← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8436–8475 · переход к 8441.

стр. 8436

ثم بين من هم فقال: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قال ابن عباس: يريد الذين أشركوا (١). وفي محل ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ وجوه (٢): أحدها: البدل من الواو في ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فيكون في موضع رفع (٣). قال المبرد: وهذا كقولك في الكلام: إن الذين في الدار انطلقوا بنو عبد الله. على البدل مما في انطلقوا (٤). والثاني: أن يكون رفعًا على الذم على معنى: هم الذين ظلموا. أويجوز أن يكون في موضع نصب على معنى: (أعني) (٥) الذين ظلموا] (٦) (٧).

стр. 8437

ويجوز أن يكون في موضع خفض تبعًا للناس، كأنك قلت (١): اقترب للناس الذين ظلموا (٢). وقد قال قومٌ: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ في موضع رفع بأسرّوا، واستعمل الفعل مقدما كما يستعمل مؤخرا. قالوا: وعلامة الجمع ليست بضمير (٣). فيجوز: انطلقوا إخوتك، وانطلقا صاحباك، تشبيها بعلامة التأنيث، نحو: ذهبت جاريتك (٤). فجعلوا الألف والواو في التثنية والجمع كهذه التاء التي تقدم لتؤذن

стр. 8438

بالتأنيث (١). قال الأخفش: وهذا على لغة الذين يقولون (٢): "أكلوني البراغيت"، و"ضربوني (٣) قومك" (٤). وقال المبرد: الذي قالوه يجوز، ولكنه بعيد لا يختار في القرآن (٥). قال صاحب النظم (٦): لأنه ليس من مذهب العرب أن يظهروا العدد في

стр. 8439

الفعل المتقدم للأسماء؛ لأن الفعل إذا تقدم الاسم فليس فيه ضمير، إنما هو فعل ابتدئ وصاحبه بالخيار من بعد في تفسيره بمن شاء وبما شاء، فلذلك خلا من الضمير، ووحد في الصورة. وإذا تقدمت الأسماء فالفعل معطوف عليها؛ لأنه (١) ليس لصاحب الكلام أن يزول بالفعل عن الأسماء التي أرصدها للفعل، فإذا كان معطوفا عليها وقد أضمرت الأسماء فيها وبضمنها (٢)، فلا بد حينئذ من إظهار العدد فقوله: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ فعل قد تقدمت الأسماء عليه، وهم الذين ذكرهم في قوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾، وقد تكرر ذكرهم إلى أن قال (٣): ﴿وَأَسَرُّوا﴾ فجاء قول ﴿وَأَسَرُّوا﴾ معطوفا عليها، وصارت الأسماء مضمرة في هذا الفعل. هذا كلامه. وما ذكرنا من الوجوه في إعراب ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ قول الفراء والزجاج (٤) والكسائي والمبرد. وقوله تعالى: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ ترجمة سرهم، أي: تناجوا بهذا القول فيما بينهم يريدون: أن محمدا بشر آدمي مثلكم، لحم

стр. 8440

ودم، ليس مثل الملائكة. ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريدون أن الذي جاء به محمد ﷺ سحر (١). وقال السدي: يقولون إن متابعة محمد ﷺ متابعة السحر (٢). والمعنى: أتقبلون السحر وأنتم تعلمون أنه سحر (٣). فأطلع الله نبيه على ما تناجوا به ٤ - وقال له: ﴿قَالَ رَبِّي﴾ أي: قل لهم يا محمد ربي ﴿يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ أي لا يخفي عليه شيء مما يقال في السماء والأرض. وقرأ أهل الكوفة (٤) "قال ربي" على إضافة القول إلى الرسول ﷺ . وكذا هو في مصاحفهم (٥) يعنون: قال محمد: ربي يعلم القول في السماء والأرض.

стр. 8441

﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما تكلموا به (١) ﴿الْعَلِيمُ﴾ بما قولوا وبما في قلوبهم. ٥ - قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا﴾ قال المبرد: "بل" لها موضعان في الكلام يجمعهما (٢) شيء واحد وهو التنقل من خبر إلى خبر، ومن أمر إلى أمر، وقد يكون الانتقال رغبة عن الأول، إمَّا غلط القائل فاسْتَثْبَتَ (٣) وترك الأول وإما نسي فذكر. وقد يكون لما فرغ من خبر انتقل إلى آخر على أن الأول (٤) مصحح مفروغ منه، والذي يأتي من عند الله [لا يكون] (٥) إلا الانتقال من خبر إلى خبر، وكلاهما محكم (٦). قال صاحب النظم: فقوله : ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ خبر (٧) من الله معطوف على قوله: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي أنهم قد قالوهما (٨) جميعًا، إلا أنهم خلطوا من جهة الحَيْرة التي دخلتهم في أمر الرسول ﷺ فلم يدروا ما قصته، فقالوا: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ فأعلم الله أنهم قالوا هذه الأقوال على حيرة منهم في أمره.

стр. 8442

وقوله تعالى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي: الذي أتى به النبي (١) ﷺ أضغاث أحلام. قال قتادة: تخاليط (٢) رؤيا رآها في المنام (٣). وذكرنا الكلام في أضغاث الأحلام (٤) في سورة يوسف. وقوله تعالى: ﴿بَلِ افْتَرَاهُ﴾ أي: اختلقه وفتعله من نفسه ﴿بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾. قال أبو إسحاق (٥): أي أخذوا ينقضون [أقوالهم] (٦) بعضها ببعض، فمرة يقولون: هذه أحلام، ومرة يقولون (٧): هذا شعر، ومرة (٨): هذا (٩) مفترى (١٠). وعلى هذا معنى "بل": الإخبار عنهم بنقضهم قولهم في القرآن،

стр. 8443

وانتقالهم عما قالوه أولا إلى آخر. والمعنى: أنهم قالوا في القرآن قول متحير قد بهره ما سمع؛ فمرة يقول: سحر، ومرة يقول: شعر، ومرة يقول: افتراء، لا يجزم على أمر واحد (١). وقوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ﴾ قال ابن عباس: مثل الناقة التي أتى بها صالح، والعصا التي أتى بها موسى (٢). قال أبو إسحاق: فاقترحوا الآيات التي لا يقع معها إمهال إذا كُذّب بها (٣). وفي الآية حذف يدل عليه الكلام، على تقدير: كما أرسل الأولون بالآيات. ٦ - فقال الله تعالى مجيبا لهم: ﴿مَا آمَنَتْ قَبْلَهُمْ﴾ قبل (٤) مشركي مكة ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ يعني أهلها ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ وصفٌ للنكرة التي هي قرية (٥). والمعنى: ما آمنت (٦) قرية مهلكة بالآيات المرسلة ﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ يعني: أنَّ الأمم التي أهلكناها بتكذيبها بالآيات لم يؤمنوا بالآيات لما أتتهم، فكيف يؤمن هؤلاء؟ ووجه الاحتجاج عليهم من هذه الآية هو أن مجيء الآيات لو كان

стр. 8444

سببًا يؤدي [إلى الإيمان من غير إرادة الله لهم ذلك لكان سببا] (١) إلى إيمان أولئك لا محالة، فلما بطل أن يكون سببا لإيمانهم، بطل أن يكون سببًا لإيمان هؤلاء. وهذا احتجاج على القدرية (٢) ظاهر (٣)، وبيان أن مجيء الآيات لا ينفع مع القضاء السابق بالكفر، كما لم ينفع الأمم السالفة. ويزيد لهذا تأكيدًا ما روى عطاء، عن ابن عباس في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ يريد: كان في (٤) علمي (٥) هلاكها (٦).

стр. 8445

فعلى هذا معنى ﴿مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ أردنا إهلاكها بتكذيبها والتقدير الأول في ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ هو معنى قول الكلبي. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ هذا جواب لقولهم: ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] (١). يقول الله: لم نرسل قبل محمد إلا رجالا من بني آدم، لا ملائكة. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ قال الحسن، وقتادة، والكلبي: يعني أهل التوراة والإنجيل (٢). وقال السدي: يعني اليهود والنصارى (٣). يقول (٤): سلوهم هل جاءهم إلا رجال (٥) يوحى إليهم. ﴿إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ أن الرسل بشر. وأنكر قوم هذا التفسير، وقالوا: لا يجوز مراجعة اليهود والنصارى في شيء، وقالوا: المراد بأهل الذكر من آمن منهم بمحمد ﷺ . وهو قول ابن عباس في رواية عطاء قال: يريد أهل التوراة الذين آمنوا بالنبي ﷺ (٦).

стр. 8446

وقال ابن زيد: يعني (١): فاسألوا المؤمنين العالمين من أهل القرآن. قال: وأراد بالذكر هاهنا القرآن (٢). وقال أبو إسحاق: هذا السؤال إنما يكون لمن (٣) كان مؤمنا من أهل الكتاب لأن القبول من أهل الصدق والثقة (٤). هذا قول هؤلاء. والوجه القول الأول (٥)؛ لأن الله تعالى أمر المشركين بهذا السؤال لا المسلمين وهم إلى تصديق من لم يؤمن بالنبي ﷺ من أهل الكتاب أقرب منهم إلى تصديق من آمن. واليهود والنصارى لا

стр. 8447

ينكرون أن الرسل كانوا بشرا وإن أنكروا نبوة محمد ﷺ . وهذا السؤال مختصّ بالكفار (١) في هذه المسألة فقط. فأما المسلمون فلا يجوز لهم مراجعة أهل الكتاب في شيء من الدين (٢). وهذه الآية بعينها قد مضت في سورة النحل (٣). ٨ - قوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ﴾ يعني الرسل ﴿جَسَدًا﴾ قال أبو إسحاق: جسد هو واحد ينبئ (٤) عن جماعة، أي: وما جعلناهم ذوي أجساد (٥). وعند الفراء أنه بمنزلة المصدر؛ لأنه يقال شيء مجسد، فهو (٦) مشتق من فعل فلذلك لم يجمع (٧). وقوله تعالى: ﴿لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ [قال ابن عباس: يريد: إلا يأكلون (٨) الطعام] (٩) (١٠). ونحو هذا قال الزجاج. قال (١١): وذلك أنهم قالوا: ﴿مَالِ هَذَا

стр. 8448

الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ [الفرقان: ٧] فأُعلموا أن الرسل أجمعين يأكلون الطعام (١). وروى أبو عمر (٢) عن أبوي العباس (٣) أنهما قالا: العرب (٤) إذا جاءت بجحدين (٥) في كلام: كان الكلام إثباتًا وإخبارا. قالا: ومعنى الآية: إنما جعلناهم جسدا ليأكلوا (٦) الطعام. قالا: ومثله من الكلام ما سمعت منك ولا أقبل منك [وإنما سمعت منك لأقبل] (٧) (٨). وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ﴾ يعني: أنهم يموتون كسائر البشر. ٩ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ أي: أنجزنا وعدهم الذي وعدناهم بإنجائهم وإهلاك مخالفيهم، وهو قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُمْ﴾ أي: من العذاب الذي [وعدناهم أن] (٩) ينزل (١٠) بمن كذَّبهم. ﴿وَمَنْ نَشَاءُ﴾ قال ابن عباس: يعني الذين صدقوهم (١١). ﴿وَأَهْلَكْنَا

стр. 8449

الْمُسْرِفِينَ﴾ (١) قال: يريد المشركين (٢). وفي هذا تخويف لكفار (٣) مكة، ثم مَنَّ عليه بالقرآن ١٠ - فقال: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ﴾ قال ابن عباس: أنزلنا إليكم يا معشر قريش ﴿كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ قال: يريد فيه شرفكم، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ [الزخرف: ٤٤] (٤). يريد إنه لشرف. وهذا اختيار الفراء (٥)، وابن قتيبة. وذلك أنه كتاب عربي بلغة قريش. وقال الحسن: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي (٦): ما تحتاجون إليه من أمر دينكم (٧).

стр. 8450

وقال السدي: ما تعنون به (١) من أمر (٢) دنياكم وآخرتكم وما بينكم (٣). وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ حديثكم (٤). قال أبو إسحق: يعني (٥) ما تلقونه من رحمة أو عذاب (٦). وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أفلا تعقلون ما فضلتكم (٧) به على غيركم؛ أنزلتكم حرمي، وبعثت فيكم نبيي (٨). ثم خوفهم بهلاك من كان في مثل حالهم من التكذيب. ١١ - فقال: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ قال مجاهد والسدي: أهلكنا (٩). وقال

стр. 8451

الكلبي: عذبنا. وأصل القصم في اللغة: كسر الشيء ودقة، يقال: قصمته فانقصم (١). قال الشاعر: كأن لم يلاق المرء عيشًا بنعمة ... إذا نزلت بالمرء قاصمة الظهر (٢) يعني: داهية شديدة تكسر (٣) الصلب. وقال أبو إسحق: معنى (٤) قصمنا: أهلكنا وأذهبنا، يقال: قصم الله عمر الكافر (٥)، أي: (٦) أذهبه (٧). وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ قال ابن عباس: يريد مدائن كانت باليمن، حَضُوراء (٨)، وبيت شِبَام (٩)، مدائن كثيرة (١٠).

стр. 8452

وقال الكلبي: هي حصون بني أزد (١). ﴿كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ أي: كافرة، يعني أهلها ﴿وَأَنْشَأْنَا﴾ وأحدثنا وأوجدنا "بعدها" بعد إهلاك أهلها (٢) ﴿قَوْمًا آخَرِينَ﴾. ١٢ - قوله: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا﴾ أي: رأوا عذابنا بحاسة البصر. ويجوز أن يكون المعنى لما ذاقوا عذابنا (٣). قال المفسرون: هؤلاء كانوا عربا كذبوا بنبيهم وقتلوه؛ فسلط الله عليهم بُخْتُنَصّر (٤) حتى قتلهم وسباهم ونكأ فيهم (٥) (٦). ومعنى البأس هاهنا: القتل بالسيوف.

стр. 8453

وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ يفرون، وينهزمون، ويهربون من العذاب. هذا قول المفسرين (١). وأصل معنى الركض في اللغة: ضرب الرجل مَرْكَلَي (٢) الدابة برجليه. يقال: ركض الفرس، إذا كده (٣) بساقيه، فلما كثر هذا على ألسنتهم استعملوه في الدواب، فقالوا: هي تركض، كأن الركض منها، وأصل الركض: الضرب (٤). يقال: ركضت المرأة ذيلها عند المشي، إذا ضربنه برجلها، وركض (٥) البعير كما يقال: رمح ذو الحافر، ومنه قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ [ص: ٤٢] أي: اضرب الأرض بها، وقد ركض الرجل إذا فَرَّ وعدا (٦). والأصمعي يقول: ركضت الدابة (٧)، ولا يقال: ركض هو (٨).

стр. 8454

وقال شِمْر (١): وقد وجدنا في كلامهم: رَكَضَت الدابة في سيرها، وركض الطائر في طيرانه (٢). ومنه قوله: لو كان يُدْرِكُه رَكضُ اليعاقيب (٣) وقال سيبويه (٤): ركضت (٥) الدابة وركضته (٦). وقوله تعالى: ﴿إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ﴾ [يجوز أن يكون المعنى: يركضون دوابهم] (٧)، [ويجوز أن يكون المعنى: يركضون] (٨) هم بأنفسهم

стр. 8455

على معنى يفرون كما ذكره المفسرون. وجملة المعنى (١): يهربون سراعاً (٢). ١٣ - قوله تعالى: ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ قال المفسرون: لما أخذتهم السيوف وانهزموا -وكانوا قد خرجوا من مساكنهم لقتال بختنصر فلما انهزموا- مروا على دورهم منهزمين، وديارهم (٣) بها أهلوهم وذراريهم فلم يلووا (٤) عليهم فنادتهم الملائكة استهزاء بهم ﴿لَا تَرْكُضُوا﴾ (٥). [والتقدير في النظم فقيل لهم: لا تركضوا] (٦). قال صاحب النظم: ومن عادة العرب إذا ظفر الواحد منهم بواتر له (٧) أن يقول له (٨) مثل هذا القول، كما قال الشاعر:

стр. 8456

هَلَّا سألت جُمَوع كنْدَة ... يوم ولَّوا أين أينا (١)؟ (٢). فجاء هذا على تلك العادة التي هي بينهم. وقوله تعالى: ﴿وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ قال الكلبي: خولتم (٣) ونعمتم (٤) فيه (٥). وقال ابن عباس: يريد ما كنتم تتنعمون فيه (٦). وقال السدي: ﴿إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ أن تجبرتم (٧). وقال ابن قتيبة: أي إلى نعمكم التي أترفتم (٨). ومضى الكلام في هذا عند قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]. وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ قال قتادة: أي شيئاً من دنياكم، استهزاء بهم (٩).

стр. 8457

والمعنى على هذا أن الملائكة قالت لهم: ارجعوا إلى نعمكم ومساكنكم لعلكم تسألون [شيئًا] (١) من دنياكم، فإنكم أهل ثروة ونعمة، استهزاء بهم، كما ذكره قتادة. وهذا في الحقيقة توبيخ لهم؛ إذ جهلوا قدر نعمة الله عليهم بنذيب نبيه والإقدام على قتله، فوبختهم الملائكة بهذا ألقول، وذكَّروهم ما كانوا فيه من النعم؛ ليكون ذلك أشد لتحسرهم. وقول قتادة في هذه الآية هو (٢) الصحيح، وذكرت أقوال، وهي بعيدة في المعنى، قال السدي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ يوم القيامة (٣). وقال الكلبي: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ عن قتل هذا النبي (٤). وقال الحسن: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي تعذبون (٥). وكل هذه الأقوال بعيدة عن معنى هذه الآية. قال أبو [إسحاق] (٦). ويجوز لعلكم تسألون فتجيبون عما تشاهدون إذا رأيتم ما نزل بمساكنكم وما أترفتم فيه (٧). ١٤ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَا وَيْلَنَا﴾ قال المفسرون: لما رأوا أن الصوت (٨) لا يسكت عنهم، وهو قو [ل الملائكة لهم [لا تركضوا] (٩) الآية

стр. 8458

ولم يروا شخصاً ينادي بذلك الصوت، ورأوا أنهم يُقتلون، عرفوا أنَّ الله تعالى هو سلَّط عليهم عدوهم بقتلهم النبي الذي بعث فيهم، قالوا عند ذلك: (ياويلنا) (١). قال قتادة: ما كان هجيراهم (٢) إلا الويل (٣). ﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: لأنفسنا حيث كذبنا رسل ربنا. والمعنى: أنهم اعترفوا بالذنب حين عاينوا العذاب، وقالوا هذا على سبيل التندم حين لم ينفعهم الندم. ١٥ - قال الله تعالى: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ أي: ما زالت الكلمة (٤) التي هي قولهم: يا ويلنا دعاءهم يدعون بها على أنفسهم. أي: لم يزالوا يردّدونها. قال ابن عباس: ﴿فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾ يريد: قولهم (٥). وهذا الآية كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأعراف: ٥]. الآية. وقوله تعالى: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ﴾ بالسيوف كما يحصد

стр. 8459

الزرع بالمنجل (١) (٢). ومضى الكلام في الحصيد عند قوله: ﴿مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]. وقوله تعالى: ﴿خَامِدِينَ﴾ أي: ميتين، كخمود (٣) النار إذا طفئت. ١٦ - قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾ يريد لم خلقهما عبثا وباطلا (٤)، خلقناهم لأمر وهو ما ذكره ابن عباس فقال (٥): لأجازي أوليائي، وأعذَّب أعدائي (٦). وقال غيره: خلقناهم حجة ودلالة على قدرتنا ووحدانيتنا؛ ليعتبروا خلقها ويتفكروا فيها (٧)، فيعلموا أنَّ العبادة لا تصلح إلا لخالقها (٨).

стр. 8460

١٧ - قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد النساء (١). وهو قول الحسن، وقتادة، قالا: اللهو بلغة أهل اليمن: المرأة (٢). وقال (٣) في رواية الكلبي، عن أبي صالح عنه: اللهو: الولد بلغة حضرموت (٤). وهو قول السدي (٥). قال الزجاج وغيره: تأويله في اللغة: أن المرأة لهو الدنيا، وكذلك الولد (٦). والمعنى على ذي اللهو أي: الذي يُلهى به. ومعنى اللهو: طلب التزويج (٧) عن النفس.

стр. 8461

يقول: لو أردنا أن نتخذ ولداً ذا لهو أو امرأة ذات لهو. ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾. قال المفسرون: من الحور العين (١). وهذا إنكار على من أضاف الصاحبة والولد إلى الله تعالى، واحتجاج عليهم بأنه لو كان جائزا في صفته لم يتخذه بحيث يظهر لهم ويستر ذلك لأن من قدر على ستر النقص لم يظهره، وهذا معنى قوله: ﴿لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا بحيث لا تطلعون عليه (٢). قال ابن قتيبة في هذه الآية: التفسيران في اللهو متقارنان؛ لأن امرأة الرجل لهوه (٣)، [وولده لهوه] (٤)، لذلك (٥) يقال: امرأة الرجل وولده ريحانتاه، وأصل اللهو: الجماع، كني عنه باللهو (٦)، كما كني عنه بالسر، ثم قيل للمرأة: لهو؛ لأنها تجامع. قال امرؤ القيس: ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وألا يحسن اللهو أمثالي (٧) أي: النكاح.

стр. 8462

وتأويل الآية: أن النصاري لما قالت في المسيح وأمه ما قالت قال الله : ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ صاحبة كما تقولون، لا تخذنا ذلك (من [لدنا] (١)) عندنا (٢)، ولم نتخذه من عندكم [لأنكم تعلمون] (٣) أنَّ (٤) ولد الرجل وزجه يكونان عنده لا عند غيره (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ هو قال المفسرون -ابن عباس (٦)، وقتادة، والسدي وغيرهم-: ما كنا فاعلين (٧). قال الفراء (٨)، والزجاج (٩) والمبرد: يجوز أن تكون "إن" (١٠) للنفي هاهنا، كقوله: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٣] ﴿إِنِ الْكَافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ﴾

стр. 8463

[الملك: ٢٠] ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ [الفرقان: ٤] ويكون المعنى تحقيقا لكذبهم في وصف الله تعالى بالولد والصاحبة أي (١): ما فعلنا ذلك [ولم نتخذ صاحبة ولا ولدا. قالوا: ويجوز أن يكون للشرط، أي: إن كنا ممن يفعل ذلك] (٢)، ولسنا ممن يفعله. فيكون ذلك توبيخا لهم هد توبيخ. قال أبو إسحاق: القول الأول قول المفسرين، والقول الثاني قول النحويين، وهم أجمعون يقولون القول الأول، ويستجيدونه؛ لأن "إن" تكون في معنى النفي، إلا أن أكثر ما تأتي مع اللام، تقول: إن كنت [لصالحا، معناه: ما كنت] (٣) إلا صالحا (٤). وقال الفراء: أشبه الوجهين بمذهب العربية أن تكون "إن" بمعنى (٥) الجزاء (٦). ١٨ - قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ معنى (٧) "بل" (٨) هاهنا: إبطال لكلامهم [ووصفهم الله] (٩) بما لا يجوز. يقول: دع ذلك فإنه باطل كذب. ﴿نَقذِفُ بِاَلحقِ﴾ قذف بالشيء (١٠)، إذا رمى به (١١). أي: نسلط الحق

стр. 8464

على باطلهم، [ونلقيه عليه حتى يذهبه. قال أبو إسحق: يعني بالحق القرآن (١)، على باطلهم (٢)] (٣) وهو كذبهم ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ قال الكلبي: فيهلكه (٤). قال ابن قتيبة: يكسره. وأصل هذا إصابة الدماغ بالضرب وهو مقتل (٥) (٦). وحقيقة ما قاله أبو إسحق: ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ فيذهبه (٧) ذهاب الصغار والاذلال (٨). ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ أي: زائل، ذاهب (٩). قال ابن عباس: كما يذهب السهم من الرمية. وقال قتادة: هالك (١٠). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿وَزَهَقَ اَلبَاطِلُ﴾ [الإسراء: ٨١] والمعنى:

стр. 8465

إنما (١) نبطل كذبهم بما تبين من الحق حتى يضمحل (٢) ويذهب. ثم أوعدهم على كذبهم فقال: ﴿وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد واديا في جهنم (٣)، يقول لكم يا معشر الكفار الويل من كذبكم (٤) ووصفكم الله (٥) بما لا يجوز. قال مجاهد: ﴿مِمَّا تَصِفُونَ﴾ [مما تكذبون، كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] (٦). وحقيقة تأويله ما ذكره أبو إسحق: أي:] (٧) مما تكذبون في وصفكم

стр. 8466

الله بأنَّ له ولدا (١). وقال الحسن في هذه الآية: هي والله (٢) لكل واصف كذب (٣) إلى يوم القيامة (٤). يعني من وصف كذباً على الله في صفاته وأحكامه (٥)، فهو من أهل هذه الآية (٦). ثم بين أن جميع المخلوقين عبيده. ١٩ - فقال: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي (٧): عبيداً ومِلْكاً (٨) ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ﴾ يعني الملائكة. [قال أبو إسحق: أي هؤلاء الذين ذكرتم أنهم أولاد الله عباد الله] (٩)

стр. 8467

﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [لا يأنفون عن عبادته] (١) ولا يتعظمون عنها (٢)، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]. الآية. وقد مرَّ. ﴿وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ يقال: حَسَر (٣) واستَحْسَر، إذا تعب وأعيا. والحسير: المنقطع إعياء وكلالاً (٤). هذا معناه وتفسيره. وهذا قول قتادة، ومقاتل: لا يُعْيون (٥). وقال السدي: لا ينقطعون من العبادة (٦). وقال مجاهد (٧): لا يحسرون (٨). وقال ابن قتيبة: لا يعجزون (٩). وهذه الأقوال صحيحة متقاربة، ورويت أقوال بعيدة:

стр. 8468

قال الكلبي، عن ابن عباس: لا يستنكفون (١) وقال عطاء عنه: لا يخالفون (٢) ربوبيتي. وقال الوالبي عنه: لا يرجعون (٣).

стр. 8469

وقال ابن زيد: لا يملون (١). وهذه الأقوال بعيدة من تفسير الاستحسار وأقربها قول ابن زيد. ٢٠ - قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ينزهون الله دائمًا بقولهم سبحان الله ﴿لَا يَفتُرُونَ﴾ لا يضعفون ولا يملون (٢). قال الكلبي: التسبيح منهم بمنزلة التبسم من الإنسان. وقال كعب: سهل عليهم التسبيح كسهولة فتح الطرف والتنفس على الإنسان (٣). وقال الزجاج: مجرى التسبيح منهم كمجرى النفس منا لا يشغلنا عن النفس شيء، فكذلك (٤) تسبيحهم دائم (٥). وهذا معنى (٦) قول المفسرين: إن الملائكة قد ألهموا التسبيح كما يلهمون النفس (٧). ٢١ - ثم عاد إلى توبيخ المشركين فقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً﴾ قال المبرد: (أم) هاهنا تقريع وتوبيخ كالألف إلا أنَّ فيها زيادة انتقال عن

стр. 8470

خبر (١) إلى خبر معناه: بل اتخذوا. وهذا معنى "أم" المنقطعة حيث وقعت (٢). وعنى بالآلهة الأصنام. وقوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ لأن أصنامهم كانت من الأرض من أي جنس كانت، من حجارة، أو خشب، أو ذهب، أو فضة. ﴿هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ أي: يُحيُون. يقال: أنشر الله الميت فانتشر، أي: أحياه فحيي (٣). وهذا توبيخ لهم على عبادتهم جمادًا من الأرض لا يقدر على شيء. وقال المفضل: لفظ الآية استفهام ومعناه جحد (٤). وعلى هذا معنى الآية: لم يتخذوا آلهة تقدر على الإحياء، وإن شئت جعلت هذا الاستفهام الذي معناه الإنكار والجحد واقعاً على الإنشار في المعنى، وإن كان في الظاهر على الاتخاذ على تقدير: أينشر آلهتهم التي اتخذوها؟ أي: ليست لها هذه الصفة، كما تقول: أزيدًا نضرب؟ توقع الاستفهام على زيد، والمراد الاستفهام عن الضرب. ٢٢ - ثم ذكر الدلالة على توحيده وأنه لا يجوز أن يكون معه إله سواه فقال: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا﴾ أي: في السماء والأرض، وجرى ذكرهما قبل. ﴿آلِهَةٌ﴾ معبودين يستحقون العبادة. ﴿إلا اللهُ﴾ قال الزجاج: "إلا" صفة في

стр. 8471

معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، وأنشد (١): وكلُّ أخٍ مُفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ وقال: المعنى: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه (٢). وعلى هذا التقدير: آلهة غير الله، فغير الله صفة الآلهة على معني: آلهة هم غير الله كما يزعم المشركون (٣). وقال الأخفش (٤) في هذه الآية: إلا وما بعدها بمنزلة غير، تقول: لو كان فيهما أحد إلا أنت لم أبل (٥) [أي غيرك، وكذلك لو أنه إلا أنت لم أبل

стр. 8472

إلا غيرك، ولو كان إلا أياك لم أبل] (١) كأنك قلت كغيرك. قال أبو علي في "الإيضاح": تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فتنصب الاسم بعد إلا على الاستثناء، ويجوز أن ترفعه إذا جعلت إلا وما بعدها صفة فتقول: جاءني القوم إلا زيد، وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢). فظهر أن قوله: ﴿إلاَّ اللهُ﴾ ليس باستثناء إنما هو صفة للآلهة كما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي: لخربنا وبطلتا وهلكتا، وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة (٣)، فلا يجرى أمر العالم على النظام، ويؤدي ذلك

стр. 8473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8474

إلى هلاك العالم؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لا يجري على النظام وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢] الآية. والمعنى: على نفي أن يكون في الأرض أو في السماء آلهة فهم (١) غير الله وإذا بطل ذلك ثبت أنه لا إله غيره. ثم نزه نفسه عما يصفه به الكافرون من الشريك والولد بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ٢٣ - قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: لا يسأل الله عن فعله والناس يسألون عن أعمالهم (٢). وقال الضحاك: لا يسأل عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤلون (٣) عن أعمالهم (٤). وقال أبو إسحق: لا يسأل في القيامة عن حكمه في عباده، ويَسْألُ عباده عن أعمالهم إيجاباً للحجة عليهم (٥). قال المفسرون (٦): إن الله تعالى لا يسأل عما يحكم في عباده من

стр. 8475

إعزاز وإذلال،. وهدى وضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الأعيان، والخلق يُسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم (١) كذا وكذا؛ لأنهم العبيد وواجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟. وهذا معنى ما روي عن أبي الأسود الديلي قال: غدوت على عمران ابن حصين يوما من الأيام فقال: أبا الأسود رأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون؟ قال: قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً فقلت (٢): إنه ليس شيء إلا خَلْقُ الله وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله ما سألتك إلا لأجرب عقلك (٣). وهذا الآية بتفسير المفسرين والصحابة دليل ظاهر على القدرية في مسألة القدر. ٢٤ - ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم
следующие страницы →