← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8471–8510 · переход к 8476.

стр. 8471

معنى غير، ولذلك ارتفع ما بعدها على لفظ الذي قبلها، وأنشد (١): وكلُّ أخٍ مُفارقُه أخوه ... لَعَمْرُ أبيكَ إلا الفَرْقَدانِ وقال: المعنى: وكل أخ غير الفرقدين مفارقه أخوه (٢). وعلى هذا التقدير: آلهة غير الله، فغير الله صفة الآلهة على معني: آلهة هم غير الله كما يزعم المشركون (٣). وقال الأخفش (٤) في هذه الآية: إلا وما بعدها بمنزلة غير، تقول: لو كان فيهما أحد إلا أنت لم أبل (٥) [أي غيرك، وكذلك لو أنه إلا أنت لم أبل

стр. 8472

إلا غيرك، ولو كان إلا أياك لم أبل] (١) كأنك قلت كغيرك. قال أبو علي في "الإيضاح": تقول: جاءني القوم إلا زيدًا، فتنصب الاسم بعد إلا على الاستثناء، ويجوز أن ترفعه إذا جعلت إلا وما بعدها صفة فتقول: جاءني القوم إلا زيد، وعلى هذا قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ (٢). فظهر أن قوله: ﴿إلاَّ اللهُ﴾ ليس باستثناء إنما هو صفة للآلهة كما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿لَفَسَدَتَا﴾ أي: لخربنا وبطلتا وهلكتا، وهلك من فيهما لوجود التمانع بين الآلهة (٣)، فلا يجرى أمر العالم على النظام، ويؤدي ذلك

стр. 8473

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8474

إلى هلاك العالم؛ لأن كل أمر صدر عن اثنين فأكثر لا يجري على النظام وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾ [الإسراء: ٤٢] الآية. والمعنى: على نفي أن يكون في الأرض أو في السماء آلهة فهم (١) غير الله وإذا بطل ذلك ثبت أنه لا إله غيره. ثم نزه نفسه عما يصفه به الكافرون من الشريك والولد بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾. ٢٣ - قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ قال الكلبي: لا يسأل الله عن فعله والناس يسألون عن أعمالهم (٢). وقال الضحاك: لا يسأل عما يقضي في خلقه، والخلق مسؤلون (٣) عن أعمالهم (٤). وقال أبو إسحق: لا يسأل في القيامة عن حكمه في عباده، ويَسْألُ عباده عن أعمالهم إيجاباً للحجة عليهم (٥). قال المفسرون (٦): إن الله تعالى لا يسأل عما يحكم في عباده من

стр. 8475

إعزاز وإذلال،. وهدى وضلال، وإسعاد وإشقاء؛ لأنه الرب مالك الأعيان، والخلق يُسألون سؤال توبيخ يقال لهم يوم القيامة: لم فعلتم (١) كذا وكذا؛ لأنهم العبيد وواجب عليهم امتثال أمر مولاهم، والله تعالى ليس فوقه أحد يقول له لشيء فعله لم فعلته؟. وهذا معنى ما روي عن أبي الأسود الديلي قال: غدوت على عمران ابن حصين يوما من الأيام فقال: أبا الأسود رأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه أشيء قضي عليهم في قدر قد سبق أو فيما يستقبلون؟ قال: قلت: بل شيء قضى عليهم، ومضى عليهم. قال: فهل يكون ذلك ظلماً؟ قال: ففزعت من ذلك فزعاً شديداً فقلت (٢): إنه ليس شيء إلا خَلْقُ الله وملك يده لا يسأل عما يفعل وهم يسألون فقال: سددك الله ما سألتك إلا لأجرب عقلك (٣). وهذا الآية بتفسير المفسرين والصحابة دليل ظاهر على القدرية في مسألة القدر. ٢٤ - ولما أبطل الله تعالى أن يكون إله سواه من حيث العقل بقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ أبطل جواز اتخاذ آلهة سواه من حيث الأمر بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ وهذا استفهام إنكار وتبكيت كما ذكرنا في قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ وأعيد هاهنا لأنه أعيد عليهم

стр. 8476

احتجاج من وجه آخر وهو (١) قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ أي: بينتكم (٢) على ما تقولون من جواز اتخاذ إله سواه. ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ (٣) يعني القرآن يقول: فيه خبر (٤) من معي على ديني ممن يتبعني إلى يوم القيامة بما لهم من الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية. ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ من المفسرين من يجعل هذا أيضًا من صفة القرآن يقول: معناه: وخبر من قبلي من الأمم السالفة وما فعل الله بهم في الدنيا وما هو فاعل بهم في الآخرة. وهذا مذهب السدي والكلبي (٥). وعلى هذا المعنى: أنه لما طالبهم بالبرهان على ما هم عليه من الشرك أمره أن يذكر لهم برهانه على ما هو عليه من التوحيد وهو القرآن الذي فيه ما تحتاج إليه هذه الأمة من الأحكام مع أخبار الأمم السالفة. وقال ابن عباس -في رواية عطاء- في قوله: ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾: يريد التوراة والإنجيل وما أنزل الله من الكتب (٦). وهذا القول هو اختيار الزجاج وعبد الله بن مسلم (٧) وصاحب النظم. والمعنى على هذا القول: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾ هذا القرآن وهذه

стр. 8477

الكتب التي أنزلت قبلي، فانظروا هل في واحد من الكتب أن الله أقر باتخاذ إله [سواه؟ فبطل بهذا البيان جواز اتخاذ معبود] (١) سواه من (٢) حيث الأمر بذلك. قال أبو إسحاق: قيل لهم: هاتوا برهانكم بأن رسولاً من الرسل (٣) أنبأ أمته بأن لهم إلهاً غير الله فهل في ذكر من معي وذكر من قبلي إلا توحيد الله (٤). وقال صاحب النظم: لما قال : ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ﴾، أي: حجتكم على ما تفعلون قال لنبيه ﷺ قل لهم: ﴿هَذَا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ﴾ أي القرآن الذي أنزل علي ﴿وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي﴾ أي: ما عند اليهود والنصارى، هل فيه شيء (٥) أني أذنت لأحد، أو أمرته بأن يتخذ إلهاً دوني؟ وهل في ذلك (٦) كله إلا أني أنا الله وحدي لا شريك لي؟ فلما توجهت الحجة عليهم ذمهم على جهلهم بمواضع الحق وتركهم للتأمل والتفكر فقال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾. ويدل (٧) على صحة هذا المعنى قوله تعالى بعد هذا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

стр. 8478

٢٦ - قوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ قال ابن عباس: يريد من الملائكة (١). ﴿سُبْحَانَهُ﴾ نزه نفسه عما يقولون ﴿بَلْ عِبَادٌ﴾ بل هم عباد يعني الملائكة. ﴿مُكْرَمُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أكرمتهم واصطفيتهم (٢). ٢٧ - ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ لا يتكلمون إلا بما يأمرهم به ربهم. وقال ابن مسلم: أي لا يقولون حتى يقول ويأمر وينهى، ثم يقولون عنه (٣). وقال غيره: لا يخرجون بقولهم عن حد ما أمرهم به فقولهم طاعة لربهم. ٢٨ - قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: يريد الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد الدنيا (٤). وعنه أيضًا: أي ما قدموا وأخروا من أعمالهم أي ما عملوا وما هم عاملون (٥). وقال السدي على عكس قول عطاء (٦). ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ قال ابن عباس: لمن قال لا إله إلا الله (٧).

стр. 8479

وقال مجاهد: لمن رضي عنه (١). وقال السدي: للمؤمنين. ﴿وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ﴾ أي: خشيتهم منه فأضيف المصدر إلى المفعول ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون لا يأمنون مكره. وذكرنا الكلام في هذا أبلغ عند قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ (٢). ٢٩ - قوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ﴾ أي: الملائكة ﴿إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ من دون الله ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ قال قتادة: (٣)، والضحاك (٤)، والسدي، والكلبي: يعني إبليس لعنة الله, لأنه أمر بطاعته ودعا إلى عبادة نفسه (٥). ﴿كَذَلِكَ﴾ كما جزيناهم جهنم ﴿نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين. ٣٠ - قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: أولم يعلموا ﴿أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا﴾ قال أبو عبيدة، والزجاج: السموات لفظ الجمع يراد به الواحد، لذلك قال: ﴿كَانَتَا﴾ لأنه أراد السماء والأرض (٦).

стр. 8480

وهذا معنى قول الأخفش: جعلهما صنفين كقول العرب: لقاحان سوداوان (١) وفي كتاب الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١] (٢). قوله تعالى: ﴿رَتْقًا﴾ الرتق معناه في اللغة: السد. يقال: رتقت الشيء فارتتق، ومنه الرتقاء وهي المنضمة الفرج (٣). وقوله تعالى: ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾ الفتق: الفصل بين الشيئين الذين كانا ملتئمين أحدهما متصل بالآخر، فإذا فرق بينهما فقد فتقا. ويقال: فتق الخياط يفتقها، ومنه يقال: أفتق قرن الشمس، إذا أصاب فتقا من السحاب فبدا منه (٤). قال أبو إسحاق: وقيل ﴿رَتْقًا﴾ لأن الرتق مصدر، المعنى: كانتا ذواتي رتق (٥). واختلف المفسرون في تفسير هذه الآية على ثلاثة أوجه: أحدها: ما رواه عطاء، عن ابن عباس قال: يريد أن السماء لم تكن تنزل مطرًا، والأرض لا تنبن نباتًا، ففتق الله السماء بالمطر والأرض

стр. 8481

بالنبات (١). وهذا قول مجاهد في رواية أبان بن تغلب (٢)، وعطية العوفي، وابن زيد (٣)، واختيار الفراء (٤) وابن قتيبة (٥).

стр. 8482

الوجه الثاني: أن المعنى كانتا شيئًا واحدا ملتزقتين، ففصل الله بينهما بالهواء. وهذا قول الحسن، وقتادة (١)، والضحاك (٢)، ورواية عكرمة عن ابن عباس (٣). قال كعب: خلق الله السموات والأرض بعضها على بعض ثم خلق ريحاً توسطتها ففتحها بها (٤). الوجه الثالث: أن المعنى كانت السموات مرتتقة فجعلت سبع سموات، وكذلك الأرضون. وهذا قول أبي صالح (٥)، ومجاهد في رواية ابن أبي نجيج (٦)،

стр. 8483

والسدي (١)، واختيار أبي إسحق، قال: المعنى أن السموات كانت سماء واحدة (٢) مرتتقة، ففتقها الله، فجعلها سبعًا وجعل الأرض سبع أرضين (٣). وأكثر الناس على القول الأول، وهو أنهما كانتا منسدتين لا فرج فيهما فصدعهما الله بما يخرج منهما. قال أبو إسحاق: ويدل على هذا التفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ (٤). أي: وأحيينا بالماء الذي نزله من السماء ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ يعني أنه سبب لحياة كل شيء، ويدخل فيه الشجر والنبات على التبع، ويكون التقدير: وجعلنا من الماء حياة كل شيء حي. وهذا قول قد حكي (٥)، وتحتمله دلالة الآية. والمفسرون على قول آخر. قال قتادة: كل شيء حي خلق من الماء (٦).

стр. 8484

وقال أبو العالية -في هذه الآية-: يعني النطفة (١). قال المفسرون (٢) إنَّ كل شيء حي فهو مخلوق من الماء كقوله: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾ [النور: ٤٥]. وعلى هذا لا يتعلق قوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ﴾ بما قبله، وهو احتجاج آخر على المشركين. وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: أفلا يصدقون بعد هذا البيان. ٣١ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ﴾ ذكرنا تفسير هذه القطعة عند قوله: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ في سورة النحل [آية: ١٥]. وتقدير قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ﴾ كتقدير قوله: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ [النساء: ١٧٦] وقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ [البقرة: ٢٨٢] وذكرنا الخلاف بين النحويين في هذه المسألة (٣).

стр. 8485

وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا﴾ أي: في الرواسي. ﴿فِجَاجاً﴾ قال أبو عبيدة: يعني المسالك (١). وقال أبو إسحق: كل مخترق بين جبلين فهو فج (٢). وقال الليث: الفج: الطريق الواسع بين الجبلين (٣). وقال أبو الهيثم: الفج: طريق في الجبل واسع، يقال: فَجٌّ وأفُجٌّ وفِجَاج (٤). والفج في كلام العرب: تفريجك بين الشيئين، يقال: فججت رجلي أفجهما (٥) فجًّا، إذا وسعت بينهما. ومنه قيل للطريق بين جبلين: فج؛ لأنه كأنه فرج بين الجبلين. ويقال: افجج فلان افتجاجا، إذا سلك الفجاج (٦). وذكر بعض أهل التفسير أن الكناية عن قوله: ﴿فِيهَا فِجَاجًا﴾ عائدة إلى الأرض (٧).

стр. 8486

والأولى أن تعود إلى الجبال؛ لما ذكرنا أن الفج في اللغة: الطريق بين الجبلين، وابن عباس أيضًا قال في تفسير هذه الآية: وجعلنا من اجبال طرقًا؛ حتى يهتدوا إلى مقاصدهم في الأسفار للتجارات وغيرها (١). وقوله تعالى: ﴿سُبُلًا﴾ تفسير للفجاج، وبيان له. وفائدته أن الفج في موضوع اللغة يجوز أنه لا (٢) يكون طريقاً نافذاً مسلوكاً، فلما ذكر الفجاج بين أنه جعلها سبلاً نافذة مسلوكة. ٣٢ - قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا﴾ السقف معناه في اللغة: غماء البيت (٣)، والسماء للأرض كالسقف للبيت، فجعلت السماء سقفًا

стр. 8487

وسميت به، قال الله تعالى: ﴿وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ﴾ [الطور: ٥] يعني السماء. وقوله تعالى: ﴿مَحْفُوظًا﴾ قال ابن عباس: من الشياطين بالنجوم (١). وهو قول الكلبي، واختيار الفراء (٢) ودليل هذا التأويل قوله ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ﴾ [الحجر: ١٧]. وذكر أبو إسحاق وجهًا آخر قال: حفظه الله من الوقوع على الأرض إلا بإذنه (٣). ودليل هذا قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [الحج: ٦٥]. وزاد غيره: محفوظا من الهدم، ومن أن يلحقها ما يلحق غيرها من السقوف على طول الدهر (٤).

стр. 8488

وقال مجاهد: ﴿سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ مرفوعًا (١). وهذا معنى وليس بتفسير. وذلك أنه مرفوع رفعًا لا يطمع أحد أن يناله بنقض أو يبلغه بحيلة، فرفعه سبب حفظه من أن يبلغه أحد. وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين (٢). ﴿عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ (٣) قال الكلبي وغيره من المفسرين: شمسها وقمرها ونجومها (٤). ﴿مُعْرِضُونَ﴾ لا يتدبرونها، ولا يتفكرون فيها، فيعلموا (٥) أن خالقها لا شريك له. ٣٣ - قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ﴾ إلى قوله: ﴿كُلُّ﴾ يعني الطوالع كلها. ﴿فِي فَلَكٍ﴾ قال الليث: الفلك في الحديث (٦) دوران (٧) السماء. وهو

стр. 8489

اسم الدوران خاصة، وأما المُنجمون فيقولون: سبعة أطواق (١) دون السماء قد رُكِّبت فيها النجوم السبعة، في كل طوق منه (٢) نجم، وبعضها أرفع من بعض، يدور فيها بإذن الله (٣). وروى أبو عبيدة عن الأصمعي: الفلك: قطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها (٤)، والواحدة فلكة. قال الراعي: إذا جِفْنَ هَوْلَ بُطونِ (٥) البِلادِ ... تَضَمَّنَها فَلَكٌ مُزْهِرُ (٦) يَقول: إذا خافت الأدغال (٧) وبطون الأرض ظهرت الفلك (٨). والفلك في كلام العرب: كل شيء مستدير، وجمعه أفلاك، ومنه فَلْكةُ المغزل، وتفلك ثدي الجارية (٩).

стр. 8490

هذا (١) معنى الفلك في قول أهل اللغة. وأما المفسرون، فقال السدي في قوله: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ﴾: كل في مجرى واستداره (٢). وقال الكلبي: الفلك استدارة السماء، وكل شيء استدار فهو فلك (٣). وعلى هذا المراد بالفلك: السماء، والسماء مستديرة، والنجوم تدور فيها وهذا معنى قول مجاهد: كهيئة حديدة الرحى (٤) (٥). يريد: أن النجوم تسير وتجري حول القطب (٦) كدوران (٧) الرحى على حديدته (٨). وعلى (٩) هذا معنى قول أكثرُ المفسرين، قالوا: الفلك مدار النجوم الذي يضمها (١٠).

стр. 8491

وقال الحسن: الفلك طاحونة [كهيئة فَلْكة المغزل (١). يريد أن الذي يجري فيه النجوم مستدير كاستدارة الطاحونة] (٢). وقال ابن زيد: الفلك الذي بين السماء والأرض [من] (٣) مجاري النجوم والشمس والقمر (٤). وهذا كقول المنجمين، جعلوا الفلك في السماء. وقال أبو عبيدة: الفلك: القطب الذي تدور به النجوم (٥). وهذا القول بعيد؛ لأن الله تعالى قال: ﴿وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾ فيجب أن يكون الفلك اسمًا لما يتضمن النجوم وتجري فيه، ويكون مدورًا. وقوله تعالى: ﴿يَسْبَحُونَ﴾ أي: يجرون بسرعة كالسابح في الماء، وقد قال في موضع آخر في صفة النجوم: ﴿وَالسَّابِحَاتِ سَبْحًا﴾ [النازعات: ٣]، والسبح لا يختص بالجري في الماء فقد يقال للفرس الذي يمد يديه في الجري (٦): سابح (٧)، ومنه قول الأعشى:

стр. 8492

وَسَابحٍ ذِي مَيْعَةٍ (١) ضَامِر (٢) وتَوهَّم بعضهم أن السبح يختص بالسير في الماء، فجعل الفلك موجًا من الماء تسير فيه النجوم لما رأى قوله: ﴿يُسَبحُونَ﴾ (٣). وحكى الفراء هذا القول في "تفسير الفلك" (٤). ولما وصف النجوم بفعل ما يعقل (٥) جُمِعَ (٦) فعلها جَمْعَ فعل ما يعقل، قال أبو إسحق: قيل ﴿يَسْبَحُونَ﴾ هو كما يقال لما يعقل: لأنَّ هذه الأشياء وصفت بالفعل (٧) كما يوصف ما يعقل، كما قالت العرب -في رواية جميع النحويين-: "أكلوني البراغيث" لما وصفت بالأكل قيل:

стр. 8493

أكلوني (١)، وأنشد للجعدي: تَمرَّزْتُها والدِّيكُ يدعو صباحَه ... إذا ما بَنوُ نَعَش دَنَوْا فَتَصَوَّبُوا (٢) وهذا قول أبي عبيدة (٣)، والفراء (٤)، والمبرد، وجميع أهل اللغة (٥). وذكرنا هذا عند قوله: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]. ٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الخلد: اسم من الخلود، وهو البقاء الدائم (٦). يقول: ما خلَّدنا قبلك أحدًا من بني آدم. يعني أن سبيله سبيل من مضى قبله من الرسل ومن بني آدم في الموت. ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ﴾ موضع الاستفهام قوله: ﴿فَهُمْ﴾، ولكنه

стр. 8494

قدم إلى أول الكلام، وذكرنا هذا عند قوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ﴾ (١). والمعنى: إن مت أفهم الخالدون؟ استفهام إنكاري، أي: لا يخلدون، يعني مشركي مكة حين قالوا: نتربص بمحمد ريب المنون. فقيل لهم: إن مات محمد فأنتم أيضًا تموتون (٢). وهو (٣). ٣٥ - قوله تعالى (٤): ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. والإضافة في ﴿ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ في تقدير الانفصال؛ لأنه لما يستقبل ولكن عاقبن الإضافة التنوين. والمعنى على التنوين كقوله: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١]، ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]. وقد أحكمنا هذا الفصل في سورة النساء عند قوله: ﴿ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧]. وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ قال الوالبي،

стр. 8495

عن ابن عباس: أي: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، وكلها بلاء (١). وقال ابن زيد: نبلوكم بما تحبون وما تكرهون، لننظر كيف شكركم وصبركم فيما تحبون وفيما تكرهون (٢). وقال الكلبي: ﴿بِالشَّرِّ﴾ بالفقر والبلايا ﴿وَالْخَيْرِ﴾ بالمال والولد. ﴿فِتْنَةً﴾ قال ابن عباس: يريد اختبارًا مني ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾ تردون للجزاء بالأعمال حسنها وسيئها. ٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني المستهزئين. [وهم الذين ذكرناهم في قوله: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (٣)] (٤). ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ أي: ما يتخذونك إلا مهزوا به، كقوله: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾ [البقرة: ٦٧] وقد مرَّ. وقال السدي: نزلت في أبي جهل، مرَّ به النبي -صلي الله عليه وسلم- فضحك، وقال:

стр. 8496

هذا (١) نبي بني عبد مناف (٢) (٣). وقوله تعالى: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ﴾ [فيه إضمار القول (٤)، وهو جواب إذا (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا﴾ كلام معترض بين إذا وجوابه. قال ابن عباس في قوله: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾] (٦): يعيب أصنامكم. ونحوه قال الكلبي (٧).

стр. 8497

قال الفراء: وأنت قائل للرجل: لئن ذكرتني لتندمنّ. وأنت تريد: بسوء، فيجوز ذلك. وأنشد قول عنترة: لا تذكري فرسي وما أطْعَمْتُهُ ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب (١) أي: لا تعيبي (٢) مهري فجعل الذكر عيبًا (٣). وقال أبو إسحاق: يقال: فلان يذكر الناس، أي: يغتابهم، ويذكرهم بالعيوب. [ويقال: فلان يذكر الله، أي: يصفه بالعظمة، ويثني عليه] (٤). وإنّما يحذف مع الذكر ما عقل معناه (٥). وقال أهل المعاني: الذكر لا يكون بمعنى العيب (٦) في كلام العرب، وحيث يراد به العيب حذف منه السوء (٧). كما (٨) قال الزَّجَّاج؛ فلان يذكر الناس أي: يذكر مساوءهم وعيوبهم.

стр. 8498

وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ﴾ وذلك أنهم قالوا ما نعرف الرحمن (١). قال صاحب النظم: "هم" الثانية (٢) اختصاص، أي أنَّهم كافرون دون غيرهم، كما تقول في الكلام إذا قيل لك: [إنَّ زيدًا قال لك] (٣): إنك ظالم، فقلت: بل زيدٌ هو ظالم. فهو اختصاص له من بين غيره لهذا الوصف (٤). وقيل (٥): إنّه تأكيدٌ للكافرين، فقد (٦) وصفهم الله بغاية الجهل حيث هزئوا ممن جحد إلهية (٧) من (٨) لا نعمة له (٩)، وهم يجحدون إلهية مَنْ كُلُّ

стр. 8499

نعمة فهي منه (١) (٢). ٣٧ - قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. اختلف المفسرون في تفسير هذه الآية: فذهب كثيرٌ منهم إلى أن المراد بالإنسان هاهنا: آدم. وقالوا: لما نفخ فيه الروح لم تبلغ رجليه حتى استعجل، وأهوى إلى عنقود من عنب الجنة ليأكل منه، وأراد الوثوب قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان، وأورث أولاده العجلة. وهذا قول عكرمة (٣)، وسعيد بن جبير (٤)، والسدي (٥)، والكلبي (٦). وقال آخرون: معناه: خلق الإنسان من تعجيل في خلق الله إياه، وذلك أن الله تعالى خلق آدم في آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس، فأسرع في خلقه قبل مغيبها. وهذا مذهب مجاهد، قال؛ خلق الله آدم بعد كل شيء آخر النهار، فلما أحيا الروح رأسه (٧) ولم تبلغ أسفله قال: يا رب استعجل بخلقي قبل غروب الشمس (٨). وهذا القول اختيار قطرب قال: في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ

стр. 8500

مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من سرعة الأمر في خلقه (١). وقال قتادة: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ قال: خلق عجولًا (٢). وهذا القول اختيار جميع أهل اللغة (٣) والمعاني. والإنسان هاهنا اسم الجنس. قال الفراء: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ كأنك قلت: بنيته وخلقته من العجل (٤) وعلى العجلة (٥). وقال الزجاج: خوطبت العرب بما تعقل، والعرب تقول للذي يكثر الشيء: خلقت منه، كما تقول: أنت من لعب [وخلقت من لعب] (٦)، تريد المبالغة بوصفه باللعب، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١] (٧). وقال المبرد: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من شأنه العجلة (٨). وهذه ثلاثة أقوال عليها أهل التفسير والمعاني.

стр. 8501

وقال أبو عبيدة: تأويل الآية على القلب، أي: خلق العجل من الإنسان (١). ولا وجه لحمله على القلب مع ماله على (٢) الاستواء من المعنى المفهوم (٣). وقال نفطويه: قال بعض الناس: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ أي: من طين، وأنشد (٤): والنبع ينبت بين الصخر (٥) ضاحية ... والنخل ينبت بين الماء والعجل

стр. 8502

قال: وليس عندي في هذا حكايته عمن يرجع إليه. [هذا كلامه] (١) (٢). والعجل بمعنى الطين قد حكي من (٣) كلام العرب. رواه أبو عمر، عن أبي العباس (٤)، عن ابن الأعرابي (٥). [وهو صحيح ولكنه لا يصح تفسير] (٦) هذه الآية به، ولا يليق بالمعنى المراد من الآية. وتأويل الآية: خلق الإنسان عجولًا, ولذلك (٧) يستعجل ربه بالعذاب. ومن قال معنى الآية: إن آدم خلق على عجلة - يقول: إنَّ ذلك أورثه وأولاده العجلة، فاستعجلوا (٨) في كل شيء حتى العذاب. والآية نازلة في أهل مكة حين استعجلوا العذاب. قال ابن عباس -في رواية عطاء-: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ يريد: النَّضْر بن الحارث، وهو الذي قال: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ﴾ [الأنفال: ٣٢] الآية (٩).

стр. 8503

وقوله تعالى: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ قال (١): يريد القتل ببدر (٢). ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾ أي أنه نازل بكم. قال ابن عباس: وهو تهديد ووعيد. ٣٨ - ﴿وَيَقُولُونَ﴾ يعني المشركين ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾ الذي تعدنا أنا نعذب. قال ابن عباس: يريدون (٣) وعد القيامة (٤) ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنا نعذب.

стр. 8504

٣٩ - فقال الله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ﴾ العلم هاهنا بمعنى (١) المعرفة، فلا يقتضي (٢) مفعولًا (٣) ثانيًا، و ﴿حِينَ﴾ نصب بوقوع العلم عليه، أي: لو عرفوا ذلك الوقت وذلك الحين (٤). ﴿لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ﴾ [قال ابن عباس: يريد ساعة يدخلون النار] (٥). ﴿وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ لإحاطتها بهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾

стр. 8505

يمنعون مما نزل بهم. وجواب "لو" محذوف، على تقدير: لو علموا ذلك ما استعجلوا ولا قالوا متى هذا الوعد. [وقال الزَّجَّاج: وجواب "لو" محذوف، المعنى: لعلموا صدق الوعد؛ لأنهم قالوا ﴿مَتَى هَذَا الْوَعْدُ﴾] (١) (٢). وجعل الله الساعة موعدهم فقال: ٤٠ - قوله: ﴿بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً﴾ قال ابن عباس: فجأة (٣). يعني القيامة (٤). ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ قال عطاء، عن ابن عباس: تصيبهم البهتة (٥). قال الزَّجَّاج: فتحيّرهم (٦).

стр. 8506

يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيّره (١). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ويقال: بهته: أخذه بغتة [بهتا (٢). فعلى هذا معنى ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ مهو تأخذهم بغتة] (٣): أي: تفجؤهم. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ صرفها عنهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون التوبة أو معذرة. ٤١ - ثم عزى نبيه ﵇ فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: كما استهزأ قومك بك ﴿فَحَاقَ﴾ نزل وأحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ من الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب الذي استهزأوا به وكذبوا به. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يقال: كلأك (٤) الله كلاءة أي: حفظك وحرسك (٥). قال ابن هرمة: إنَّ سُليمي واللهُ يَكْلَؤهَا (٦)

стр. 8507

وقال أبو زيد: اكتلأت من الرجل اكتلاءً، إذا ما احترست منه. ويقال: أكتلأت عيني، إذا حذرت أمرًا فأسهرك (١) فلم تنم (٢). وقال المبرد: أكتلأت بهذه الدار إذا تحصَّنت بها وجعلتها تحفظك. قال ابن عباس: يريد من يمنعكم (٣) ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. وقال الكلبي: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ من عذاب الرحمن (٤). قال أبو إسحاق: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن (٥). كما قال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] أي: عذاب الله، كما قال في موضع آخر: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]. ونحو هذا قال الفراء (٦). والمعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وهو استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك (٧). وقال مجاهد في هذه الآية: من يدفع عنكم بالليل والنهار إلا

стр. 8508

الرحمن (١). وليس هذا بالوجه (٢). وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (٣). وقال غيره: عن مواعظ ربهم (٤). ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يعتبرون. ٤٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ أي: تجيرهم وتحفظهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ مؤخّر معناه التقديم، أي: آلهة من دوننا تمنعهم، وتم الكلام. ثم وصف اَلهتهم بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي: فكيف تنصرهم؟.

стр. 8509

قاله ابن عباس (١). والتقدير: آلهتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم] (٢)، فقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر ابتداء محذوف دل عليه ما قبله من ذكر الآلهة، وإذا لم تقدر على منع نفسها عما يراد بها فكيف تقدر على منع عابديها؛ كما ذكره ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ يعني الكفار (٣). ﴿يُصْحَبُونَ﴾ قال الكلبي: يقول: لا يجارون من عذابنا (٤). وقال مجاهد: لا ينصرون (٥). قال الفراء: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يجارون، يعني الكفار (٦). وقال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منّا أحدٌ؛ لأن المجير صاحب الجار (٧) (٨).

стр. 8510

وعلى هذا معنى الصحبة: الإجارة، وذلك أن من صحب إنسانًا أجاره مما يخاف، تقول العرب: إنَّ لك من فلان صاحبًا، أي: يجيرك (١) ويمنعك (٢). [فلما كانت] (٣) الصحبة تقتضي الإجارة سميت الإجارة به. والعرب تقول: صحبك الله أي: حفظك الله وأجارك، ويقولون للمسافر: في صحبة الله وكلاءته (٤). وهذا وجه صحيح، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا في رواية العوفي (٥)، قال: ولا الكفار منا يجارون (٦). وهو (٧) معنى قول مجاهد: لا يُنصرون.
следующие страницы →