← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8506–8545 · переход к 8511.

стр. 8506

يقال: بهته يبهته إذا واجهه بشيء يحيّره (١). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٨]. ويقال: بهته: أخذه بغتة [بهتا (٢). فعلى هذا معنى ﴿فَتَبْهَتُهُمْ﴾ مهو تأخذهم بغتة] (٣): أي: تفجؤهم. ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا﴾ صرفها عنهم ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ يمهلون التوبة أو معذرة. ٤١ - ثم عزى نبيه ﵇ فقال: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾ أي: كما استهزأ قومك بك ﴿فَحَاقَ﴾ نزل وأحاط ﴿بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ من الرسل ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ أي العذاب الذي استهزأوا به وكذبوا به. ٤٢ - قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ يقال: كلأك (٤) الله كلاءة أي: حفظك وحرسك (٥). قال ابن هرمة: إنَّ سُليمي واللهُ يَكْلَؤهَا (٦)

стр. 8507

وقال أبو زيد: اكتلأت من الرجل اكتلاءً، إذا ما احترست منه. ويقال: أكتلأت عيني، إذا حذرت أمرًا فأسهرك (١) فلم تنم (٢). وقال المبرد: أكتلأت بهذه الدار إذا تحصَّنت بها وجعلتها تحفظك. قال ابن عباس: يريد من يمنعكم (٣) ﴿بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾. وقال الكلبي: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ من عذاب الرحمن (٤). قال أبو إسحاق: معناه: من يحفظكم من بأس الرحمن (٥). كما قال: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ [هود: ٦٣] أي: عذاب الله، كما قال في موضع آخر: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ﴾ [غافر: ٢٩]. ونحو هذا قال الفراء (٦). والمعنى: من يحفظكم مما يريد الرحمن إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. وهو استفهام إنكار، أي: لا أحد يفعل ذلك (٧). وقال مجاهد في هذه الآية: من يدفع عنكم بالليل والنهار إلا

стр. 8508

الرحمن (١). وليس هذا بالوجه (٢). وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد القرآن (٣). وقال غيره: عن مواعظ ربهم (٤). ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أي لا يعتبرون. ٤٣ - قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ﴾ أي: تجيرهم وتحفظهم، وقوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ مؤخّر معناه التقديم، أي: آلهة من دوننا تمنعهم، وتم الكلام. ثم وصف اَلهتهم بالضعف فقال: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [أي: فكيف تنصرهم؟.

стр. 8509

قاله ابن عباس (١). والتقدير: آلهتهم لا يستطيعون نصر أنفسهم] (٢)، فقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ خبر ابتداء محذوف دل عليه ما قبله من ذكر الآلهة، وإذا لم تقدر على منع نفسها عما يراد بها فكيف تقدر على منع عابديها؛ كما ذكره ابن عباس. وقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا﴾ يعني الكفار (٣). ﴿يُصْحَبُونَ﴾ قال الكلبي: يقول: لا يجارون من عذابنا (٤). وقال مجاهد: لا ينصرون (٥). قال الفراء: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يجارون، يعني الكفار (٦). وقال ابن قتيبة: أي لا يجيرهم منّا أحدٌ؛ لأن المجير صاحب الجار (٧) (٨).

стр. 8510

وعلى هذا معنى الصحبة: الإجارة، وذلك أن من صحب إنسانًا أجاره مما يخاف، تقول العرب: إنَّ لك من فلان صاحبًا، أي: يجيرك (١) ويمنعك (٢). [فلما كانت] (٣) الصحبة تقتضي الإجارة سميت الإجارة به. والعرب تقول: صحبك الله أي: حفظك الله وأجارك، ويقولون للمسافر: في صحبة الله وكلاءته (٤). وهذا وجه صحيح، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا في رواية العوفي (٥)، قال: ولا الكفار منا يجارون (٦). وهو (٧) معنى قول مجاهد: لا يُنصرون.

стр. 8511

وقال المازني: أصحبت الرجل أي: منعته، وأنشد للهذلي (١): يرعى بروض الحَزْنِ من أبِّهِ ... قُرْيَانة (٢) في غاية (٣) تُصْحَبُ (٤) (٥) قال: تصحب: تمنع وتحفظ. قال: وهو من قول الله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: يمنعون (٦). وعلى هذا قوله: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ مهه من الإصحاب لا من الصحبة. وقال قتادة: لا يصحبون من الله بخير (٧).

стр. 8512

وعلى هذا ليس الصحبة بمعنى الحفظ، والمعنى: لا يصحبهم الله خيرًا، أي: لا يجعل رحمته أو كلاءته صاحبًا لهم، والباء في قوله (١) بخير للتورية. ٤٤ - ثم ذكر الله تعالى أن هؤلاء اغتروا بطول الإمهال إذ لم يُعَجَّلوا بالعقوبة، فقال: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ﴾ يعني أهل مكة متعهم الله بما أنعم عليهم ﴿حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ﴾ فاغترّوا بذلك، فقال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾. قال ابن عباس: يعني القرية تخرب حتى يكون [العمران] (٢) في ناحية منها. قاله في رواية عكرمة (٣). والمعنى: ألا يرون أنا نخرب القرى بأن ننقص من أطرافها نخرب ما حولها، أفلا (٤) يخافون أن نفعل ذلك بقريتهم؟ نخربها بموتهم وهلاكهم (٥).

стр. 8513

وهذا معنى قول مجاهد وعكرمة، قالا: ننقصها من أطرافها بالموت وقبض الناس (١). يخوفهم بالهلاك بعد طول الإمهال. وقال الكلبي: نفتح من أطرافها لمحمد (٢). وهو قول السدي (٣). وقد أحكمنا هذا القول في آخر سورة الرعد (٤). ثم وبخهم فقال: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ أي: أفتغلبون محمدًا (٥)؟ وقيل: أفهم الغالبون أم نحن؟ (٦) بعد أن فتحنا على محمد ما حول مكة. وهذا معنى قول ابن عباس: يريد بل لي الظفر، والغلبة (٧) لأنبيائي،

стр. 8514

وحزبي هم الغالبون. ٤٥ - قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية. ذكرنا (١) أن الإنذار يتعدى إلى مفعولين بغير حرف جر كقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ [فصلت: ١٣] وقوله: ﴿أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا﴾ [النبأ: ٤٠]، وفي تعديته بالباء -هاهنا-، قال أبو علي: يجوز أن يكون لمّا دل على التخويف أجرى مجراه، تقول: أنذرته بكذا كما تقول: خوفته بكذا (٢). وكذا جاء في التفسير: أخوفكم بالقرآن (٣). والمعنى: أنذرتكم بالوحي الذي يوحيه الله إلى لا (٤) من قبل نفسي. وذلك أن الله أمر بإنذارهم، كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ﴾ [الأنعام: ٥١] ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٧٠]، ونحو هذا من أمره بالإنذار. هذا مذهب المفسرين ومعنى قولهم. وقال أبو علي: ويجوز أن يكون الوحي: الموحى، فسمى بالمصدر مثل الخلق والصيد، والموحى (٥) هو العذاب، فيكون كقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ [النبأ: ٤٠] (٦). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاءَ إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ تمثيل

стр. 8515

للكفار، يعني: كما أن الصُّم لا يسمعون النداء إذا أنذروا شيئًا كذلك هؤلاء في تركهم الانتفاع بما سمعوا، فالصم: الذين لا يسمعون. قال أبو إسحاق: الصم هاهنا: المعرضون عما يتلى عليهم من ذكر الله، فهم بمنزلة من لا يسمع (١). وقال أبو علي: هذا على وجه الذم لهم والتقريع بتركهم سمع ما يجب عليهم استماعه والانتهاء إليه، وقد تقول لمن تُقرّعه بتركه ما تدعوه إليه: ناديتك فلم تسمع. وقرأ ابن عامر: (ولا تُسْمِعُ الصُّمَ) (٢) حمله على ما قبله، والفعل مسندٌ إلى المخاطب فكذلك قوله: (ولا تسمع) مسند إليه، والمعنى: أنهم معاندون، فإذا أسمعتهم لم يعملوا (٣) بما سمعوه، ولم ينقادوا له كما لا يسمع الصم (٤) (٥). قال أبو علي: ولو كان كما قال [ابن عامر] (٦) لكان: إذا تنذرهم، فأما ﴿إِذَا مَا يُنْذَرُونَ﴾ فحسن أن يتبع ﴿وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ﴾ كقراءة العامة (٧).

стр. 8516

٤٦ - قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾ يقال: نفحت الرائحة تنفح نفحًا ونفوحًا, وله نفحة طيبة ونفحة خبيثة، ونفحت الدابة إذا رمحت برجلها، ونفحه بالسيف إذا تناوله شزرًا (١)، ونفحه بالمال نفحًا، وله نفحات من المعروف أي: دفعات (٢). هذا معنى النفح في اللغة، ثم يقال: نفحة الريح، ونفحة الدم: أول (٣) فورة منه (٤). قال أبو إسحاق: أي: مسهم (٥) أدنى شيء من العذاب (٦). وقال المبرد: النفحة: الدفعة (٧) من الشيء التي دون معظمه. يقال: نفحه نفحة بالسيف للضربة الخفيفة. وهذا موافق لقول ابن عباس في "تفسيره" ﴿نَفْحَةٌ﴾ قال: طرف (٨).

стр. 8517

وقال ابن كيسان: قليل (١). وقال ابن جريج: نصيب (٢). من قولهم: نفحه من ماله إذا أعطاه. وقال غيره: أي الدفعة اليسيرة (٣). ومعنى الآية: لئن أصابهم طرف من العذاب؛ لأيقنوا (٤) بالهلاك، ودعوا على أنفسهم بالويل، مع الإقرار بأنهم ظلموا أنفسهم بالشرك وتكذيب محمد ﷺ . ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ القسط معناه في اللغة: العدل (٥). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿أَلَّا تُقْسِطُوا﴾ [النساء: ٣]. قال الفراء: ﴿الْقِسْطَ﴾ من صفة الموازين وإن كان موحدًا، وهو كقوله (٦) للقوم: أنتم رضًا وعدل (٧). وقال (٨) أبو إسحاق: وقِسْط مثل عدل مصدر يوصف به، تقول:

стр. 8518

ميزان قسط، وميزانان قسط، وموازين قسط، والمعنى: ذوات قسط (١) واختلفوا في ﴿الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ﴾ فقال الحسن: هو ميزان له كفتان ولسان (٢). وروي أحاديث كثيرة في الميزان الذي يوزن به الأعمال (٣)، وذكرنا الكلام في الموازين عند قوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾ [الأعراف: ٨]. وقال مجاهد: هذا مَثَلٌ وإنّما أراد بالميزان العدل (٤). ونحو هذا روى عن قتادة والضحاك (٥). قال أبو إسحاق: وهذا سائغ في باب اللغة، إلا أنّ الأولى أن يتبع ما جاء بالأسانيد الصحاح (٦).

стр. 8519

وقوله تعالى: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ قال الفراء: في يوم القيامة (١). ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ لا ينقص من إحسان محسن (٢)، ولا يزاد في إساءة مسيء. ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ قال الزَّجَّاج: وإن كان العمل مثقال حبة (٣). وقال أبو علي: وإن كان الظلامة مثقال حبة. قال: وهذا حسن لتقدم

стр. 8520

قوله: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ وإذا (١) ذكر (تُظلم) فكأنَّه ذكر الظلامة، كقولهم: من كذب كان شرًا له (٢). وقرأ نافع: ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ رفعًا (٣) على إسناد الفعل إلى المثقال (٤). ومثقال الشيء ميزانه من مثله (٥)، والمعنى: وإن كان قدر مما يزن ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾. ﴿أَتَيْنَا بِهَا﴾ قال أبو إسحاق: أي: جئنا بها (٦). يعني أحضرناها للمجازاة بها. ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ قال ابن عباس: أي عالمين حافظين (٧) (٨). والكلام في الباء التي في (٩) ﴿بِنَا﴾ (١٠) ذكرناه مستقصى (١١).

стр. 8521

قال الزَّجَّاج: موضع الباء رفع (١). المعنى (٢): وكفينا حاسبين. و ﴿حَاسِبِينَ﴾ (٣) منصوب على وجهين: على التمييز، وعلى الحال (٤). وقال السدي في قوله: ﴿وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ - قال: محصين (٥). والحَسْبُ في اللغة معناه: العد (٦). ومن قال: حافظين عالمين؛ فلأن من حسب شيئًا حفظه وعلمه. ٤٨ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ قال مجاهد وقادة: يعني التوراة التي تفرق بين الحلال والحرام (٧). ﴿وَضِيَاءً وَذِكْرًا﴾ من صفة التوراة. قال الفراء: والواو مقحمة كهي في قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا﴾ [الصافات: ٦، ٧]

стр. 8522

والتقدير: الفرقان ضياء وذكرا (١). ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾. والواو عند البصريين لا يجوز أن تزاد، ولكن هذا كله (٢) من نعوت التوراة: الفرقان (٣) والضياء والذكر، فعطف بعضها على بعض (٤). قال الزَّجَّاج ﴿وَضِيَاءً﴾ -هاهنا- مثل قوله: ﴿فِيهِ هُدًى وَنُورٌ﴾ [المائدة: ٤٦] (٥). وقال ابن زيد: معنى الفرقان هاهنا: البرهان الذين فرَّق به بين حقه (٦) وباطل فرعون وتلا قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: ٤١] (٧).

стр. 8523

وهذا مثل قول السدي في ﴿الْفُرْقَانَ﴾ قال: هو النصر الذي أوتي موسى (١). وعلى هذا قوله "وضياء" يعني التوراة أكبر (٢) استضاؤوا (٣) بها حتى اهتدوا في دينهم، وكأنّه قيل: آتيناهما البرهان والنصر والضياء يعني: الكتاب الذي فيه ضياء، وذكرا للمتقين كي يذكروه ويعملوا بما فيه ويتعظوا بمواعظه.

стр. 8524

وكثير (١) مما يقع من الكلام في هذه الآية قد سبق في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ [البقرة: ٥٣] الآية. ٤٩ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ أي في الدنيا ولم يروه. والمعنى: يخشون ربهم غائبين عن الآخرة وأحكامها (٢). ﴿وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ﴾ أي: من (٣) أهوالها وعذابها ﴿مُشْفِقُونَ﴾ خائفون. ٥٠ - قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى هذا القرآن ذكر لمن تذكر به وعظة لمن اتعظ (٤). ﴿مُبَارَكٌ﴾ تقدم تفسيره في قوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]. ﴿أَفَأَنْتُمْ﴾ [يا أهل مكة] (٥) ﴿لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ إياه جاحدون مكذبون. ٥١ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ﴾ قال مجاهد: هداه (٦)

стр. 8525

ونحوه قال الزجاج (١)، والفراء (٢)، واعتبرا (٣) بقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ [السجدة: ١٣]. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ أي من قبل موسى وهارون (٤). وقال (٥) مجاهد: أي: هديناه صغيرًا (٦). وهذا قول المفسرين (٧)، وا ختيار الفراء (٨) والزَّجَّاج (٩)، قالوا: آتيناه هداه حَدَثًا. وعلى هذا التقدير: من قبل بلوغه (١٠).

стр. 8526

يعني: حين كان في السَّرَب (١)، ألهمناه الرشد والهدى حتى عرف الحق من الباطل. ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ أي: نعلم (٢) أنَّه موضع لإيتاء (٣) الرشد، وأنه يصلح للنبوة (٤).

стр. 8527

٥٢ - قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ﴾ [قال أبو إسحاق: (إذ) في موضع نَصْب. المعنى: آتيناه رشده في ذلك الوقت (١) (٢) الذي قال لأبيه وقومه] (٣) وهم يعبدون الصنم ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ﴾ يعني: الأصنام (٤). والتمثال: اسم للشيء المصنوع مُشَبَّها بخلق من خلق الله. وجمعه: التماثيل. وأصله من مَثَّلْتُ الشيء بالشيء، إذا شَبَّهته به (٥). واسم ذلك المُمَثَّل تمثال (٦). وقوله تعالى: ﴿الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ أي: على عبادتها مقيمون،

стр. 8528

فأجابوه بأنَّهم وجدوا آباءَهم يعبدونها، فاقتدوا بهم وقلدوهم في عبادتها، فأجابهم إبراهيم بأنَّهُم -في تقليد الآباء- وآباءهم (١) كانوا في ضلال مبين بعبادة الأصنام. وهذا الذي ذكرنا معنى ٥٣ - ٥٥ - قوله: ﴿قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ﴾ يعنون: أجاد أنت فيما تقول محق (٢)، أم أنت لاعب مازح؟ وهذا جهل منهم إذ تخيلوا المحق لاعبًا هازلاً، فأجابهم إبراهيم بما يزيل تخيلهم ويدلهم على أن المستحق للعبادة هو الله لا الصنم. ٥٦ - وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ أي: على أنه ربكم ورب السموات والأرض. ٥٧ - قوله تعالى: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ معنى الكيد: ضر الشيء بتدبير عليه (٣) ﴿بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ﴾ تنطلقوا ذاهبين. قال المفسرون: كان لهم في كل سنة مجمع وعيد، فقالوا لإبراهيم: لو خرجت معنا إلى عيدنا (٤) أعجبك ديننا (٥). فقال إبراهيم -سِرًّا من قومه (٦) -: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية.

стр. 8529

هذا قول مجاهد وقتادة قالا: لم يسمع هذا القول من إبراهيم إلا رجل واحد، وهو الذي أفشاه عليه (١). وقال الآخرون: لما خرج الناس إلى عيدهم وبقي ضَعْفَى الناس قال إبراهيم: ﴿وَتَاللهِ لَأَكِيدَنَّ﴾ الآية فسمعوها منه (٢). ٥٨ - قوله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ الجَذُّ: القطع والكسر للشيء الصلب. والجُذَاذُ: قطع ما كُسر. الواحدة (٣): جُذاذة (٤). وهو مثل الحُطام والرُّفات والدُّقاق (٥). قال أبو إسحاق: وأبنية كل (٦) ما كسر وقطع على فُعال (٧).

стр. 8530

وقرأ الكسائي ﴿جِذَاذًا﴾ (١) بكسر الجيم (٢). قال الفراء والزجاج: وهو جمع جذِيذ، مثل: ثَقيل وثِقال، وخَفيف وخِفَاف (٣). والجذيذ بمعنى: المجذوذ، وهو المكسور. ويقال للحنطة المطحونة طحنًا غليظًا: جذيذ. قال المفسرون: لما انطلقوا إلى عيدهم رجع إبراهيم إلى بيت الأصنام، وجعل يكسرهن بفأس في يده، حتى إذا لم يبق إلا الصنم الأكبر علق الفأس في عنقه ثم خرج فذلك قوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ﴾ (٤). قال أبو إسحاق: أي كَسَّر الأصنام إلا أكبرها (٥). وهذا قول المفسرين (٦). قال: وجائز أن يكون أكبرها عندهم في تعظيمهم إياه، لا في الخلقة (٧).

стр. 8531

وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي: لكي يرجعوا إلى إبراهيم ودينه وإلى مما يدعوهم إليه بوجوب الحجة عليهم في عبادة ما لا يدفع عن نفسه، ويتنبهوا (١) على (٢) جهلهم وعظيم خطأهم. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ أي ينصرفون من عيدهم، فيرون الأصنام على تلك الصفة فيتبين لهم ضلالتهم (٣). ٥٩، ٦٠ - قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا﴾ قال المفسرون: لما رجعوا من عيدهم ونظروا إلى آلهتهم وهم جذاذ قالوا هذا القول مستفهمين عمن صنع ذلك ومنكرين عليه بقولهم: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ أي فعل ما لم يكن له أن يفعل (٤). ويجوز أن يكون (مَن) ابتداء وخبره قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، والمعني: قالوا فاعل (٥) هذا ظالم، فلا يكون في الكلام استفهام (٦). والأول الوجه (٧)؛ لأن قول من قال: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ جواب الاستفهام.

стр. 8532

ولما قالوا هذا قال قائل منهم: أنا سمعت إبراهيم يقول ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾. وهذا على قول من قال: سمع قول إبراهيم واحد منهم فأفشاه. وعلى القول الآخر: وقال الذين سمعوا، وهم الضَّعْفَى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾. والظاهر هذا القول؛ لإضافة القول إلى جماعة. ومعنى ﴿يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: بالعيب (١). وقد مر. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ قال أبو إسحاق: يرتفع ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ على وجهين: أحدهما: على معنى: يقال له هو إبراهيم (٢)، وعلى النداء على معنى: يقال له: يا إبراهيم (٣).

стр. 8533

٦١ - ولما بلغ هذه القصة نمروذ (١) وأشراف قومه ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ﴾ أي بالذي يقال له إبراهيم ﴿عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ﴾ أي ظاهرا بمرأى من الناس حتى يروه ﴿لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾ عليه بما قاله فيكون ذلك حجة عليه بما فعل. وهذا قول الحسن وقتادة والسدي، قالوا: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة (٢)

стр. 8534

وقال ابن إسحاق: لعلهم يشهدون عقابه وما يصنع به (١). أي: يحضرون. وذكر الفراء والزجاج القولين جميعًا (٢). ٦٢ - فلما أتوا به ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ﴾ الآية، أسند فعله إلى كبير الأصنام الذي لم يكسره، واختلفوا في وجه هذا. فالذي عليه المفسرون: أن إبراهيم ﵇ أراد إقامة الحجة عليهم، فقال: فعل هذا كبيرهم، غضب من أن تعبدوا (٣) معه هذه الصغار فكسرهن، ورووا عن النبي ﷺ أنه قال: "لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات، كلها (٤) في الله: قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩]. وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ﴾، وقوله لساره (هي أختي) " (٥).

стр. 8535

قالوا: وجائز أن يكون الله أذن له في ذلك ليُوبخ (١) قومه ويعرفهم خطأهم، كما أذن ليوسف حين أمر مناديه فقال لإخوته: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠] (٢)، ولم يكونوا سرقوا شيئًا. هذا مذهب المفسرين في هذه الآية] (٣). وأما أهل المعاني فإنهم تأولوها على غير هذا الوجه. روي عن (٤) الكسائي (٥) أنه كان يقف عند قوله (بل فعله) ويقول. معناه: فعله من فعله، ثم يبتدئ ﴿كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ (٦). وقال ابن قتيبة: جعل إبراهيم النطق شرطًا للفعل فقال: فعله كبيرهم هذا إنْ كانوا ينطقون (٧).

стр. 8536

وقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ﴾ اعتراض بين الكلامين كما تقول: عليه الدراهم فاسأله إن أقر. والمعنى: إن قدروا على النطق قدروا على الفعل، فأراهم عجزهم عن النطق والفعل. وفي ضمنه: أنا فعلت ذلك (١). وهذا معنى قول الزجاج (٢). وقال غيره: هذا الكلام خرج مخرج الخبر، وليس بمعنى الخبر، إنما هو إلزام يدل على ذلك الحال، كأنه قال: بل ما تنكرون أن يكون فعله كبيرهم هذا (٣). والإلزام قد يكون بلفظ الخبر، والمعنى فيه: من اعتقد عبادتها لزمه أن يثبت لها فعلا. أي: فعله كبيرهم فيما يلزمكم (٤). والفراء اختار مذهب المفسرين، وقال: قد أيد الله أنبياءه بأكثر من هذا (٥). والذين أحالوا أن يكون هذا كذبًا تأولوه على ما ذكرنا من الوجوه، وقالوا في قوله لساره هي أختي كانت أخته في الدين، وفي قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ أي: مغتم بضلالتكم حتى كأني سقيم، وأما ما روي عن النبي ﷺ :

стр. 8537

أن إبراهيم لم يكذب إلا ثلاث كذبات أراد إلا ثلاث كلمات هن في صورة الكذب في الظاهر، فأطلق عليها اسم الكذب لما أشبهت الكذب في الظاهر، ولم يرد به حقيقة الكذب (١).

стр. 8538

وأما ما احتجوا به من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ تأويله: إنكم لسارقون يوسف، وكانوا قد سرقوه من أبيه حين أخفوه عنه في البئر (١). وكل هذا تكلف واحتيال مع ورود الخبر بأن إبراهيم كذب ثلاث كذبات، ويؤيد هذا حديث الشفاعة المروى في الصحيح (٢): أن الناس إذا جاؤا إلى إبراهيم ليشفع لهم يعتذر بهذه الكذبات. ٦٤ - قوله تعالى: ﴿فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ أي تفكروا بقلوبهم ورجعوا إلى عقولهم فقال بعضهم لبعض ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ أي: هذا الرجل في مسألتكم إياه وهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها (٣). وقيل: أنتم الظالمون بعبادتكم الصغار مع هذا الكبير (٤). وقال عطاء عن ابن عباس: يريد: حيث يعُبد (٥) من لا يتكلم (٦).

стр. 8539

فعلى هذا معناه: أنتم الظالمون أنفسكم بعبادتكم من يقدر على الكلام، وكأن هذا إقرار منهم على أنفسهم بالكفر واقترابٌ من قبول (١) حجة إبراهيم. ٦٥ - قوله تعالى: ثم أدركتهم الشقاوة، فعادوا إلى كفرهم وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ قال الفراء: نُكسوا نكسًا، ونكس المريض نكسا (٢). وقال الليث: النكس: قلبك شيئًا على رأسه تنكسه، ونُكس في مرضه نُكسا (٣). وقال شمر: النكس في أشياء، ومعناه يرجع إلى قلب الشيء ورده (٤) وجعل أعلاه أسفله ومقدمه مؤخره (٥). قال المبرد: ومنه نُكس المريض إذا خرج عن مرضه ثم عاد إلى مثله.

стр. 8540

وقال ابن شُمَيل نكست فلانًا في ذلك الأمر، أي رددته فيه بعد ما خرج (١). وهذا هو المعنى بالآية. قال الكلبي: يقول: رجعوا على أمرهم الأول الشرك بالله بعد المعرفة والصدق من قول إبراهيم (٢). وهذا معنى قول السدي: نكسوا (٣) في الكفر (٤). ومعنى قول ابن عباس: نكسوا في الفتنة (٥). والمعنى: ردوا إلى الكفر بعد أن أقروا على أنفسهم بالظلم كما ينكس الذي يرد إلى أمره الأول بعدما خرج منه. وهذا معنى ما جاء في التفسير: أدركت القوم حيرة (٦). أي: أنهم حاروا في الأمر فلم يهتدوا، وعادوا إلى التمادي في كفرهم. وقال الفراء: رجعوا عن قولهم عندما عرفوا من حُجة إبراهيم (٧). يعني: أنهم عرفوا حجة إبراهيم فأقروا على أنفسهم بالظلم، ثم رجعوا عن ذلك، وعادوا لكفرهم (٨) (٩). هذا الذي ذكرنا معنى أحد القولين

стр. 8541

في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ وهو موافق لقول ابن عباس في تفسير ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾. القول الثاني في ﴿ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾: أنهم طأطؤا رؤوسهم خجلة من إبراهيم حيث ظهرت (١) حجته. وحكى (٢) الكلبي أيضًا هذا القول (٣). واختاره بعض أهل المعاني فقال: نكسوا رؤوسهم خَجْلة. ويقال لمن أطرق: نكس بصره ونكس رأسه. ومنه قول الفرزدق: وإذا الرجال رأوا يَزيدَ رأيتهم ... خُضْعَ الرقاب نَوَاكِس الأْبصَار (٤)

стр. 8542

يعني: مطرقين مطأطئي الرؤوس. وكذلك من خجل واستحيا أو خزي وافتضح. والقول هو الأول. ولو فعلوا هم ذلك خجلًا لقيل: ثم نكسوا رؤوسهم، فلما قيل: نكسوا على رؤوسهم، على الفعل الذي لم يسم فاعله، ظهر أن المعنى: رُدوا على ما كانوا عليه من أول الأمر. وفيه إثبات للقضاء والقدر، وهو أن الله فعل ذلك بهم للشقاوة التي أدركتهم. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ فيه إضمار القول، أي: فقالوا لإبراهيم ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ﴾ (١). قال ابن عباس: لقد علمت أن هذه الأصنام لا تتكلم (٢). قال الزجاج: اعترفوا بعجز ما يعبدونه عن النطق (٣). وقال الفراء: العلم بمنزلة اليمين، ولذلك لقي بما يلقى به اليمين، كقوله (٤): والله ما أنت بأخينا. قال: ولو أدخلوا (٥) (أن) قبل (ما) فقيل: لقد علمت أن ما فيك خير، [كان صوابًا] (٦) (٧).

стр. 8543

وذكرنا أن العلم يقع بمنزلة اليمين في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. ٦٦ - فلما اتجهت الحجة عليهم بإقرارهم وبَّخهم إبراهيم فقال: ﴿أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا﴾. قال السدي: يقول لا يرزقكم ولا يعطيكم شيئاً ﴿وَلَا يَضُرُّكُمْ﴾ قال: يقول إذا لم تعبدوها لم يضركم. وهذا معنى قول الكلبي: لا ينفعكم إن عبدتموه ولا يضركم إن تركتموه (١). وفي هذا حث على عبادة من يملك النفع بالثواب إذا عبد، والضر بالعقاب إذا لم يعبد، وهو الله تعالى. ٦٧ - ثم حقَّرهم وحقَّر معبودهم (٢)، فقال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ﴾ أي (٣) نتنًا لكم (٤) ﴿وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ﴾. وذكرنا الكلام في (أف) في سورة سبحان (٥). وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد العقل بعينه (٦).

стр. 8544

يعني: أليس لكم عقل فتعلموا أن هذه الأصنام لا تستحق العبادة؟ فلما لزمتهم الحجة، وعجزوا (١) عن الجواب، غضبوا. ٦٨ - فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ﴾ قال الكلبي: قال ملكهم نمروذ: حرقوه بالنار (٢) ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾. وقال مجاهد: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر، فقال (٣): هل تدري يا مجاهد (٤) من أشار بتحريق إبراهيم بالنار؟ قال: قلت: لا. قال: رجل من [أعراب فارس] (٥) قال: قلت: يا أبا عبد الرحمن وهل للفرس من أعراب؟ قال نعم، الكرد، هم أعراب (٦) فارس، فرجل منهم هو الذي أشار بتحريق إبراهيم بالنار (٧) (٨).

стр. 8545

وقوله تعالى: ﴿وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ أي: بتحريق إبراهيم؛ لأنه يعيبها ويطعن عليها، فإذا حرقتموه كان ذلك (١) نصرًا منكم إياها. ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ﴾ قال ابن إسحاق (٢): إن كنتم ناصريها، أي: لا تنصروها منه إلا بالتحريق بالنار (٣). قال ابن عباس: ففعلوا ذلك، وألقوه في الجحيم، ثم نجاه الله منها، ووقاه حرها، وهو: ٦٩ - قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا﴾ قال السدي: وكان جبريل هو الذي ناداها (٤) (٥). فقال: ﴿يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا﴾ أي: ذات برد وسلامة. قال ابن عباس: لو لم يتبع بردها (سلامًا) لمات إبراهيم من بردها (٦).
следующие страницы →