← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8296–8335 · переход к 8301.

стр. 8296

وقال آخرون: (تناظروا فيما بينهم) (١). يعني السحرة، والتشاور في الأمر كالتناظر فيه، وذلك أن السحرة تنازعوا فيما أمرهم به فرعون من معارضة موسى، وتشاوروا بينهم سراً من فرعون وقومه وذلك قوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال قتادة: (قالوا: إن كان ساحرًا فإنا سنغلبه، وإن كان من السماء كما يزعم فله أمر) (٢). وقال محمد بن كعب: (قال بعضهم لبعض: لو كان هذا سحرًا لعرفناه، كما أن الكاتب إذا كتب عرف الذي يعرف الكتاب بما كتب) (٣). وقال الكلبي: (تكلم السحرة فيما بينهم سرًا من فرعون فقالوا: إن غلبنا موسى اتبعناه) (٤). وهذا القول اختيار الفراء، والزجاج (٥). وقال محمد بن إسحاق: (لما قال موسى: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ الآية، تراد السحرة بينهم، وقال بعضهم لبعض: ما هذا بقول (٦) ساحر، ثم قالوا وأسر بعضهم إلى بعض يتناجون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ (٧).

стр. 8297

[وهو قول السدي في: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ قال: (أسروا دون موسى. ٦٣ - بقولهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾)] (١) (٢). [وعلى قول السدي، وابن يسار نجواهم: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾] (٣) إلى قوله: ﴿من استعلى﴾. وعلى قول الآخرين نجواهم ما ذكروا. وقال أبو علي الفارسي: (التنازع إنما هو في أمر موسى وهارون هل هما ساحران؟ على ما ظنوه من أمرهما. وقد تقدم من قولهم ما نسبوهما فيه إلى السحر وهو قولهم: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٥٧] (٤). قوله تعالى: ﴿قَالُوا﴾ أي: السحرة قال بعضهم لبعض: ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ يعنون موسى وهارون ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. واختلفوا في وجه ارتفاع ﴿هَذَانِ﴾ بعد قوله: ﴿إِنْ﴾ بعد اجتماعهم على أن هذا لغة حارثية، وذلك أن بالحارث بن كعب (٥)، وخثعما (٦)،

стр. 8298

وزبيدًا (١)، وقبائل من اليمن يجعلون ألف الاثنين في الرفع والنصب والخفض على لفظ واحد، يقولون: أتاني الزيدان، ورأيت الزيدان، ومررت بالزيدان، وذلك أنهم يقلبون كل ياء ساكنة انفتح ما قبلها ألفا، فعاملوا ياء التثنية أيضًا هذه المعاملة، كما قال قائلهم (٢): تَزَوَّدَ مِنَا بَيْنَ أُذْنَاهُ ضَرْبَةً ... دَعَتْهُ إلى هابِي التُّرَابِ عَقِيمِ فقال أذناه وهو خفض؛ لأن النون مفتوحة والياء بعد ساكنة، فقلبت الياء ألفاً وأنشدوا أيضًا على هذه اللغة (٣):

стр. 8299

فَأَطْرَقَ إِطْراقَ الشُّجَاعِ وَلَو يَرَى ... مَسَاغًا لِنَابَاه الشُّجَاعُ لَصَّمَمَا وقول آخر (١): أَي قَلُوصٍ رَاكِب تَرَاهَا ... طَارُوا عَلاَهُنَّ مطْر عَلاَهَا وهذه ليست ياء التثنية، ولكن لما كانت اللام قبل الياء في عليها مفتوحة قلبوها ألفًا، وحكى هذه اللغة جميع النحويين (٢). وحكى أبو إسحاق عن النحويين القدماء قولين أحدهما: (أن هنا هاء مضمرة، المعنى: إنه هذان لساحران، وهذه الهاء كناية عن الأمر والشأن فحذفت، و ﴿هَذَانِ﴾ ابتداء وخبره ﴿لَسَاحِرَانِ﴾. القول الثاني: أن معنى ﴿إِنْ﴾ نعم) (٣)، وينشدون (٤):

стр. 8300

وَيَقُلْنَ شَيْبٌ قَدْ عَلاَكَ ... وَقَدْ كَبِرْتَ فَقلْتُ إِنَّه هذا الذي ذكرنا حكاية القولين. فأما معنى نعم هاهنا فقال أبو علي: (معنى نعم هاهنا وإن لم يتقدم سؤال يكون نعم جوابًا له، كما تقدم في قوله: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] فقد تقدم: (أجئتنا لتخرجنا من أرضنا) إلى قوله: ﴿بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ [طه:٥٧، ٥٨] فيكون نعم منصرفًا إلى تصديق أنفسهم فيما ادعون من السحر، و ﴿إِنْ﴾ بمنزلة: نعم (١). وقد قال سيبويه: (نعم عدة وتصديق) (٢). هذا كلامه (٣). وعلى هذين القولين أدخلت اللام على خبر المبتدأ وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ دون خبره، وهذا قول النحويون فيه: أنه يجوز في الشعر على الضرورة (٤). وأنشدوا في ذلك (٥):

стр. 8301

خالِي لأَنْتَ وَمَنْ جَرِيرٌ خَالُهُ ... يَنَلِ العُلاءَ ويَكْرُمِ الأَخوَالا وأنشدوا أيضًا (١): أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْرَبَهْ ويقبح حمل كتاب الله على لغة لا تجوز في السعة ومختار الكلام. قال ابن الأنباري: (أنكر الكسائي والفراء هذا (٢)؛ لأن المبتدأ لا يحال بينه وبين خبره باللام، لا يقال: عبد الله لقائم؛ لأنّ اللام تحجز بين الحرفين، ومنع الذي بعدها من تقريب الذي قبلها) (٣). وقال أبو إسحاق: (هذا أجود ما سمعنا إن ﴿أَن﴾ بمعنى: نعم، واللام وقعت موقعها المعنى: نعم هذان لهما ساحران. قال: وعرضت هذا القول على محمد بن يزيد، وعلى إسماعيل بن إسحاق بن حماد بن زيد (٤)

стр. 8302

فقبلاه، وذكر أنه أجود ما سمعاه) (١). قال أبو علي: (ما ذكره أبو إسحاق من التقدير تأويل غير مرضي، وذلك أن هذه اللام للتأكيد، ويقبح أن يذكر التأكيد ويحذف نفس المؤكد، ألا ترى أن إظهار المؤكد وترك إضماره وحذفه أولى من أن يحذف ويذكر ما يؤكده، ولو كان المبتدأ محذوفًا من الآية كما ذهب إليه أبو إسحاق لم يحتج معه إلى التأكيد باللام، ويدلك على أن هذا ليس بالوجه أن النحويين أنشدوا (٢): أُمُّ الحُلَيْسِ لَعَجُوزٌ شَهْربَه وحملوا هذا على الضرورة، وعلى أنه أدخل اللام على خبر المبتدأ، وكان من حقها أن تدخل على المبتدأ، فلو كان ما ذكره وجهًا في الآية لكان النحويون لا يحملون هذا الكلام على الضرورة، ويقدرون فيه ما قدر من أنه دخل على مبتدأ محذوف، ولا يحملونه على الاضطرار إذا وجدوا له مصرفاً قريبًا إلى الاختيار والسعة، فحملهم ذلك على الضرورة دلالة على أنهم تجنبوا ما ذكر من التقدير؛ لأنه أذهب في باب الفتح والضرورة مما حملوه عليه) (٣). وقال الفراء: (الوجه في هذه المسألة أن تقول وجدت الألف من هذا دعامة وليست بلام فعل، فلما ثنيت زدت عليها نونًا ثم تركت الألف ثابتة على حالها لا تزول في كل حال، كما قالت العرب: (الذي) ثم زادوا نونًا

стр. 8303

تدل على الجماع فقالوا: (الذين) في رفعهم ونصبهم وخفضهم، كذلك تركوا (هذان) بالألف في رفعه ونصبه وخفضه) (١). وحرر صاحب النظم هذا القول فقال: (هذا اسم منهوك؛ لأنه على حرفين أحدهما: حرف علة وهو الألف وهاء للتنبيه، وليس من الاسم فلما ثني واحتيج إلى ألف التثنية لم يوصل إليهما لسكون الألف الأصلية، واحتيج إلى حذف أحدهما فقالوا: إن حذفنا الألف الأصلية بقي الاسم على حرف واحد، وإن أسقطنا ألف التثنية كان في النون منها عوض ودلالة على معنى التثنية، فحذفوا ألف التثنية، فلما كانت الألف الباقية هي ألف الاسم واحتاجوا إلى إعراب التثنية لم يغيروا الألف عن صورتها؛ لأن الإعراب واختلافه في التثنية والجمع إنما يقع على الحرف الذي هو علامة التثنية والجمع، فتركوها على حالها في النصب والخفض، وعلى هذا القول الألف في هذان التي كانت في هذا ليس الذي جلبتها التثنية) (٢). قال أبو علي: (لو كان الأمر على ما زعم لم تقلب هذا الألف في تثنيته فقط (٣)، كما أن الألف التي في هذا لا تنقلب على حال، وفي كون هذه الألف مرة ياء ومرة ألفًا دلالة على أنه كسائر التثنية، ويدل على أن هذا الألف للتثنية أن التي كانت في الواحد قد حذفت، كما حذفت الياء من الذي والتي إذا قلت: اللذان واللتان واللذين واللتين، فالياء كانت في الاسم قد حذفت وجيء بالتي للتثنية، كذلك تحذف من قولهم: هذا، ألفه،

стр. 8304

وتلحق التي تكون علمًا للتثنية، ومن ثم انقلبت مرة ياء ومرة ألفًا، والتي تثبت لا يتعاوره القلب، ولا تزول عن أن تكون ألفًا) (١). هذا كلامه. وهذه الأقوال هي التي قالها المتقدمون من النحويين، ولم يسلم من هذه الأقوال على الاعتبار إلا قول من يقول: إنها لغة بلحارث. وقد قال ابن عباس في قوله: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾: (هي لغة بلحارث بن كعب) ذكره عطاء عنه (٢). وقال أبو إسحاق في ارتضاء هذا المذهب في هذه الآية: (حق الألف أن تدل على الاثنين وكان حقها ألّا تتغير كما لم تتغير ألف رحى وعصى، ولكن نقلها إلى الياء في النصب والخفض أبين وأفضل بين المرفوع والمنصوب والمجرور) (٣). وقال الفراء في ارتضاء المذهب: (العرب جعلوا الواو تابعة للضمة والياء متابعة للكسرة نحو قولهم: مسلمون ومسلمين، فلما رأوا الياء من الاثنين لم يمكنهم كسر ما قبلها وثبت مفتوحًا تركوا الألف تتبعه فقالوا: رجلان في كل حال. وقد اجتمعت العرب على إثبات الألف في: كلا الرجلين في النصب والخفض وهما اثنان) (٤).

стр. 8305

وحكى ابن الأنباري قولًا آخر للفراء وهو: (أن الألف في هذان شبهت بالألف في: تفعلان ويفعلان، فلما كانت تلك الألف لا تتغير في تثنية الفعل لم يغيروا هذه الألف في شبه الاسم) (١). وذكر علي بن عيسى النحوي (٢) قولًا آخر فقال: (إنما جاز ﴿إِنْ هَذَانِ﴾ لضعف عمل ﴿إِنً﴾ وذلك أنها تعمل بالشبه للفعل وليست بأصل في العمل، ألا ترى أنها لما خففت لم تعمل، فلما ضعف عملها لم تعمل في هذان) (٣). هذا الذي ذكرنا كله وجه قراءة العامة. وقرا أبو عمرو: إن هذين بالياء (٤). بخلاف المصحف، واحتجاجه في ذلك أنه روي: أنه غلط من الكتاب، وإن في الكتاب غلطًا ستقيمه العرب بألسنتها. يروي ذلك عن عثمان، وعائشة ﵄ (٥).

стр. 8306

وهذه القراءة هي قراءة عيسى بن عمر (١). قال أبو إسحاق: (ولا أجيزها؛ لأنها خلاف المصحف، ولا أجيز مخالفته؛ لأن إتباعه سنة) (٢).

стр. 8307

وقرا ابن كثير وحفص عن عاصم: إنْ هذان بتخفيف ﴿إِنْ﴾ (١)، على معنى ما هذان إلا ساحران كقوله: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الشعراء: ١٨٦]، وإن إذا خفف كان الوجه أن يرفع الاسم بعدها، وإذا كان كذلك رفع هذان بعدها، وأدى مع ذلك خط المصحف. قال أبو إسحاق: (أستحسن هذه القراءة، وفيها إمامان عاصم والخليل، وكان يقرا بهذه القراءة، والإجماع أنه لم يكن أحد بالنحو أعلم من الخليل؛ ولأن هذه القراءة توافق قراءة أبي في المعنى، وإن خالفه اللفظ) (٢). وقراءته: إن ذان إلا ساحران (٣). وقال الأخفش: (﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ خفيفة في معنى ثقيلة، وهي لغة لقوم يرفعون بها، وإن ثقلت فهي لغة لبني الحارث بن كعب الاثنين في كل موضع) (٤). هذا كلامه. وقد بأن أن القراءة الصحيحة في هذه الآية قراءة العامة، وقراءهَ من خفف ﴿أَن﴾ على التعليل (٥).

стр. 8308

وقوله تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ قال عكرمة: (يذهبا بخياركم) (١). وقال الحسن، وأبو صالح: (بأشرافكم) (٢). وعن أبي صالح: (بسراة الناس) (٣). وقال مجاهد: (أولوا العقل والشرف والأسنان) (٤). وهذه الأقوال معناها واحد، هو معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي: (أمثلكم) (٥). قال الزجاج: (معناه بجماعتكم الأشراف. قال: والعرب تقول للرجل الفاضل: هذا طَرِيقَة قَومِه، ونَظِيرة قَومِه، ونَظُورَة قَومِه، للرجل الفاضل،

стр. 8309

وإنما تأويله: هذا (الذي) (١) ينبغي أن يجعله قومه قدوة، ويسلكوا طريقته، وينظروا إليه ويتبعوه) (٢). وقال الفراء: (العرب تقول للقوم: هؤلاء طَريقة قومهم، وطرائق قومهم لأشرافهم (٣)، ويقولون للواحد أيضًا: طَريقة قومه ونَظُورة قومه ونَظيرة قومه، ويقولون للجمع بالتوحيد، والجميع يعني طريقه، وطرائق، قال: ومن ذلك قوله: ﴿طَرَائِقَ قِدَدًا﴾ [الجن: ١١]) (٤). وجعل الزجاج الآية من باب حذف المضاف، فقال: (المعنى عندي: يذهبا بأهل طريقتكم المثلى، قال: وكذلك قول العرب: هذا طريقة قومه، معناه هذا صاحب طَريقة قومه) (٥). هذا كلامه. وليس يحتاج إلى تقدير المضاف على ما ذكره الفراء، فإن الطريقة اسم للأفاضل على معنى أنهم الذين يقتدى بهم ويتبع آثارهم، كما تسلك الطريقة، فتقدير المضاف تكلف. و (المثلي) تأنيث الأمثل، والأمثل معناه في اللغة: الأفضل، يقال: فلان أَمْثَل قومه أي: أفضلهم، وهم الأماثل (٦). ومنه قول الشاعر (٧):

стр. 8310

وَإِنْ أَتَوكَ فَقالوا إِنَّها نصَفٌ ... فَإِنَ أَمْثَل نِصْفَها الذِي ذَهَبا أي: أشقهما وأفضلهما. قال الأخفش والكسائي: (يقال: قد مَثَلَ يَمْثُلُ مُثُولًا، أي: صار فاضلًا) (١). واختلف لم قيل للأفضل أَمْثَل؟ فقال بعضهم: معنى الأمثل: الأشبه بالحق، ثم صار اسمًا للأفضل (٢). وقيل: معنى الأمثل في اللغة: الأظهر، من قولهم: مَثَلَ الشيء يَمْثُلُ مُثُولًا: إذا قام وانتصب فظهر للعيون (٣). قال لبيد (٤): ثمَّ أَصدَرْناهُما في وارِدٍ ... صادِرٍ وَهْمٍ صُواه قَدْ مَثَلْ أي: انتصب وظهر، ولما كان الفاضل الشريف ظاهرًا من القوم

стр. 8311

بفضله وشرفه قيل له: الأمثل. ومعنى الآية ما روى الشعبي عن علي ﵁ أنه قال: (﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ يصرفا وجوه الناس إليهما) (١). والمعنى: أن يغلبا بسحرهما، فتمثل إليهما السادة والأشراف منكم. وقال قتادة: (طريقتكم المثلى يومئذ بنو إسرائيل كانوا أكثر القوم عددا وأموالًا، فقالوا: إنما يريد أن يذهبا بهما لأنفسهم) (٢). فجعل قتادة هؤلاء الأفاضل من بني إسرائيل. وهذا قول ابن عباس في رواية الوالبي: (هم بنو إسرائيل) (٣). هذا الذي ذكرنا قول المفسرين، وأهل التأويل، وعلى هذا مقاتل، والكلبي (٤). وقال ابن زيد: (ويذهبا بالطريقة التي أنتم عليها في السيرة) (٥). وهذا القول اختيار أبي عبيدة، والكسائي، قال أبو عبيدة: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [بسنتكم ودينكم وما أنتم عليه) (٦). وقال الكسائي: (﴿بِطَرِيقَتِكُمُ﴾ يعني سنتكم وهداكم وسمتكم) (٧).

стр. 8312

و (المثلى)] (١) نعت للطريقة. ولا إشكال على هذا القول، و (المثلى) تأنيث الأمثل، بمعنى: الأفضل، وبمعنى: الأظهر (٢). ٦٤ - قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ قال الفراء: (الإجماع: الأحكام والعزيمة على الشيء، تقول: أجمعت الخروج، وعلى الخروج، مثل: أزمعت، وأنشد (٣): يا لَيْتَ شِعْرِي والمُنَى لا تَنْفَع ... هَلْ أَغْدُون يَومًا وأَمْرِي مُجْمَعُ يريد قد أحكم وعزم عليه) (٤). وقال أبو إسحاق: (معناه: ليكن عزمكم كلكم على الكيد مُجْمَعًا لا تختلفوا) (٥). ومضى الكلام معنى الإجماع عند قوله: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ﴾ [يونس: ٧١]. وقرا أبو عمرو: فاجْمَعوا (٦)، موصولًا من الجمع، وحجته

стр. 8313

قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]. قال الفراء: (معناه: فلا تَدعوا من كيدكم شيئًا إلا جئتم به) (١). وقال الزجاج: (جيئوا بكل ما تقدرون عليه، ولا تبقوا منه شيئًا) (٢). واختار الأخفش هذه القراءة وقال: (إنما يقولون بالقطع إذا قالوا: أجمعنا على كذا وكذا، فأما إذا قالوا: أجمعوا أمركم، وأجمعوا شركأكم، فلا يقولون إلا بالوصل. والقطع أكثر القراءة، ولعله لغة في جمع؛ لأنّ داب فَعَلت وأَفْعلت كثير) (٣). قال أبو علي: (يشبه أن يكون ذلك على لغتين، كما ظنه أبو الحسن، كقول الشاعر) (٤) (٥): وأَنْتُمُ مَعْشَرٌ زيدٌ عَلَى مِائَةٍ ... فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ طُرًّا فَكِيْدُوني وقال الهذلي (٦):

стр. 8314

فَكَأَنَّهَما بالجِزْعِ بَيْنَ نُبَايعٍ ... وَأَولاَتِ ذِي العَرْجَاءِ نَهْبٌ مُجْمَعُ أي: مجموع، وهذا فيما يتواصى به السحرة من جمع كيدهم، وما يستظهرون به من المبالغة في سحرهم. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ قال أبو عبيدة: (الصف: موضع الجمع، ويسمى المصلّى: الصف، يقال: هل أتيت الصف اليوم؟ أي: المصلّى الذي يصلى فيه. قال: وقد يكون على المصدر، كما تقول: جاءوني صفًا أي: مصطفين) (١). وذكر أبو إسحاق الوجهين فقال: (معناه: ثم ائتوا الموضع الذي تجتمعون فيه لعيدكم وصلاتكم، يقال: أتيت صَفا بمعنى أتيت المصَلّى، قال: ويجوز أن يكون ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ أي: مصطفين مجتمعين ليكون أنظم (٢) لأموركم وأشد لهيئتكم) (٣). والمفسرون يقولون في قوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾: (جميعًا)، قاله مقاتل، والكلبي، وابن عباس في رواية عطاء (٤). وهو بمعنى: مصطفين ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد قد سعد اليوم من غلب) (٥).

стр. 8315

قال الليث: (ويقال لكل من قهر أمرًا أو علاه: اعتلا، واستعلاه واستعلى عليه) (١). وقال الزجاج: ((استعلى) أي: علا بالغلبة) (٢). ٦٥ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى﴾ قال الفراء: (المعنى: اختر أحد هذين الأمرين) (٣). والمراد بالإلقاء هاهنا: إلقاء العصا على الأرض، وكانت السحرة معهم عصي، وكان موسى قد ألقى عصاه يوم دخل على فرعون، كما قال الله تعالى: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ (٤)، ولما أراد السحرة معارضته قالوا له هذا القول. ٦٦ - فقال موسى: ﴿بَلْ أَلْقُوا﴾ أمرهم بالإلقاء أولًا، لتكون معجزته أظهر إذا ألقوا هم بم معهم، ثم يلقي هو عصاه فتبتلع كل ذلك على ما ذكر (٥). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ﴾ في الكلام محذوف تقديره: فألقوا فإذا حبالهم. [قال أبو إسحاق: (وترك هاهنا؛ لأنه قد جاء في موضع آخر: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ﴾ [الشعراء: ٤٤] (٦)] (٧).

стр. 8316

قال ابن عباس في رواية عطاء: (كان عدد السحرة سبعين ألف رجل، ومع كل رجل عصا وحبل غليظ مثل حبال السفن) (١). وقال عكرمة، وابن جريج: (كانوا تسع مائة) (٢). وقال محمد بن إسحاق: (كانوا خمسة عشر ألفًا) (٣). وقوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ يقال خُيل على الرجل تخييلا: إذا أدخل عليه التهمة والشبهة، وأصل هذا الحرف: من الشَبَه والاشتباه الذي ينافي الحق والحقيقة، ومنه الخَيَال الذي يشبه الشيء وليس منه كخَيال الإنسان في المرآة، وخَياله في النوم، وأَخَال الشيء إذا اشتبه وأشكل فهو مخيل (٤)، ومنه قول الشاعر (٥): والصَّدْقُ أَبْلَجُ لا يُخَيلُ سَبِيلُهُ ... والصَّدقُ يَعْرِفُهُ ذَوُو الأَلبَابِ ومعنى هذه الآية كمعنى قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ [الأعراف:

стр. 8317

١١٦] وذكر الكلام فيه. وموضع (أن) من قوله: ﴿أَنَّها تَسْعَى﴾ رفع على معنى يخيل إليه سعيها (١). قال الكلبي: (خُيل إلى موسى أن الأرض حيات كلها، وأنها تسعي على بطنها) (٢). وكثير من الكلام اللائق بهذه الآيات قد مضى في سورة الأعراف (٣). ٦٧ - قوله تعالى: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ قال الفراء: (أحس (٤) ووجد) (٥). وقال الزجاج: (أضمر) (٦). وقال في موضع آخر: (وقع في نفسه الخوف) (٧). وقد ذكرناه مستقصى في سورة هود (٨). وقوله تعالى: ﴿خِيفَةً مُوسَى﴾ أي: خوفًا، وأصلها: خوفه فانقلبت

стр. 8318

الواو ياء لانكسار الخاء (١). وإنما خاف موسى؛ لأن سحرهم كان من جنس ما أراهم في العصا، فخاف أن يلتبس على الناس أمره، ولا يؤمنوا به. هذا معنى قول الكلبي، ومقاتل (٢). وقيل: (كان خوف طباع، لكثرة ما يخيل له من الحيات العظام)، وهذا معنى قول محمد بن إسحاق (٣). ٦٨ - فقال الله تعالى: ﴿لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى﴾ قال ابن عباس: (يريد أنت الغالب) (٤). والمعنى: أنت الأعلى عليهم بالظفر والغلبة. ٦٩ - ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ﴾ يعني العصا ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ قال الزجاج: (القراءة بالجزم (٥)، جواب الأمر، ويجوز الرفع على معنى الحال، كأنه قال: ألقها تلقفه) (٦)، هذا كلامه.

стр. 8319

وشرحه أبو علي فقال: (وجه قراءة من قرأ: ﴿تَلْقَفُ﴾ بالرفع، وهي قراءة ابن عامر: أنه في موضع الحال، والحال يجوز أن يكون من الفاعل المُلْقِي، ويجوز أن يكون من المفعول المُلْقَى، فإن جعلته من الفاعل المُلْقِي جعلته المُتلَقَّفَ، وإن كان التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُفُ في الحقيقة للعصا، ووجه جعل المُتَلَقَّف أن التَّلَقُف بإلقائه كان فجاز أن ينسب إليه، والفعل كثيرًا يضاف إلى المسبب، ويجوز أن يكون الحال من المفعول، وجعلت تَلْقَفْ حالًا، وإن لم تتلقف بعد، كما جاء في التنزيل: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] وكما أجاز النحويون: مررتُ برجلٍ معه صقر صائدًا به غدًا، وهذا النحو من الحال كثير في التنزيل وغيره) (١). وقال: (﴿تَلْقَفْ﴾ على التأنيث، حملًا للكلام على المعنى؛ لأنه المراد بما في يمينه العصا. ومن قرأ: تلقفْ بالجزم، فعلى أن يكون جوابًا، كأنه: إن تُلْقِهِ تَلَقَّفْ، ويجوز أن يكون تَلْقَفْ خطابًا لموسى، كما ذكر في قراءة من رفع يجوز أن يكون حالًا للفاعل) (٢). وذكرنا معنى التلقف في سورة الأعراف مستقصى (٣). وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ﴾ أي: الذي صنعوه كيد ساحر. وقرئ: كيد سحر (٤). وساحر أقوى؛ لأنّ الكيد للساحر في الحقيقة وليس

стр. 8320

للسحر، ومن قرأ: كيد سحر، أضاف الكيد إلى السحر على التوسع، وأراد كيد ذي سحر، فيكون المعنى مثل كيد ساحر، ويجوز أن يكون معنى كيد سحر: كيد من سحر كما قالوا: قميص حرير، وجبة وَشْي، ذكر ذلك ابن الأنباري (١). والمعنى: الذي صنعوه تخيل سحر لا حقيقة له. [وقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال ابن عباس: (ولا يسعد الساحر حيث ما كان) (٢). وروى جندب بن عبد الله البجلي (٣): أن رسول الله ﷺ قال: "إذا أخذتم الساحر فاقتلوه، ثم قرأ: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾ قال: لا يأمن حيث وجد" (٤).

стр. 8321

قال أبو إسحاق: (معناه حيث كان الساحر يجب أن يقتل. قال: وكذلك مذهب أهل الفقه في السحرة) (١). ونحوه هذا المعنى ذكر الفراء] (٢) (٣). ٧٠ - وقوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ ففعل ما أمر به موسى، ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا﴾ وترك ذكره؛ لأنه ذكر في سورة الأعراف (٤)، والشعراء (٥) أنه ألقى عصاه، فتلقفت ما صنعوا، وما يقع من الكلام في تفسير هذه الآية قد سبق في سورة الأعراف (٦).

стр. 8322

٧١ - قوله تعالى: ﴿قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ الكلام في هذا، ووجه اختلاف القراء في ﴿آمَنْتُمْ﴾ (١). قد تقدم في سورة الأعراف (٢). بوصل الباء إذا كان باللهِ تعالى، وإذا كان بغيره وصل باللام، كذا جاء في التنزيل (٣)، مثل قوله: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى﴾ [يونس: ٨٣]، ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [الإسراء: ٩٠]، ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧]، ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ [العنكبوت: ٢٦]؛ لأنه يراد به مجرد التصديق، وقد قال في سورة الأعراف: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ [الأعراف: ١٢٣]، فهما بمعنى واحد. قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾ قال ابن عباس: (يريد معلمكم) (٤). وقال: (ولذلك يقول أهل مكة: جئت (٥) من عند كبيري، [وحتى أستأذن كبيري) (٦). وقال الكسائي: (الصبي بالحجاز إذا جاء من عند معلمه قال: جئت من عند كبيري) (٧)] (٨).

стр. 8323

وقال محمد بن إسحاق: (إنه لعظيم السحار) (١). والكبير في اللغة: الرئيس (٢)، ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَ كَبِيرُهُمْ﴾ [يوسف: ٨٠]، يعني رئيسهم الذي هو أعلمهم، ولم يرد الكبير في السن، ولهذا يقال للمعلم: الكبير. قال أهل المعاني: جعل نسبتهم إلى اتباع رئيسهم بالسجود علة لصرف الناس عن اتباع موسى. وقوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ قال المبرد: (المعنى على جذوع النخل، وإنما وقعت في ومعانيها الوعاء، كقولك: زيد في الدار، والمتاع في الوعاء؛ لأنّ الجذع جعل كأنه قد حل فيه، فصار الجذع له مكانًا كالبيت) (٣). كما قال الأسدي (٤): تَداركت شَمْاسًا ويَحْيى وخالدِا ... وقَد نصبت فَوقَ الجُذُوع قُبُورهَا أي: جعلت الجذوع لهم مكان القبور، ونحو هذا قال أبو عبيدة، والفراء، والزجاج (٥) وأنشدوا (٦):

стр. 8324

وَهُم صَلَبُوا العَبدِيَّ في جِذْعِ نَخْلَةِ ... فَلا عَطَستْ شَيْبَانُ إِلاَ بِأجْدَعا ولما كانت الجذوع تضمهم كما يضم الوعا ما فيه قيل: ﴿فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾، وهذا كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ﴾ [الطور: ٣٨]، أي: عليه. ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ﴾ أيها السحرة ﴿أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا﴾ لكم ﴿وَأَبْقَى﴾ وأدوم أنا على إيمانكم، أو رب موسى على ترككم الإيمان به. ٧٢ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نفضلك ولن نختارك ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ قال ابن عباس: (يريد من اليقين والعلم) (١). وقال مقاتل: (يعني اليد والعصا) (٢). وقال عكرمة: (هو أنهم حيث خروا سجدًا أراهم الله في سجودهم منازلهم في الجنة التي إليها يصيرون) (٣). ونحو هذا قال القاسم بن أبي بزة (٤): (ما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، ورأوا ثواب أهلها عند

стр. 8325

ذلك قالوا: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾) (١). وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ ذكر الفراء والزجاج فيه وجهين أحدهما: (لن نؤثرك على الله والذي خلقنا. والثاني: أنه قسم) (٢). ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (فاصنع ما أنت صانع) (٣). ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ قال ابن عباس: (يريد إنما سلطانك وملكك في هذه الدنيا، فأما في الآخرة فليس لك فيها حظ ولا سلطان) (٤). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ قال ابن عباس: (الشرك الذي كنا فيه) (٥). ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ روي: (أن فرعون

стр. 8326

كان يكره الناس على تعلم السحر) (١). وروي: (أنه أكرههم على معارضة موسى بالسحر) (٢). والقولان مرويان في التفسير. ﴿وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ قال ابن عباس: (يريد ثواب الله خير وأبقى) (٣). فعلى هذا المضاف محذوف. وقال أبو إسحاق: (أي الله خير لنا منك وأبقى عذابًا) (٤). وهذا جواب قوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى﴾ [طه: ٧١] وهذا معنى قول محمد بن إسحاق: (والله خير منك [ثوابًا وأبقى عقابًا) (٥). وقال محمد بن كعب: (والله خير منك إن أطيع، وأبقى عذابًا منك] (٦) إن عصي) (٧). ٧٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا﴾ هذا ابتداء كلام من الله تعالى وانتهى الإخبار عن السحرة (٨).

стр. 8327

وقيل: (هذا أيضًا إخبار عنهم أنهم قالوه) (١). والكناية في قوله: ﴿إِنَّهُ﴾ الأمر والشأن، أي: بأن الأمر والشأن هذا، وهو أن المجرم يدخل النار، والمؤمن يدخل الجنة، ويجوز أن يكون هاء الإضمار على شريطة التفسير، وبينا ذلك في سورة يوسف [٩٠]. ومعنى ﴿مُجْرِمًا﴾ قال ابن عباس في رواية الضحاك: (المجرم الكافر) (٢). وقال في رواية عطاء: (يريد أجرم، وفعل مثل ما فعل فرعون) (٣). ﴿فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ قال: (يريد لا يموت فيستريح، ولا يحيي فيفتر عنه العذاب) (٤). قال الكلبي: (ولا يحيي فيها حياة تنفعه) (٥).

стр. 8328

وروى أبو نضرة (١) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أهل النار الذين لا يريد الله إخراجهم تُميتهم النار إماتة حتى يصيروا فحمًا، ثم يخرجون ضبائر (٢) فيلقون على أنهار الجنة، فيرش عليهم من أنهار الجنة، حتى ينبتوا كما تنبت الحبة في حميل السيل) (٣) (٤). قال المبرد: (تأويل قوله: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى﴾ لا يموت ميتة مريحة، ولا يحيى حياة ممتعة، وهو يألم كما يألم الحي ليفهم ذلك، ويبلغ بهم حالة الموتى في المكروه، إلا أنه لا يبلغ الحالة التي يبطل فيها عن الفهم، والعرب تقول: فلان لا حي ولا ميت، إذا كان غير منتفع بحياته، وكذلك يقولون لمن يكلم ولم يبلغ حاجته: تكلمت ولم تتكلم، أي: لم

стр. 8329

تبلغ) (١). كما قال ابن مرداس (٢) (٣): وقَدْ كُنْتُ في الحَرْبِ ذا تُدْرَاءٍ ... فَلَمْ أُعْطَ شَيْئًا ولَمْ أُمْنَعِ لأنه عندما أعطيه يقصر عن حقه، بأنّه قد وصل إليه القليل لم يمنع. وأنشد ابن الأنباري في مثل هذا المعنى لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود (٤): أَلاَ مَا لِنَفْسٍ لا تَمُوُت فَيَنْقَضِي ... شَقاهَا ولا تَحْيَا حَياةً لَهَا طَعْمُ ٧٥ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ قال ابن عباس: (مصدقًا) (٥). ﴿قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ [قال: (يريد قد أدى الفرائض) (٦). فهذا من صفة النكرة

стр. 8330

التي هي الحال] (١)، ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى﴾ قال: (قصرت دونها الصفة) (٢). قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير: (لله عباد ولدوا في الإسلام ونشؤا في أعمال البر، لم يخالطوا المعاصي وأهلها حتى ماتوا على ذلك، إذا كان يوم القيامة نادى المنادي: أين من أتى ربه مؤمنًا فاضلًا قد عمل الصالحات بصدق النية، فعرف القوم صفتهم، فقالوا: لبيك دعوتنا، قال: فإن الله يقول: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ الآية، وعقد لهم لواء فاتبع القوم لواءهم حتى دخلوا الجنة) (٣). والآية دليل على أن الأمور بخواتيمها وأن الإيمان بالموافاة لقوله: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا﴾ ودليل على أن الدرجات إنما تستحق بالأعمال الصالحة، وقد يدخل الجنة من لا ينال الدرجات العلى. وهذا معنى قوله-﵇: "تدخلون الجنة برحمة الله وتقسمون الدرجات بأعمالكم" (٤).

стр. 8331

٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢). ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾ تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ سر بهم ليلًا من أرض مصر ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق (٣). فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب. وقوله تعالى: ﴿يَبَسًا﴾ قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) (٤). وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) (٥)، وأنشد لعلقمة بن عبدة (٦):

стр. 8332

تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ ... كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب وقال الأزهري: (يقال للأرض إذا يَبِسَت: يَبَس، وللبقول والحطب يَبِس (١)، وأنشد (٢): ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه ... مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها وقال أبو إسحاق: (يقال: يَبَسَ الشيء يَبَسًا ويُبْسًا ويَيْسًا ثلاث لغات في المصدر، وطريقًا يَبَسًا نعت بالمصدر والمعنى: طريق ذا يَبَسٍ) (٣). قال مجاهد: (يَبَسًا يابِسًا) (٤). وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فيه ماء ولا طين. وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) (٥). وقال سيبويه: (﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾] (٦) رفعه على وجهين أحدهما: على

стр. 8333

الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) (١). وقرأ حمزة: لا تخف جزمًا (٢). وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم (٣) فرعون) (٤). والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) (٥). قال أبان بن تغلب (٦) وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) (٧). وهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) (٨). كما قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف

стр. 8334

العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر (١) الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال (٢): هُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى [وقال آخر (٣): هَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] (٤) وقال آخر (٥):

стр. 8335

أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد فأثبت الياء (١) في موضع جزم، ولسكونها جاز ذلك) (٢). قال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله (٣): كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا ولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] (٤) في كلامهم) (٥)، قال (٦): فَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ
следующие страницы →