← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8261–8300 · переход к 8266.

стр. 8261

وعن مجاهد في رواية ابن أبي نجيح قال: (الفتون وقوعه في محنة خلصه الله منها أولها: أن أمه حملته في السنة التي كان يذبح الأطفال فيها، ثم: إلقاؤه في البحر، ثم: منعه الرضاع إلا من ثدي أمه، ثم: جره لحية فرعون حتى هم بقتله، ثم: تناوله الجمرة بدل الدرة، ثم: مجيء رجل من شيعته يسعى ليخبره بما عزموا عليه من قتله) (١). وهذا معنى قولهما وقد اختصرته. وكان ابن عباس يقص القصة على سعيد بن جبير ويقول عند كل بلية: (هذا من الفتون يا ابن جبير) (٢). ويؤكد هذا ما روي عن سفيان أنه قال: (بلغني عن ابن عباس في هذه: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال: بلاء على كل بلاء) (٣). وعلى هذا معنى ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾: خلصناك من تلك المحن، كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبيث وشائب (٤). والفتون مصدر. قال ابن الأنباري في القول الأول: (معناه الامتحان الذي يبتلى معه صبر الممتحن، والأنبياء وأهل الخير يختبرهم الله تعالى ليسعدهم، ويجعل حسن العقبى لهم، فتفسير: ﴿وَفَتَنَّاكَ﴾ ابتليناك بغم القتل، يعني: قتل

стр. 8262

القبطي. والفتنة] (١) في القول الثاني: الإخلاص من قولهم: فتنته (٢) فتنة في النار، إذا خلصته مما يتعلق به مما يفسده) (٣). وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ﴾ [نظم الآية: وفتناك فتونًا، فخرجت خائفًا إلى أهل مدين، فلبثت سنين] (٤) ولكنه من الحذف الذي ذكره الفراء (٥). وقوله تعالى: ﴿فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ يعني بلد شعيب، وكان على ثمان مراحل من مصر. ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ قال ابن عباس: (يريد موافقًا للنبوة؛ لأن الأنبياء لا يبعثون إلا أبناء أربعين سنة) (٦). وقال قتادة: (على قدر الرسالة والنبوة) (٧). وقال ابن كيسان: (على رأس أربعين سنة، وهو القدر الذي يوحى فيه إلى الأنبياء) (٨). والعرب تقول: جاء فلان على قدر، إذا جاء لميقات

стр. 8263

الحاجة إليه (١)، قال جرير (٢): نَالَ الخِلاَفَةَ إِذْ كَانَتْ لَه قَدَرًا ... كَمَا أَتَى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ وعلى هذا معنى القدر: قدر السن [الذي هو: أربعون سنة] (٣) وهو مبلغه. قال الزجاج: (قيل: على قدر من تكليمي إياك) (٤). وهو هذا المعنى الذي ذكرناه وإنما لم يوصف القدر وهو نكره؛ لأنه معلوم عند الله، وعند الناس كم هو. وقال مجاهد: (﴿عَلَى قَدَرٍ﴾ علي موعد) (٥). وهذا أيضًا بالمعنى الأول؛ لأنه لم يسبق بين الله وموسى مواعدة للمجيء حتى يقال: إن موسى أتى على ذلك الوعد، ولكن المعنى: على الموعد الذي وعده الله وقدره في علمه أن يوحي إليه الرسالة وهو أربعون سنة. وهذا معنى قول محمد بن كعب: (ثم جئت على القدر الذي قدرت أنك تجيء) (٦). وقال الفراء: (يريد على ما أراد الله من تكليمه) (٧). يعنىِ على ذلك السن. وقال الكلبي: (وافق الكلام عند الشجرة) (٨).

стр. 8264

وقال الليث: (وإذا وافق الشيء الشيء قلت: جاء قدره) (١). وروى مغيرة (٢) عن إبراهيم: (أنه كان يكره أن يضرب المثل في القرآن) (٣). مثل قوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾. ٤١ - قوله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ الاصطناع: اتخاذ الصنيعة وهي الخير تسديه إلى الإنسان، وهذا افتعال من الصنع (٤). قال الشاعر (٥): فَإذا اصْطَنَعْتَ صَنِيعَة فَاقْصد بِها ... الله ولِذَوي القَرَابة أَودَع ومعنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾ قال ابن عباس: (يريد اصطنعتك لوحيي ورسالتي) (٦). وقال الكلبي (٧): (اخترتك بالرسالة لنفسي، لكي تحبني وتقوم بأمري) (٨).

стр. 8265

قال أهل المعاني: (معنى ﴿لِنَفْسِي﴾ لتتصرف بإرادتي ومحبتي). وجاز ﴿لِنَفْسِي﴾ بمعنى لمحبتي؛ لأن المحبة أخص شيء بالنفس، فحسن أن يجعل ما اختص بها مختصًّا بالنفس على هذا الوجه. وهذا معنى قول ابن عباس: (لوحيي ورسالتي) (١). لأن تبليغه الوحي وقيامه بأداء الرسالة تصرف على إرادة الله تعالى ومحبته (٢). وقال بعضهم: (معنى ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجتي) (٣). أي: لتتكلم عني وتبلغ عني وتقيم حجتي على خلفي. وهذا ظاهر في معنى لنفسي، وقد كشف عنه أبو إسحاق فقال: (تأويله: اخترتك لإقامة حجتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتى صرت في الخطاب عني والتبليغ عني بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم واحتججت

стр. 8266

عليهم) (١). ٤٢ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ قال ابن عباس: (يعني الآيات التسع التي بعث بها موسى) (٢). وقال آخرون: (بحججي) (٣). وقال ابن الأنباري: (يجوز أن يريد ﴿بِآيَاتِي﴾ العصا، واليد، وأوقع عليهما اسم الجمع، ويجوز أن يريدهما مع حل العقدة من لسانه التي لم يزل موسى يعرف بها) (٤). قال الكلبي: (وكان هارون يومئذ بمصر، فألهم أن يتلقى موسى، فتلقاه من مصر، فلما لقي موسى قال له موسى: إن الله أمرني أن آتي فرعون فسألت ربي أن يجعلك معي) (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ أي: (لا تضعفا ولا تفترا)، قاله المفسرون (٦).

стр. 8267

يقال: وَنَى، يَنِي، وَنْيًا، ووَانٍ إذا ضعف (١). قال العجاج (٢): فَمَا وَنَى مُحَمَد مُذْ أَنْ غَفَر ... لَه الإِلَه مَا مَضَى ومَا غَبَر ويقال: هو وَانٍ في الأمر ومُتَوَان. وقوله تعالى: ﴿فِي ذِكْرِي﴾ قال الفراء: (في ذكري، وعن ذكري سواء) (٣). والمعنى: لا تقصرا في ذكري بالإحسان إليكما والإنعام عليكما. وذكر النعمة شكرها. ٤٣ - قوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ﴾ تكرير الأمر بالذهاب للتأكيد. ﴿إنه طغى﴾ قد مر في هذه السورة (٤). ٤٤ - ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ ذكر ابن عباس فيه قولين: أحدهما: (كنياه) (٥)، وهو قول عكرمة، والسدي (٦). واختلفوا في كنيته فقيل: أبو العباس، وأبو الوليد، وأبو مرة (٧).

стр. 8268

والثاني: (أن القول اللين هو: أن موسى أتاه فقال له: تسلم وتؤمن بما جئت به، وتعبد رب العالمين على أن لك شبابك فلا تهرم إلى الموت، وملكًا لا ينزع منك حتى تموت، ولا ينزع منك لذة المطعم والمشرب والنكاح حتى تموت، وينسى في أجلك أربع مائة سنة، فإذا مت دخلت الجنة) (١). فهذه الكلمات اللينات التي أتى بها موسى فرعون، وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء، وأبي صالح السدي عن أبي مالك، ومرة عن ابن مسعود، وناس من الصحابة (٢). وقال مقاتل: يعني بالقول اللين: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٩,١٨] (٣). وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ أي: ادعوه على الرجاء والطمع، لا على الناس من فلاحه، فوقع التعبد لهما على هذا الوجه؛ لأنه أبلغ في دعائه إلى الحق بالحرص الذي يكون من الراجي (٤). وقد كشف أبو إسحاق عن هذا المعنى فقال: (خاطب الله العباد بما

стр. 8269

يعقلون، والمعنى في هذا عند سيبويه: اذهبا على رَجَائِكُمَا وطَمَعكُما (١). والعلم من الله قد أتى من رواء ما يكون، وإنما تبعث الرسل وهي لا تعلم الغيب، ولا تدري أيقبل منها أم لا، وهم يرجون ويطمعون أن يقبل منهم، ومعنى (لعل) متصور في أنفسهم، وعلى تصور ذلك تقوم الحجة، وليس علم الله بما سيكون يجب به الحجة على الآدميين، ولو كان ذلك لم يكن في الرسل فائدة) (٢). وقال ابن الأنباري: (مذهب الفراء في ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ﴾ كي يتذكر ويخشى في تقديركما وما تمضيان عليه) (٣). ٤٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا﴾ أي: يبادر ويعجل بعقوبتنا. قاله ابن عباس، ومجاهد، والمفسرون (٤). وجميع أهل اللغة. [يقال: فَرَطَ علينا فلان إذا عجل بمكروه، وفَرَطَ منه أمرًا أي: بدر وسبق (٥). وقال الكسائي] (٦): (يقال: فَرَطَ عليهم، يَفْرُطُ، فُرُوطًا، وفَرْطًا، وفُرطَانا) (٧).

стр. 8270

وقال الأصمعي: (يقال: فَرَطْتُ القوم، وأنا أَفْرِطُهم فَرْطًا إذا تقدمتهم، ومنه الفَارِطُ والفَرَطُ إلى الماء) (١). وذكرنا هذا الحرف عند قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]. وقال ابن الأعرابي: (الفَرَطُ: العجلة، يقال: فَرَطَ يَفْرُطُ) (٢). وقوله تعالى: (أو أن يطغى) أي: يجاوز الحد في الإساءة بنا. قال الكلبي: (يقتلنا) (٣). ٤٦ - ﴿قَالَ لَا تَخَافَا﴾ جواب لقولهما: ﴿إِنَّنَا نَخَافُ﴾ [وقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا﴾ وعد لهما في النصرة والمعونة والغلبة] (٤) (٥). وقوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ قال ابن عباس: (أسمع دعاءكما فأجيبه، وأرى ما يراد بكما فأمنع) (٦). والمعنى: لست بغافل عنكم فلا تهتما (٧).

стр. 8271

٤٧ - قوله تعالى: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ قيل: العصا (١)، وقيل: اليد (٢). وقال ابن الأنباري: (أراد جميع (٣) آيات موسى، فذكرها بلفظ الواحد، كما تقع اللفظة على جماعة الألفاظ والكلمة على جملة الكلمات) (٤). ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (يريد من الله على من اتبع البيان الذي جاء به موسى) (٥). وقال أبو إسحاق: (ليس يعني به التحية، وإنما معناه: أن من اتبع الهدى يسلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس سلام: أنه ليس ابتداء لقاء وخطاء) (٦). والذي ذكره عطاء يحتمل التحية ويحتمل ما قاله أبو إسحاق. وقال الفراء: (يريد والسلامة على من أَتبع الهدى، ولمن ابتع الهدى

стр. 8272

واحد. قال: ويدل على صحة هذا المعنى. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾) (١). أي: إنما يعذب الله تعالى من كذب بما جئنا به، وأعرض عنه، فأما من اتبعه فإنه يسلم من العذاب. وقيل: هذه أرجى آية (٢) في كتاب الله للمؤمنين، وذلك أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب أنبياء الله وأعرض عن الإيمان (٣). و ﴿الْعَذَابَ﴾ هاهنا اسم الجنس وظاهر هذا موجب أن من صدق وآمن لم يكن عليه شيء من العذاب. ٤٩ - وقوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ قال أبو إسحاق: (المعنى فأتياه فقالا له ما أخبر الله في كتابه، فقال لهما فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ دليل على أنهما أتياه فقالا له) (٤). وفي قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَا مُوسَى﴾ وجهان أحدهما: أن المعنى فمن ربك وربه يا موسى، فغلب الخطاب؛ لأن المخاطب كان موسى دون هارون. [الثاني: أن كليهما مخاطب، ترك ذكر هارون] (٥) اكتفاء بموسى ولموافقة رؤوس الآي (٦). ويدل على أن المخاطب موسى دون هارون قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا﴾ ولم يقل: قالا ولو كان الخطاب لهما كان الجواب منهما.

стр. 8273

٥٠ - وقوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ فيه وجهان أحدهما: ما قاله مجاهد وهو أنه قال: (لم يجعل خلق الإنسان كخلق البهائم، ولا خلق البهائم كخلق الإنسان، ولكن خلق كل شيء فقدره تقديرًا) (١). وأكثر أقوال المفسرين تعود على هذا. قال عطية، ومقاتل: (﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ يعني صورته) (٢). فهذا كقول مجاهد؛ لأن المعنى خلق كل جنس من الحيوان على صورة أخرى. وقال الحسن، وقتادة: (أعطى كل شيء صلاحه وما يصلحه) (٣). والمعنى ما يصلحه من الخلق والصورة، فكل شيء أعطي من الصورة ما يصلح لما خلق له. وقوله تعالى: (ثم هدى) قالوا: هداه لما يصلحه من معيشته ومشربه ومنكحه إلى غير ذلك. وهذا القول اختيار أبي إسحاق وبينه فقال: (معناه: خلق كل شيء على الهيئة التي بها ينتفع، والتي هي أصلح الخلق له، ثم هداه لمعيشته) (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: (يريد أتقن كل ما خلق) (٥). والمعنى على هذا: أعطى كل شيء تمام خلقه.

стр. 8274

[الوجه الثاني في تفسير هذه الآية قول الكلبي، والسدي قالا: (أعطى الرجل المرأة، والبعير الناقة، والذكر الأنثى من جنسه) (١). وعلى هذا المعنى أعطى كل شيء من جنس خلقه] (٢). وصرح السدي بهذا اللفظ قال: (أعطى الذكر الأنثى مثل خلقه (ثم هدى) قال: إلى الجماع) (٣). وهو قول الكلبي (٤). والمعنى: ألهم كيف يأتي الذكر الأنثى في النكاح. وهذا القول اختيار ابن قتيبة (٥)، والفراء. قال الفراء: (أعطى الذكر من الناس امرأة مثله من صنفه، والشاة شاة، والثور بقرة (ثم هدى) ألهم الذكر المأتى) (٦). قال أبو إسحاق: (وهذا التفسير جائز؛ لأنا نرى الذكر من الحيوان يأتي الأنثى، ولم يرى ذكرًا قد أتى أنثى قبله، فألهمه الله ذلك وهداه إلى المأتى. قال: والقول الأول ينتظم هذا المعنى؛ لأنه إذا هداه لمصلحته فهذا داخل في المصلحة) (٧). وروي عن الضحاك قول آخر في ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ قال: (يعني اليد: البطش، والرجل: المشي، واللسان: النطق، والعين: البصر،

стр. 8275

والأذن: السمع) (١). والمعنى على هذا: أعطى كل عضو من الأعضاء ما خلق له من النفع الذي فيه (٢). والخلق في هذا القول في معنى المخلوق، والبطش والمشي والنظر وهذه المعاني كلها مخلوق لله تعالى، أودعها الأعضاء وأعطاها. والاحتجاج على فرعون من هذا الجواب: أنه قد ثبت خلق وهداية لا خلاف، ولابد لهما من خالق وهاد، ذلك الخالق والهادي هو الرب، لا رب غيره، فلما دعاه إلى دين الله وإتباع الهدى واحتج عليه بأن الرب هو الخالق الهادي. ٥١ - قال له فرعون: ﴿قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ما حال القرون التي مضت) (٣). ومعنى البال هاهنا: الحال والشأن (٤). والمعنى: ما حالها فإنها لم تقر بالله وبما تدعو إليه، ولكنها عبدت

стр. 8276

الأوثان. ويعني بالقرون الأولى: الأمم المتقدمة مثل: قوم نوح، وعاد، وثمود. ٥٢ - فقال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ قال أبو إسحاق: (أي أعمالهم محفوظة عند الله يجازي بها) (١). وعلى هذا يكون التقدير: علم أعمالها عند ربي ﴿فِي كِتَابٍ﴾ قال الكلبي: (اللوح المحفوظ) (٢). والمعنى: أن أعمالهم مكتوبة مثبتة. ومعنى هذا الجواب أنهم يجازون بما عملوا، وأنت تجازى بما تعمل، كما قال في آية أخرى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٤]. وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ تأكيد وتحقيق للجزاء بالأعمال. قال: يريد لا يترك من كفر به حتى ينتقم منه، ولا ينسى من وحده حتى يجازيه. وقال الكلبي: (لا يخطئ ربي ولا ينسى ما كان من أمرهم، حتى يوافيهم بأعمالهم بالحسن حسنًا وبالسيئ سيئًا) (٣). قال الفراء: (يقال أضللت الشيء: إذا ضاع منك مثل: الدابة وما أشبهها إذا انفلت منك، وإذا أخطأت موضع الشيء الثابت مثل: الدار والمكان، قلت: ضللته ولا يقال أضللته) (٤).

стр. 8277

وقال أبو إسحاق: (ضَلَلْتُ الشيء أَضِلُّه إذا جعلته في مكان لم تدر أين هو، وأَضْلَلْتُه أضعته) (١). وتقدير الآية: لا يضله ربي ولا ينساه، يعني به الكتاب، ويجوز لا يضلها ولا ينساها، يعني به القرون. هذا كلامهما، والمعنى على ما ذكر الفراء: لا يخطئ ربي كما ذكره الكلبي. وعلى ما ذكر أبو إسحاق معنى يضل: ينسى. وقد قال مجاهد: (يضل ربي ولا ينسى هما شيء واحد) (٢). وقال السدي: (لا يغفل ولا يترك شيئًا) (٣). فجعل النسيان بمعنى: الترك. وفي قول مجاهد النسيان معناه: ضد الذكر. وقال أبو عمرو: (يقال أَضْلَلْتُ بعيري: إذا كان معقولاً فلم يهتد لمكانه، وأَضْلَلْتُه إِضْلاَلاً: إذا كان مطلقًا فذهب ولا يدري أين ذهب وأخذ، وكل ما جاء من الضَّلال من قِبَلِك قلت: ضَلَلْتُه، وما جاء من المفعول به قلت: أَضْلَلْته. قال: وأصل الضلال: من الغيبوبة، يقال: ضَلَّ الماء في اللبن إذا غاب، وضَلَّ الكافر غاب عن الحجة، وضَلَّ الناسي إذا غاب عن حفظه) (٤). وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ أي: لا يغيب عن شيء ولا يغيب عنه شيء. وقال ابن الأنباري: (مذهب مقاتل في هذه الآية: أن عدو الله فرعون كان قد قال له مؤمن آل فرعون: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ (٣٠) مِثْلَ

стр. 8278

مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [غافر: ٣١ - ٣١]. وكان هذا في قلب فرعون يحب أيعلم حالاتهم، فلما أورد موسى عليه الآية الباهرة التي عجز عن معارضتها أحب أن يعلم من جهته أخبارهم، ولم يكن عند موسى في ذلك الوقت علم بأخبارهم؛ لأنه عرف أخبار القرون من التوراة ولم تنزل التوراة على موسى إلا بعد هلكة فرعون وغرقه) (١). فلذلك قال موسى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ﴾ يعني: اللوح المحفوظ، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ قال وذهب الأولون إلى أن المعنى في: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لا يضل الكتاب من ربي. قال وهذا باطل؛ لأن الخافض لا يحتمل له سقوط في مثل هذا المكان، لا يجوز أن تقول: سقط الدرهم كمك. وأنت تريد من كمك، كذلك هاهنا لا يجوز) (٢). ٥٣ - قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ وقرئ: مهدًا (٣). قال أبو علي: (المهد مصدر كالفرش، والمهاد مثل الفِراش والبِساط، وهما اسم ما يفرش ويبسط، ويجوز أن يكون المهد استعمل استعمال الأسماء فجمع كما يجمع فَعْل على فِعَال والأول أبين، قال: ويجوز أن يكون المعنى في قوله: ﴿مَهْدًا﴾ ذات مهد، فيكون في المعنى كقول من قال: مهادًا) (٤).

стр. 8279

وقوله تعالى: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ السلك: إدخال الشيء في الشيء يسلكه فيه قال الله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ [المدثر: ٤٢]، والطاعن يسلك الرمح في المطعون (١). أدخل في الأرض لأجلكم طرقًا تسلكونها، كما قال ابن عباس: (سهل لكم فيها طرقًا) (٢). ولما كانت الطرق المسلوكة ممتدة على الأرض ظاهرة عليها جعلت كأنها مسلوكة فيها، وإن كانت من الأرض تشبيهًا بالشيء الذي يسلك في الشيء. ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني: المطر ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾ قال صاحب النظم: (تم الإخبار والحكاية عن موسى عند قوله: ﴿مَاءً﴾ ثم أخبر الله تعالى عن نفسه متصلاً بالكلام الأول بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يدل على هذا قوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ [طه: ٥٤]، قال: وقد قيل: إن معناه مضاف إلى موسى على تأويل: الذي أنزل من السماء ماء فأخرجنا نحن معاشر عباده ﴿بِهِ﴾ بذلك الماء ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ على الحراثة، أي: إنما حرثناه بذلك الماء، ولولا ذلك الماء ما نبت كما قال سبحانه: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ﴾ [الواقعة: ٦٣]، فأضاف الحراثة إليهم) (٣). وقوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ قال ابن عباس: (يريد أصنافًا من النبات مختلفة) (٤). وقال الكلبي: (﴿شَتَّى﴾ مختلفاً ألوانه أبيض وأحمر

стр. 8280

وأخضر وأصفر كل لون منها زوج) (١). وقال الفراء: (﴿شَتَّى﴾ مختلف الألوان والطعوم) (٢). والزوج: اللون، والأزواج: الألوان، قال الأعشى (٣): وَكُلُّ زَوْجٍ منْ الدَّيْبَاجٍ يَلْبَسُهُ ... أَبُو قُدَامَةَ مَحْبُوا بِذَاكَ مَعَا وتقدم الكلام في معاني الزوج (٤). وقوله تعالى: ﴿شَتَّى﴾ معناه: مختلف متفرق، ولا واحد له من لفظه، مثل: فوضى، يقال: شتَّ الشيء إذا تفرق، يَشِتُّه شَتَّا وشَتَاتًا وشَتّتَه إذا فرقه، وأَشَتَّه وشَتّتَه ويقال: وقعوا في أمرٍ شَتّ وشتَّى (٥). و ﴿شَتَّى﴾ في هذه الآية نعت للأزواج؛ لأن المراد ألوان مختلفة، ويجوز أن يكون من نبات (٦). قال الأخفش: (كل ذلك مستقيم) (٧). ذكر ابن الأنباري القولين فقال: (النبات يقع على جمع لا ينفرد

стр. 8281

واحده، وكذلك ﴿شَتَّى﴾) (١). وذهب بها مذهب: عطشى، وكسلى، وإن قدر واحد النبات نباتة، وواحد شَتَّى شَتيت صح ووضح التشاكل، وإن حمل ﴿شَتَّى﴾ على أزواج، وقدر أزواجًا شَتَّى من نبات فهو معنى صحيح. ٥٤ - قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ أي: مما أخرجنا بالمطر من النبات، ﴿وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ يقال: رعت الماشية الكلأ رعيًا، ورعاها صاحبها رعاية، إذا أسامها وسرحها وأراحها (٢). والمعنى: أسيموا مواشيكم فيما أنبتناه بالمطر، وهذا أمر إباحة (٣) معناه التذكير بالنعمة، قال ابن عباس: هذا كقوله: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا﴾ -إلى قوله- ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٧ - ٣٢]) (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ معنى ما ذكر من الدلالة على توحيده ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ قال اللحياني: (النَّهْيَة: العقل، والنُّهَى جمع نُهْيَه، ورجل نَهٍ ونَهِىُّ من قوم نَهِين وأَنْهِياء، ولقد نَهُوَ ما شاء، كل ذلك من العقل. وسمي العقل نَهْيَة؛ لأنه يُنْتَهَى إلى ما أَمَر به، لا يُجَاوز أَمْرَه) (٥). وقال أبو إسحاق: (يقال: فلان ذُو نُهْيةٍ، ومعناه ذُو عَقل يَنْتَهي به عن

стр. 8282

المقابح ويدخل به في المحاسن، قال: وقال أهل اللغة: ذُو النُّهْيِةِ الذي يُنْتَهَى إلى رأيه وعقله، قال: وهذا أحسن أيضًا) (١). وهذا معنى قول اللحياني في اشتقاق النهيه. وقال أبو علي: (لا يخلو النُّهَى من أن يكون مصدرًا كالهدى، أو جمعًا كالظلم. وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي النُّهَى﴾ يقوي أنه جمع لإضافة الجمع إليه، وإن كان المصدر يجوز أن يكون مفردًا في موضع الجمع؛ لأنه لا يثنى ولا يجمع، والنُّهى معناه في اللغة: الثبات والحبس، ومنه النهى والتنهية للمكان الذي ينتهي إليه الماء فيستنقع فيه لشغله ولمنعه بارتفاع ما حوله من أن يسيح فيذهب على وجه الأرض) (٢). هذا كلامه. وقد رجع القولان في اشتقاق النُّهية إلى قول واحد، وهو الحبس، والنُّهية هي التي تنهي وتحبس عن المقابح (٣). قال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ يريد العبرة لذوي العقول) (٤). يريد للذين يتناهون بعقولهم عن معاصي الله. ونحو هذا قال الضحاك (٥).

стр. 8283

وقال في رواية الوالبي: (لذوي التقى) (١). وقال قتادة: (لذوي الورع) (٢). وهذا معنى وليس بتفسير، وذلك أن ذا العقل يكون ورعًا تقيًا، ليس أن النهي تكون بمعنى الورع والتقى. وقال أهل المعاني: (إنما اختص أولو النهى؛ لأنهم أهل الفكر والاعتبار والتدبر والاتعاظ) (٣). ٥٥ - قوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾ أي: من الأرض، وجرى ذكرها عند قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه: ٥٣]، ﴿خَلَقْنَاكُمْ﴾ يعني خلق آدم من الأرض والبشر كلهم منه (٤). ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ أي: بعد الموت ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ يريد عند البعث، يعني كما أخرجكم أولًا عند خلق آدم من الأرض. قال الزجاج: (لأن إخراجهم وهم تراب بمنزلة خلق آدم من تراب، فكأنه قال -والله أعلم-: ومنها نخلقكم تارة أخرى) (٥). ومضى الكلام في تارة عند قوله: ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى﴾ [الإسراء: ٦٩]. ٥٦ - وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ﴾ يعني فرعون ﴿آيَاتِنَا كُلَّهَا﴾ يعني الآيات التسع ومضى تفصيلها (٦). ﴿فَكَذَّبَ﴾ نسب جميع ذلك إلى الكذب،

стр. 8284

أو نسب موسى إلى الكذب ﴿وَأَبَى﴾ وأمتنع أن يقبل التوحيد، ونَسَب موسى إلى السحر. ٥٧ - وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا﴾ يعني: مصر ﴿بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ تريد أن تغلب على ديارنا بسحرك، فتمتلكها وتخرجنا منها. ٥٨ - ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ فلنقابلن ما جئتنا به من السحر بسحر مثله ﴿فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا﴾ الموعد في اللغة: يجوز أن يكون اسمًا للوعد فيكون مصدرًا، ويجوز أن يكون اسمًا لمكان الوعد (١). كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ﴾ [الحجر: ٤٣]. فالموعد هاهنا ينبغي أن يكون مكانًا؛ لأن جهنم مكان، ويجوز أن يكون الموعد اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ [هود:٨١]، والذي في هذه الآية هو المصدر: اجعل بيننا وبينك وعدًا، ويدل على هذا قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: لا نخلف ذلك الوعد، والإخلاف: أن يعد العدة فلا ينجزها. وقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ ينتصب على الظرف للوعد (٢)، وعند البصريين لا يجوز أن يكون ظرفًا للوعد الظاهر في الآية ويتعلق به؛ لأنه قد وصف بالجملة التي هي ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ وإذا وصف لم يجز أن يتعلق به بعد الوصف له شيء منه؛ لأنه لا يوصف الاسم قبل تمامه،

стр. 8285

وكذلك لا يعطف عليه ولا يؤكد ولا يخبر عنه، والوصف والعطف والتوكيد والخبر كل هذا يؤذن بتمام الاسم، فلا يجوز أن يتعلق بالاسم بعد هذه الأشياء شيء، مثال ذلك أنك لا تقول: هذا ضارب ظريف زيدًا على أن ينصب زيدًا بضارب؛ لأنك وصفت الضارب فلا يتعلق به بعد الوصف شيء، وكذلك لا يجوز المعطي عمرًا زيدًا، على أن ينصب زيدًا بالمعطي؛ لأنك قد أخبرت عنه، ولا يجوز مررت بالضارب وعمرو زيدًا، ولا مررت بالضارب نفسه زيدًا؛ لأنك لا تؤكد ولا تعطف على الاسم وقد نفيت منه بقيه، وكذلك البدل لا يجوز أن يبدل من الاسم قبل تمامه كقولك: مررت بالضارب أخيك زيدًا، على أن تبدل الأخ من الضارب، وقد جاء في الشعر شيء من هذا كقول بشر بن أبي خازم (١): إِذَا فاقِدٌ خَطْباءَ فَرْخَين رَجَّعَتْ ... ذَكَرتُ سُلَيمَى في الخَلِيطِ المُباين أعمل فاقدا بعد وصفه بخطباء. وهذا الذي جاء منه في الشعر يحمل النحويون مثله على إضمار فعل آخر مثل الذي ظهر، كأنه قال بعد قوله خطباء: فقدت فرخين، ودل عليه فاقد، كذلك قوله تعالى: ﴿مَكَانًا﴾ لا يجوز على ما ذكرنا أن يتعلق بموعد، ولكنه يتعلق بمحذوف يدل عليه الظاهر، كأنه قيل: عدنا مكانا سوى، ويجوز أن يتعلق بالموعد المذكور في الآية؛ لأنه ظرف والظرف (٢) يتجوز فيه ما لا يتجوز في غيره، ألا ترى

стр. 8286

أن الظروف تقع مواقع لا يقعها غيرها (١). ومما جاء مثل هذا في التنزيل قوله تعالى: ﴿لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمَانِ فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: ١٠]، فالظرف الذي هو (إذ) يتعلق بالمقت الأول؛ لأن المعنى: لمقت الله إياكم إذ تدعون إلى الإيمان فتكفرون أكبر من مقتكم أنفسكم الآن، فقوله: ﴿إِذْ تُدْعَوْنَ﴾ يتعلق بالمقت الأول، وقد وقع بعد الاختلاف عنه بقوله أكبر من مقتكم الآن، وهذا يحمل على أحد الوجهين الذين ذكرناهما من تقدير الحذف، كأنه قيل: مقتكم إذ تدعون، أو على أنه ظرف يتجوز فيه. قال أبو علي الفارسي: (ولم نعلم في التنزيل مجيء (٢) شيء من هذا إلا في الظرف) (٣). ويجوز أن يكون الموعد في هذه الآية اسمًا لزمان الوعد، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ [الكهف: ٥٩]، فيكون مجيء الموعد اسمًا للزمان، كقولهم: كان هذا مقدم الحاج، ومبعث الجيوش، ومضرب الشُّوْل (٤) أي: وقت قدومهم ووقت بعثهم، ووقت

стр. 8287

ضربها، وأنشد أبو الحسن (١): كُلَّمَا قُلْتُ: غَدًا مَوعِدنا ... غَضِبَتْ هِنْدٌ وَقالَت بَعْدَ غَدْ والموعد في هذا البيت اسم للزمان، والكلام في انتصاب مكانًا على هذا الوجه يكون كما ذكرنا في الوجه الأول في موعد؛ لأن التقدير: اجعل بيننا وبينك وقت وعد، أو زمان وعد لا نخلفه نحن ولا أنت في مكان سوى. والذي يختاره أبو علي في وجه نصب ﴿مَكَانًا﴾: (أن يكون مفعولًا ثانيًا لجعلت بمنزلة قوله: ﴿جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]، وقوله: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ [الزخرف: ١٩]، في أنه انتصب على أنه مفعول ثان لجعلت) (٢). وعلى هذا يجب أن يكون الموعد اسمًا للمكان، ويجوز أن يكون بدلًا منه. وأما معنى (سوى) قال الزجاج: (﴿مكانا سوى﴾ ويقرأ: سُوى بالضم (٣). ومعناه: مَنْصفًا أي مكانًا يكون النَّصفَ فيما بيننا وبينك، وقد جاء في اللغة سواء ممدود مفتوح بهذا المعنى تقول: هذا مكان سواء، أي متوسط بين المكانين) (٤). وقال أبو عبيدة: (مكان سُوى وسِوى بضم أوله وبكسر، مثل: طُوى

стр. 8288

وطِوى وهو المكان المنصف فيما بين القريتين) (١)، وأنشد لموسى بن جابر الحنفي (٢): وإِنَّ أَبانا كانَ حَلَّ بِبَلدَةٍ ... سِوى بين قَيْسٍ عَيْلاَنَ والفِزْرِ فسِوى مثل: بِلى، وقِرى، ومِعى، ورِيي، وقِمع، وضِلع، وقِطع. وسُوى بالضم مثل: ضُحى وسُدى وهُدى ومثل: صُرَد وحُطَم ونحو ذلك. وقال أبو علي: (سِوى فِعَلْ من التسوية، فكأن المعنى: يستوي مسافته على الفريقين فتكون مسافة كل فريق إليه كمسافة الفريق الآخر، وهذا ما يقل في الصفات ومثله: قوم عِدىً، [وأما فُعَلْ فهو في الصفات أكثر من فِعَل نحو: دَليلٍ خُنَعْ] (٣)، ومالٍ لُبَدْ، ورَجلٍ حُطَمٍ) (٤). هذا كلام أهل اللغة في هذا الحرف (٥). فأما قول المفسرين فقال قتادة: (نصفا) (٦).

стр. 8289

وقال مقاتل: (عدلا بيننا وبينك) (١). ونحوه قول السدي (٢). وقال مجاهد: (منصفا بيننا وبينك) (٣). وقال ابن مسلم: (وسطًا بين القريتين) (٤). وهذه الأقوال بمعنى واحد. وقال ابن زيد: (مكانًا مستويًا يتبين الناس ما بيننا فيه) (٥). وعلى هذا التسوية من صفة المكان، لا من صفة المسافة إليه، كأنه قيل: مكانًا لا يحجز الناظر إليه من (٦) انخفاض وارتفاع. وقيل (مكانا سوى) أي: تستوي حالنا في الرضا به (٧). وقال الكلبي: ((سوى) يعني سوى هذا المكان) (٨). يعني الذي كان فرعون فيه وقت خطابه موسى. و (سوى) على هذا القول يكون بمعنى: غير، ويحتاج إلى تقدير محذوف. وقال عطاء عن ابن عباس: ((مكانا سوى) يريد موضعًا معروفاً) (٩).

стр. 8290

وهذا القول يشبه معنى قول ابن زيد. والقول ما عليه الجمهور. ومعنى الآية: اجعل بيننا وبينك موعدًا لنجيء بسحر مثل الذي جئت به، فننظر أينا يغلب صاحبه. ٥٩ - قوله تعالى: ﴿قَالَ﴾ أي: موسى: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ [إن جعلت الموعد اسمًا لزمان الوعد رفعت اليوم على خبر الابتداء، من حيث كان الثاني هو الأوّل كما ذكرنا في البيت الذي أنشده أبو الحسن] (١)، وإن جعلت الموعد بمعنى الوعد، فقال أبو إسحاق: (المعنى وقت موعدكم يوم الزينة) (٢). وقال أبو علي: (اليوم ظرف أشبه فيه، فجعله الأوّل لما كان فيه، وأخرج من أن يكون ظرفًا ويدل على هذا قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ألا ترى أن قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ﴾ ليس من الظروف في شيء، فلولا أن اليوم في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ قد خرج من أن يكون ظرفًا لم يعطف عليه ما لا يكون ظرفًا) (٣). ومن قرأ: يومَ الزينة بالنصب (٤)، فقال أبو إسحاق: (يوم منصوب على الظرف، المعنى: يقع يوم الزينة) (٥). قال أبو علي: (وعلى هذه القراءة يضمر قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ ما يكون مبنيًا عليه، كأنه قيل: موعدكم يقع يوم الزينة، وموعدكم أن

стр. 8291

يحشر الناس ضحى. وإن عطفت وأن يحشر على الزينة لم يحتج إلى إضمار، ويكون المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس) (١). واختلفوا في ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ فقال الأكثرون: (كان ذلك يوم عيد لهم يتزينون فيه) هذا قول مجاهد، وقتادة، ومقاتل، وابن جريج، والسدي، وابن زيد، ومحمد بن إسحاق، والكلبي (٢). قال الكلبي: (ويقال: يوم سوق كانت تكون لهم يتزينون فيها) (٣). وقال سعيد بن جبير: (كان ذلك يوم عاشورا) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى﴾ يعني ضحى ذلك اليوم، ويريد بالناس: أهل مصر. قال الكلبي: (يقول: يحشرون إلى العيد ضحى فينظرون إلى أمري وأمرك) (٥).

стр. 8292

وقال الفراء: (يقول: إذا رأيت الناس يحشرون من كل ناحية ضحى فذلك الموعد) (١). ولم يرد أن الناس يحشرون ليجتمعوا لأمر موسى، ولكن جرت عادتهم بحشر الناس (٢) في ذلك اليوم لعيد كان لهم، أو سوق على ما ذكر في التفسير (٣). فواعده موسى ذلك اليوم ذلك الوقت. قال الفراء: (وموضع ﴿أَنْ﴾ رفع يرد على اليوم، وخفض يرد على الزينة، ويكون التقدير: يوم الزينة والحشر) (٤). ونحو هذا قال أبو إسحاق: (موضع ﴿أَنْ﴾ رفع، المعنى: موعدكم حشر الناس ضحى، وتأويله: إذا رأيتم الناس قد حشروا ضحى. قال: ويجوز أن يكون في موضع خفض عطفاً على الزينة، المعنى: موعدكم يوم الزينة ويوم حشر الناس ضحى) (٥). قال الليث: (الضحو ارتفاع النهار، والضحى فوق ذلك) (٦). وقال أبو الهيثم: (الضُّحَى على فُعَل: حين تطلع الشمس فيصفوا ضؤها، والضَحاء بالفتح والمد: إذا ارتفع النهار) (٧). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ يجوز أن أن يكون المعنى: تولى فرعون ذلك الأمر، أي: تولاه بنفسه (٨). ويجوز أن يكون المعنى: فرجع

стр. 8293

إلى أهله وانقلب لاستعداد مكائده، وهو قول الكلبي (١). وقال مقاتل ابن سليمان: (﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أعرض من الحق، وعما يلزمه من الطاعة) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ أي: مكره وحيله، وذلك جمعه سحرته ﴿ثُمَّ أَتَى﴾ أي: حضر الموعد. ٦١ - ﴿قَالَ لَهُمْ مُوسَى﴾ أي: للسحرة الذين جمعهم فرعون ليغلبوا موسى، وهم المعنيون بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ ﴿وَيْلَكُمْ﴾ قال أبو إسحاق: (منصوب على ألزمهم الله ويلَا. قال: ويجوز أن يكون منصوبًا على النداء، كما قال: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا﴾ [يس: ٥٢]) (٣). ﴿لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: (لا تشركوا مع الله أحدًا) (٤). وقال آخرون: (لا تقولوا اليد والعصا ليستا آيتين من قبل الله فإنكم عند هذا القول تكذبون على الله) (٥). ﴿فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ ويقرأ: فيُسحتكم بضم الياء (٦).

стр. 8294

يقال: سَحَته وأَسْحته إذا استأصله وأهلكه (١)، قاله أبو عبيدة، والأخفش، والفراء، والزجاج، وجميع أهل اللغة (٢)، وأنشدوا للفرزدق (٣): وعَضُّ زَمانٍ يا بنَ مَرْوانَ لم يَدَع ... مِنَ المالِ إِلا مُسْحَتًا أو مُجَلَّف قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿فَيُسْحِتَكُمْ﴾: فيهلككم) (٤). وهو قول مجاهد، ومقاتل، والكلبي (٥). وقال قتادة، وأبان بن تغلب (٦): (فيستأصلكم) (٧). وقال في رواية

стр. 8295

عطاء: (فيجهدكم بعذاب) (١). قال الليث: (يقال: سحتناهم بلغنا مجهودهم في المشقة عليهم. قال: وأسحتناهم لغة) (٢). قال أهل المعاني: (السَّحت في اللغة معناه: استقصى الحلق، يقال: سَحَت الشَّعر إذا استقصى حَلقه، وسَحَت الحالق إذا استأصل، وأَسْحَت الخاتن في ختان الصبي إذا استأصله) (٣). والمعنى: إن العذاب إذا أتى من قبل الله أخذهم عن آخرهم. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ قال ابن عباس: (خيب (٤) من ادعى مع الله إلهًا آخر) (٥). وقال قتادة: (خسر من كذب على الله ونسب إليه باطلًا) (٦). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد فتشاوروا بينهم) (٧).

стр. 8296

وقال آخرون: (تناظروا فيما بينهم) (١). يعني السحرة، والتشاور في الأمر كالتناظر فيه، وذلك أن السحرة تنازعوا فيما أمرهم به فرعون من معارضة موسى، وتشاوروا بينهم سراً من فرعون وقومه وذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال قتادة: (قالوا: إن كان ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء كما يزعم فله أمر) (٢). وقال محمد بن كعب: (قال بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لعرفناه، كما أن الكاتب إذا كتب عرف الذي يعرف الكتاب بما كتب) (٣). وقال الكلبي: (تكلم السحرة فيما بينهم سرًا من فرعون فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه) (٤). وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج (٥). وقال محمد بن إسحاق: (لما قال موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية، تراد السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول (٦) ساحر، ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٧).

стр. 8297

[وهو قول السدي في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال: (أسروا دون موسى. ٦٣ - بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾)] (١) (٢). [وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾] (٣) إلى قوله: ﴿من استعلى﴾. وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا. وقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟ على ما ظنوه من أمرهما. وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٥٧] (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. واختلفوا في وجه ارتفاع ﴿هَذَانِ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب (٥)، وخثعما (٦)،

стр. 8298

وزبيدًا (١)، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضًا هذه المعاملة، كما قال قائلهم (٢): تَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ فقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفاً وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة (٣):

стр. 8299

فَأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاه الشُّجَاعُ لَصَّمَمَا وقول آخر (١): أَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ... طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين (٢). وحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و ﴿هَذَانِ﴾ ابتداء وخبره ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. القول الثاني: أن معنى ﴿إِنْ﴾ نعم) (٣)، وينشدون (٤):

стр. 8300

وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ ... وَقَدْ كَبِرْتَ فَقلْتُ إِنَّه هذا الذي ذكرنا حكاية القولين. فأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٧، ٥٨] فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و ﴿إِنْ﴾ بمنزلة: نعم (١). وقد قال سيبويه: (نعم عدة وتصديق) (٢). هذا كلامه (٣). وعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة (٤). وأنشدوا في ذلك (٥):
следующие страницы →