فَقُل أَنذَرتُكُم صعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] وقوله: ﴿إِنَّا أَنذَرناكم عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] ويقال: أنذرتُه فنَذِرَ، أي: علم بموضع الخوف (٩).

стр. 647

و (النذر) ما يجعله الإنسان على نفسه إن سلم مما يخافه (١). وقد جاء: النذير والنذر مصدرين كالإنذار (٢)، فجاء المصدر على: (فعيل) و (فعل). وفي القرآن ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ (٣) وفيه ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٦]. وقيل في قوله: ﴿نَذِيَرًا لِلْبَشَرِ﴾ [المدثر: ٣٦]: إنه مصدر في موضع الحال من قوله: ﴿إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ﴾ [المدثر: ٣٥]، كما تقول (٤): جاء (٥) ركضاً. فتجعل المصدر حالاً (٦). وجعل (نذير) أيضًا مصدراً في قوله: ﴿وَجَآءكُمُ اَلنذِير﴾ [فاطر: ٣٧] إذا فسر بأنه الشيب (٧).

стр. 648

وفي قوله: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾ وجهان من القراءة (١) تحقيق الهمزتين، وتليين الثانية (٢). فمن حققهما (٣) فحجته (٤): أن الهمزة حرف من حروف الحلق، فجاز أن يجتمع مع مثله كسائر الحروف الحلقية، نحو: فَهَّ (٥) وفَهِهْتُ، وكَعَّ (٦) وكَعَعْتُ، كذلك حكم الهمزة. ومما يقوّي ذلك قولهم: (رَأّس) (٧) وسأّل، (تذأَّبت الريح) (٨)، و (رأيت (٩) الرجل). وكما جمع الجميع بينهما إذا كانتا عينين، كذلك يجوز الجمع بينهما في غير هذا الموضع (١٠).

стр. 649

وحجة من خفف (١) الثانية: أن القرب قد رفضت جمعهما (٢) في مواضع من كلامهم، من ذلك أنهما (٣) لما اجتمعتا في (آدم) و (آدر) و (آخر) ألزموا جميعا الثانية البدل (٤) ولم يحققوها. ولما كسروا وحقروا جعلوا هذه المبدلة بمنزلة مالا أصل له في الهمزة فقالوا: أواخر وأويخر (٥)، فأبدلوا منها (الواو)، كما أبدلوها مما هو ألفط لا يناسب (٦) الهمزة، نحو: ضوارب وضويرب، وفي هذا دلالة بينة على رفضهم اجتماعهما. ألا تراهم لم يرجعوها (٧) في التحقير والتكسير، كما رجعوا (الواو) في: ميقات وميعاد (٨)، و (الياء) في: موسر (٩)، في قولهم: مواقيت ومياسير، وفي ذلك دلالة بينة على رفضهم لجمعها (١٠). ومن ذلك أيضا أنا لم نجد كلمة عينها همزة ولامها كذلك، كما

стр. 650

وجدنا في سائر أخوات الهمزة من الحلقية كقولهم: مهاه (١)، فهّ (٢)، و ﴿يَدُعُّ الْيَتِيمَ﴾ [الماعون: ٢]، و (مح) (٣) و (ألح) و (مخ) (٤). فإذا لم يجمعوا بين الهمزتين في المواضع (٥) التي جمع فيها بين أخواتها (٦)، دل ذلك على رفضهم (٧) لجمعها (٨). ومن ذلك (٩) أنهم ألزموا باب (رزيئة) و (خطيئة) (١٠) القلب (١١) في الجمع، لما يؤدي اجتماع الهمزتين، فقالوا: (خطايا) و (رزايا) (١٢)، فلو

стр. 651

كان لاجتماعهما عندهم مساغ ما رفضوا ذلك الأصل، كما أنه لو كان لتحرك العينات في نحو: (قال) و (باع) مجاز، ما ألزموها القلب (١). فإن قيل: فقد حكى عن بعضهم: (خطائئ) بتحقيق الهمزتين (٢)؟ قيل: هذا يجري مجرى الأصول المرفوضة (٣) نحو: ............. ضننوا (٤) ........... والأظلل (٥) ولا يعتد بذلك (٦).

стр. 652

ومن ذلك أيضا أنهم إذا بنوا اسم فاعل من (١) (ناء) و (شاء) [و (جاء) (٢) قالوا: (شاءٍ) (٣)] و (ناءٍ) (٤)، فرفضوا الجمع بينهما ورفضوه في هذا الطرف كما رفضوه أولا في: (آدم) و (آخر) (٥). ومن ذلك أيضًا أن من قال: هذا فرجّ، وهو يجعلّ، فضاعف (٦) في الوقف حرصاً على البيان، في يضاعف نحو: (البناء) (٧)، و (الرشاء)، لكنه رفض (٨) هذا الضرب (٩) من الوقف، وما كان يحرص عليه من البيان لما كان يلزمه الأخذ بما تركوه، والاستعمال لما رفضوه من اجتماع الهمزتين (١٠). وإذا كان الأمر على هذا (١١)، فالجمع في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (١٢) أقبح من الجمع في كلمتين منفصلتين، نحو: قرأ أبوك، ورشاء أخيك، لأن الهمزة

стр. 653

الأولى من ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ تنزل منزلة ما هو من الكلمة نفسها، لكونها على حرف مفرد (١)، ألا ترى أنهم قالوا (٢): لهو ولهي، فخففوا كما خففوا: عضدا (٣)، فكذلك الهمزة الأولى، لما لم تنفصل من الكلمة صارت بمنزلة التي في آخر (٤). فأما إذا كانتا (٥) من كلمتين، فاجتماعهما في القياس أحسن من هذا (٦)، ألا ترى أن المثلين إذا كانا في كلمة نحو: يرد ويعض، لا يكون فيها (٧) إلا الإدغام. ولو كانا منفصلين نحو: (يد داود)، لكنت (٨) في الإدغام والبيان بالخيار. فعلى هذا تحقيق الهمزتين في: ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾ (٩) -وما أشبهه- أبعد منه في الكلمتين المنفصلتين. ومما يقوي ترك الجمع بين الهمزتين: أنهم قالوا في جمع (ذؤابة): ذوائب، فأبدلوا (١٠) من الهمزة التي هي عين (١١) (واوا) في التكسير كراهة

стр. 654

للهمزتين مع فصل حرف بينهما. فإذا كرهوهما مع فصل حرف بينهما حتى أبدلوا الأولى منهما، فأن (١) يكرهوهما غير مفصول بينهما بشيء أجدر (٢). وأيضاً فإنهم كرهوا (٣) الهمزة المفردة حتى قلبوها أو حذفوها، وذلك إجماعهم (٤) في (٥) (يرى) (٦) على حذف الهمزة (٧)، فلما كرهوا ذلك في الإفراد وجب أن لا يجوز في المتكرر (٨) إلا التغيير. وإذا كان الجمع بينهما في [البعد على هذا، فالجمع بينهما في] (٩): (أئمة) (١٠) أبعد، لأن الهمزتين لا تفارقان الكلمة (١١)، وهمزة الاستفهام قد تسقط في الإخبار وغيره، فلما كانت أشد لزومًا للكلمة كان التحقيق

стр. 655

فيها أبعد (١). وأما أبو عمرو فكان يلين الثانية ويجعل بينهما مدة (٢). وحجته: أنه وإن خفف الثانية بأن جعلها بين الألف والهمز، فذلك لا يخرجها عن أن تكون همزة متحركة، وإن كان الصوت بها أضعف؛ ألا ترى أنها إذا كانت مخففة في الوزن مثلها إذا كانت محققة (٣)، فلولا ذلك لم يتزن (٤) قوله (٥): .... آأنتَ (٦) زيد الأراقم (٧)

стр. 656

لأنه يجتمع (١) ثلاث سواكن، وإذا كان كذلك فتجعل (٢) بينهما (مدة)، لئلا تكون جامعاً بين الهمزتين. وقوله تعالى: ﴿ءَأَنذَرتَهُم﴾: لفظه لفظ الاستفهام (٣)، ومعناه الخبر، ومثل ذلك قولك: ما أبالي (٤) أشهدت أم غبت، وما أدري أأقبلت (٥) أم أدبرت. وإنما جرى عليه لفظ الاستفهام وإن كان خبرا، لأن فيه التسوية التي في الاستفهام، ألا ترى أنك إذا استفهمت فقلت: أخرج زيد أم أقام؟ فقد استوى الأمران عندك في الاستفهام، وعدم علم أحدهما بعينه، كما أنك (٦) إذا أخبرت (٧) فقلت. سواء عليّ أقعدت أم قمت، فقد سويت الأمرين

стр. 657

عليك، فلما عمتهما التسوية، جرى على هذا الخبر لفظ الاستفهام، لمشاركته له في الإبهام، فكل استفهام تسوية، وإن لم يكن كل تسوية استفهاما (١). وحرر أبو إسحاق هذا الفصل فقال (٢): إنما (٣) دخلت ألف الاستفهام وأم التي هي للاستفهام (٤)، والكلام خبر، لمعنى التسوية، والتسوية آلتها (٥) الاستفهام وأم. تقول من ذلك (٦): أزيد في الدار أم عمرو؟ فإنما دخلت الألف وأم، لأن علمك (٧) قد استوى في زيد وعمرو، وقد علمت أن أحدهما في الدار لا محالة، ولكنك استدعيت (٨) أن يبين (٩) لك الذي علمت ويلخص (١٠) لك علمه من غيره، ولهذا تقول (١١). قد علمت أزيد في الدار أم عمرو، وإنما تريد أن تسوي عند من تخبره العام الذي قد خلص

стр. 658

عندك (١). ولا يجوز هاهنا (أو) مكان (أم) لأن (أم) للتسوية بين الشيئين، و (أو) إنما هي لأحد شيئين (٢)، يدلك (٣) على هذا أن (أم) (٤) تكون مع الألف بتأويل (أي) فإذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فكأنك قلت: أيهما (٥) عندك، [وإذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ لم يكن على معنى: أيهما عندك (٦)]، هذا اختلاف الجواب، لأنك إذا قلت: أزيد عندك أم عمرو؟ فجوابه: زيد أو عمرو (٧)، وكذلك في (أي) جوابه أن يذكر أحد الاسمين بعينه، فأما إذا قلت: أزيد عندك أو عمرو؟ فجوابه: نعم أو لا، فهذا فرق بينهما واضح (٨). ومثل هذه الآية قوله (٩): ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]، وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا﴾ [إبراهيم: ٢١] و ﴿سَوَاءٌ﴾ في الآية رفع بالابتداء، ويقوم ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ مقام الخبر في المعنى، كأنه بمنزلة قولك: (سواء عليهم الإنذار وتركه) لا

стр. 659

في الإعراب، لأنك إذا قدرت هذا التقدير في الإعراب صار ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ﴾ خبراً مقدَّمًا (١). والجملة في موضع رفع، بأنها (٢) خبر ﴿إن﴾ (٣). ويجوز أن يكون خبر ﴿إن﴾ قوله: ﴿لَا يؤْمِنُونَ﴾ كأنه قيل: (إن الذين كفروا لا يؤمنون سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم). فيكون قوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيهمءَأَنذَرتَهُم﴾ جملة معترضة بين الاسم والخبر، وجاز ذلك، لأنه تأكيد لامتناعهم عن الإيمان (٤)، ولو كان كلاماً أجنبياً لم يجز اعتراضه بينهما، وسترى لهذا (٥) نظائر. ومعنى: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِم﴾ أي: معتدل متساو، و ﴿سَوَآءٌ﴾ اسم مشتق من التساوي. يقول: هما عندي سواء، ومنه قوله ﴿فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨]، يعني: أعلمهم (٦) حتى يستوي علمك وعلمهم (٧). و ﴿سَوَآءٌ اَلْجَحِيمِ﴾ [الصافات:٥٥] وسطه، لاستواء مقادير نواحيه إليه.

стр. 660

وقول القائل: (سواك وسواءك) (١) أي (٢): من هو في مكانك بدلا منك لاستوائه (٣) في مكانك. قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في اليهود الذين كانوا بنواحي المدينة (٤) على عهد رسول الله ﷺ . وهذا القول اختيار ابن جرير، قال: لأن الله تعالى إنما ذكر هؤلاء عقيب مؤمني أهل الكتاب، فذكر بعد مؤمنيهم كافريهم، والكلام بعضه لبعض تبع (٥). وقال الضحاك: نزلت في أبي جهل وخمسة (٦) من أهل بيته (٧). وقال الربيع: نزلت في قادة الأحزاب يوم بدر (٨)، وكذلك الآية التي بعدها.

стр. 661

قال أبو العالية: لم يسلم منهم إلا رجلان، وكانا مغموصاً عليهما في دينهما (١)، أحدهما: أبو سفيان (٢)، والأخر: الحكم بن أبي العاص (٣). ثم ذكر الله تعالى سبب تركهم الإيمان فقال: ٧ - ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهِم﴾ الآية. (الختم) في اللغة بمعنى: الطبع، والخاتم: الفاعل. وأصله من آخر الشيء (٤)، ومنه قوله تعالى: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطففين: ٢٦]، قال ابن مسعود: عاقبته (٥) طعم المسك (٦) وروي

стр. 662

عن الحسن: مقطعه مسك (١). و ﴿رَّحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ [المطففين: ٢٥]: له ختام، أي عاقبه، قاله أبو عبيد (٢)، ومنه: خاتم النبيين، أي آخرهم (٣). قال الليث: وخاتمة السورة: آخرها، وخاتم كل شيء: آخره (٤). ومنه ختم القرآن، لأنه حال الفراغ من قراءته، وختم الكتاب عند طيه والفراغ منه (٥). وقيل في قول ابن مقبل (٦) يصف الخمر: بالفُلْفُلِ الجَوْنِ والرُّمَّانِ مَخْتومُ (٧)

стр. 663

أي لآخرها طعم الفلفل والرمان. قال الأزهري: أصل الختم: التغطية، وختم البذر (١) في الأرض إذا غطاه (٢). وقال أبو إسحاق: معنى: ختم وطبع (٣) في اللغة واحد، وهو التغطية على الشيء، والاستيثاق منه بأن لا يدخله شيء، كما قال: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤]، وكذلك قوله: ﴿طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ (٤) هذا كلام أبي إسحاق. واعلم أن الختم على الوعاء يمنع (٥) الدخول فيه والخروج منه، كذلك الختم على قلوب الكفار يمنع دخول الإيمان فيها وخروج الكفر منها، وإنما يكون ذلك بأن يخلق الله الكفر فيها (٦)، ويصدهم عن الهدى،

стр. 664

ولا (١) يدخل الإيمان في قلوبهم كما قال: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]. فأما قول من قال: معنى ﴿خَتَمَ اَللَّهُ عَلىَ قُلُوبِهِم﴾: حكم الله بكفرهم (٢)، فغير صحيح، لأن أحدنا يحكم بكفر الكافر، ولا يقال (٣): ختم على قلبه. وذهب بعض المتأولين من القدرية إلى أن معنى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾: وسمها سمة (٤) تدل (٥) على أن فيها الكفر، لتعرفهم الملائكة بتلك السمة، وتفرق (٦) بينهم وبين المؤمنين الذين في قلوبهم الشرع (٧). قال: والختم والطبع واحد، وهما سمة وعلامة في قلب المطبوع

стр. 665

على قلبه (١). وهذا باطل, لأن الختم في اللغة ليس هو الإعلام، ولا يقال: ختمت على الشيء بمعنى: أعلمت عليه ومن حمل الختم على الإعلام فقد تشهى على أهل اللغة، وجر كلامهم إلى موافقة عقيدته. وقوله تعالى ﴿عَلىَ قُلُوبِهِم﴾. قال الليث: القلب مضغة من الفؤاد، معلقة بالنياط (٢). وكأنه أخص من الفؤاد، ولذلك (٣) قالوا: أصبت حبة قلبه، وسويداء قلبه. وقيل: القلوب والأفئدة: قريبان من السواء (٤). وقال بعضهم: سمي القلب قلبا لتقلبه (٥)، وأنشد: ما سمي القلب (٦) إلا من تقلبه ... والرأي (٧) يصرف بالإنسان أطوارا (٨) وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾. وحد السمع، لأنه مصدر، والمصادر

стр. 666

لا تثنى ولا تجمع، [لأن المصدر ينبئ عن الفعل، فهو بمنزلة الفعل، والفعل لا يثنى ولا يجمع (١)] (٢). وقال ابن الأنباري: أراد (٣): وعلى مواضع سمعهم، فحذف المضاف، كما تقول العرب: تكلم المجلس، وهم يريدون أهله، وحذف المضاف كثير في التنزيل والكلام (٤). وقيل: اكتفى من الجمع بالواحد (٥)، كما قال الراعي (٦): بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب (٧)

стр. 667

وقال الله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ [الشورى: ٤٥]، وهو كثير جدًّا. وقال سيبويه (١): توحيد السمع يدل على الجمع، لأنه توسط جمعين، كقوله: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: ٢٥٧]، وقوله: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ﴾ [النحل: ٤٨]. وتم الكلام (٢) ههنا (٣). ثم قال: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ الأبصار جمع البصر، والبصر العين، إلا أنه مذكر، ويقال: تبصرت الشيء بمعنى رمقته (٤)، ومنه قول زهير: تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ............. البيت (٥)

стр. 668

والغشاوة الغطاء (١)، ويقال للجلدة التي على الولد: غشاوة، ومنه غشى على المريض إذا دير به، لأنه لبسةٌ من حال المرض، ومنه غاشية السرج (٢). وفيه ثلاث لغات: ضم الغين وفتحها وكسرها (٣). والأفصح الكسر، لأن كل ما كان مشتملاً على شيء فهو مبني على (فعالة) كالعمامة والقلادة والعصابة. وكذلك أسماء الصناعات، لأن معنى الصناعة الاشتمال على (٤) كل ما فيها، نحو: الخياطة والقصارة، وكذلك كل من استولى، فاسم ما استولى عليه الفعالة نحو: الخلافة والإمارة (٥). قال أبو علي الفارسي: ولم أسمع منه فعلاً متصرفا بالواو، ولامه (ياء) لأنك تقول: غشي يغشى، والغشيان وغشيته أي: ألبسته وسترته، والغشاوة من الغشيان كالجباوة من جبيت، في أن (الواو) كأنها بدل من (الياء) إذ (٦) لم يصرف منه فعل بالواو كما لم يصرف من الجباوة (٧).

стр. 669

والأشهر في القراءة رفع الغشاوة (١)، لأنها لم تحمل على (ختم)، ألا ترى أنه قد جاء في الأخرى ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]، فلما (٢) لم تحمل في هذه على (ختم) كذلك لا تحمل هاهنا (٣)، وبقطعها عن ختم فتكون مرفوعة (٤) بعلى (٥). وقرأ المفضل (٦) ﴿غِشَاوَةٌ﴾ بالنصب (٧). وله وجهان:

стр. 670

أحدهما (١): أن تحمل على الفعل، كأنه قال: وختم على قلبه غشاوة، أي: بغشاوة فلما حذف الحرف وصل الفعل، ومعنى ختم عليه بغشاوة: مثل جعل على بصره غشاوة. ألا ترى أنه إذا ختمها بالغشاوة فقد جعلها فيها، والدليل على جواز حمل غشاوة على ختم هذا الظاهر قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [النحل: ١٠٨]، وطبع في المعنى كختم، وقد حملت الأبصار على (طبع)، فكذلك (٢) تحمل (٣) على (ختم) (٤). والوجه الثاني: ما قاله الفراء (٥)، وهو أنه نصبها بإضمار (وجعل)، كقوله في الجاثية: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ [الجاثية: ٢٣]. والكلام إذا اجتمع ودل أوله على آخره حسن الإضمار، كقولك: أصاب فلان المال، فبنى الدور والعبيد والإماء واللباس، فـ (بنى) لا يقع على العبيد (٦) وإلاماء، واللباس فبنى لا يقع على العبيد والإماء ولكنه (٧)، صفات اليسار، فحسن الإضمار لما عرف، ومثله كثير. والذي لا يحسن من الإضمار (٨) ما يشتبه ولا يعرف المعنى، كقولك: ضربت فلانًا وفلانًا،
следующие страницы →