← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

٧٦ - قوله تعالى: ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (من قال لا إله إلا الله) (١). ونحو ذلك قال الكلبي (٢). ومعنى ﴿تَزَكَّى﴾ تطهير من الذنوب بالطاعة بدلًا من التدنس بالمعاصي. وقصد أن يكون زاكيا في الخير. ٧٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ سر بهم ليلًا من أرض مصر ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ﴾ أي: اجعل لهم طريقًا في البحر بالضرب بالعصا حتى ينفلق لهم البحر عن طريق (٣). فعدي الضرب إلى الطريق لما دخله هذا المعنى، وهو أنه أريد بضرب الطريق جعل الطريق بالضرب. وقوله تعالى: ﴿يَبَسًا﴾ قال الليث: (طريق يبس: لا نداوة فيه ولا بلل) (٤). وقال أبو عبيدة: (يَبَسْ وَيبْس بمعنى: يَابس) (٥)، وأنشد لعلقمة بن عبدة (٦):

стр. 8332

تَخَشْخَشُ أَبْدَانُ الحَدِيْدِ عَلَيهِمُ ... كَمَا خَشْخَشَتْ يَبْسَ الحَصَاد جَنُوُب وقال الأزهري: (يقال للأرض إذا يَبِسَت: يَبَس، وللبقول والحطب يَبِس (١)، وأنشد (٢): ولَمْ يَبْقَ بالخَلْصاءِ مِما عَنَتْ بِه ... مِنَ الرُّطَبِ إلا يَبْسُهَا وهَجِيرُها وقال أبو إسحاق: (يقال: يَبَسَ الشيء يَبَسًا ويُبْسًا ويَيْسًا ثلاث لغات في المصدر، وطريقًا يَبَسًا نعت بالمصدر والمعنى: طريق ذا يَبَسٍ) (٣). قال مجاهد: (يَبَسًا يابِسًا) (٤). وذلك أن الله تعالى أيبس لهم ذلك الطريق حتى لم يكن فيه ماء ولا طين. وقوله تعالى: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (لا تخاف [أن يدركك فرعون، ولا أحد من خلفك، ولا تخشى البحر) (٥). وقال سيبويه: (﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾] (٦) رفعه على وجهين أحدهما: على

стр. 8333

الحال، كقولك: غير خائف ولا خاش، كلما قال: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]، أي مستكثرًا، قال: ويكون على قطع وابتداء أي: أنت لا تخاف) (١). وقرأ حمزة: لا تخف جزمًا (٢). وله وجهان: أحدهما ما ذكره الزجاج وهو: (أنه نهي عن أن يخاف، معناه: ولا تخف أن يدرككم (٣) فرعون) (٤). والثاني: ما ذكره أبو علي وهو: (أنه جعله جواب الشرط على معنى إن تضرب لا تخف دركًا ممن خلفك) (٥). قال أبان بن تغلب (٦) وأبو عبيد: (لو كان لا يخف لكان لا يخشى) (٧). وهذا لا يلزم حمزة لوجوه أحدها: ما ذكره الفراء وغيره: (أنه نوى بقوله: (ولا تخشى) الاستئناف) (٨). كما قال الله تعالى: ﴿يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١]، فاستأنف بثم، ويكون المعنى: لا تخف

стр. 8334

العدو وراءك على النهي، أو على الجواب وأنت لا تخشى الغرق أمامك. وذكر (١) الفراء وجهًا آخر قال: (ولو نوى حمزة بقوله: (ولا تخشى) الجزم، وإن كانت فيه الياء كان صوابًا، كما قال (٢): هُزَّي إِلَيْكِ الجِذْعَ يُجْنِيْكِ الجَنَى [وقال آخر (٣): هَجَوْتَ زَبَّانَ ثمَّ جِئْتَ مُعْتَذِرًا ... مِنْ هَجْمِ زَبَّانَ لَمْ تَهْجُو وَلَمْ تَدَعِ] (٤) وقال آخر (٥):

стр. 8335

أَلَمْ يَأتِيْكَ والأَنْبَاءُ تَنْمَي ... بِمَا لاَقَتْ لَبُونُ بَنِي زِيَاد فأثبت الياء (١) في موضع جزم، ولسكونها جاز ذلك) (٢). قال أبو علي: (وهذا لا يحمل على ما ذكره الفراء؛ لأن ذلك إنما يجيء في ضرورة الشعر كقوله (٣): كَأَنْ لَمْ تَرَ قَبْلِي أَسِيرًا يَمَانِيَا ولكن تقدر أنه حذف الألف المنقلبة عن اللام للجزم، تم أشبعت الفتحة؛ لأنها فاصلة، فأثبت الألف عن إشباع الفتحة [ومثل هذا مما يثبت في الفاصلة قوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا﴾ [الأحزاب: ٦٧]، وقد جاء إشباع هذه الفتحة] (٤) في كلامهم) (٥)، قال (٦): فَأَنْتَ مِنْ الغَوائِلِ حِينَ تُرْمَى ... ومِن ذَمَّ الرِّجَالِ بِمُنْتَزَاحِ

стр. 8336

وقال أبو الفتح الموصلي: (العرب قد تشبع الفتحة فيتولد بعدها ألف؛ لأن الألف في الحقيقة فتحة مشبعة، أنشد سيبويه (١): فَبَيْنَا نَحْنُ نَرقُبُه أَتَانَا ... عُلِّقَ وَفْضَةٍ وَزِنادَ راعِي أراد: بين نحن نرقبه، فأشبع الفتحة فحدثت بعدها ألف، قال: ومثل هذا يفعلون في الضمة فتتولد الواو، وفي الكسرة فتتولد الياء) (٢). والدَّرَك اسم من الإدراك يوضع موضع المصدر (٣). قال الليث: (الدَّرَك: إدراك الحاجة يقال: بكر ففيه درك) (٤). وقال شمر: قال أبو عدنان: (يقال: أدركوا ماء الرُّكَيَّةَ (٥) إِدْراكًا ودَرَكًا) (٦). قال الأخفش: (ومعنى الآية: اضرب لهم طريقًا لا تخاف فيه دركا، وحذف فيه كما تقول: زيد أكرمت أي: أكرمته، وكما قال: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا

стр. 8337

تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨] أي: لا تجزي فيه) (١). ٧٨ - قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ﴾ أي: لحقهم كقوله. ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ﴾ [الأعراف: ١٧٥] وقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ [الصافات: ١٠]، والباء في ﴿بِجُنُودِهِ﴾ في موضع حال من الفاعل على معنى ومعه جنوده، كما يقال: ركب بسلاحه، وخرج بثيابه، وهذا اللحاق إنما كان أن أول مقدمة فرعون قرب من ساقة قوم موسى وهم يعبرون البحر، أو يحمل على الإشراف على اللحاق والقرب منه (٢). ويجوز أن كون اتبع مطاوع تبع كقوله: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً﴾ [هود: ٩٩]، وقوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً﴾ [القصص: ٤٢]، والباء على هذا تكون زائدة، كما يزاد في كثير من المفعولات نحو (٣): لاَ يَقْرأَنَ بالسُّورِ وروي عن أبي عمرو أنه قرأ: فأتبعهم موصولة (٤). وعلى هذا الباء للتعدية؛ لأن اتبع بمعنى تبع كما يقال: شوى واشتوى، وحفى واحتفى،

стр. 8338

وفدى وافتدى والمعنى: لحق جنوده بهم (١). قال أبو إسحاق: (وجائز أن يكون معهم على هذا اللفظ، وجائز أن لا يكون، إلا أنه قد كان معهم) (٢). وقوله تعالى: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ﴾ قال ابن عباس: (يريد: الغرق) (٣). وقال أبو إسحاق: فغشيهم من البحر ما غَرَّقَهم) (٤). وشرح ابن الأنباري هذا فقال: (يسأل فيقال: ما الفائدة في قوله: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾؟ فيقال: المعنى غشيهم من اليم البعض الذي غشيهم [لأنه لم يغشهم كل مائه، بل الذي غشيهم] (٥) بعضه فقال الله تعالى: ﴿مَا غَشِيَهُمْ﴾ ليدل على أن الذي غرقهم بعض الماء وأنهم لم يغرقوا بجميعه) (٦). هذا كلامه. وأجود منه ما ذكره محمد بن يزيد الثمالي وهو أنه قال: (معناه: غشيهم من اليم ما عرفتم أنه غشيهم) (٧). كما قال أبو النجم (٨):

стр. 8339

أَنا أَبُو النَّجْمِ وشِعْرِي شِعْرِي أي: شعري ما قد عرفتم. وقال سيبويه: (من كلام العرب: إن فعلت كذا وكذا فأنت أنت، أي: أنت كما تعرف، ويقولون: الناس ناس، أي: هم كما قد عرفتم) (١). ومعنى ﴿غَشِيَهُمْ﴾ علاهم وسترهم. ٧٩ - ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ﴾ حيث دعاهم إلى عبادته (وما هدى) ما هداهم إلى مراشدهم، وهذا تكذيب له إذا قال: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾ [غافر: ٢٩]. وقال ابن عباس: (يريد ما أرشد نفسه) (٢). وعلى هذا معنى (ما هدى) ما هدى نفسه. والمعنى: أنه أهلك نفسه وقومه بضلاله ودعائهم إلى الضلالة حتى أوردهم مواقع الهلكة. ٨٠ - قال ابن عباس: (ثم ذكر الله تعالى منته على بني إسرائيل فقال: ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ﴾ يعني فرعون أغرقه بمرآى منهم) (٣). ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ﴾ وذلك أن الله تعالى وعد موسى بعد أن أغرق فرعون التأني جانب الطور الأيمن، فيؤتيه التوراة فيها بيان ما يحتاجون إليه، وقد ذكرنا هذا المعنى عند قوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ

стр. 8340

لَيْلَةً﴾ [البقرة: ٥١]. واختلف القراء في: واعدنا ووعدنا (١) (٢). وزعم أبو الحسن الأخفش أن: (واعدنا لغة في وعدنا) (٣). وإذا كان كذلك، فمن قرأ بالألف لم يدل اللفظ على أن الفعل من الاثنين، كما أن استحر واستقر ونحو ذلك من بناء استفعل، لا يدل على استدعاء الفعل، والقراءة بوعد أحسن؛ لأنّ واعد هاهنا بمعنى وعد، ويعلم من وعد أنه فعل واحد لا محالة، وليس واعد كذلك فالأخذ بالأبين أولى (٤). وهذا الذي ذكرنا زيادة في توجيه القراءتين لم نذكرها في سورة البقرة (٥). وهذا الوعد إنما كان لموسى، ولكن خوطبوا به؛ لأن الوعد كان لأجلهم (٦). والمعنى: واعدناكم إتيان جانب الطور فحذف المضاف، والمراد بالأيمن الجانب الذي على يمين موسى (٧)، وقد مر (٨).

стр. 8341

وقيل في التفسير: (وعدهم الله جانب الجبل ليسمعوا كلام الله لموسى بحضرتهم هناك) (١). ٨١ - قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾ أي: وقلنا لهم كلوا ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ وهذا أمر يقتضي التعديد بالنعم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول لا تظلموا) (٢). وقال مقاتل: (ولا تعصوا) (٣). والمعنى لا تبطروا فيما أنعمت عليكم فتظالموا. وهذا المعنى قول من قال: (لا تتقووا بنعمي على معاصي) (٤). وقال الكلبي: (لا تجحدوا نعمة الله فيما رزقكم منه فتكونوا طاغين) (٥). وقال مقاتل: (لا تتعدوا ما حد الله لكم في المن والسلوى فتتجاوزوا قدر ما يكفيكم وتدخروا، فمتى ادخرتم منهما شيئًا فأنتم في ذلك طاغون) (٦). وقوله تعالى: ﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي﴾ أي: يجب، قاله قتادة وغيره (٧).

стр. 8342

وقرئ: ﴿فَيَحِلَّ﴾ ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ﴾ بالكسر والضم (١). قال الفراء: (والكسر أحب إلي من الضم؛ لأن الضم من الحلول بمعنى الوقوع، ويحل: يجب، وجاء التفسير بالوجوب لا بالوقوع) (٢). وقال الزجاج: (﴿فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ﴾ معناه فيجب عليكم، ومن قرأ: بالضم، فمعناه التنزيل) (٣). هذا كلامه، ومعنى القراءتين قريب من السواء؛ لأن من قرأ بالكسر فمعناه: من حَل الشيء يَحِل حَلا وحَلال إذا حُلت عنه عقدة التحريم، وزال عنه الحظر والحجر والمنع، فمعنى يحل عليكم: ينزل بكم وينالكم بعدما كان ذا حظر وحجر ومنع عنكم، ومن فسر يحل يجب، فهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنهم ما لم يطغوا كان العذاب ممنوعًا محظورًا عليهم، فإذا طغوا ارتفع ذلك الحظر فحل العذاب لهم، ومعنى غضب الله: عذابه إياهم (٤)، ويقوي هذه القراءة قوله: ﴿وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٩]، أي: ينزل به بعد أن لم يكن، وقوله: ﴿أم

стр. 8343

أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم) [طه: ٨٦]، ولم يختلفوا في كسر هذين، ومن قرأ بالضم فوجهه: أن الغضب لما كان يتبعه العقوبة والعذاب جعله بمنزلة العذاب فقال: يَحُل أي: ينزل. فجعله بمنزلة قوله: حَلَّ بالمكان يَحُلَّ. هذا معنى قول أبي علي وبعض كلامه (١). وقوله تعالى: (فقد هوى) يقال: هَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا سقط من علو إلى أسفل، وهَوَتْ العُقَابُ تَهْوِى هُوِيًا: إذا سقطت على صيد، وهَوَى يَهْوِي هَوِيًا: إذا وقع مَهْواه، وهَوَى فُلان: إذا مات، قال النابغة (٢): وقال الشامتون هوى زياد ... لكل منية سبب مبين وهَوَى: إذا هلك. ومنه قول كعب بن سعد (٣) (٤): هَوَتْ أمُّه ما يَبْعَثُ الصُّبُح غادِيَا أي: هلكت أمه. هذا معاني (هوى) في اللغة (٥). فأما التفسير فقيل:

стр. 8344

(هلك) (١). وقيل: (صار إلى الهاوية، بمعنى تردى فيها) (٢). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول: فقد شقي) (٣). قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي وعطاء: (تاب من الشرك) (٤). ﴿وَآمَنَ﴾: وحد الله وصدقه ﴿وَعَمِلَ صَالِحًا﴾: أدى فرائض الله، وعمل صالحًا فيما بينه وبين الله ﴿ثُمَّ اهْتَدَى﴾ قال في رواية عطاء: (علم أن ذلك بتوفيق من الله له) (٥). وقال في رواية الوالبي: (لم يشكك) (٦). وقال في رواية أبي صالح: (علم أن له ثوابًا بهذا) (٧)، هذا قول سفيان، والكلبي، والشعبي، ومقاتل (٨). واختيار الزجاج؛ لأنه يقول: (ثم أقام على إيمانه) (٩).

стр. 8345

وقال عطاء بن يسار: (ثم أصاب بقوله وعمله السنة) (١). وهذا نحو قول سعيد بن جبير: (لزم السنة والجماعة) (٢). وقال فضيل الناجي (٣): (اتبع السنة) (٤). وقال زيد بن أسلم: (علم علما يحسن به عمله. قال: يقول: ﴿اهْتَدَى﴾ كيف يعمل) (٥). ونحو هذا قال ابنه: (أصاب العمل بالعلم) (٦). ٨٣ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾، قال المفسرون: (كانت المواعدة أن يوافي موسى وجماعة من وجوه قومه، فسار موسى بهم، ثم عجل من بينهم شوقا إلى ربه، وخلف السبعين يلحقون به على أثره) (٧). فقال الله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى﴾

стр. 8346

قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد رقة من الله ) (١). يعني رحمة؛ كأنه يقول: إنما سأله الله عن سبب عجلته رحمة عليه، ومحبة له وإلا فكان هو عالمًا بذلك. ٨٤ - فقال موسى: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ وذكرنا معنى أولاء عند قول: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٩]، ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ قال الكلبي: (لتزداد رضا) (٢). ٨٥ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ قال أبو إسحاق: (أي ألقيناهم في فتنة ومحنة من بعدك) (٣). وقال ابن الأنباري: (صيرناهم مفتونين أشقياء بعبادة العجل لما سبق لهم في حكمنا من بعد انطلاقك من بينهم) (٤). ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد أن الضلالة كانت على يدي السامري) (٥). يعني أنه كان سبب إضلالهم حين دعاهم إلى الضلالة، كما قال الكلبي: (فهم السامري إلى عبادة العجل) (٦).

стр. 8347

قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (كان السامري من أهل باجرمى (١) وقع بأرض مصر، فدخل في بني إسرائيل، وكان من قوم يعبدون البقر، وكان حب عبادة البقر في نفسه، وكان قد أظهر الإسلام مع بني إسرائيل وفي نفسه ما في نفسه) (٢). وقال في رواية عطاء: (كان السامري رجلًا من القبط، جارًا لموسى آمن به وصدقه وخرج معه فابتلي) (٣). وقال أبو إسحاق: (الأكثر في التفسير: أنه كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسَّامِرَة (٤) وهم إلى هذه الغاية في الشام تعرف بالسامريين) (٥). وروي عن راشد بن سعد (٦) أنه قال: (قال الله لموسى: إن قومك

стр. 8348

اتخذوا من بعدك عجلًا جسدًا له خوار. قال: يا رب فمن جعل فيه الروح؟ قال: أنا. قال: فأنت أضللتهم يا رب؟ قال: يا موسى إني رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم) (١). ومعنى هذا أنهم كانوا يعتقدون التشبيه حين قالوا لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]، فجزاهم الله بذلك الاعتقاد أن فتنهم بالعجل، فهذا معنى قوله: رأيت ذلك في قلوبهم فيسرته لهم. وقال عطاء عن ابن عباس: (قال موسى: يا رب هذا السامري أخرج لهم عجلًا من حليهم، فمن جعل له الجسد والخوار (٢)؟ قال الله تعالى: أنا. قال موسى: وعزتك، وجلالك، وارتفاعك، وعلو سلطانك ما أضلهم غيرك. قال: صدقت يا حكيم الحكماء) (٣). ٨٦ - قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ سبق الكلام في هذا في سورة الأعراف (٤). ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾

стр. 8349

صدقًا لإيتاء الكتاب (١). ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ﴾ مدة مفارقتي إياكم (٢) ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ بعبادتكم العجل، وتلخيص المعنى: أم أردتم أن تصنعوا صنعًا يكون سبب غضب ربكم؛ لأن أحدًا لا يتطلب غضب ربه، ولكن قد يأتي سبب ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ ما وعدتموني من حسن الخلافة بعدي، هذا في قوله: ﴿بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ [الأعراف: ١٥٠]. وقال مجاهد: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ قال عهدي) (٣). يعني ما عهد إليهم موسى وأوصاهم به من الإقامة على طاعة الله. وقيل في التفسير: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: تركتم السير على أثري) (٤). وهذا إنما يصح لو روي أن موسى وعدهم ذلك، ولم نر في شيء من الروايات أن موسى وعد قومه: أن يسيروا على أثره. وقال ابن الأنباري: (﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي﴾ أي: نسبتموه إلى الخلاف) (٥). يعني وعده بالرجوع إليهم. ٨٧ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قال قتادة:

стр. 8350

(بطاقتنا) (١). وقال مقاتل: (ونحن نملك أمرنا) (٢). وهذا معنى قول ابن عباس في رواية الوالبي يقول: (بأمرنا) (٣). وقال مجاهد: (بأمر نملكه) (٤). قال الفراء: (في التفسير إنا لم نملك الصواب وإنما أخطأنا) (٥). وحكى الزجاج أيضًا: (﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ﴾ بأن ملكنا الصواب) (٦). ومعنى هذا أنهم أقروا على أنفسهم بالخطأ، وقالوا: إنا لم نملك أمرنا حتى وقعنا بالذي وقعنا فيه من الفتنة، وهذا التفسير لا يطرد عليه نظم الآية، ولا يبقى معه معنى كقراءة من قرأ: بِمُلْكِنَا بالضم (٧). ولكان يجب أن يقولوا: فأخرج لنا عجلًا جسدًا، ولكن الصحيح ما ذكره بعض أهل التفسير: (أن هذا من قول المؤمنين الذين لم يعبدوا العجل) (٨). ولعل هذا أصح؛ لأن العتاب جرى معهم في سوء خلافتهم من ترك الإنكار على عبدة العجل، فقالوا له: ما أخلفنا موعدك الذي وعدناك من حسن الخلافة، ونحن نملك

стр. 8351

شيئًا من أمرنا، أو نطيق ردهم عن عظم ما ارتكبوا؛ لأنا كنا مغلوبين لقلتنا وكثرتهم، وكذا جاء في رواية: (إن الذين لم يعبدوا العجل كانوا اثني عشر ألفا وافتتن الباقون بالعجل وكانوا جميعًا ستمائة ألف) (١). وأكثر القراء: بِمِلْكِنَا بالكسر (٢). والتقدير: بملكنا أمرنا، فأضيف المصدر إلى الفاعل وحذف المفعول، كما أنه قد يضاف إلى المفعول، ويحذف الفاعل في نحو: ﴿دُعَاءِ الْخَيْرِ﴾ [فصلت: ٤٩]، ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤]، ومن قرأ: بِمِلكنا فهو المصدر الحقيقي يقال: مَلَكْتُ الشيء أَمْلِكُه مَلْكًا، والمِلْكُ ما مُلِكَ مثل: الطَّحْن والطِّحْن، والسَّقي والسِّقي، وقد وضع الاسم موضع المصدر، كما قال (٣): وَبَعْدَ عَطائِكَ المِائَةَ الرَّتَاعَا

стр. 8352

أعمل الاسم إعمال المصدر (١). ومن قرأ: بِمُلكنا بضم الميم فمعناه بقدرتنا وسلطاننا، يعني لم نقدر على ردهم، وأنكر أبو عبيد هذه القراءة (٢)، فقال: (المُلْك إنما هو من السلطان والعزة، وأي مُلْك كان لبني إسرائيل يومئذ، وإنما كانوا بمصر مستضعفين) (٣). كما قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧] وقال: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥]. فليس الأمر كما ذهب إليه؛ لأنه ليس معنى الملك هاهنا: السلطان الشديد والكبرياء، وإنما معناه: القدرة فقط (٤). وأصل الملك راجع إلى معنى واحد ذكرناه عند قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]. على أن أبا الحسن الأخفش حكى: (أن الملك مصدر في المالك) (٥). وحكى الفراء: (مَالِي مُلْك أي: شيء أَمْلِكُه) (٦). وعلى هذا معنى الوجوه كلها واحد (٧).

стр. 8353

ثم ذكروا قصة إتخاذ العجل فقالوا: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ أي: أثقالاً وأحمالًا (١). قال قتادة: (كانت حليا تعوروها (٢) من آل فرعون فساروا وهي معهم) (٣). وقال مجاهد: (أوزارًا من زينة الحلي الذي استعاروه من آل فرعون وهي الأثقال) (٤). وهذا قول ابن عباس، والسدي، وابن زيد (٥). والأكثرين: أن (الأوزار) هي الأحمال، و ﴿زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ حلي آل فرعون استعارة بنو إسرائيل قبل خروجهم من مصر فبقي في أيديهم، وكان موسى قد أمرهم بذلك (٦). وقال الزجاج: (يعنون بالأوزار: حليا كانوا أخذوها من آل فرعون،

стр. 8354

حين قذفهم البحر فألقاهم على الساحل، فأخذوا الذهب والفضة وسميت أوزارًا. قال: وسميت أوزارًا؛ لأن معناها الآثام) (١). ونحو هذا ذكر الفراء (٢). وعلى هذا المراد بزينة القوم: ما كان معهم حين أغرقوا من مصوغات الذهب والفضة للمناطق وزينة الدواب، وغير ذلك فسميت أوزارًا، بأن معناها أثام لم يحل لهم أخذها (٣). وعلى هذا القول يجوز أن يكون المراد بالأوزار الأحمال؛ لأن الوزر في اللغة: الحمل (٤). وقرئ: بالتشديد وضم الحاء (٥). المعنى: جعلونا نحمل، وحُمِلْنا على ذلك وأُردنا له وكلفنا حمله، ومن قرأ: حَمَلْنا أراد أنهم فعلوا ذلك. قال أبو عبيد: (وهو الاختيار؛ لأنّ التفسير قد جاء أنهم حملوا معهم ما كان في أيديهم من حلي آل فرعون) (٦). وقوله تعالى: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ أي: طرحناها، واختلفوا أين طرحوها؟ وكيف فعلوا؟ فقال قتادة: (لما مضت ثلاثون يومًا ولم يرجع موسى قال السامري: هذه العقوبة التي أصابتكم بتخلف موسى عن الوقت الذي وقته

стр. 8355

لرجوعه إليكم، إنما أصابتكم بالحلي التي معكم، فاجمعوها حتى يجيء موسى فنقضي منه فجمعت ودفعت إليه) (١). وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها إليه، وهذا قول قتادة قال: (فقذفوها إليه) (٢). وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (قال لهم هارون: إنكم تحملتم أوزارًا من زينة آل فرعون فتطهروا منها، فإنها نجسة، وأوقد لهم ناراً وقال: اقذفوا ما كان معكم من ذلك فيها. قالوا: نعم فجعلوا يأتون بما كان معهم من تلك الحلي فيقذفونها فيه، حتى استلب الحلي فيها) (٣). وعلى هذا معنى ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾ ألقيناها في النار. ونحو هذا ذكر الزجاج (٤). وقال السدي: (قال هارون لهم: إن الحلي غنيمة ولا تحل لكم الغنيمة فاحفروا لهذا الحلي حفرة فاطرحوه فيها) (٥). وعلى هذا المعنى فقذفناها في الحفرة. قوله تعالى: ﴿فَكَذَلِكَ﴾ أي: فكما ألقيت (ألقى السامري) قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد ألقى الحلي -وهو الذهب- في النار) (٦). وهذا اختيار الزجاج والفراء، قالا: (وكذلك فعل السامري؛ أي:

стр. 8356

ألقى حليًا كان معه في النار) (١). وعلى هذا دل كلام مجاهد؛ لأنه يقول: (فلذلك صنع السامري) (٢). أي: فعل كما فعلنا. وقال آخرون: (وكذلك ألقى السامري يعني: ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل) (٣). قال قتادة: (وقد كان صر في عمامته قبضة من أثر فرس جبريل يوم جاوز ببني إسرائيل فقذفها فيها) (٤). فهذا معنى قول ابن عباس في رواية السدي عن أبي مالك عنه (٥). وعلى هذا معنى ﴿أَلْقَى﴾ ألقى القبضة التي كانت معه من التراب. ولعل الأقرب هذا القول (٦)؛ لأن الله تعالى أتبعه. ٨٨ - بقوله: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا﴾ قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (لما أسبكت الحلي في النار أقبل السامري إلى النار، فقال لهارون: يا نبي الله ألقي ما في يدي؟ قال: نعم، ولا يظن هارون إلا أنه لبعض ما جاء به غيره من تلك الحلي والأمتعة، فقذفه فيها، وقال: كن عجلًا جسدًا له

стр. 8357

خوار، فكان للبلاء والفتنة) (١). وقال السدي عن أبي مالك عن ابن عباس: (قال لهم هارون: اجمعوا هذا الحلي حتى يجيء موسى فيقضي فيه، قال: فجمع ثم أذيب، فلما ألقى السامري القبضة تحول عجلًا جسدًا له خوار) (٢). وقال علي بن أبي طالب: (لما تعجل موسى إلى ربه، عمد السامري فجمع ما قدر عليه من حلي نساء بني إسرائيل، فضربه عجلًا ثم ألقى القبضة في جوفه فإذا هو عجل جسد له خوار) (٣). وقال قتادة: (ضربها صورة بقرة، وقذف فيها القبضة فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار، فجعل يخور خوار البقرة) (٤). وقال ابن عباس في رواية عطاء: (﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ يريد لحماً ودمًا ﴿لَهُ خُوَارٌ﴾ كما يخور الحي من العجول) (٥). وذكر في التفسير وحكاه الزجاج (٦). وهو قول ابن عباس في رواية عكرمة: (أن هارون مر بالسامري وهو يصنع العجل، فقال له: ما تصنع؟ قال: اصنع ما ينفع ولا يضر. وقال: ادع. فقال: اللهم أعطه ما يسأل كما يجب. فسأل الله أن

стр. 8358

جعل للعجل خوار) (١). وقال الحسن: (صور بقرة صاغها من الحلي الذي كان معهم ثم ألقى عليها من أثر فرس جبريل فانقلبت حيوانًا يخور) (٢). وقال مجاهد: (خواره حفيف الريح إذا دخلت جوفه) (٣). قال أبو إسحاق: (الذي قاله مجاهد من أن الخوار حفيف الريح، فيه أسوغ إلى القبول؛ لأنه شيء ممكن، والتفسير الآخر من: أنه خار، ممكن في محنة الله) (٤). وقوله تعالى: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾ أكثر أهل التفسير: (فقال السامري هذا إلهكم [وإله موسى) (٥). وروي عن علي ﵁: (فقال لهم السامري: هذا إلهكم)] (٦) (٧). وقال قتادة: (فقال عدو الله: هذا إلهكم) (٨).

стр. 8359

والمفسرون يقولون: فقال: هذا إلهكم. وفي التنزيل: ﴿فَقَالُوا﴾ فيحتمل أن المعنى: وقال السامري ومن تابعه ممن افتتن بالعجل. قال سعيد بن جبير عن ابن عباس: (عكفوا عليه وأحبوه حبًّا لم يحبوه شيئًا قط) (١). وقوله تعالى: ﴿فَنَسِيَ﴾ روي السدي عن أبي مالك عن ابن عباس في قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ قال: (إن موسى ذهب يطلب ربه فضل ولم يعلم مكانه) (٢). ونحو هذا قال في رواية عطاء: (أي ضل وأخطأ الطريق) (٣). وروى سماك بن حرب عنه قال: (نسي موسى أن يذكر لكم أن هذا إلهه وإلهكم) (٤). ونحو هذا روى عكرمة عنه (٥). وقال السدي: (﴿فَنَسِيَ﴾ يقول: ترك موسى إلهه هاهنا وذهب يطلبه) (٦). وقال قتادة: (يقول: إن موسى إنما طلب هذا، ولكنه نسيه وخالفه في طريق آخر) (٧). وعلى هذا قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ إخبار عن السامري [أنه قال ذلك.

стр. 8360

وقال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير: (﴿فَنَسِيَ﴾ أي: ترك ما كان عليه من الإسلام) (١). يعني السامري] (٢)، وعلى هذا القول قوله: ﴿فَنَسِيَ﴾ كلام الله تعالى في وصف السامري أنه نسي، أي: ترك ما كان عليه من الإيمان؛ لأنه نافق لما عبر البحر (٣)، فعيرهم الله بصنيعهم، وقال موبخًا لهم: ٨٩ - ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ قال المبرد: (أفلا يعلمون؛ لأن رأيت على ضربين: على رؤية القلب، وعلى رؤية العين، وما كان من رؤية القلب فالمراد به العلم) (٤). وقوله تعالى: ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ قال أبو إسحاق: (الاختيار الرفع ويكون المعنى: أنه لا يرجع، كما قال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، قال: ويجوز أن لا يرجع ينتصب بأن) (٥). قال المبرد: (﴿أَنَّ﴾ هاهنا مخففة من الثقيلة والمعنى: أنه لا يرجع، كقوله: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ﴾ [المزمل: ٢٠]، ولا يكون بعد العلم إلا ثقيلة، ومخففة من الثقيلة، وتخفف إذا جئت بالعوض نحو: السنن وسوف، نحو:

стр. 8361

علمت أن سيذهبون، وأن سوف يذهبون، وعلى (١) هذا قولنا: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله خففت الأولى من الثقيلة؛ لأنك جئت بالعوض وهو لا وشددت الثانية؛ لأنه الإيجاب (٢). وهذا الفصل مستقصى عند قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]، ومعنى ﴿أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ لا يكلمهم ولا يرد لهم جوابًا، كما قال في هذا المعنى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ توبيخ لهم إذا عبدوا من لا يملك ضرًا من ترك عبادته، ولا ينفع من عبده، وتركوا عبادة من يملكها. ٩٠ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن يأتي موسى، وذلك أنه لما رأى ما وقعوا فيه قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ﴾ قال عطاء عن ابن عباس: (ضللتم به) (٣). وقيل: (ابتليتم به) (٤). ﴿وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ﴾ لا العجل ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ في عبادته ﴿وَأَطِيعُوا أَمْرِي﴾ ولا أمر السامري، فعصوه. ٩١ - وقالوا: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ﴾ لن نزال مقيمين على عبادة العجل (٥). ﴿حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى﴾ فلما رجع موسى.

стр. 8362

٩٢ - ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا﴾ أي: افتتنوا في دينهم. وقال الكلبي: (كفروا وأخطأوا الطريق) (١) ٩٣ - ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ لا زائدة (٢) أي: ما منعك من اتباعي واللحوق بي، وترك المقام بين أظهرهم ليرغبهم خروجك من بينهم (٣). وقيل: (من اتباعي في الإنكار عليهم) (٤). ﴿أفَعَصَيْتَ أَمْرِي﴾ هو قال ابن عباس: (يريد أن مقامك بينهم وقد عبدوا غير الله عصيان منك) (٥). وعلى هذا إنما عذله على المقام فيما بينهم وقد كفروا، ثم أخذ برأس أخيه غضبًا منه عليه. الكلبي: (أخذ شعره بيمينه ولحيته

стр. 8363

بشماله) (١). ولم يذكر هاهنا أخذه لذكره في سورة أخرى (٢)؛ ولأن قوله: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ يدل على الأخذ، فلما أخذ موسى ذلك منه. ٩٤ - ﴿قَالَ ابْنَ أُمَّ﴾ أضافه إلى الأم دون الأب ترقيقًا واستعطافًا، هذا معنى قول الكلبي (٣). وقال أبو إسحاق: (وقيل في هارون إنه لم يكن أخا موسى لأبيه وكان أخاه لأمه) (٤). وقرئ: (يابن أم) بالكسر والفتح (٥). وذكرنا الوجه في سورة الأعراف (٦).

стр. 8364

وقوله تعالى: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ أراد ولا شعر رأسي. فإن قيل: الأخذ باللحية يؤدي إلى الاستخفاف بمن فعل به، فلم فعل ذلك موسى؟ والجواب: أن العادة في ذلك الزمان لم تكن كهذه العادة بل كان يجري ذلك مجرى القبض على اليد، والأشياء تختلف حكمها بحسب العادة فيها (١)، وقيل: (إنه أجراه مجرى نفسه إذا غضب في القبض على لحيته؛ لأنه لم يكن يتهم عليه كما لا يتهم على نفسه) (٢). قال ابن الأنباري: (وقع في نفس موسى أن هارون (٣) عصى الله بترك اتباعه، فأخذ بلحيته ورأسه غضبًا لله، وتأديبًا لهارون) (٤). وقوله تعالى: ﴿إِنِّي خَشِيتُ﴾ قال ابن عباس: (يريد إن أنا أتيتك) (٥) بمعنى: إن فارقتهم واتبعتك ﴿أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ قال ابن عباس: (يريد (٦): جماعتهم) (٧). وذلك أنه لو لحق بموسى لصاروا أحزابًا: حزب يسيرون معه، وحزب يتخلفون عنه مع الإيمان والإنكار على عبدة العجل، وحزب مع السامري، فلا يؤمن أن يصيروا في الخلاف إلى تسافك، فاعتذر بما مثله يقبل؛ لأنه وجه من وجوه الرأي (٨).

стр. 8365

وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ يعني: ولم تحفظ وصيتي حين قلت لك: اخلفني في قومي (١). وقال ابن جريج في قوله: (ألا تتبعني) أي: في شدة الزجر لهم عن الكفر بالله وعبادة غير الله) (٢). وقال في قوله: ﴿خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: (خشيت من العنف بهم أن يتفرقوا أحزابًا فيقتل بعضهم بعضًا) (٣). فلما اعتذر هارون بهذا العذر. ٩٥ - قال موسى للسامري: ﴿فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد ما قصتك) (٤). قال المفسرون: (ما شأنك الذي دعاك إلى ما صنعت) (٥). وأصل الخطب: الجليل من الأمر، كأنه قيل له: ما هذا الأمر العظيم الذي صنعت (٦). وقال الزجاج: (ما أمرك الذي تخاطب به) (٧).

стр. 8366

٩٦ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بصر الرجل إذا صار عليمًا بالشيء (١). قال أبو عبيدة: (علمت ما لم تعلموا) (٢). وقال ابن عباس: (عرفت مالم تعرفوا) (٣). وقرئ: ﴿يَبْصُرُوا﴾ بالياء والتاء (٤). من قرأ بالياء فالمعنى: بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل، ومن قرأ بالتاء: صرف الخطاب إلى الجميع. قال له موسى: وما الذي أبصرت دون بني إسرائيل؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (يريد أثر فرس جبريل) (٥). قال أبو إسحاق: (كان رأى فرس جبريل، فقبض قبضة من تراب حافر الفرس) (٦). وروى السدي عن أبي عمارة (٧) عن علي ﵁ قال: (إن جبريل لما نزل

стр. 8367

ليصعد بموسى إلى السماء أبصره السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس) (١). وعلى هذا معنى ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم تروه. وقال الكلبي: (قال السامري: رأيت جبريل على الفرس، وحي الحياة بلقاء أنثى، خطوها مد البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها، فما لقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهًا (٢)، حدثت لي نفسي بذلك ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾) (٣). وعلى هذا معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم بنو إسرائيل من أخذ تراب حافر فرس جبريل. وقال الكلبي بإسناده عن ابن عباس: (لما أمر

стр. 8368

فرعون بذبح ولدان بني إسرائيل كانت المرأة تلد فتطرح ولدها حيث لا يشعر به أصحاب فرعون، فيأخذ الولدان الملائكة، فيربوهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل، فغذاه فلما رآه على فرسه عرفه، فقبض القبضة من تحت حافر فرسه) (١). وقوله: إنها إذا جعلت في موات حي، فذلك قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه يعني من حيث وضع عليه حافره ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ وألقيتها في صورة العجل ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما حدثتك يا موسى ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل. ٩٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾ روي في التفسير: (أن موسى ﵇ همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) (٢) (٣).

стр. 8369

فقال له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ أي: من بيننا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال ابن عباس: (لك (١) ولولدك) (٢). والمساس: فِعال من المساسة ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضًا (٣). قال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحداً ولا يخالطك) (٤). وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يقربوه (٥). وقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم (٦) مخالطة السامري، والمعنى: أنك في الدنيا لا تخالط جزاء لفعلك) (٧). وعلى هذا كأن موسى صيره مهجورًا، وأمر قومه بمجانبته، وأن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يبايعوه، هذا معنى ما ذكر في هذه الآية (٨). غير أن اللفظ لا يدل على هذا؛ لأنه إذا هجر لم يقل: لا مساس إنما يقال له ذلك (٩).

стр. 8370

على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه. والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره. وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) (١)، هذا كلامه. والصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) (٢). وكان إذا لقى أحدًا يقول: لا مساس أي: لا تقربني ولا تمسني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك (٣). وذكر: (أنه إن مس واحدًا من غيرهم أحدًا منهم حمَّ كلاهما في الوقت) (٤).
следующие страницы →