← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8191–8230 · переход к 8196.

стр. 8191

اشتقاقه من قولهم أوفد على الشيء إذا أشرف عليه، وأنشدوا (١): تَرَى العِلاَفِيَّ عَلَيْهَا مُوْفَدًا ... كَأَنَّ بُرْجًا فَوْقَهَا مُشَيَّدَا ويقال: رأيت فلانًا مسْتَوْفِدًا إذا قعد منتصبًا غير مطمئن. فهذا الاسم من حيث الاشتقاق يدل على أنه يقع على الركبان؛ لأنهم أشرفوا علي مركوبهم) (٢). ويدل على صحة هذا ما روي عن علي ﵁ أنه قال: (لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول الله قد رأيت الملوك ووفودهم، فلم أرى وفدًا إلا ركبانًا فما وفد الله؟ الحديث بطوله) (٣). ومن حيث العرف يدل على أن هذا

стр. 8192

الاسم يقع على من يُحيَّا ويكرم كما ذكره صاحب النظم، فإذا معنى الوفد: الركبان المكرمون، كما ذكره أهل اللغة، وهو اختيار أبي إسحاق (١). ٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (الكافرين) (٢) ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ قال جماعة أهل التفسير: (عطاشا) (٣). وزاد أبو عبيدة والفراء، والزجاج: (مشاة) (٤). والوُرُوْدُ في اللغة معناه: الجماعة التي تَرِد الماء من طير أو إبل (٥). قال ابن السكيت: (الوِرْدُ وُرُوْدُ القوم الماء، والوِرْدُ الماء الذي يُوْرَدُ، والوِرْدُ الإبل الوَارِدَة) (٦). قال رؤبة (٧): لَوْ دَقَّ وِرْدِي حَوْضَه لَمْ يَنْدَهِ

стр. 8193

قال صاحب النظم: (هذا من باب الإيماء بالشيء إلى الشيء؛ لأن الوِرْد وُرُوْد الماء، ولا يَرِدُ أحدًا الماء إلا بعد العطش ليشرب، فأوماء بهذا إلى أنهم عطاش يساقون إلى النار) (١). ومضى الكلام في الورد عند قوله: ﴿وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ﴾ [هود: ٩٨]. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة﴾ أي: لا يملك هؤلاء الكافرون الشفاعة. والمعنى: لا يشفعون ولا يشفع لهم حين يشفع أهل الإيمان بعضهم لبعض وهو قول: ﴿إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ﴾ و ﴿مِّن﴾ في موضع نصب على استثناء ليس من الأول على معنى: لا يملك الشفاعة المجرمون، ثم قال: ﴿عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ على معنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا فإنه يملك الشفاعة (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (العهد: شهادة أن لا إله إلا الله، ويتبرأ إلى الله من الحول والقوة، ولا يرجو إلا الله) (٣). ومضى الكلام في تفسير اتخاذ العهد عند قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾ [مريم: ٧٨]. ٨٨ - قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ يعني: اليهود،

стр. 8194

والنصارى، ومن زعم من المشركين أن الملائكة بنات الله. ٨٩ - قال الله تعالى مخاطبًا لهم: ﴿لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا﴾ أي: (عظيمًا)، في قول ابن عباس، وجميع المفسرين (١). قال الراجز (٢): قَدْ لَقِي الأَعْدَاءُ مِنَّي مُنْكرَا دَاهِيَةً دَهْيَاءَ إِدًا إِمْرَا قال الفراء، والزجاج: (يقال: إِدًّا وأَدًّا، وهي قراءة السلمي (٣) (٤)، وآدّ بوزن: مَاد ومعناه: الشيء العظيم) (٥). وأنشد الليث لرؤبة (٦): وَالإِدَدَ الإِدَادَ وَالعَضَائِلاَ

стр. 8195

قال: (وواحد الإِدَد إِدَّة، وواحد الأَدَاد أَدّ) (١). ومعنى الآية: قلتم قولًا عظيمًا. ٩٠ - قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ﴾ وقرئ: بالياء (٢). وكلاهما حسن، وقد تقدم ذلك. قال أبو علي: (إلحاق علامة التأنيث أحسن؛ لأن الجمع بالألف والتاء في الأصل للجمع القليل، والجمع القليل يشبه الآحاد، وكما أن الأحسن في الآحاد إلحاق العلامة في هذا النحو فكذلك مع الألف والتاء) (٣). وأهل التأويل على أن المعنى ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا: تدنو من الانشقاق، كما يقال: كاد يفعل ذلك إذا دنا من أن يفعله. وزعم أبو الحسن الأخفش أن ﴿تَكَادُ﴾ هاهنا معناه: نريد من غير دنو فقال: (هممن به إعظامًا لقول المشركين، ولا يكون من هم بالشيء أن يدنو منه، ألا ترى أن رجلاً لو أراد أن ينال السماء لم يدن من ذلك وقد كانت منه إرادة، ونحو هذا قال في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُف﴾ [يوسف: ٧٦]، أي: أردنا له) (٤)، وأنشد: كَادَتْ وَكِدْتُ وَتِلْكَ خَيْرُ إِرَادَةٍ ... لَوْ عَادَ مِنْ لَهْمِ الصَّبَابَةِ مَا مَضَى (٥).

стр. 8196

وقوله تعالي: ﴿يَتَفَطَّرْن﴾ وقرئ: ينفطرن (١). ومعناهما واحد، يقال: انفطر الشيء، وتفطر: إذا تشقق. قال امرئ القيس (٢): كَخُرْعُوْبَةِ البَانَةِ المُنفَطِرْ إلا أن انفَطَر مطاوع فَطَر، وتَفَطَّر مطاوع فَطَّر، واختار أبو عبيدة ينفطرن بالنون (٣)، لقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ﴾ [الانفطار: ١]، وقوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. قال أبو علي: (وهذا لا يدل على ترجيح هذه القراءة؛ لأن ذلك في القيامة لما يريد الله سبحانه من إبادتها وإفنائها. وما في هذه السورة إنما هو لعظم فِرْيتهم وعُتوهم في كفرهم. والمعنيان مختلفان، وتفطر بهذا الموضع

стр. 8197

أليق من انفطر، لما فيه من معنى المبالغة، لأنه يدل على الكثرة، كما أن فطر يدل على التكثير) (١). وقوله تعالى: ﴿وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا﴾ تخر: تسقط. وقد مضى الكلام فيه (٢). والهد: الكسر الشديد والهدم، يقال: هّدَّنِي هذا الأمر وهَدّ ركني (٣). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (هدما) (٤). وروي عنه: (كسرًا) (٥). وهو قول الفراء (٦). وقال أبو عبيدة: (سقوطًا) (٧). وهو اختيار القتبي (٨). قال المفسرون: (لما قالوا ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ اقشعرت الأرض، وشاك الشجر (٩)، وغضبت الملائكة، واستعرت جنهم، وفزعت السموات والأرض والجبال وجميع الخلائق إلا الثقلين) (١٠).

стр. 8198

قال ابن عباس في رواية عطاء: (فلما كادت السموات أن تنشق، والأرض أن تنشق، والجبال أن تنهد اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار والبحار وما فيها من الحيتان، فصار في الحيتان الشوك، وفي الأشجار الشوك) (١). هذا كلام المفسرين. وذهب أهل المعاني: (إلى أن هذا مثل على عادة العرب، وذلك أن العرب كانت إذا سمعت كذبًا ومنكرًا تعاظمته عظمته بالمثل الذي كان عندها عظيمًا فتقول: كادت الأرض تنشق، واظلم على ما بين السماء والأرض، فلما افتروا على الله الكذب ضرب مثل كذبهم بأهول الأشياء وأعظمها) (٢). ومما يقرب من هذا قول الشاعر (٣): أَلَمْ تَرَ صَدْعًا في السَّمَاءِ مُبَيَّنًا ... عَلَى ابْنِ لُبَيْنَى الحَارِثِ بنِ هِشَام وقول الآخر (٤): وَأَصبَحَ بَطْنُ مَكَّةَ مُقْشَعِرًّا ... كَأَنَّ الأَرْضَ لَيْسَ بِهَا هِشَام

стр. 8199

وقول آخر (١): لَمَّا أَتَى خَبَرُ الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ ... سُوْرُ المَدِيْنَةِ وَالجِبَالُ الخُشَّعُ ٩١ - قوله تعالى: ﴿أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا﴾ قال الفراء: (أن دعوا، ولأن دعوا وموضع ﴿أَن﴾ نصب بسقوط الخافض) (٢). وقال الكسائي: (موضعها خفض) (٣). وهذه المسألة قد تقدمت. ومعنى: دعوا له ولدًا سموًا له ولدًا، وجعلوا له ولدًا. أنشد ابن الأعرابي على هذا (٤): أَلاَ رُبَّ منْ تَدْعْو صدِيْقًا وَإِنْ تَرَى ... مَقَاَلَته بِالغَيْبِ يَأتِيْكَ مَا يفْرِي قال: يريد تدعو: تحقق صداقته وتجعله صديقًا. ٩٢ - قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ أي: لا يليق به اتخاذ الولد؛ لأن اتخاذ الولد يقتضي مجانسة وكل من اتخذ ولدًا اتخذه من جنسه والله تعالى منزه من أن يجانس شيئًا أو يجانسه شيء، محال في وصفه اتخاذ الولد، وقال المفسرون في قوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي﴾ (وما يصلح) (٥). وهذه اللفظة لا يستعمل منها المصدر والفاعل، وقد استعمل

стр. 8200

منها الماضي نادرًا قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ﴾ أي: ما كل ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من فيها من الملائكة ﴿الْأَرْضِ﴾ من فيها من الخلق ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ﴾ إلا يأتيه يوم ﴿عَبْدًا﴾ ذليلًا خاضعًا منقادًا يعني: أن الخلق عبيده، وأن عيسى وعزيرًا من جملة العبيد، وانتصب ﴿عَبْدًا﴾ على الحال ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ أي: عرف عددهم ﴿وَعَدَّهُمْ عَدًّا﴾ لا يخفى عليه مبلغ جمعهم، ولا واحد منهم مع كثرتهم ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ بلا مال ولا معه شيء من الدنيا (١). وقيل -وهو الصحيح-: (أنه يأتي وحده لا أنصار له ولا أعوان؛ لاشتغال كل واحد بنفسه) (٢). ٩٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾ أي: يجعلهم يحب بعضهم بعضًا، فيتراحمون ويتعاطفون بما جعل الله لبعضهم في قلوب بعض. قال ابن عباس: (يحبهم ويحببهم إلى المؤمنين) (٣). ونحو هذا قال مجاهد، وقتادة (٤).

стр. 8201

وقال هرم بن حيان (١): (ما أقبل عبد بقلبه إلى الله إلا أقبل الله بقلوب المؤمنين إليه، حتى يرزقه محبتهم ومودتهم ورحمتهم) (٢). وقال بعضهم: (يجعل لهم في قلوب الملائكة ودا ثم في قلوب العباد) (٣). وهذا مروي عن النبي ﷺ في حديث أبي هريرة قال: "إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل إني قد أحببت فلانًا فأحبه، قال: فينادي في السماء، ثم تنول له المحبة في أهل الأرض" (٤). فذلك قول الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. قال عطاء عن ابن عباس: (نزلت الآية في عبد الرحمن بن عوف جعل الله له في قلوب العباد المودة لا يلقاه مؤمن إلى وقره، ولا مشرك ولا منافق إلا عظمه) (٥).

стр. 8202

وعلى هذا القول قال ابن الأنباري: (سمي الواحد باسم الجمع لدخول من فعل مثل فعله في مثل وصفه وحسن جزائه) (١). ٩٧ - قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ أي: هوناه وأنزلناه بلغتك ليسهل عليك الإبلاغ ﴿لِتُبَشِّرَ بِه﴾ أي: بالقرآن من أطاعك ﴿وَتُنْذِر﴾ من عصاك. وقال الكلبي: (هوناه على لسانك) (٢). وعلى هذا لم يرد باللسان اللغة. وقوله تعالى ﴿قَوْمًا لُدًّا﴾ قال أبو صالح (٣): (عوجًا عن الحق) (٤). وقال مجاهد: (لا يستقيمون) (٥). وقال قتادة: (جدلًا بالباطل) (٦). وذكرنا الكلام في هذا الحرف عند قوله: ﴿أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾ [البقرة: ٢٠٤]. وروي عن الحسن أنه قال في "تفسيره": (صما) (٧). وزاد الربيع بيانًا فقال: (صم آذان القلوب) (٨).

стр. 8203

وهذه الأقوال كلها معنى وليس بتفسير. والتفسير قول قتادة، وذلك أن خصومتهم بالباطل إنما هو بصمم قلوبهم، ولو فهموا ما أتى به الي النبى ﷺ لتركوا جدالهم، فإذا الصمم وغير ذلك مما ذكرنا من قول المفسرين معاني اللدّ لا تفسيره. قال ابن الأنباري: (وخص اللد بالإنذار؛ لأنهم إذا قامت عليه الحجة صار غيرهم لاحقًا بهم من أجل أن الذي لا عناد عنده يسرع انقياده، فالمقصود بالإنذار هؤلاء اللد المخاصمون) (١). قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني: قبل القوم اللد وهم قريش، وهذا تخويف لهم بالإهلاك. وقوله تعالى: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُم﴾ أي: هل ترى من الذين أهلكناهم ﴿مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ أي: (صوتًا). قاله ابن عباس والمفسرون (٢). وقال زيد: (حسا) (٣). وقال أهل اللغة: (الركز: الصوت الخفي) (٤)، وأنشدوا قول لبيد (٥):

стр. 8204

وَتَوَجَّسْتُ رِكْزَ الأَنِيْسِ فَرَاعَهَا ... عَنْ ظَهرِ غَيْبٍ وَالأَنِيْسُ سَقَامُهَا ومضى الكلام في معنى أحس (١)، وتحقيق معنى الآية: وكم أهلكنا قبلهم من قرن بتكذيب المرسلين يعضهم بهذا، ويلزمهم الاعتبار بمن تقدم من الأمم المكذبة.

стр. 8205

سورة طه

стр. 8206

تفسير سورة طه بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - ﴿طه﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يا رجل، يريد محمدً ﷺ (١). وهو قول الحسن، وعكرمة، وسعيد بن جبير، والضحاك، وقتادة، وابن أبي نجيح عن مجاهد، والكلبي (٢). قال عكرمة: (هي بلسان الحبشة) (٣). وقال سعيد بن جبير والضحاك: (بالنبطية) (٤). وقال قتادة: (بالسريانية) (٥).

стр. 8207

وقال الكلبي: (هي بلغة عك) (١) (٢). وأنشد لشاعرهم (٣): إِنَّ السّفَاهَة طَه من خَلائِقكُم ... لاَ قَدسَ اللهُ أروَاحَ المَلاَعين وقال السدي: (يا فلان) (٤). وروى خصيف عن مجاهد قال: (هي من فواتح السور) (٥). وهو اختيار أبي إسحاق (٦). وقال ابن عباس في رواية الوالبي: (هو قسم أقسم الله به) (٧). وهذا القول اختيار صاحب النظم (٨).

стр. 8208

وفسر القرظي هذا القسم فقال: (أقسم الله بَطوْلِه وهدايته) (١). وقال مقاتل بن حيان: (معناه: طاء الأرض بقدميك، يريد به التهجد) (٢). ومال قوم إلى هذا التفسير، واحتجوا بما بعده، وبما ذكر في سبب النزول وهو: (أن النبي ﷺ في ابتداء الوحي ربما علق إحدى رجليه في الصلاة تخشعًا وشكرًا، فقيل له: طأها. أي: طاء الأرض برجلك وضعها عليها) (٣). وقالوا: أصله طأها من (٤) وطئ الأرض، والهاء كناية عن الأرض ثم لينت الهمزة فقيل: طه. قال صاحب النظم: (ولو كان الأمر على ما ذهبوا إليه لما كتبت حرفين، ووجه الكتب أربعة أحرف، كمن تكتب الكلام المؤلف) (٥). وروى الفراء بإسناده: (أن رجلاً قرأ على ابن مسعود: ﴿طه﴾ بالكسر. فقال له الرجل: يا أبا عبد الرحمن أليس إنما أمر أن يطأ قدمه؟ فقال له عبد الله: ﴿طه﴾ هكذا أقرأني رسول الله ﷺ ) (٦) (٧).

стр. 8209

فلو كان المعنى كما ذهبوا إليه ما أنكر ابن مسعود قراءة من قرأ: ﴿طه﴾ بإسكان الهاء (١). وأصله: طأ بالهمز فأبدلت منها الهاء، كما قالوا: هياك وهرقت، في إياك، وأرقت، ويجوز أن يكون الأصل طا من وطي على ترك الهمز، ثم أثبتت الهاء فيها للوقف، والوجهان ذكرهما أبو إسحاق (٢). وهذه قراءة شاذة لا يقرأ بها.

стр. 8210

قال ابن الأنباري: (وجه قول من قال: إن ﴿طه﴾ لغة غير العرب، أن لغة قريش وافقت تلك اللغة في هذا المعنى من جهة اتفاق اللغتين؛ لأن الله تعالى لم يخاطب نبيه ﷺ بلسان غير قريش) (١). فمن بني ﴿طه﴾ على يا رجل قال: موضعه رفع بالنداء المفرد. ووجه قول من قال: إنه قسم أن التأويل: وحق طه وحق حروف المعجم التي نزل القرآن بها، وأثنى على الباري وسبح ومجد بما انتظم من كلمها، وموضعه خفض بإضمار واو القسم، أو نصب على أنه حلت محل: حقًا ويقينًا، ويمينًا صادقة، وحلفًا بارًا. وقول من قال: إنه من فواتح السور أن يصرف طه إلى مثل ألا في افتتاح الكلام حين يقال: ألا إن عبد الله مقيم (٢) . ٢ - قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ أي: لتتعب وتبلغ من الجهد ما بلغت. قال أبو إسحاق: (أي لتصلي على إحدى رجليك فيشتد عليك) (٣). قال الكلبي: (لما نزل على رسول الله ﷺ الوحي بمكة اجتهد في العبادة واشتدت عبادته، فأمره الله أن يخفف على نفسه، وذكر له أنه ما أنزل عليه الوحي ليتعب كل ذلك التعب، وكان بعد نزول هذه الآية ينام بعض الليل ويصلي بعضه) (٤). وذكر مقاتل في سبب النزول غير هذا وهو أنه قال: (قال أبو جهل

стр. 8211

والمشركون للنبي ﷺ : إنك لتشقى بترك دنيا، وذلك لما رأوا من جهده وطول عبادته، فأنزل الله هذه الآية جوابًا للمشركين) (١). ٣ - قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً﴾ قال الفراء: (نصبها على قوله: ما أنزلناه إلا تذكرة) (٢). فأضمر ما أنزلناه لدلالة ما قبله عليه. قال المبرد: (لكن تذكرة أي: لكن أنزلناه تذكرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ﴾ [الليل:١٩ - ٢٠]، أي: لكن فعله ابتغاء وجه ربه) (٣). وقال صاحب النظم: (﴿إِلّا﴾ هاهنا بمعنى بل، المعنى: بل أنزلناه تذكرة) (٤) . وهذا أضعف الوجوه. ومعنى الآية: أنزلنا القرآن لتذكر به من يخشى الله، والتذكرة مصدر كالتذكير. ٤ - قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا﴾ قال الزجاج: (المعنى أنزلناه تنزيلًا) (٥). فعلى هذا ينتصب على المصدر، وأنزلنا ونزلنا بمعنى واحد، فهو من باب المصدر على غير الصدر. وقال المبرد: (تنزيلًا بدل من تذكرة) (٦).

стр. 8212

وقال ابن الأنباري: (معناه نزلناه تنزيلًا) (١). فأكد المصدر فعلًا أتى الكلام السابق بتأويله، كما قال الهذلي (٢): مَا إِنْ يَمَسُّ الأَرْضَ إِلاَ مَنْكِبٌ ... مِنْهُ وَحَرْفُ السَّاقِ طَيَّ المِحْمَلِ نصب طي على المصدر من غير أن يذكر فعله؛ لأن ما تقدم من الكلام يدل على طوى، ومثله قول امرئ القيس (٣): وأَلْقَى بِصَحْرَاءِ الغَبِيطِ بِقَاعَه ... نُزُولَ اليَمَانِي ذِي العِيَابِ المُحَمَّلِ وقوله تعالى: ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾ قال ابن عباس: (أخبر بعظمته وجلاله) (٤).

стр. 8213

قال أبو إسحاق: (العلى جمع العليا، كما يقال: الكبرى والكبر) (١). قال المبرد: (وهو مثل ظُلْمَة وظُلَم، ورُكْبَة ورُكَب، وكذلك العُلْيَا والعُلَى، والدُنْيَا والدُنَى، فالألف بحذاء الهاء للتأنيث) (٢). ٥ - قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ﴾ قال الأخفش: (هو الرحمن) (٣). [قال المبرد: (﴿الرَّحْمَنِ﴾ مرفوع على خبر المبتدأ المضمر) (٤). لأنه لما قال: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَق﴾ بينه فكأنه قال: هو الرحمن] (٥)، كقوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّار﴾ [الحج: ٧٢]، المعنى ففي النار. قوله تعالى: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ قال كثير من أهل التأويل: استوى معناه استولى (٦).

стр. 8214

وقد بينا استقصاء هذا عند قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء﴾ (١). وأخبرني العروضي عن الأزهري عن المنذري قال: (سئل أحمد بن يحيى عن قول الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فقال: الاستواء الإقبال على الشيء) (٢). وقال الأخفش: (استوى أي علا تقول: استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته) (٣). ونحو هذا قال أبو عبيدة (٤). وعلى هذا التفسير معنى الآية: أنه علا على العرش بقدرته وقوته، وخص العرش بالذكر؛ لأنه أعظم المخلوقات. وعامة السلف أعرضوا عن الكلام في هذه الآية ونظائرها وذلك طريقة مالك، والشافعي، والأوزاعي، والثوري ﵏ (٥).

стр. 8215

٦ - قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، تأويلها إنه مالك كل شيء ومدبره. وقوله تعالى: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ قال المبرد: (يعني الهواء) (١). ﴿وَمَا تَحْتَ الثَّرَى﴾ الثرى في اللغة معناه: التراب الندي، وثَرَّيْتُ التربة بللتها، ويقال: ثَرِيْتُ الأرضَ ثَرَّى فهي ثَرِيَّةٌ إذا ابتل ترابها بعد الجدوبة، وأَثْرَتْ فهي ثَرِيَّة إذا كثر ثَراها، ويقال: أرض ثَرِيَّةٌ أي ذات ثَرَى، والثَرى يستعمل في أشياء كثيرة يقال: قد بدا ثَرَى الماء من الفرس، وهو حين يندى بعرقه (٢). وقال ابن الأعرابي: يقال: فلان قريب الثَّرَى بعِيد النَّبَط للذي يعد ولا وفاء له (٣). ويقال: إِني لأَرَى ثَرَى الغضب في وجه فلان أي: أَثَره، ومنه قول الشاعر (٤): وإِنَّي لَتَرَّاكُ الضغَّينَةِ قَدْ أَرَى ... ثَرَاهَا من المَوْلَى فَمَ أَسْتَثْيِرُهَا

стр. 8216

ويقال: الثَرَى بيني وبين فلان نَد، إذا لم ينقطع ما بينك وبينه، ومنه (١) قول جرير (٢): فَلاَ تُوبِسُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمُ الثَّرَى ... فإِنَّ الذِي بَيْنِي وبَيْنَكمُ مُثْرى والمفسرون يقولون في (الثرى) في هذه الآية: أراد الثرى الذي تحت الصخرة التي عليها الثور الذي تحت الأرض، ولا يعلم ما تحت الثرى إلا الله (٣). ٧ - قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ﴾ اختلفوا في وجه هذا النظم، ومعنى الآية، وكان من حق المقابلة أن يقول: وإن أسررت القول فإنه يعلم السر. فقال المفضل: (﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ﴾ أي: ترفع صوتك بالقراءة ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرّ وَأخْفَى﴾ فلا تجهد نفسك بالمبالغة في رفع الصوت؛ فإنك وإن لم تجهر [به وأسررته علم ذلك السر) (٤). وقال صاحب النظم: (معناه وإن تجهر بالقول فتظهره] (٥) فهو يعلم

стр. 8217

السر وأخفى منه فكيف الجهر) (١). وذكر وجهًا آخر وهو: أن يكون في الكلام اختصار على معنى: وإن تجهر بالقول، أو لم تجهر فهو يعلم السر وأخفى منه. أي فما حاجتك إلى الجهر، أي: إن في غير الجهر كفاية لك. فأما معنى: (السر وأخفى) قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (السر ما علمت أنت مما أسررت في نفسك، وأخفى من السر ما لم يكن بعد وهو كائن) (٢). وقال في رواية الوالبي: (السر: ما أسر ابن آدم في نفسه، وأخفى: ما خفي على ابن آدم مما هو فاعله قبل أن يعلمه، والله يعلم ذلك كله، فيعلمه فيما مضى من ذلك وما بقي علم واحد) (٣). وهو قول مجاهد، وقتادة، وسفيان، والضحاك، وسعيد بن جبير (٤). وأكثرهم قالوا: (السر ما أسره في نفسه، وأخفى: ما لم يحدث به نفسه مما يكون في غد) (٥). وقال عكرمة: (السر: ما حدث به الرجل أهله، وأخفى: ما تكلمت به في نفسك) (٦).

стр. 8218

وهذا قول الحسن (١). وعلى هذا؛ المراد: وأخفى منه إلا أنه حذف منه للعلم به. قال المفضل: (ومثله قول القائل: الله أكبر، معناه: أكبر من كل شيء) (٢). وأنشد قول الفرزدق (٣): إِنَّ الذِي سَمَكَ السَّمَاءَ بَنَى لَنَا ... بَيْتًا دَعَائِمُه أَعَزُّ وأَطْوَلُ معناه: أعز وأطول من دعائم بيتك، فحذفه للعلم به. قال المبرد: (لم يقل: وأخفى منه؛ لأنه قد ذكر السر فبان ما يتصل بأخفى، كقولك: فلان كالفيل أو أعظم، والعرب تحذف ما لا يبطل المعنى استخفافًا واختصارًا، ألا تراهم يقولون: أزيد أفضل أم عمرو، وتمام الكلام: أزيد أفضل من عمرو أم عمرو أفضل من زيد) (٤). وقال زيد بن أسلم في قوله: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾: (يعلم أسرار العباد، وأخفى سره عنهم فلا يعلم) (٥). فعلى هذا لا يحتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن أخفى على هذا القول أَفْعَل من الإخفاء. وعلى القول الأول أفعل من الخفاء، والألف للتفضيل. وذهب قوم إلى أن (أخفى) هاهنا بمعنى الخفي، وأفعل يأتي في الكلام ولا يراد به التفضيل. كقول الشاعر:

стр. 8219

تَمَنَّى رِجَالٌ أَنْ أَمُوتَ وإنْ أَمُتْ ... فَتِلْكَ سَبِيلُ لَسْتُ فِيهَا بأَوحَدِ (١) أي: بواحد. وقيل في بيت الفرزدق: إن قوله: أعز وأطول؛ بمعنى: عزيزة طويلة، وهذا قول أبي عبيدة (٢). قال ابن الأنباري: (وهذا القول يخالف الآثار, ويبعد متناوله عند أهل النحو، إذ ترتيب أفعل أن لا يعرى من التزيد حتى يقوم بذلك دليل عند الاضطرار والبناء على الأحرف، والأشهر عند أهل الأثر أوجب) (٣). والأولى من هذه الأقاويل ما عليه المفسرون (٤). ٨ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قال المبرد: يجوز أن يكون ﴿اللهُ﴾ ابتداء، وخبره ﴿لا إِلَهَ إِلا هُو﴾ ويجوز أن تكون خبر ابتداء على

стр. 8220

قدير: هو الله لا إله إلا هو، نعت) (١). والمعنى: لا معبود يستحق العبادة غيره. ﴿لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ يعني: التسعة والتسعين التي ورد بها الخبر (٢). والحسنى تأنيث الأحسن، كالكبرى والعليا، ووحدت الحسنى والأسماء جمع؛ لأنها مؤنثه والجماعة توصف بصفة المؤنث الواحد كقوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَة﴾ [النمل: ٦٠]، و ﴿مَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه:١٨]، كأنها اسم واحد للجميع (٣). ٩ - قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى﴾ روى سلمة عن الفراء:

стр. 8221

(هل (١) تكون جحدًا، وتكون خبرًا، قال: وقول الله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]، من الخبر معناه قد أتى، قال: والجحد أن يقول: وهل يقدر أحد على مثل هذا. قال: ومن الخبر قولك للرجل: هل وعظتك، هل أعطيتك، تقرره بأنك قد وعظته وأعطيته) (٢). فعلى هذا قوله ﴿وَهَلْ أَتَاكَ﴾ استفهام يراد به التقرير والخبر. أي: وقد أتاك (حديث موسى). وقال الكلبي: (لم يكن آتاه حديثه ثم أخبره) (٣). والصحيح أنه استفهام تقرير بمعنى الخبر (٤). وعلى هذا فسره ابن عباس، فقال: (يريد وقد أتاك) (٥). قال أهل المعاني: (معنى ذكر قصة موسى ﵇ هاهنا تسلية للنبي ﷺ مما ناله من أذى قومه، وتثبيت بالصبر على ذلك، كما صبر أخوه موسى حتى نال الفوز في الدنيا والآخرة) (٦). ١٠ - قوله تعالى: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾ قال وهب: (استأذن موسى ﵇ شعيبًا (٧) بالرجوع إلى والديه فأذن له، فخرج بأهله فولد له ابن في الطريق

стр. 8222

في ليلة شاتية مثلجة، وقد حاد عن الطريق فقدح موسى النار فلم تنور المقدحة شيئًا، فبينما هو في مزاولته ذلك أبصر نارًا من بعيد عن يسار الطريق، فذلك قوله: ﴿إِذْ رَأَى نَارًا﴾) (١). وقال عطاء عن ابن عباس: (كان موسى رجلاً غيورًا لا يصحب الرفقة لئلا ترى امرأته، فأخطأ الطريق في ليلة مظلمة فرأى نارًا من بعيد) (٢) ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ﴾ يريد امرأته بنت شعيب ﴿امْكُثُوا﴾ أقيموا مكانكم، الخطاب لامرأته ولكنه خرج على ظاهر لفظ الأهل، فإن الأهل يقع على الجماعة كما يقال: أهل البيت (٣). ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾ قال المبرد: (ويقول الذي يبصر الشيء من بعيد مما تسكن إليه نفسه: آنست كذا أي رأيته لي أنسًا، ويقال: أنس الطائر إذا

стр. 8223

كان مما يصيد فرأى صيدًا) (١). قال العجاج (٢): أَنَسَ خِرْبَانَ فَضاَءٍ فَانْكَدَرْ وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ [النساء: ٦]، والأصل فيه ما ذكره المبرد. والمفسرون يقولون: (رأيت وأبصرت) (٣). وقوله تعالى: ﴿آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ القبس: شعلة من نار يقتبسها من معظم النار (٤). قال أبو زيد: (أقبست الرجل علمًا بالألف، وقبسته نارًا إذا جئته بها، فإن كان طلبها قال: أقبسته بالألف) (٥). وقال الكسائي: (أقبسته نارًا وعلمًا سواء، وقد يجوز طرح الألف منهما) (٦). قال المبرد: (والأصل واحدة لأن كلاهما مستضاء به) (٧).

стр. 8224

وقوله تعالى: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى﴾ قال ابن عباس: (من يدل على الطريق) (١) وقال مجاهد: (هاديًا يهدي إلى الطريق) (٢). قال الفراء: (أراد: هاديًا فذكره بلفظ المصدر) (٣). قال الزجاج: (رجاء أن يجد عند النار من يهديه للطريق) (٤). لأن النار لا تخلو من أهل لها وناس عندها. قاله السدي (٥). ١١ - قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا﴾ قال ابن عباس: (لما توجه نحو النار فإذا النار في شجرة عناب، فوقف متعجبًا من حسن ضوء تلك النار، وشدة خضرة تلك الشجرة فلا شدة حر النار تغير حسن خضرة الشجرة ولا كثرة ماء الشجرة يغير حسن ضوء النار، فسمع النداء من الشجرة ﴿يَا مُوسَى﴾) (٦).

стр. 8225

قال نوف (١): (فلما سمع النداء قال: من أنت الذي تناديني وتدعوني؟ قال: أنا ربك الأعلى فذلك قوله: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾) (٢). وقرئ: ﴿أَنِّي﴾ بالفتح (٣). قال الزجاج: (من فتح كان المعنى نودي أني أنا ربك. وموضع أن نصب، ومن كسر فالمعنى: نودي، فقال الله له: إني ربك) هذا كلامه (٤) وشرحه أبو علي فقال: (من كسر فلأن هذا الكلام حكاية، كأنه نودي فقيل: يا موسى إني أنا ربك. ومن فتح كان المعنى: نودي بكذا، ونادى قد يوصل بحرف الجر) (٥). قال (٦): نَادَيْتُ باسمِ رَبِيْعةَ بَنِ مُكْدَّمٍ ... أَن المُنَوَّهَ باسْمِهِ المَوْثُوقُ ١٢ - وقوله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ الخلع: النزع، يقال: خلع ثوبه

стр. 8226

خلعًا (١) والنعل: ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض، يقال: نَعِلَ، يَنْعَلُ، فهو نَاعِل، وانْتَعَل بكذا (٢). واختلفوا لم أمر بخلع النعل فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "كانتا من جلد حمار ميت" (٣). وهو [قول علي ﵁، وسفيان، وكعب والأكثرين (٤). قال الكلبي: (كانت نعلاً، فقيل] (٥) له: لا تدخل الوادي وهما

стр. 8227

عليك) (١). وقال ابن عباس: (يريد: باشر الأرض بقدميك فإنك بواد مقدس) (٢) وقال الحسن: (كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكنه أمر بخلعها ليباشر تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها) (٣). وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج (٤). قال ابن أبي نجيح: (يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي) (٥) (٦).

стр. 8228

وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر (١). قال ابن عباس في رواية عطاء: (قدسته مرتين) (٢). وهو قول عكرمة (٣). وقال في رواية الوالبي: (المقدس المبارك) (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]. وقوله تعالى: (طوى) قال ابن عباس: (هو اسم الوادي) (٥). وهو قول جميع المفسرين (٦). وقال الحسن: (أي طوى بالبركة مرتين) (٧). فعلى هذا (طوى) مصدر من قولك: طويته طوى. قال عدي بن زيد (٨): أُعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِه ... عَليَّ طُوى مِنْ غَيَّك المُتَرَدَّدِ

стр. 8229

أراد إن لومك مكرر علي، والصحيح هو الأول. قال أبو إسحاق: ويجوز فيه أربعة أوجه، -يعني من القراءة -: ضم الطاء، وكسرها، والإجراء، وترك الإجراء (١)، فمن أجرى فلأنه مذكر سُمّيَ بمذكر على فُعَل نحو: حُطَم وصُرَد، ومن لم يجري ترك صرفه من جهتين أحدهما: أن يكون معدولًا عن طاء، فيصير مثل عُمَر. والآخر: أن يكون اسمًا للبقعة، كما قال الله : ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠]. قال: وإذا كُسِرَ طِوى فهو مثل: مِعى، وضِلع. ومن لم ينون جعله اسمًا للبقعة) هذا كلامه (٢). وقال أبو علي: (الصرف من وجهين أحدهما: أن يجعل اسم الوادي فيصرف؛ لأنه مذكر سمَّي بمذكر. والوجه الآخر: أن يجعل طوى صفة، وذلك في قول من قال: إنه قُدس مرتين، فيكون طِوى كقولك: ثنى، ويكون صفة كقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨]، وقومٌ على، وجاء في (طوى) الضم والكسر، ما جاء في قوله: (مكان سوى) الكسر والضم، وكذلك يقال: ثِنى وثُنى. قال: ومن لم يصرف احتمل أمرين أحدهما: أن يكون (طوى) اسمًا لبقعة أو أرض وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة أسميتها باسم مذكر فيجتمع التعريف والتأنيث. والثاني: أن يكون معدولًا كعمر، فإن قلت: إن عمر معدول عن عامر، وهذا الاسم لا يعرف عمَّ عُدل، فإنه

стр. 8230

لا يمتنع العدل عما لم يخرجوه إلى الاستعمال، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان عما لم يستعملا، فكذلك يكون طوى) (١). ١٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قال الكلبي: (أنا اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري) (٢). ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اعمل بما آمرك به وأنهاك عنه. ١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فيه وجهان: أحدهما -وهو الذي عليه العامة-: أن معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن (٣). وهذا المعنى ما روي أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، إن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٤). والثاني: معناه أقم الصلاة لأن تذكرني؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله. وهذا قول الحسن (٥).
следующие страницы →