خلعًا (١) والنعل: ما جعلته وقاية لقدميك من الأرض، يقال: نَعِلَ، يَنْعَلُ، فهو نَاعِل، وانْتَعَل بكذا (٢).
واختلفوا لم أمر بخلع النعل فروى ابن مسعود عن النبي ﷺ في هذه الآية قال: "كانتا من جلد حمار ميت" (٣). وهو [قول علي ﵁، وسفيان، وكعب والأكثرين (٤).
قال الكلبي: (كانت نعلاً، فقيل] (٥) له: لا تدخل الوادي وهما
стр. 8227
عليك) (١).
وقال ابن عباس: (يريد: باشر الأرض بقدميك فإنك بواد مقدس) (٢)
وقال الحسن: (كانتا من جلد بقرة ذكية، ولكنه أمر بخلعها ليباشر تراب الأرض المقدسة فيناله بركتها) (٣). وهذا قول سعيد بن جبير، وقتادة، ومجاهد، وابن جريج (٤).
قال ابن أبي نجيح: (يقول: أفض بقدميك إلى بركة الوادي) (٥)(٦).
стр. 8228
وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ﴾ أي: المطهر (١). قال ابن عباس في رواية عطاء: (قدسته مرتين) (٢). وهو قول عكرمة (٣).
وقال في رواية الوالبي: (المقدس المبارك) (٤). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ﴾ [المائدة: ٢١]. وقوله تعالى: (طوى) قال ابن عباس: (هو اسم الوادي) (٥). وهو قول جميع المفسرين (٦). وقال الحسن: (أي طوى بالبركة مرتين) (٧). فعلى هذا (طوى) مصدر من قولك: طويته طوى. قال عدي بن زيد (٨):
أُعَاذِلُ إِنَّ اللَّوْمَ في غَيْرِ كُنْهِه ... عَليَّ طُوى مِنْ غَيَّك المُتَرَدَّدِ
стр. 8229
أراد إن لومك مكرر علي، والصحيح هو الأول.
قال أبو إسحاق: ويجوز فيه أربعة أوجه، -يعني من القراءة -: ضم الطاء، وكسرها، والإجراء، وترك الإجراء (١)، فمن أجرى فلأنه مذكر سُمّيَ بمذكر على فُعَل نحو: حُطَم وصُرَد، ومن لم يجري ترك صرفه من جهتين أحدهما: أن يكون معدولًا عن طاء، فيصير مثل عُمَر. والآخر: أن يكون اسمًا للبقعة، كما قال الله : ﴿فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ [القصص: ٣٠].
قال: وإذا كُسِرَ طِوى فهو مثل: مِعى، وضِلع. ومن لم ينون جعله اسمًا للبقعة) هذا كلامه (٢).
وقال أبو علي: (الصرف من وجهين أحدهما: أن يجعل اسم الوادي فيصرف؛ لأنه مذكر سمَّي بمذكر. والوجه الآخر: أن يجعل طوى صفة، وذلك في قول من قال: إنه قُدس مرتين، فيكون طِوى كقولك: ثنى، ويكون صفة كقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ [طه:٥٨]، وقومٌ على، وجاء في (طوى) الضم والكسر، ما جاء في قوله: (مكان سوى) الكسر والضم، وكذلك يقال: ثِنى وثُنى. قال: ومن لم يصرف احتمل أمرين أحدهما: أن يكون (طوى) اسمًا لبقعة أو أرض وهو مذكر، فهو بمنزلة امرأة أسميتها باسم مذكر فيجتمع التعريف والتأنيث. والثاني: أن يكون معدولًا كعمر، فإن قلت: إن عمر معدول عن عامر، وهذا الاسم لا يعرف عمَّ عُدل، فإنه
стр. 8230
لا يمتنع العدل عما لم يخرجوه إلى الاستعمال، ألا ترى أن جُمَع وكُتَع معدولتان عما لم يستعملا، فكذلك يكون طوى) (١).
١٣ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ قال الكلبي: (أنا اخترتك برسالتي لكي تقوم بأمري) (٢). ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ أي: اعمل بما آمرك به وأنهاك عنه.
١٤ - وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ فيه وجهان: أحدهما -وهو الذي عليه العامة-: أن معناه أقم الصلاة متى ذكرت أن عليك صلاة، كنت في وقتها أو لم تكن (٣).
وهذا المعنى ما روي أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها، إن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٤).
والثاني: معناه أقم الصلاة لأن تذكرني؛ لأن الصلاة لا تكون إلا بذكر الله. وهذا قول الحسن (٥).
стр. 8231
ومجاهد قال: (إذا صلى عبد ذكر ربه) (١). واختاره ابن قتيبة فقال: (لتذكرني فيها) (٢).
١٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ قال أكثر المفسرين: (أخفيها من نفسي)، وهذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء بن السائب (٣). وهذا التفسير موافق لما روي: أن في مصحف أبي: (أكاد أخفيها من نفسي) (٤)، (فكيف يعلمها مخلوق)، وفي بعض القراءات: (أكاد أخفيها من نفسي فكيف أظهركم عليها) (٥).
قال أبو إسحاق: (والله أعلم بحقيقة هذا التفسير) (٦). وكأنه لم يعلم (معنى) (٧) هذا، وعلمه قطرب، والمبرد، وابن الأنباري، قال قطرب: (هذا على عادة مخاطبة العرب بعضهم بعضًا، إذا بالغوا في كتمان السر: كتمته حتى من نفسي، والمعنى لم أطلع عليه أحدًا) (٨). وأنشد (٩):
стр. 8232
أيامَ تَصْحَبني هِنْد وَأخبرُها ... ما أكتم النَّفْسَ مِنْ حَاجِي وأَسْرَارِي
أي: أخبرها بما لا أطلع عليه أحدًا، هذا معناه.
وقال المبرد: (هذا مستعمل في الكلام وجار على الأفواه أن يقول القائل -إذا أراد أن يستر شيئًا سترًا شديدًا-: أنا أسر هذا من نفسي، وأكاد أسره من نفسي. أي: أقارب ذلك، فيأتي على جهة المثل، وعلى المبالغة في ستر الشيء) هذا كلامه (١). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى بالغ في إخفاء الساعة، فذكره بأبلغ ما تعرفه العرب في مثله. وهذا موافق لما قال ابن عباس في تفسيره: (قد أخفها من الملائكة يقول: لا أظهر عليها أحداً). قاله في رواية سعيد بن جبير والوالبي (٢).
والمعنى: أنه لم يطلع على وقت قيام الساعة ملكًا مقربًا, ولا نبيًا، حتى لو جاز أن يخفيه عن نفسه أخفاها.
قال ابن الأنباري: (والمعنى في إخفائها التهويل والتخويف؛ لأن الناس إذا لم يعلموا متى تقوم الساعة كانوا على حذر منها كل وقت) (٣). هذا معنى قول المفسرين في هذه الآية (٤). وكاد -على قولهم- للمقاربة.
стр. 8233
ولأهل المعنى وجوه من التأويل، قال ابن الأنباري وهو قول الأخفش: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾: أريد أخفيها) (١).
وعلى هذا ﴿أَكَادُ﴾ لا يكون للمقاربة، ولا يحتاج أن يقال: من نفسي، يقول الله تعالى: أريد إخفاء الساعة.
قال أبو بكر: (ويجوز أن يكون ﴿أَكَادُ﴾ مزيدًا للتوكيد فيكون المعنى: إن الساعة آتية أخفيها) (٢). ونذكر جواز زيادة كاد عند قوله: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠]، إن شاء الله.
وقال قطرب: (يقال: أخفيت الشيء: إذا كتمته، وأخفيته: إذا أظهرته، كما يقال: أسررت الشيء بالمعنيين) (٣).
وذكر أبو عبيد: أخفيت بالمعنيين جميعًا (٤).
وهذا أيضًا مذهب أبي عبيدة في هذه الآية قال: (أخفيها أظهرها) (٥). واحتج بقول الشاعر (٦):
فَإِنْ تَكْتِمُوا الدَّاءَ لاَ نُخْفِهِ ... وَإِنْ تَبْعَثُوا الحَرْبَ لاَ نَقْعُدِ
رواه بضم النون، وغيره يرويه بفتحها من خفاء إذا أظهر.
وقال أبو الفتح الموصلي: (﴿أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ تأويله عند أهل النظر:
стр. 8234
أكاد أظهرها. وتلخيص هذه اللفظة: أكاد أزيل عنها خفاها، وخفاء كل شيء: غطاؤه، من ذلك خفاء القِرْبة للكساء الذي يكون عليها. وأَفْعلت يأتي والمراد به السَّلْب والنفي، كقولهم: أَعْجَمْت الكتاب وأَشْكَلته أي: أزلت عجمته وإشكاله، وأَشْكيته أزلت ما يشكوه) (١).
وهذا الذي ذهبوا إليه في معنى الآية يوافق قول ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد: أكاد أظهرها) (٢). وعلى هذا معنى الآية: إن الله تعالى أخبر عن إرادته إظهار الساعة كما قال: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. غير أن هذا المعنى أصح في قراءة من قرأ: (أَخفيها) بفتح الألف (٣)؛ لأن كلام العرب الجيد: خفيت الشيء: أظهرته، وأخفيته: سترته.
قال الأزهري: (هذه اللغة الجيدة) (٤). وقد روي: خفيت بالمعنيين المتضادين، كما روى أخفيت، وكتاب الله تعالى يفسر بأفصح اللغات. وروي عن بعض أهل اللغة في هذه الآية وجه آخر وهو أن المعنى: الساعة آتية أكاد، وتم الكلام هاهنا (٥). والمعنى: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال:
стр. 8235
أخفيها، والمعني: لكني أخفيها لتجزي كل نفس بما تسعى، وهذا وجه لا بأس فيه (١).
وقوله تعالى: ﴿لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ﴾ قال ابن الأنباري: (من قال: أخفيها معناه: أظهرها، جعل اللام في ﴿لِتُجْزَى﴾ من صلة أخفيها، والمعنى: أظهرها للجزاء، ومن قال: أخفيها: أسترها، جعل اللام معلقة بقوله: إن الساعة آتية لتجزي كل نفس) (٢).
وبهذا قال الزجاج (٣).
وقوله تعالى: ﴿بِمَا تَسْعَى﴾ بما تعمل من خير وشر.
١٦ - قوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ﴾ الصد: الصرف عن الخير، يقال: صده عن الإيمان وعن الحق، ولا يقال: صده عن الشر. والمعنى لا يمنعنك ولا يصرفنك (٤).
стр. 8236
وقوله تعالى: ﴿عَنْهَا﴾ قال الفراء: (يريد عن الإيمان بها) (١).
وقال الزجاج: (عن التصديق بها) (٢). ﴿مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا﴾ أي: من لا يؤمن بأنها تكون.
﴿وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ مراده وخالف أمر الله ﴿فَتَرْدَى﴾ فتهلك، يقال: رَدِيَ، يَرْدَى، رَدًى فهو رَدٍ، ومثله تَرَدَّى إذا هلك (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ١١]. والظاهر أن هذا خطاب لموسى، ثم هو نهي لجميع المكلفين عن ترك الإيمان بالساعة والتأهب لها، وإنذار بالهلاك لمن فعل ذلك (٤). وجعل أبو إسحاق هذا خطابًا لنبي ﷺ فقال: (وخطاب النبي ﷺ هو خطاب سائر أمته) (٥).
ومعنى ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ﴾: لا يصدنكم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ [الطلاق: ١]، فَنُبِه النبي ﷺ وخوطب هو وأمته بقوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
١٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ قال أبو إسحاق:
стр. 8237
(﴿تِلْكَ﴾ اسم مبهم يجري مجرى التي، ويوصل كما توصل التي , المعنى: ما التي بيمينك) (١).
وقال الفراء: (معنى: ﴿تِلْكَ﴾ هذه) (٢). و ﴿بِيَمِينِكَ﴾ في مذهب صلة لتلك؛ لأن تلك وهذه توصلان كما توصل الذي. فتلك على قول الزجاج بمعنى: التي، وعلى قول الفراء بمعنى: هذه، كما أن ذلك يكون بمعنى هذا، كما بينا في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ في قوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: ٢]. وقال أهل المعاني: (معنى سؤال موسى عما في يده من العصا التنبيه له عليها, ليقع المعجز بها بعد التثبيت فيها والتأمل لها) (٣).
وقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (هذا الكلام لفظه لفظ الاستفهام ومجراه في الكلام مجرى ما يسأل عنه، ويجيب المخاطب بالإقرار به لتثبت عليه الحجة بعد ما اعترف، فيستغنى بإقراره عن أن يجحد بعد وقوع الحجة، ومثله من الكلام أن تُرِي المخاطب ماءً فتقول: ما هذا؟ فيقول ماء. ثم تحيله بشيء من الصبْع فإن قال: إنه لم يزل هكذا، قلت: ألست قد اعترفت بأنه ماء) (٤).
١٨ - قوله تعالى: ﴿قَالَ هِيَ عَصَايَ﴾ جواب الاستفهام والسؤال عما في يده، قال وهب: (لما قال موسى: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾، قال الله تعالى: وما تصنع بها) (٥). ولا أحد أعلم منه بذلك، قال موسى: ﴿أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا﴾؛ لأن
стр. 8238
هذا جواب السؤال عما يصنع بها؟ والسؤال الأول يكفيه من الجواب قوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ ومعنى التَوكُؤ (١): التحامل على العصا في المشي، ومنه الاتكَأ، أصله: الاوتكأ، والمعنى: أعتمد عليها إذا مشيت (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ قال الأصمعي: (هَشَّ يَهِشُّ هَشَّاً: إذا خبط الشجر فألقاه لغنمه) (٣).
قال الفراء: (أي أضرب بها الشجر اليابس ليسقط ورقه فترعاه الغنم) (٤). قال الراجز (٥):
أَهُشُّ بالعَصا عَلَى أَغْنَامِي
مِنْ نَاعِمِ الأَرَاكِ وَالبَشَامِ
قال الزجاج: (واشتقاقه من أني أُحيلُ الشيء إلى الهشاشة والإمكان) (٦). وذلك أن الهش من كل شيء فيه رخاوة، يقال: رجل
стр. 8239
هَش، وجوز هش، وإذا خبط الشجر فسقط ورقه سهل على الغنم تناوله.
قال عكرمة: (يقال: أضرب الشجر فيتساقط الورق على غنمي) (١).
وقوله: ﴿وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى﴾ المآرب: الحوائج، واحدتها مأرَبة بفتح الراء وضمها، حكاهما جميع أهل اللغة (٢).
وحكى ابن الأعرابي: (مأربِة بكسر الراء) (٣). ومنه المثل: مَأرُبَة لا حَفَاوة (٤). وكذلك الأرب والإربة ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ﴾ [النور: ٣١].
وقوله تعالى: ﴿أُخْرَى﴾ جاء على لفظ صيغه الواحدة؛ لأن مأرب في معنى جماعة، فكأنه جماعة من الحاجات أخرى. وقاله الزجاج (٥). وذكرنا مثل هذا في قوله: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [طه: ٨]، قال مجاهد، وسفيان والمفسرون: (ولي فيها حاجات أخرى) (٦).
وقال عطاء، وقتادة: (منافع أخرى) (٧). وذكر المفسرون تلك
стр. 8240
الحوائج التي كانت في عصاه، فقال ابن عباس في رواية عطاء: (إذا أتيت إلى بئر فقصر الرشا، وصلته بالعصا حتى ينال الماء، وإذا أصابني حر الشمس أقمتها في الأرض، وجعلت لي عليها ظلاً بثوب يسترني من الشمس، وإذا خفت شيئًا من هوام الأرض قتلتها بالعصا) (١).
وقال وهب: (كان لها شعبتان ومحجن (٢) تحت الشعبتين، فإذا طال الغصن حناه بالمحجن، وإذا أراد كسره لواه بالشعبتين، وكان إذا شاء ألقاها على عاتقه، فعلق بها قوسه، وكنانته (٣)، ومَرْجونَته (٤)، ومِخْلاته (٥)، وثوبه وزادًا إن كان معه، وكان يقاتل بها السباع عن غنمه) (٦).
стр. 8241
١٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى﴾ قال الكلبي: (ألقها من يدك) (١). وقال وهب: (قال له الرب: (ألقها يا موسى) فظن موسى أنه يقول ارفضها فألقاها على وجه الرفض) (٢). ثم حانت منه نظرة فإذا بأعظم ثعبان نظر إليه الناظرون.
٢٠ - فذلك قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ تشد، وتمشي مسرعة على بطنها.
قال ابن عباس: (فابتلعت الصخور والشجر وكل ما مرت به) (٣).
٢١ - وخاف موسى فناداه ربه: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ وذلك أن الله تعالى أراد أن يري موسى ما أعطاه من الآيات التي لا يقدر عليها مخلوق؛ لئلا يفزع منها إذا ألقاها عند فرعون ولا يولي مدبرًا. ولم يذكر خوف موسى في هذه السورة، وذكر في سورة القصص (٤). وقوله هاهنا: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يدل على خوفه.
وقوله تعالى: ﴿سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى﴾ قال عطاء والسدي: (نردها عصا كما كانت) (٥).
стр. 8242
قال ابن عَباس: (﴿سِيرَتَهَا﴾ حالتها) (١).
وقال مجاهد. (هيئتها) (٢). وقال أبو عبيدة: (خلقتها الأولى) (٣). يقال لمن كان على شيء فتركه، ثم عاد فتحول إليه: عاد إلى سيرته. وقال المبرد: (أي يجعلها كما كانت) (٤). والسيرة: الهيئة (٥).
والمعنى في الآية: أنها تجري على ما كانت تجري عليه من قبل، من كونها عصا، ونحو هذا قال أبو إسحاق في السيرة: (أنها الهيئة، يقال إذا كان القوم مشتبهين: هم على سيرة واحدة. قال: و ﴿سِيرَتَهَا﴾ منصوبة على إسقاط الخافض، وأفضى الفعل إليها، والمعنى: إلى سيرتها، فلما حذفت (إلى) أفضى الفعل، وهو ﴿سَنُعِيدُهَا﴾ فنصب) (٦).
قال وهب: (لما أمره الله بأخذها أدنى طرف المدرعة (٧) على يده، فقال له مَلك: أرأيت يا موسى لو أذن الله بما تحاذر، أكانت المدرعة تغني عنك شيئًا؟ قال: لا, ولكني ضعيف ومن ضعف خلقت. فكشف عن يده ثم وضعها في فم الحية وقبض، فإذا عصاه التي عهدها، وإذا يده في موضعه
стр. 8243
التي كان عهدها إذا توكأ بين الشعبتين) (١).
٢٢ - قوله تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ﴾ اختلفوا في الجناح هاهنا، فقال أبو عبيدة (كل ناحيتين جناحان) (٢).
وقال المبرد: (الجناح الجانب) (٣). فعلى هذا الجنب والإبط جناح، وهذا قول الكلبي، والسدي في هذه الآية (٤). واختيار ابن قتيبة (٥).
وقال الفراء، والزجاج: (جناح الإنسان عضده إلى أصل غبطه) (٦). وهذا قول مجاهد قال: (﴿إِلَى جَنَاحِكَ﴾ تحت عضدك) (٧). وهذا القول أشبه؛ لأن يدي الإنسان مشبهتان بجناح الطائرة ولأنه قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ والمعنى: أدخل يدك تحت عضدك تخرج بيضاء، ولو كان المراد بالجناح الجنب والإبط لم يقل: تخرج.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد إلى صدرك) (٨). ولا أدري كيف فسر الجناح بالصدر!.
стр. 8244
وقوله تعالى: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ أراد وأخرجها تخرج بيضاء، وكذلك قوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ﴾ [النمل: ١٢]، المعنى: أخرجها تخرج، وذكرنا مثل هذا في قوله تعالى: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا﴾ [البقرة: ٦١].
قال ابن عباس: (كان ليده نور ساطع يضيء بالليل والنهار، كضوء الشمس والقمر وأشد ضوءًا) (١). فذلك قوله: ﴿بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ من غير برص، في قول جميع المفسرين (٢).
قال الليث: (ويكنى بالسوء عن اسم البرص) (٣). وقال أبو عمرو: (﴿سُوءٍ﴾ أي: برص) (٤).
وقال المبرد: (السوء إذا أطلق فهو البرص، وإذا وصلوه بشيء فهو كل ما يسؤ، والأغلب عليه عند العرب من الأدواء البرص) (٥).
وقوله تعالى: (آية أخرى) قال الأخفش: (جعل ﴿آيَةً﴾ بدل من ﴿بَيْضَاءَ﴾) (٦).
стр. 8245
وقال الزجاج: (هي اسم في موضع الحال، المعنى: تخرج بيضاء مبينة آية أخرى. قال: ويجوز أن تكون منصوبة على آتيناك آية أخرى، أو نؤتيك آية؛ لأنه لما قال: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ﴾ كان في ذلك دليل أنه يعطى آية، فلم يحتج إلى ذكر آتينا؛ لأن في الكلام دليلاً عليه) (١). قال المبرد: (ولا تكون أخرى إلا بعد الأولى) (٢) قوله: ﴿فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠].
٢٣ - قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ تأنيث الأكبر، وهي نعت الآيات، ولم يقل الأكبر لما ذكرنا في قوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى﴾ [طه: ١٨]. ولو قيل الكبر لجاز وحسن، ولكن لوفاق رؤوس الآي جاءت الكبرى, ويجوز أن تكون ﴿الْكُبْرَى﴾ نعتًا لمنعوت محذوف على تقدير: لنريك من آياتنا الآية الكبرى, وهذا مذهب أبي عبيدة (٣). وبه قال جماعة من المفسرين (٤).
قال ابن عباس: (كانت يد موسى أكبر آياته) (٥).
وقال الكلبي: (يده أعظم ما رأى من الآيات) (٦).
стр. 8246
وقال الثوري: (يده هي الآية الكبرى) (١).
٢٤ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾ أي: جاوز القدر في العصيان، وذلك أنه خرج من معصيته إلى فاحش تجاوز به معاصي الناس.
قال أهل المعاني: (وفي الآية محذوف؛ لأن المعنى: إذهب إلى فرعون فادعه إلى توحيد الله ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾؛ لأنه أمر بالذهاب إليه، وأن يدعوه إلى التوحيد) (٢).
٢٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ذكرنا الكلام في معنى شرح الصدر في سورة الأنعام (٣). يقول افتح صدري ووسعه لقبول الحق.
стр. 8247
قال ابن عباس: (يريد حتى لا أخاف غيرك. وذلك أنه كان يضيق صدره بما كلف من مقاومة فرعون وحده، فسأل الله تعالى أن يوسع قلبه للحق حتى يعلم أن أحدًا لا يقدر على مضرته إلا بإذن الله، وإذا علم ذلك حق العلم لم يخف فرعون وإن اشتدت شوكته، وكثر جنوده) (١).
٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ قال ابن عباس: (يريد سهل علي مابعثتني له) (٢).
٢٧ - ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ العقدة: الربطة في الحبل والخيط (٣). وأراد بالعقدة هاهنا رثة (٤) كانت في لسانه، تمنعه من الإنطلاق في الكلام. قال سعيد بن جبير، وهو قول العامة: (عجمة من جمرة نار أدخلها في فيه) (٥). والقصة في ذلك معروفة (٦). قال ابن عباس: (يريد أطلق عن لساني
стр. 8248
العقدة التي فيه حتى يفهموا كلامي) (١).
٢٩ - قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ قال المفسرون: (عونًا وظهيرًا من أهل بيتي) (٢).
قال أبو إسحاق: (الوزير في اللغة اشتقاقه من الوَزَرِ، وهو الجبل الذي يعتصم به لينجي من الهلكة، وزير الخليفة معناه: الذي يعتمد على رأيه في أموره ويلتجئ إليه. وقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا وَزَرَ﴾ [القيامة: ١١] معناه: لا شيء يعتصم به من أمر الله) (٣).
وقال غيره: (قيل لوزير السلطان: وزير؛ لأنه يَزِرُ عن السلطان أثقال ما أسند إليه من تدبير الولاية، أي: يحمل. وزَرْتُ الشيء أي: حملته، أَزِرُه وَزْرًا) (٤). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ)﴾ [الأنعام: ٣١]. الآية.
وقال الليث: (الوَزِيرُ الذي يَسْتَوزره الملك فيستعين به، وصناعته الوزارة، وهو يُوَازر الملك مُوَازَرة أي: يعاونه، والزرع يُوَازِر بعضه بعضًا إذا
стр. 8249
تلاحق والتفَّ) (١). وذكر المفضل الوجهين اللذين ذكرناهما في الوزير) (٢)
٣٠ - قوله تعالى: ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ يجوز في نصب ﴿هَارُونَ﴾ وجهان أحدهما: أنه مفعول الجعل على تقدير: اجعل هارون أخي وزيري. والثاني: على البدل من وزير. والوجهان ذكرهما الفراء، والزجاج (٣). و ﴿أَخِي﴾ نعت لهارون.
٣١ - قوله تعالى: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ قال المفسرون: (قوي ظهري وأعني به) (٤).
قال ابن الأعرابي: (الأَزْرُ: القوة، والأزر: الظهر، والأزر: الضعف. وفسر قوله: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ بالقوة، والظهر والضعف) (٥). وأنشد أبو عبيدة على أن الأزر في هذه الآية الظهر (٦)، قول ذي الرمة (٧):
стр. 8250
إِذَا مُدَّت الأَيْدِي الكِرَام إِلى العُلَى ... وشُدَّ لأَيَّامِ المُحَافَظَةِ الأَزْرُ
ويقال: آزَرَه ووَازَرَه: إذا عاونه. ونذكر الكلام فيه عند قوله: ﴿فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ﴾ [الفتح: ٢٩]. إن شاء الله.
٣٢ - ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ أي: اجمع يبني وبينه في النبوة، فالمراد بالأمر هاهنا: النبوة، قاله ابن عباس، والكلبي (١).
وقراءة العامة: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي﴾ على الدعاء، وقرأ ابن عامر: (أَشدد به أزري وأُشركه) على الجواب والمجازاة (٢)، والوجه الدعاء؛ لأنه معطوف على ما تقدمه من قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: ٢٦,٢٥]، فكما أن ذلك كله دعاء فكذلك ما عطف عليه، وأما الاشتراك في النبوة لا يكون إلا من الله سبحانه، اللهم إلا أن يجعل أمره شأنه الذي هو غير النبوة، وإنما ينبغي أن يكون النبوة، كما فسره ابن عباس. فأما ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ فحمله على الإخبار وغير الدعاء أسهل، ولا يسوغ أن يحمل ﴿وَأَشْرِكْه﴾ في أمري على غير النبوة؛ لأنه قد
стр. 8251
جاء ما يعلم فيه مسألة موسى لذلك (١)، وذلك قوله: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي﴾ [القصص: ٣٤] الآية
٣٣ - قوله تعالى: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [قال الكلبي: (يقول: نصلي لك كثيرًا] (٢).
٣٤ - ﴿وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ بحمدك والثناء عليك بما أوليتنا من نعمك، ومننت به علينا من تحميل رسالتك) (٣). فاستجاب الله دعاءه وقال: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ أي: أعطيت ما سألت.
قال الكلبي: (فلق الله له صدره، وحل عقدة من لسانه، وبعث معه أخاه هارون) (٤).
قال الأزهري: (سُؤل الإنسان: أمنيته التي يطلبها، والتسويل تفعيل منه وهو تزين ذلك، وأصل السؤال مهموز، غير أن العرب استثقلوا فيه الهمز لما كثر في كلامهم) (٥).
وقال الراعي فلم يهمز السول (٦):
اخْتَرْتُكَ النَّاسُ إِذْ رَثَّتْ خَلاَئِقُهُم ... واعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَه السُّولُ
стр. 8252
٣٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى﴾ أي: أحسنا إليك وأنعمنا عليك قبل هذه المرة، والمن: الإحسان إلى من لا يَسْتَثيِبه (١). وذكرنا معاني المَن عند قوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية.
٣٨ - وقوله تعالى: ﴿مَرَّةً أُخْرَى﴾ تفسيره قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ﴾ قال المفسرون: (وحي إلهام) (٢). مثل: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨] أي: ألهمناها حين عيت بأمرك، بلطف إلهامنا إياها ما كان فيه سبب نجاتك من القتل.
وقوله تعالى ﴿مَا يُوحَى﴾ أي: ما يلهم، ثم فسر هذا الملهم بقوله:
٣٩ - ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾. وذكر ابن الأنباري في قوله: ﴿مَا يُوحَى﴾ وجهين أحدهما: (أن معناه وأوحينا إلى أمك الذي يجوز أن يوحى إليها، والضرب الذي يمكن أن تكون مختصة به؛ لأنه ليس كل الأمور يصلح وحيها إليها، فكأنها اختصت بما يجوز أن يختص به أمثالها ممن ليس بنبي ولا رسول. والثاني: أن ﴿مَا يُوحَى﴾ أفاد في الآية توكيد أوحينا، كأنه قيل: أوحينا إلى أمك إيحاء) (٣). ومعنى: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ اجعليه فيه بأن ترميه فيه، واستعمل لفظ القذف هاهنا للعجلة، كي تعجل قبل أن يطلع
стр. 8253
عليها الذابحون. ومعنى القذف في اللغة: الرمي بالسهم والحصى والكلام وكل شيء، ويقال للسب: القذف؛ لأنه رمي بالقبيح من القول (١).
وقوله تعالى: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ قال ابن عباس: (يريد النيل) (٢)
قال الليث: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر الذي لا يدرك قعره ولا شطاه) (٣)
قال الأزهري: (﴿الْيَمِّ﴾: البحر، وهو معرب وأصله بالسريانية، فعربته العرب وأصله: يم، ويقع اسم اليم على ما كان ماؤه ملحًا زعاقًا، وعلى النهر الكبير العذب الماء كالذي في هذه الآية، وهو نهر النيل بمصر وماؤه عذب. قال الله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فجعل له ساحلاً، وهذا كله دليل على بطلان قول الليث في اليم) (٤).
قال صاحب النظم: (اشترك في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ﴾ الأمر والجزاء؛ لأنه جواب لقوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وهو أمر بالإلقاء، فصار كقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾ [العنكبوت: ١٢]، فقوله: ﴿اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا﴾ أمر وله جواب، وجوابه في قوله: (نحمل)، ودخول الواو واللام دلالة على استئناف أمر لنفسه، كما قال الشاعر (٥):
стр. 8254
فَقُلْتُ ادْعِي وأَدْعُ فَإنَّ أَنْدَى ... لِصَوْتِ أَنْ يُنَادِيَ دَاعِيَانِ
بمعنى: ولأَدْعُ أنا، فهو جواب وأمر لنفسه بذلك، وذكرنا هذا في قوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالَةِ فَلْيَمْدُدْ﴾ [مريم: ٧٥] (١)).
وهذا الذي ذكره صاحب النظم شرح ما ذكره الفراء وبيانه (٢). والساحل: شاطئ البحر، والوادي سمي ساحلاً؛ لأن الماء يسحله أي: يقشره إذا علاه، وهو فاعل بمعنى مفعول هاهنا، ذكره الأزهري (٣). وذكر في التفسير: أن النيل ألقاه إلى مشرعة (٤) آل فرعون (٥).
стр. 8255
وقوله تعالى: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ يعني فرعون، ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (لا يراك أحد إلا أحبك، لا مؤمن ولا كافر) (١).
وقال سلمة بن كهيل (٢): (حببتك إلى عبادي) (٣).
وقال عكرمة: (حسن وملاحة) (٤). فحيث أبصرت وجهه آسيه (٥)، قالت لفرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ وروي عن ابن عباس أنه قال: (أحبه وحببه إلى خلقه) (٦).
وقال العوفي: (جعل عليه مسحة من جمال لا يكاد يصبر عنه من
стр. 8256
رآه) (١).
وقال قتادة: (ملاحة كانت في عيني موسى ما رآه أحد إلا عشقه) (٢).
وقال في رواية سعيد بن جبير: (ألقى عليه منها محبة لم يلق منها على أحد من البشر) (٣). وهذا كلام المفسرين.
فأما ظاهر اللفظ فإنه يقتضي أن الله تعالى أحبه، وحب الله تعالى إياه أعظم نعمة وأجمل إحسان (٤). ومن قال: إنه حببه إلى خلقه كان المعنى: ألقيت عليك محبة للعباد، وهي مني مخلوقة لي. ومن فسر هذه المحبة بالحسن والجمال كان المعنى: ألقيت عليك سبب محبة، فسمي سبب الحب حبًا، أو حذف المضاف.
وقال أبو عبيدة في هذه الآية: (يقول: جعلت لك محبة عندي وعند
стр. 8257
غيري) (١). أحبك فرعون فسلمت من شره، وأحبتك امرأته آسية فتبنتك. واستعملت لفظة الإلقاء للمبالغة في هذا المعنى، والعرب تقول إذا أحب الواحد منهم أخاه: ألقيت عليك رحمتي وشفقتي، فيكون هذا أبلغ من قولهم: رحمتك وأشفقت عليك (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ قال المفسرون: (ولتربي تغذي) (٣). يقال: صنع الرجل جاريته، وصنعها إذا رباها، وصنع فرسه إذا داوم على علفه والقيام عليه، ومن هذا يقال: فلان صنيع فلان، وصنيعته، إذا رباه وأبه حتى يخرجه (٤).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى عَيْنِي﴾ ذكر المفسرون في تفسيره: (مرآى مني) (٥). وهو جائز من حيث اللفظ، ولكن لا يكون في هذا تخصيص لموسى، فإن جميع الأشياء بمرآى من الله لا يغيب عن رؤيته شيء. والصحيح في هذا ما روى قتادة أنه قال: (لتغذى على محبتي وإرادتي) (٦). واختاره أبو عبيدة وذكره فقال: (أي لتربي وتغذي على محبتي وما أريد.
стр. 8258
قال: والعرب تقول: اتخذه لي على عيني، أي على محبتي) (١).
وقال ابن الأنباري: (العين في هذه الآية يقصد بها قصد الإرادة والاختيار، من قول العرب: غذى فلان على عيني أي على المحبة مني والإشفاق) (٢).
وأنشد لخفاف بن ندبة (٣):
إِن تَكُ خَيْلِي قَدْ أُصِيبَ صَمِيمُها ... فَعَمْدًا عَلى عَيْنٍ تَيَمَّمْتُ مَالِكَا
وذكر صاحب النظم في اللام التي في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ أوجهًا أحدها: (أنها متصلة بما قبلها، وهو قوله: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى﴾؛ لأن ذلك الإيحاء كان من أسباب تربية موسى على ما أراد الله، وعلى هذا يجب أن تكون الواو مقحمة زائدة في ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾. الثاني: أن اللام متصلة بما بعدها، وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ كأن المعنى:
стр. 8259
ولتصنع على عيني قدرنا مشي أختك، وقولها: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ قال: وقيل أيضًا: ولتصنع على عيني فعلمنا ذلك، كما قلنا في مثل هذا في مواضع) (١).
٤٠ - قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ [يعني حين قالت لها أم موسى: قصيه فاتبعت موسى على أثر الماء.
وقوله تعالى: ﴿فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ﴾ [القصص: ١٢] الآية. (٢)، قال الفراء: (كثير وهو من كلام العرب أن تجتزي بحذف كثير من الكلام إذا كان المعنى معروفًا) (٣).
وقوله تعالى: ﴿عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: يرضعه ويضمه إليه (٤)، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]. فقيل له: ثم رددناك إليها كي تقر عينها بك وبرؤيتك. وذكرنا الكلام في قراءة العين عند قوله: ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ [مريم: ٢٦].
وقوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا﴾ يعني: القبطي الذي وكزه موسى فقضى عليه (٥).
стр. 8260
وقوله تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: [(يريد الهم الذي كنت تخافه من عذاب الله، ومن قتل فرعون، فخلصناك منه حين هربت إلى مدين) (١).
وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال ابن عباس في رواية علي بن أبي طلحة: (أختبرناك اختبارًا) (٢). واختاره الزجاج، وابن قتيبة (٣).
وقال الفراء: (أبتليناك بغم القتل) (٤).
وتفسير ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ بالاختبار والابتلاء صحيح، إلا أنه لا يأتي بالمعنى هاهنا، والوجه ما ذكره ابن عباس في رواية عطاء قال: (يريد خلصناك إخلاصًا من الذبح وغيره) (٥). وهذا قول سعيد بن جبير حين سأله عن الفتون ما هو؟ في حديث طويل (٦).
стр. 8261
وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) (١). وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) (٢). ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال: بلاء على كل بلاء) (٣). وعلى هذا معنى ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾: خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب (٤). والفتون مصدر.
قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل
стр. 8262
القبطي. والفتنة] (١) في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته (٢) فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) (٣).
وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين] (٤) ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء (٥).
وقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) (٦).
وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) (٧).
وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) (٨). والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات
стр. 8263
الحاجة إليه (١)، قال جرير (٢):
نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ
وعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] (٣) وهو مبلغه. قال الزجاج: (قيل: على قدر من تكليمي إياك) (٤). وهو هذا المعنى الذي ذكرناه وإنما لم يوصف القدر وهو نكره؛ لأنه معلوم عند الله، وعند الناس كم هو. وقال مجاهد: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ علي موعد) (٥). وهذا أيضًا بالمعنى الأول؛ لأنه لم يسبق بين الله وموسى مواعدة للمجيء حتى يقال: إن موسى أتى على ذلك الوعد، ولكن المعنى: على الموعد الذي وعده الله وقدره في علمه أن يوحي إليه الرسالة وهو أربعون سنة. وهذا معنى قول محمد بن كعب: (ثم جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء) (٦).
وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) (٧). يعنىِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) (٨).
стр. 8264
وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) (١). وروى مغيرة (٢) عن إبراهيم: (أنه كان يكره أن يضرب المثل في القرآن) (٣). مثل قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾.
٤١ - قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى الإنسان، وهذا افتعال من الصنع (٤). قال الشاعر (٥):
فَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَة فَاقْصد بِها ... الله ولِذَوي القَرَابة أَودَع
ومعنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ قال ابن عباس: (يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي) (٦).
وقال الكلبي (٧): (اخترتك بالرسالة لنفسي، لكي تحبني وتقوم بأمري) (٨).
стр. 8265
قال أهل المعاني: (معنى ﴿لِنَفْسِي﴾ لتتصرف بإرادتي ومحبتي). وجاز ﴿لِنَفْسِي﴾ بمعنى لمحبتي؛ لأن المحبة أخص شيء بالنفس، فحسن أن يجعل ما اختص بها مختصًّا بالنفس على هذا الوجه. وهذا معنى قول ابن عباس: (لوحيي ورسالتي) (١). لأن تبليغه الوحي وقيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله تعالى ومحبته (٢).
وقال بعضهم: (معنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي) (٣). أي: لتتكلم عني وتبلغ عني وتقيم حجتي على خلفي. وهذا ظاهر في معنى لنفسي، وقد كشف عنه أبو إسحاق فقال: (تأويله: اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب عني والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت