← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8366–8405 · переход к 8371.

стр. 8366

٩٦ - قوله تعالى: ﴿قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ يقال: بصر الرجل إذا صار عليمًا بالشيء (١). قال أبو عبيدة: (علمت ما لم تعلموا) (٢). وقال ابن عباس: (عرفت مالم تعرفوا) (٣). وقرئ: ﴿يَبْصُرُوا﴾ بالياء والتاء (٤). من قرأ بالياء فالمعنى: بصرت بما لم يبصر به بنو إسرائيل، ومن قرأ بالتاء: صرف الخطاب إلى الجميع. قال له موسى: وما الذي أبصرت دون بني إسرائيل؟ قال: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ قال ابن عباس وجميع المفسرين: (يريد أثر فرس جبريل) (٥). قال أبو إسحاق: (كان رأى فرس جبريل، فقبض قبضة من تراب حافر الفرس) (٦). وروى السدي عن أبي عمارة (٧) عن علي ﵁ قال: (إن جبريل لما نزل

стр. 8367

ليصعد بموسى إلى السماء أبصره السامري من بين الناس، فقبض قبضة من أثر الفرس) (١). وعلى هذا معنى ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: رأيت ما لم تروه. وقال الكلبي: (قال السامري: رأيت جبريل على الفرس، وحي الحياة بلقاء أنثى، خطوها مد البصر، فألقي في نفسي أن أقبض من أثرها، فما لقيته على شيء إلا صار له روح ولحم ودم، فحين رأيت قومك سألوك أن تجعل لهم إلهًا (٢)، حدثت لي نفسي بذلك ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾) (٣). وعلى هذا معنى: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ أي: علمت ما لم تعلم بنو إسرائيل من أخذ تراب حافر فرس جبريل. وقال الكلبي بإسناده عن ابن عباس: (لما أمر

стр. 8368

فرعون بذبح ولدان بني إسرائيل كانت المرأة تلد فتطرح ولدها حيث لا يشعر به أصحاب فرعون، فيأخذ الولدان الملائكة، فيربوهم حتى يترعرعوا ويختلطوا بالناس، فكان السامري ممن أخذه جبريل، فغذاه فلما رآه على فرسه عرفه، فقبض القبضة من تحت حافر فرسه) (١). وقوله: إنها إذا جعلت في موات حي، فذلك قوله: ﴿بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ أي: من أثر فرسه يعني من حيث وضع عليه حافره ﴿فَنَبَذْتُهَا﴾ وألقيتها في صورة العجل ﴿وَكَذَلِكَ﴾ وكما حدثتك يا موسى ﴿سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ زينت لي نفسي من أخذ القبضة وإلقائها في صورة العجل. ٩٧ - قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاذْهَبْ﴾ روي في التفسير: (أن موسى ﵇ همَّ بقتل السامري، فنهاه الله عن ذلك وقال: لا تفعل، فإنه سخي) (٢) (٣).

стр. 8369

فقال له موسى: ﴿فَاذْهَبْ﴾ أي: من بيننا ﴿فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَنْ تَقُولَ لَا مِسَاسَ﴾ قال ابن عباس: (لك (١) ولولدك) (٢). والمساس: فِعال من المساسة ومعنى لا مساس: لا يمس بعضنا بعضًا (٣). قال الكلبي: (يقول: لا يخالط أحداً ولا يخالطك) (٤). وأمر موسى بني إسرائيل أن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يقربوه (٥). وقال أبو إسحاق: (التأويل: أن موسى حرم (٦) مخالطة السامري، والمعنى: أنك في الدنيا لا تخالط جزاء لفعلك) (٧). وعلى هذا كأن موسى صيره مهجورًا، وأمر قومه بمجانبته، وأن لا يخالطوه ولا يؤاكلوه ولا يبايعوه، هذا معنى ما ذكر في هذه الآية (٨). غير أن اللفظ لا يدل على هذا؛ لأنه إذا هجر لم يقل: لا مساس إنما يقال له ذلك (٩).

стр. 8370

على أن ابن الأنباري ذكر في هذا وجهين أحدهما: (أن السامري ألهم هذا القول، وأجبر عليه إذلالا له وتصغيرًا لشأنه. والثاني: (أن الفعل نسب إلى السامري وهو في المعنى لغيره. وتلخيصه: فاذهب فإن لك في الحياة أن يقال لك: لا مساس فنسب إليه قول غيره تحقيقًا للزوم الفعل وبقائه) (١)، هذا كلامه. والصحيح ما ذكر في التفسير من وجه آخر: أنه جعل يهيم في البرية مع الوحوش والسباع لا يمس أحدًا ولا يمسه أحد، عاقبه الله بذلك) (٢). وكان إذا لقى أحدًا يقول: لا مساس أي: لا تقربني ولا تمسني، وصار ذلك عقوبة له ولولده حتى أن بقاياهم اليوم يقولون ذلك (٣). وذكر: (أنه إن مس واحدًا من غيرهم أحدًا منهم حمَّ كلاهما في الوقت) (٤).

стр. 8371

وهذا معنى ما ذكره قتادة في قوله: ﴿لَا مِسَاسَ﴾ قال: (عقوبة لهم) (١). ومعنى: أن ذلك في الحياة أي: أنك ما دمت حيًّا تعاقب بهذه العقوبة فإذا صرت إلى الآخرة جوزيت بما تستحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا﴾ قال ابن عباس: (يريد موعد القيامة) (٢). والموعد هاهنا هصدر يعني أن لك وعدًا لعذابك ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ وقرئ: بفتح اللام (٣)، فمن كسر اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: ستأتيه ولا مذهب لك عنه، ومن فتح اللام كان المعنى: لن تخلف ذلك الوعد أي: سيأتيك به الله ولن يتأخر عنك. قال أبو إسحاق: (أي يكافئك الله على ما فعلت في القيامة والله لا يخلف الميعاد. ومن قرأ: ﴿لَنْ تُخْلَفَهُ﴾ فالمعنى: أنك تبعث وتوافي القيامة لا تقدر على غير ذلك) (٤). وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي طفقت تعبده وظللت عليه مقيمًا) (٥). وظلْتَ أصله. ظلَلت.

стр. 8372

قال الزجاج: (ولكن اللام حذفت لثقل التضعيف والكسر) (١). والعرب تفعل ذلك كثيرًا، قال ابن مغراء (٢) (٣): مَسْنَا السَّمَاءَ فَنِلْنَاهَا وطَالَهُمُ ... حَتَى رأَوا أُحُدًا يَمْشِي وَثَهْلانَا فحذفوا أحد السينين من مسسنا استثقالا للجمع بينهما ومثله كثير. وقوله تعالى: ﴿لَنُحَرِّقَنَّهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي: (يقول بالنار) (٤). وروي عنه: (فحرقه بالنار ثم ذراه في البحر) (٥) (٦). وقال الكلبي: (أحرق العجل بالنار، ثم دق، ثم ذري في البحر) (٧). وهو النسف. وقال السدي: (أخذ موسى العجل فذبحه، فسأل منه دمًا كما يسيل

стр. 8373

من العجل إذا ذبح، ثم حرقه بالمبرد، ثم ذراه في اليم) (١). وهذا على معنى حرق عظامه بالمبرد، كما قال الكلبي: (ثم دق). وهذا على قراءة من قرأ: لَنُحْرِقَنَّه وليست قراءته في مشهور القراءة (٢). والصحيح: أن ذلك العجل صار لحمًا ودمًا، وإذا كان كذلك فالحرق بالمبرد فيه بعيد. وفي حرف عبد الله: لنذبحنه ثم لنحرقنه (٣). وروى عطاء عن ابن عباس: (فبرد بالمبارد ثم ألقي في البحر) (٤). وهذا يحمل على برد عظامه، إلا على قول مجاهد فإنه لم يجعله لحمًا ودمًا، وحينئذ برد العجل بالمبرد وهو من الذهب. والدليل على أن المبرد كان للعظام قول ابن مسلم في قوله: ﴿لَنَنْسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا﴾ (أي: لنطيرن تلك البرادة والرماد في البحر) (٥). والرماد يكون لما أحرق بالنار. ومعنى النسف: نقض الشيء لتذهب به الريح، وهو: التذرية (٦).

стр. 8374

٩٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا أيضًا إخبار عن موسى أنه قال لقومه. والمعنى: إلهكم الذي يستحق العبادة الله لا العجل ﴿وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ تامًا لم يضق علمه عنه، فلا يخفى عليه شيء والتقدير: وسح كل شيء علمه، ثم نقل الفعل عن العلم ونصب على اقفسير، وهي لفظة عجيبة في الفصاحة. ٩٩ - ﴿كَذَلِكَ﴾ كما قصصنا عليك نبأ موسى وقومه ﴿نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (يريد القرآن) (١). ثم أوعد على الإعراض عنه وترك الإيمان به ١٠٠ - فقال: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ قال مجاهد: (إثمًا) (٢). قال أهل المعاني: (إثمًا عظيمًا) (٣). لأن الوزر معناه: الحمل الثقيل (٤) ١٠١ - ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ أي: في عذابه عذاب ذلك الوزر ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ قال الوالبي عن ابن عباس: (يقول: بئس ما حملوا) (٥). [وقال

стр. 8375

عطاء عنه: (يريد: بئس يوم القيامة ﴿حِمْلًا﴾ يريد: سوء العذاب) (١). وقال الكلبي: (بئس ما حملوا] (٢) على أنفسهم من المآثم كفرا بالقرآن) (٣). قال أبو إسحاق: (المعنى. بئس الوزر لهم حملاً يوم القيامة، وحملاً منصوب على التمييز) (٤). ١٠٢ - قوله تعالى ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ وقرأ أبو عمرو (ننفخ) بالنون، والوجه قراءة العامة (٥) لقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ (٦)، وقوله: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨]، ولأن النفخ يكون من المَلَك الموكل بالصور بأمر الله، فالأجود أن يقرأ على غير تسمية الفاعل، ووجه قراءة أبي عمرو: أنه على معنى إضافة الأمر بالنفخ إلى الله تعالى، ويقوي ذلك ما عطف عليه من قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ يقال: زَرِقَت عينه، تَزْرَقُ، زَرَقًا، وزُرْقَةً، وازْرَاقَّت، ازرِقَاقًا (٧).

стр. 8376

قال ابن عباس: (يريد: بالمجرمين الذين اتخذوا مع الله إلهًا) (١). قال: (يريد: زرق العيون سود الوجوه) (٢). وإلى هذا ذهب جماعة من المفسرين: (أن معنى الزرق هاهنا أن في عيونهم زرقًا، وهي الخضرة في سواد العين) (٣). كعين السَّنَّوْرُ (٤) والعرب تتشاءم بالزرت وتذمه (٥). والمعنى في هذا: تشويه الخلق بسواد الوجوه وزرقة العيون. وقال الكلبي: (زرقا: عميا) (٦). وذكره الفراء وابن الأعرابي، والزجاج (٧)، قال الزجاج: (يخرجون من قبورهم بصراء ويعمون في المحشر. قال: وإنما قيل للعمى: زرق؛ لأن السواد يزرق إذا ذهب نواظرهم) (٨)، هذا كلامه، ولم يكشف عن المعنى.

стр. 8377

وذكر ابن قتيبة فقال: (أي بيض العيون من العمى قد ذهب الناظر والسواد) (١). وهذا كلامه كما قال؛ لأن العرب تسمى كل أبيض صافي البياض: أزرق، ويقال للمياه الصافية: زرق، قال زهير (٢): فلَمَّا وَرَدْنَ المَاءَ زُرْقًا جِمَامهُ ... وَضَعْنَ عِصيّ الحَاضِر المتَخَيَمِ ويقال للأسنة: زرق لصفاء لونها (٣). وهذا التفسير يوافق قوله: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا﴾ [الإسراء: ٩٧]، وحكى الفراء، والزجاج في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (عطاشا) (٤). ورواه أيضًا أبو العباس عن ابن الأعرابي (٥). قال أبو إسحاق: (ومن قال: عطاشا فجيد أيضًا؛ لأنهم من شدة العطش يتغير سواد أعينهم، حتى يزرق) (٦). وهذا الذي ذكره صحيح؛ لأن

стр. 8378

العطش يؤثر في العين، ومن مات عطشا ظهر ذلك في سواد عينيه، ويشهد لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا﴾ [مريم: ٨٦]. وحكى ثعلب عن ابن الأعرابي في تفسير ﴿زُرْقًا﴾: (طامعين فيما لا ينالونه) (١). ووجه هذا التفسير: أن من يتطلع إلى شيء وطال به انتظاره يقول: قد ابيضت عيني بطول انتظاري (٢). ١٠٣ - قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ﴾. قال ابن عباس والمفسرون: (يتسارون بينهم) (٣)، وذكرنا معنى هذا الحرف عند قوله: ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ [الإسراء: ١١٠]. ﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ وذلك لهول ما عاينوا نسوا مقدار مدة لبثهم في الدنيا، فيقولون هذا القول (٤). وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في الدنيا فيقولون هذا القول) (٥). وقيل: (يذهب عنهم طول لبثهم في قبورهم لشدة ما يرون من أحوالهم التي دهمتهم فكأنهم كانوا نيامًا فانتبهوا) (٦). وقال عطاء عن ابن عباس: (﴿إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾ يريد من النفخة

стр. 8379

الأولى إلى الثانية، وذلك أنه يكف العذاب عنهم بين النفختين، فإذا كانت النفخة الثانية بعثوا) (١). وذلك قوله: ﴿يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾ [يس: ٥٢]. ١٠٤ - قال الله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ﴾ أي: بالنجوى بينهم ﴿إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ هو قال ابن عباس في رواية عطاء: (أعدلهم) (٢). [وقال الكلبي: (أعدلهم] (٣) قولاً) (٤). وقال السدي: (أمثلهم حالاً) (٥). وقال سعيد بن جبير: (أوفاهم عقلاً) (٦). وعنه أيضًا: (أعلمهم في نفسه) (٧). وهو اختيار الزجاج قال: (أعلمهم عند نفسه بما يقول) (٨). وقال الفراء: (أجودهم قولاً في نفسه وعندهم) (٩). والمعنى في ﴿أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً﴾ أشبههم طريقة بأهل العقل. وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى﴾ [طه: ٦٣].

стр. 8380

﴿إِنْ لَبِثْتُمْ﴾ أي: في الدنيا، أو في القبور، أو فيما بين النفختين على ما ذكرنا. ﴿إِلَّا يَوْمًا﴾ قال ابن عباس: (وقد لبثوا أربعين سنة؛ لأن ما بين النفختين أربعين سنة) (١). ١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ قال ابن عباس: (سأل رجال من ثقيف (٢) رسول الله ﷺ فقالوا: كيف تكون الجبال يوم القيامة؟ فأنزل الله هذه الآية) (٣). وقوله تعالى: ﴿يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾ قال الكلبي: (يقلعها قلعًا) (٤). وقال الزجاج: (النسف: التذرية تصير الجبال كالهباء المنثور تذرى تذرية) (٥). وقال المفسرون: (يصيرها الله رملاً يسيل سيلاً ثم يصيرها كالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا) (٦)

стр. 8381

١٠٦ - ﴿فَيَذَرُهَا﴾ أي: يدع أماكنها من الأرض إذا نسفها (قاعا) قال الفراء: (القَاع: ما انبسط من الأرض، وفيه يكون السَّراب نصف النهار، وجمعه: قِيْعَة، كما قالوا: جَارٌ وجِيْرَة) (١). وقال الليث، والأصمعي: (القَاع: أرض واسعة سهلة مطئنة قد انفرجت عنها الجبال والأكام) (٢). وقال: هذه قَاع، وثلث أَقْوَع، وأقْوَاع كثيرة، وتجمع القِيعَة والقِيعَان، وهو: ما استوى من الأرض وما حواليه أرفع منه، وهو مصب المياه، ويصغر: قُوَيْعَةً في قول من أنت، ومن ذكر قال: قُوَيْعٌ، ودلت هذه الواو أن ألفها واوا (٣). وقال رؤبة (٤): وَوَدَّعْن أَقْوَاعَ الشَّمَالِيلِ بَعْدَمَا ... ذَوَى بَقْلُهَا أَحْرَارُهَا وذُكُورُهَا وقوله تعالى: ﴿صَفْصَفًا﴾ قال الفراء: (هو الأملس الذي لا نبات فيه) (٥).

стр. 8382

وقال الزجاج: (المستوي من الأرض) (١). وقال ابن الأعرابي: (الصفصف: القرعاء) (٢). وأنشد شمر (٣): إِذَا رَكِبْتَ دَاوَّيةً مُدْلَهِمَّةً ... وَغَرَّدَ حَادِيْهَا لَهَا بِالصَّفَاصِفِ قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿قَاعًا صَفْصَفًا﴾: (مستويا لا نبات فيه أملس) (٤). هذا قول مجاهد، والسدي، وابن زيد (٥). ١٠٧ - قوله تعالى: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ العِوَج: بكسر العين في الدين، وفي الطرف، وفيما لا ينتصب. والعَوَج: بالفتح في العود (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ قال أبو عبيدة: (الأمت: إرتفاع وهبوط، يقال: مَدَّ حَبْلَه حتى ما ترك فيه [أَمَتًا، ومَلأَ سقاءه حتى لم يدع فيه أمتا) (٧).

стр. 8383

وأنشد ليزيد بن شيبة النميري (١) (٢): لَهَا صُوْرَةٌ كَالشَّمْس أَشْرَقَ ضَوؤهَا ... لُبَاخِية هَيْفَاء لَيسَ بِهَا أَمْتُ قال المبرد: (الُبَاخِيَّة الممتلئة الخلق) (٣). وقال الليث: (الأَمت: أن يصب في السِّقا ماء فلا يمتلئ فينثني، فذلك الشيء هو الأَمْت. وتقول للقربة إذا امتلأت: لاَ أَمْتَ فيها) (٤). وقال الفراء: (الأَمْتُ موضع النَّبْكُ (٥) من الأرض وهو ما ارتفع منها، وسمعت العرب يقولون: مَلأَ القِربة مَلأً لا أَمْتَ فيه) (٦).

стр. 8384

وقال ابن الأعرابي: (الأَمْتُ: وَهْدَةٌ بَين نُشُوزٍ) (١). قال ابن عباس في رواية الوالبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ يقول: واديا، ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يقول: رابية) (٢). وقال قتادة: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ أي: صدعا ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ ولا أكمة) (٣). وهذا كقول ابن عباس سواء. وقال الكلبي: (﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا﴾ وهي الأودية ﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يعني النَّبَاك) (٤). وقال مجاهد: (لا انخفاضا ولا ارتفاعا) (٥). وقال عكرمة عن ابن عباس: (ليس فيها منخفض ولا مرتفع) (٦). وقال في رواية بن الأزرق: (الأَمْت: الشيء الشاخص من الأرض) (٧). وقال في رواية عطاء: (﴿وَلَا أَمْتًا﴾ يريد نتوا) (٨).

стр. 8385

وقال السدي: (العوج: الطريق في الجبال، والأمت: الروابي) (١). فهذه أقوال أهل اللغة والمفسرين في الأَمْت أنه: المرتفع. وروى أبو بكر الهذلي عن الحسن قال: (العوج: ما انخفض من الأرض، والأمت: ما نشز من الروابي) (٢). ١٠٨ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ قال الفراء: (صوت الداعي للحشر) (٣). قال المفسرون: (يتبعون صوت داعي الله تعالى الذي يدعوهم إلى موقف القيامة) (٤). ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ قال الفراء: (لا عوج لهم عن الداعي، وجاز أن يقول: ﴿لَهُ﴾؛ لأن المذهب إلى الداعي وصَوته، فهو كما تقول في الكلام: دَعَوتني دَعْوةً لا عوج لك عنها، أي: إني لا أعوج لك ولا عنك) (٥). وقال أبو إسحاق: (المعنى لا عِوَج لهم عن دعُائة، لا يقدرون أن لا

стр. 8386

يَتَّبِعوا) (١). وهذا معنى قول ابن عباس: (يريد: البعيد والقريب سواء كلهم يتبع الصوت ولا يتعوج عنه) (٢). ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ قال الوالبي عنه: (يريد: سكنت) (٣). وقال عطاء: (يريد: خضعت وذلت) (٤). وهو قول السدي: (ذلت) (٥). وهو قوله: ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ همس الأقدام أخفى ما يكون من الصوت، وقال أبو عبيدة: (الهمس والرِّكْز واحد وهو: الصوت الخفي. ويقال: همس لي بكذا، أي: أخفاه إلي) (٦). وذكر عن ابن عباس أنه تمثل بقول الراجز (٧): وَهُنَّ يَمْشِيْنَ بِنَا هَمِيْسَا يعني: صوت أخفاف الإبل في سيرها. وقال أبو الهيثم: (إذا مَضَغَ

стр. 8387

الرجل الكلام وفُوه مُنضَمُّ قيل: هَمَس يَهْمِس هَمْسا) (١). قال (٢): يَأْكُلْنَ مَا في رَحْلِهِنَّ هَمْسَا والهَمُوسُ من أسماء الأسد؛ لأنه يَهْمِس في الظلمة، أي: يطأ وطأً خفيا (٣). ومنه قول أبي زبيد (٤) (٥): فَيَأتُوان يُدْلِجُون ويَأْتِ يَسرِي ... بَصِيرٌ بِالدُّجَي هَادٍ هَمُوسُ يعني: الأسد. قال ابن عباس في رواية الوالبي في قوله: ﴿إِلَّا هَمْسًا﴾ يقول: (الصوت الخفي) (٦). وفسر ذلك الصوت في رواية سعيد بن جبير وعطاء فقال: (يريد

стр. 8388

صوت وقع الأقدام كمشي الإبل) (١). وهذا قول أكثر المفسرين قالوا: (يعني: صوت ثقل الأقدام إلى الحشر). وهذا قول عكرمة، وسفيان، والحسن والسدي (٢)، واختيار الفراء، والزجاج (٣). وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس ﴿فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ (يعني: تحريك الشفاه بغير نطق) (٤). وهو قول مجاهد: (الكلام الخفي) (٥). قال الليث: (الهمس: حس الصوت في الفم مما لا إشراب له من صوت الصدر، ولا جهارة في المنطق، ولكنه كلام مهموس في الفم كالسر) (٦). والمعنى على هذا التفسير: سكنت الأصوات ولا يجهر أحد بكلام إلا كالسر في الإشارة بالشفة وتحريك الفم بغير صوت. ١٠٩ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ قال الفراء: (﴿مَنْ﴾ في موضع نصب، لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له أن يشفع فيه) (٧) هذا كلامه والمعنى: لا تنفع الشفاعة أحد من الناس إلا من أذن الله

стр. 8389

أن يشفع له فذلك الذي تنفعه الشفاعة، والكناية في قوله: ﴿لَهُ﴾ تعود إلى ﴿من﴾ وهو المشفوع له المأذون له في شفاعته (١). وقوله تعالى: ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ يعني قال: لا إله إلا الله. قاله ابن عباس، والكلبي (٢). قال الفراء: (يقال: رضيت لك عملك، ورضيته منك) (٣). وهذا يدل على أنه لا حظ في الشفاعة لغير المؤمن، وذكر في الآية وجه آخر وهو: أن المعنى لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن، فعلى هذا من أذن هو الشفيع لا المشفوع له ﴿وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾ إن كان مؤمنا، فإن الكافر لا يؤذن له في الشفاعة، ولا يكون شفيعًا ولا مشفوعًا له، وعلى هذا التأويل الكنايتان تعود إلى الشفيع (٤). والآية تدل على أن الشفيع إنما يشفع بعد الإذن إذا كان مؤمنا. قال الكلبي: (وذلك أن الأنبياء يشفعون، والملائكة يشفعون، والأباء والأبناء يشفعون) (٥).

стр. 8390

وقال رسول الله ﷺ : "وإن الرجل من أمتي ليشفع بالقبيلة، ويشفع للفئام من الناس، ويشفع للعصبة، والثلاثة وللرجلين وللرجل" (١) (٢). قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ الكناية راجعة إلى الذين ذكروا في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ﴾ (٣) أي: يعلم ما يصيرون إليه من الثواب والعقاب. ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما قد وقع من أعمالهم. قال ابن عباس: (يريد ما قدموا وما خلفوا) (٤). ١١٠ - وقال الكلبي: (﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ من أمر الآخرة ﴿وَمَا

стр. 8391

خَلْفَهُمْ﴾ من أمر الدنيا) (١). وقال مجاهد: (﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما مضى من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآخرة) (٢). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ الظاهر أن الكناية في قوله ﴿بِهِ﴾ تعود إلى ﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: هو يعلم ذلك وهم لا يعلمونه (٣). وعلى هذا كلام ابن عباس حيث قال: (يريد ولا يحيطون بشيء من علمه أي: بما علمه) (٤). ويجوز أن تعود الكناية إلى الله تعالى؛ لأن عباده لا يحيطون به علمًا (٥). ١١١ - قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ قال ابن عباس في رواية الوالبي، وقتادة: (ذلت) (٦).

стр. 8392

وقال مجاهد، وسفيان: (خشعت) (١). وقال السدي: (استسلمت) (٢). قال عطاء عن ابن عباس: (خضعت) (٣). قال أبو إسحاق: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ مهو في اللغة: خضعت، يقال: عَنَا يَعْنُوا إذا خَضعَ، ومنه يقال: أخذت البلاد عَنْوَةً إذا أخذت غَلَبَة، وأُخِذت بِخِضوعٍ من أهلها) (٤). وقال أهل المعاني: (معنى ﴿وَعَنَتِ﴾ خضعت وذلت خضوع الأسير في يد المالك القاهر له، والعاني: الأسير لخضوعه وذله) (٥). قال أبو عبيدة: (وكل من ذل واستكان فقد عَنَا، والاسم منه العنوة (٦). وأنشد للقطامي (٧): وَنأَتْ بِحَاجَتِنَا وَرُبَّتَ عَنْوَةٍ ... لَكَ مِن مَوَاعِدِها التي لَمْ تَصْدُقِ أي: رب ذلة وخضوع منك لها لأجل مواعدها. ومن هذا يقال:

стр. 8393

أخذت الشيء عَنْوَة أي: غلبة بذل المأخوذ منه، ومن صريح التفسِر وعنت. قال: (والعاني الأسير، والعاني العبد) (١). وقال الفراء: (عَنَا يَعْنُوا عَنْوا إذا خضع، وقولهم: أخذت الشيء عَنْوة يكون غلبة، ويكون عن تسليم وطاعة ممن يؤخذ منه الشيء؛ لأنه على طاعة الذليل للعزيز) (٢). وأنشد أهل التفسير في ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾ بمعنى: ذلت وخضعت، قول أمية (٣): مَلِيكٌ عَلَى عَرْشِ السَّمَاء مُهَيْمِنٌ ... لِعِزَّته تَعْنُو الوجُوهُ وتَسْجُدُ وفسر طلق بن حبيب (٤) عَنْو الوجوه في هذه الآية: (بالسجود) (٥). هذا الذي ذكرنا قول أكثر أهل التأويل. وقال الكلبي: (وعملت الوجوه. قال: ويقال نصبت) (٦). واختاره الفراء فقال في تفسيره: (يقال: نصبت به، وعملت له) (٧). وعلى هذا عَنَت من العَنَا بمعنى التعب، والعَنَا: الحبس في شدة وذل، هذا أصل معناه، ثم قيل لكل تعب: عَنَا، يقال: لقيت من فلان عَنْيَة وعَنَاء أي: تَعَبا، وعَنَّيْتُه أُعَنِّيه تَعْنِية إذا أسرته فحبسته مضيقا عليه في الشدة، وكل حبس

стр. 8394

طويل عَنية (١)، ومنه قول الشاعر (٢): قَطَعْتَ الدَّهْرَ كَالسَّدِمِ المُعَنَّى ... تُهَدِّرُ في دِمَشْقَ ومَا تَرِيمُ قال ابن قتيبة: (والعاني بمعنى الأسير) (٣). من هذا، فالقولان إذًا يعودان إلى أصل واحد ومعنى واحد؛ لأن نصب الوجوه يعني به: السجود لله تعالى. وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال ابن عباس: (يريد حْسر من أشرك بالله ) (٤). ١١٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ يجوز أن تكون ﴿مِن﴾ هو للتبعيض فيكون المعنى: شيئًا من الصالحات، ويجوز أن تكون للجنس فيكون المعنى: ومن يعمل الصالحات ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ جملة في موضع نصب على الحال.

стр. 8395

وقوله تعالى: ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ في موضع جواب الشرط، والمبتدأ محذوف مراد بعد الفاء، المعنى: فهو لا يخاف (١). وهذا كقوله: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ [البقرة: ١٢٦]، ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ﴾ [الجن: ١٣]. وقرأ ابن كثير: فلا يخف على النهي (٢). وهو حسن؛ لأن المعنى: ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فيأمن؛ لأنه لم يفرط فيما وجب عليه، ونهيه عن الخوف أمر بالأمن، ولفظ الآية في قوله: فلا تخف على النهي، والمراد الخبر بأن المؤمن الصالح لا خوف عليه، وإذا كان كذلك كان معنى القراءتين واحد (٣). وقوله تعالى: ﴿ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ قال الفراء: (تقول العرب: هضمت لك من حقي أي: تركته) (٤). وقال المبرد، والزجاج: (الهضم النقص، يقال: فلان هضمني حقي، أي: نقصني، وكذلك هذا يهضم الطعام أي: ينقص ثقله) (٥). ومنه للدواء هَاضوم؛ لأنه يقع في الطعام الذي كظ فيهضمه، وقيل للخميص

стр. 8396

البطن: هضم (١). وقال أبو عبيدة: (﴿وَلَا هَضْمًا﴾ نقيصة (٢)، وأنشد للبيد (٣): ومُقَسِّمٌ يُعْطِي العَشِيْرَةَ حَقَّهَا ... ومُغَذْمِرٌ لِحُقُوقِهَا هَضَّامُهَا قال ابن عباس في رواية الوالبي: (لا يخاف أن يظلم فيزاد عليه في سيئاته، ولا أن يهضم من حسناته) (٤). ونحو هذا قال الحسن (٥). وقال في رواية عطاء: (لا ينتقص من ثوابه، ولا يحط من حسناته) (٦). وأجاد الضحاك في قوله: (لا يخاف ظلما): (لا يؤخذ بذنب لم يعمله ﴿وَلَا

стр. 8397

هَضْمًا﴾ لم يبطل حسنه عملها) (١). وقال الكلبي: (﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا﴾ يعنىِ ذهابا لعمله كله ﴿وَلَا هَضْمًا﴾ يقول: لا ينتقص من عمله شيء) (٢). ١١٣ - قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: وكما بينا في هذه السورة ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا هذا الكتاب ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ أي: بينا فيه ضروب الوعيد وما فيه العقاب. قال قتادة: (يعني: عذابه ووقائعه في الأمم قبلكم) (٣). ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُون﴾ ليكون سببا لاتقائهم الشرك بالاتعاظ من قبلهم. ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ قال ابن عباس: (موعظة فينتفعون بها) (٤). يعني: يحدد لهم القرآن ذكرًا واعتبارًا واتعاظًا فيتذكروا به عقاب الله للأمم المكذبة فيعتبروا ويتفكروا، وهذا معنى قول قتادة في قوله: ﴿ذِكْرًا﴾: (جدا وورعا) (٥). وذكر الفراء قولين هما للكلبي ﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ يقول: (لو أخذوا

стр. 8398

به كان القرآن لهم شرفًا بإيمانهم به) (١). وهذا كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤]، ويقال: (﴿أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾ عذابًا أي: يتذكرون حلول العذاب الذي وعدوه) (٢). ١١٤ - قوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ﴾ أي: جل عن إلحاد الملحدين، ونزه عما يقول المشركون في صفته (٣). ويجوز أن يكون المعنى: تعالى استحق في المدح صفات لا تساوى؛ لأنه أقدر من كل قادر، وأعلم من كل عالم، وقادر سواه محتاج إليه وهو غني عنه. ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ قال ابن عباس: (يريد الذي بيده الثواب والعقاب) (٤). يعني أنه يملكها. و ﴿الْحَقُّ﴾ معناه: ذو الحق، وقد مر وتقدم الكلام فيه (٥). وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء وأبي صالح: (كان النبي ﷺ يبادر جبريل فيقرأ قبل أن يفرغ جبريل من الوحي، ولا يفرغ جبريل مما يريد من التلاوة حتى يتكلم النبي ﷺ بأوله حرصًا منه على ما كان ينزل عليه، وشفقة على القرآن مخافة الإنفلات

стр. 8399

والنسيان، فنهاه الله عن ذلك) (١). فقال: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ﴾ أي: بقراءته ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ من قبل أن يفرغ جبريل من تلاوته عليك. وقال المفضل: (من قبل أن يوفى ويتمم) (٢). وقال السدي: (كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه جبريل بالقرآن أتعب نفسه في حفظه حتى يستوعبه يتخوف أن يصعد جبريل ولم يحفظه فينسى ما علمه، فأنزل الله هذه الآية) (٣). قال عطاء عن ابن عباس: (وهذا كقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾) [القيامة: ١٦] (٤). وهذا قول الكلبي، واختيار الفراء، وابن قتيبة (٥). وقال مجاهد، وقتادة: (لا تتله على أحد حتى نبينه لك) (٦). وعلى

стр. 8400

هذا نهى عن تلاوة الآية التي تنزل عيه، وإملائه على أصحابه قبل أن يتبين له معناها. وهذا معنى رواية عطية عن ابن عباس قال: (لا تلقه إلى الناس قبل أن يأتيك بيان تأويله) (١). وذكر بعض أهل التفسير أن معنى هذه الآية: (لا تسأل إنزال القرآن من قبل أن يأتيك وحيه) (٢). وروى جرير (٣) عن الحسن في سبب نزول هذه الآية: (أن رجلاً لطم امرأته، فجاءت إلى النبي ﷺ تطلب القصاص فجعل النبي ﷺ بينهما القصاص، فأنزل الله هذه الآية، فوقف النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣٤]) (٤). ولا تعلق لهذه الآية في القصة التي ذكرها الحسن حتى يقال إنها نازلة فيها، إلا لقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ وذلك أن النبي ﷺ حكم بالقصاص، وأبى الله ذلك وأنزل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ وقد تقدم بيانه (٥). وأمره في هذه الآية

стр. 8401

بأن يسأل الله تعالى زيادة علم، والمعنى: علمني ما لا أعلمه (١). وقيل معناه: (زدني علمًا بالقرآن ومعانيه) (٢). وهذا موافق للتفسير الأول في الآية. ١١٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي: أمرناه وأوصينا إليه. قال الكلبي والسدي: (عهدنا إليه ألا يأكل من الشجرة) (٣). وقال ابن عباس: (ألا يقرب الشجرة) (٤). ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ قال الكلبي: (من قبل أن يأكل من الشجرة) (٥). وقال غيره: (من قبل هؤلاء الذين فقضوا عهدي وتركوا الإيمان بي) (٦). وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ

стр. 8402

الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [طه: ١١٣] والمعنى: أنهم نقضوا العهد، فإن آدم أيضًا عهدنا إليه ﴿فَنَسِيَ﴾ قال ابن عباس: (فترك عهدي) (١). وقال مجاهد: (ترك ما أمر به) (٢). وقال السدي: (ترك عهدنا) (٣). وقال أبو إسحاق: (﴿فَنَسِيَ﴾ هاهنا فترك؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه) (٤). هذا قول الجميع في أن نسي هاهنا: ترك. وحمل ابن زيد النسيان هاهنا على الذي هو ضد الذكر (٥). ولا يصح هذا؛ لأن الناسي لا يؤاخذ بنسيانه، ولأن إبليس حين استغواهما ذكرهما النهي فقال: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]. وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ معنى العزم: عقد القلب على أمر يفعله، وهو توطين النفس على الفعل، هذا معناه في اللغة (٦). قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد صبرًا عن أكل الشجرة) (٧).

стр. 8403

والمعنى: أنه لم يصبر على ما وطن عليه نفسه من ترك ما نهي عن أكله، وهو معنى قول الحسن: (صبرًا عما نهي عنه) (١). وقال عطية العوفي: (عن ما حفظنا لما أمر به) (٢). وقال السدي: (صبرًا على الذنوب) (٣). وقال عبد الله بن مسلم: (رأيا معزوما عليه) (٤). وقيل: (عقدًا ثابتًا حيث أطاع عدوه إبليس الذي حسده وأبى أن يسجد له) (٥). ١١٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: (يريد شقاء الدنيا ونصبها) (٦). وقال الحسن: (عني به شقاء الدنيا، ألا ترى ابن آدم إلا ناصبا شقيا) (٧). وقال سعيد بن جبير: (أهبط إلى آدم ثورا أحمر كان يعتمل عليه، ويمسح العرق عن جبينه، فكان ذلك شقاؤه) (٨).

стр. 8404

وقال السدي: (الحرث والزرع والعجن والخبر) (١). وقال زيد بن علي: (فتشقى في كد المعيشة) (٢). قال الفراء: (ولم يقل: فتشقيا، لأن آدم المخاطب وفي فعله اكتفاء من فعل المرأة) (٣). يعني: أن أول الآية خطاب لآدم، وصرف الخطاب في آخرها إلى آدم لوفاق الفواصل، وكان في خطابه اكتفاء عن خطاب حواء كما قال: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ اكتفى بالقعيد عن صاحبه. ١١٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ ﴿إِنَّ﴾ في موضع نصب بأن، كما تقول: إن لك مالا (٤). و ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ بمعنى الشبع، كأنه قيل: إن لك الشبع فيها والاكتساء. قال الكلبي: (من لباس الثور) (٥). قال ابن عباس: (يريد أن لك ما دمت في الجنة ألا تجوع فيها) (٦). (ولا تعرى) يقال: عَرِيَ فلان من ثوبه يَعْرَى عُرْيًا فهو عَارٍ وعُرْيَانٌ، والأنثى عُرْيَانَةٌ وعَرِيَةٌ والمصدر العُرِي وسمي العُرْيَان العُرِي (٧). ومنه الحديث: (أن

стр. 8405

النبي ﷺ ركب فرسًا لأبي طلحة عُرْيًا) (١). قال الأزهري: (والعرب تقول: فَرَس عُرْيٌ. وخَيل أَعْرَاءٌ ولا يقال رَجل عُرْيٌ)] (٢) (٣). ١١٩ - قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا﴾ قال أبو إسحاق: ﴿وَأَنَّكَ﴾ في موضع نصب نسقا على قوله: ﴿أَلَّا تَجُوعَ﴾ ويجوز أن تكون في موضع رفع، وإن كان معطوفًا على اسم إن؛ لأن معنى إن زيدًا قائم زيد قائم، فيكون المعنى ذلك أنك لا تظمأ) (٤). يعني كأنه لم يذكر أن في أول الآية الأولى. ومن قرأ: وإنك بالكسر على الاستئناف، وعطف جملة كلام على جملة (٥). وقوله تعالى: (ولا تضحى) يقال: ضَحَا الرجل إذا برز للشمس فأصابه حرها، ضَحَا، وضُحِيًّا (٦). وقال النضر: (ضَحَا للشمس يَضْحَى،
следующие страницы →