стр. 8576
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8576–8615 · переход к 8581.
стр. 8577
قال الحسن: ذو الكفل نبي اسمه ذو الكفل (١).
وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد على طاعة الله، وعن معاصي الله (٢).
٨٦ - قوله تعالى: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا﴾ قال: يريد ما أنعم به (٣) عليهم من النبوة، وما صيرهم إليه في الجنة من الثواب (٤).
وقال أهل المعاني: أدخلناهم في رحمتنا يقتضي أنه قد غمرتهم الرحمة، وليس كذلك رحمناهم (٥).
٨٧ - قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ أي: واذكر ذا النون. وهو يونس بن متى (٦) سماه الله تعالى ذا النون لما حبسه في بطن النون، وهو الحوت كما قال في موضع آخر: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].
стр. 8578
وقوله تعالى: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال الضحاك: مغاضبًا لقومه (١).
وهو قول ابن عباس في رواية العوفي، قال: إن شعيا (٢) النبي والملك الذي كان في وقته وذلك القوم أرادوا أن يبعثوه إلى ملك كان قد غزا بني إسرائيل وسبى الكثير منهم ليكلمه حتى يرسل معه بني إسرائيل، فقال (٣) يونس لشعيا: هل أمرك الله بإخراجي؟ قال: لا. قال: فهل سماني لك؟ قال: لا، قال: فهاهنا غيري أنبياء. فألحوا عليه، فخرج مغاضبا للنبي ﷺ وللملك ولقومه، فأتى بحر الروم فكان من قصته ما كان (٤).
وعلى هذا عوقب بتركه ما أمره به شعيا وقومه لأن الله تعالى قال فيه: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم: الذي أتى ما يلام عليه.
وقال آخرون: إنه ذهب مغاضبا لربه. وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٥)، وابن مسعود، وسعيد بن جبير.
стр. 8579
قال ابن عباس: لما وعد قومه العذاب، وخرج من بينهم، ورُفع عنهم العذاب بعد ما أظلهم على ما ذكر في القصة، فلما بلغ ذلك يونس أبق من ربه إلى الفلك المشحون.
وروى مسروق عن عبد الله في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ قال: عبد أبق من ربه (١).
وقال سعيد بن جبير: ذهب مغاضبًا لربه (٢). ونحو هذا قال الحسن (٣).
وإلى هذه الطريقة مال ابن قتيبة، فإنه يقول في هذه الآية: يستوحش كثير (٤) من الناس من أن يُلحقوا بالأنبياء ذنوبًا، ويحملهم التنزيه لهم على مخالفة كتاب الله، واستكراه التأويل، وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة، [روي في الحديث: أنه] (٥) ليس من نبي إلا (٦) وقد أخطأ وهمّ بخطيئة غير يحيى بن زكريا (٧).
стр. 8580
ولذلك قال (١) يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣] يريد: ما أضمره وحدث به نفسه [عند حدوث الشهوة. فإن كان ذو النون] (٢) قد غاضب قومه فبأي ذنب (٣) عوقب بالتقدم الحوت والحبس (٤) في الظلمات؟ وما الأمر الذي ألام فيه؟ فنعاه (٥) الله عليه إذ يقول ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ والمليم الذي أجرم جرمًا استوجب به اللوم.
стр. 8581
ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل حين يقول لنبيه: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]؟ وإن كان مغاضبًا لقومه (١) فإن كان غضبه قبل أن يؤمنوا فإنما غضب على من يستحق في المدة أن يغضب (٢). وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا فكيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا؟ وبه بعث، وإليه دعى. ولكن (٣) نبي الله ﵇ لمّا أخبرهم (٤) عن الله أنه مُنزل العذاب عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضى الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم، خشي أن ينسب إلى الكذب، ويعيّر به، وُيحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته (٥) الأنفة والحمية، وكان مغيظًا بطول ما عاناه من تكذيبهم وهُزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيًا لأن ينزل بأس الله بهم. هذا إلى ضيق صدره وقلة صبره على ما صبر على مثله أولو العزم من الرسل.
وقد روي في الحديث (٦): أنه كان ضيق الصدر، فلما حُمِّل أعباء
стр. 8582
النبوة تفسخ تحتها تفسخ الربع (١) تحت الحمل الثقيل. فمضى على وجهه مُضي الآبق (٢) الناد (٣) لقول (٤) الله تعالى: ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الصافات: ١٣٩، ١٤٠] انتهى كلامه (٥).
وأكثر أهل المعاني اختاروا قول ابن عباس في رواية العوفي.
قال الأخفش: إنه قد أذنب بتركه قومه، وإنما غاضب بعض الملوك، ولم يغاضب ربه، كان (٦) أعلم بالله من ذلك (٧).
وأما وجه قول (٨) ابن عباس في رواية عطاء، فإنه من الصغائر التي يُجوّزها كثير من الناس على ما ذكره ابن قتيبة، وليس قول من قال مغاضبًا لربه على ظاهره ومعناه: مغاضبًا لأمر ربه وهو رفعه العذاب عنهم وكان
стр. 8583
يشتهي وقوعه بهم.
وأما قول ابن عباس وابن مسعود: عبد (١) آبق من ربه، أي: من أمر ربه حين أُمر أن يعود إليهم بعد رفع العذاب عنهم فلم يعد، وركب البحر.
ويدُل على صحة ما ذكرنا ما روي عن ابن عباس في قصته: أنه لمّا خرج من بطن الحوت أنبت الله له شجرة من يقطين (٢)، فكان (٣) يستظل بورقها حتى قوي بعض القوة، فمضى يومًا إلى شط البحر، ثم رجع إلى تلك الشجرة، فوجدها قد جفت، فبكى حزنًا عليها، فأوحى الله إليه: أتحزن على شجرة أنبتها لك، وقد أردت أن أهلك أكثر من مائة ألف من عبادي، إذهب إلى قومك (٤).
وهذا يدل على أنه اشتهى نزول عذاب الله بقومه، وكره دفعه عنهم، وأن ركوبه البحر كان معصية لله (٥) بترك أمره، إذ أمره أن يعود إليهم. فأما أن يقال إنه غاضب ربه، فهم عظيم، ولا يجوز القول بذلك في الأنبياء.
وروي وجه آخر من التأويل في قوله: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ وهو أن
стр. 8584
معنى المغاضبة هاهنا: الأنفة؛ لأن الآنف من الشيء يغضب، فتُسمى الأنفة غضبًا، والغضب أنفة؛ إذ (١) كان كل واحد سببًا (٢) من الآخر، فمعنى ﴿ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾ ذهب (٣) أنفًا من ظهور خلف وعده وقال: والله لا أرجع إليهم كذابًا أبدًا، وعدتهم العذاب في يوم ما فلم يأت.
وهذا الوجه اختيار ابن قتيبة (٤).
وفي رواية أبي صالح: أن ملكًا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير (٥) إلى ننوى (٦) ليدعو أهلها، بأمر شعيا النبي فأنف أن يكون ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله، فخرج مغاضبًا للملك، فعاقبه الله (٧) بالتقام الحوت، فلما قذفه الحوت بعثه الله (٨) إلى قومه، فدعاهم، وأقام بينهم حتى آمنوا (٩).
стр. 8585
وعلى هذا مغاضبته كانت قبل رسالته. ولكن الصحيح الذي تواترت به الرواية أن (١) هذه المغاضبة (٢) كانت بعد إرسال الله إياه إلى قومه ورفع العذاب عنهم بعد ما أظلهم. ووجه المغاضبة ما ذكرنا، وهو أنه كره رفع العذاب عنهم وأنف من أن يُجربوا عليه كذبًا؛ فأبق إلى الفلك المشحون.
وقوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ فيه قولان:
أحدهما: ظن أن لن نقضي عليه العقوبة.
وهذا قول مجاهد، وقتادة، والضحاك، والكلبي، ورواية عطية عن ابن عباس (٣).
قال ابن عباس: أراد الظن بعينه.
يعني (٤): ليس الظن-هاهنا- بمعنى العلم، بل هو بمعنى الحسبان.
واختار الفراء والزجاج هذا القول.
стр. 8586
قال الفراء: ظن أن لن نقدر عليه من العقوبة ما قدرنا (١).
وقال الزجاج: ونَقْدر بمعنى: نُقَدِّر (٢).
ويقال: قدَّر الله الشيء وقَدَرَهُ، أي: قضاه. والقَدْر يكون بمعنى التقدير، ويدل عليه قوله:
ومُفْرهَةٍ عَنْسٍ قَدَرْتُ لساقها ... فَخَرَّت كما تتَّايَع (٣) الرّيحُ بالقَفْلِ (٤)
ويدل على صحة هذا قراءة عمر بن عبد العزيز والزهري (فظن أن لن نُقَدِّر عليه) [بالتشديد (٥)، وقرأ عبيد بن عمير وقتادة (فظن أن لن يُقَدَّر
стр. 8587
عليه)] (١) بضم الياء والتشديد (٢)، وقرئ قوله (٣) ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ﴾ [الواقعة: ٦٠] وقوله: ﴿وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾ [الأعلى: ٣] بالوجهين من التخفيف والتشديد (٤).
القول الثاني: فظن أن لن يضيق عليه الحبس.
وهذا معنى قول ابن عباس [في رواية عطاء ومنصور.
قال] (٥) في رواية عطاء: أن لن نعاقبه (٦).
وقال في رواية منصور: يعني (٧) البلاء الذي أصابه (٨). وهذا الوجه اختيار أبي الهيثم وابن قتيبة.
قال أبو الهيثم: المعنى: فظن أن لن يضيّق عليه، من قوله ﴿وَمَن
стр. 8588
﴿قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ [الطلاق: ٧] أي: من ضيق عليه (١) [وكذلك قوله: ﴿وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ﴾ [الفجر: ١٦] بمعنى: ضيّق عليه] (٢). وقدر (٣) ضيّق الله على يونس أشد تضييق ضيقه على معذب في الدنيا؛ لأنه سجنه في بطن الحوت (٤).
وقال ابن قتيبة: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: لن نضيّق عليه، وأنا نخليه ونمهله، والعرب تقول: فلان مقدّر (٥) عليه في الرزق ومقتر عليه، بمعنى واحد، أي: مضيق عليه.
عاقب الله يونس عن حميته وأنفته (٦) وإباقته (٧) (٨) وكراهته العفو عن قومه وقبول إنابتهم بالحبس له والتضييق عليه في بطن الحوت (٩).
وروى عوف، عن الحسن، أنه (١٠) قال: معناه: فظن أنه يعجز ربه
стр. 8589
فلا نقدر عليه (١).
وهذا التأويل بعيد، ولا يجوز مثله على الأنبياء (٢).
قال أبو الهيثم: من اعتقد أن يونس ظن أن لن يقدر الله عليه فهو كافر؛ لأن يونس رسول، لا يجوز ذلك الظن عليه (٣).
وقال الأزهري: قوله (أن لن نقدر عليه) لا يجوز أن يكون من القدرة؛ لأن من ظن هذا فقد كفر، والظن شك، والشك في قدرة الله كفر، وقد عصم الله أنبياءه عن مثل ما ذهب إليه هذا المتأول، ولا يتأول مثله إلا جاهل بكلام العرب ولغاتها (٤).
وقد ذهب الأخفش إلى مثل ما روي عن الحسن، فقال: فظن أن يفوتنا (٥).
فقال أبو حاتم: لم يدر الأخفش ما معنى (نقدر) وذهب إلى القدرة
стр. 8590
ولو علم أن معنى (نقدر) نضيق لم يخبط هذا الخبط، ولم يكن عالمًا بكلام العرب، وكان عالمًا بقياس النحو (١).
وروي عن ابن زيد أنه قال: هذا إستيفاه (٢) (٣). أي استفهام على معنى: أفظن. وهذا الوجه بعيدٌ أيضا؛ لأنه لا (٤) يحذف حرف الاستفهام إلا في ضرورة الشعر سيما إذا لم يتبعه ما يدل عليه (٥).
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ يعني: ظلمة الليل، وظلمة البحر، وظلمة بطن الحوت.
قاله ابن عباس (٦) وجميع المفسرين (٧).
وروي عن سالم بن أبي الجعد أنه قال: ظلمة جوف الحوت، ثم
стр. 8591
ظلمة جوف الحوت الآخر (١) الذي ابتلعه، ثم ظلمة البحر (٢).
قال الفراء: يقال: ظلمة البحر، وبطن الحوت ومعاؤها الذي كان فيه يونس فتلك الظلمات (٣) (٤).
وقوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ قال محمد بن قيس (٥): ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حين عصيتك، وما صنعت
стр. 8592
стр. 8593
النون (١) في بطن الحوت ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط إلا استجيب له" (٢).
وقال الحسن وقتاده: هذا القول من يونس اعتراف بذنبه، وتوبة من خطيئة، تاب إلى ربه في بطن الحوت وراجع نفسه، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ (٣).
٨٨ - قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبنا دعاءه ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ قال ابن عباس: يريد من تلك الظلمات (٤).
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ قال: وكذلك أفعل بأوليائي.
وروي مرفوعًا (٥): أن قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ شرط الله لمن دعاه بها أن يجيبه كما أجاب يونس، وينجيه كما أنجاه.
стр. 8594
﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ أي (١): كما أنجينا ذا النون.
وروي عن عاصم أنه قرأ: (نجي) مشددة (٢) الجيم (٣). وخط المصحف بنون واحدة. قال الفراء (٤)، والزجاج (٥)، وابن مجاهد (٦): لأن النون الثانية (٧) تخفى مع الجيم وهي ساكنة، فلا تظهر على اللسان، فلما خفيت حذفت من الخط، وهي في اللفظ ثابتة.
وقال أبو علي: إنما حذفت النون من الخط كراهية لاجتماع صورتين متفقتين، وقد كرهوا ذلك في الخط في غير هذا الموضع، وذلك أنهم كتبوا نحو: الدنيا والعليا بالألف، ولولا الياء التي قبل الألف لكتبوها بالياء كما كتبوا نحو: نهمى وحبلى، وأخرى ونحو ذلك بالياء، فلما كرهوا الجمع بين صورتين متفقتين في هذا النحو كذلك كرهوه في (ننجي) فحذف (٨) النون الساكنة (٩).
стр. 8595
وأما قراءة عاصم فقد حكم عليها الزجاج (١) والفراء (٢) وجميع النحويين بالغلط عليها وأنها لحن (٣).
ثم ذكر الفراء لها وجهًا فقال: أضمر المصدر في (بني) فنوى به الرفع، ونصب المؤمنين، فيكون كقولك ضرب الضرب زيدًا؛ ثم تكني عن أنْضرب فتقول: ضُرب زيدًا، وكذلك (٤) نُجي النجاء زيدًا (٥).
وممن صوّب هذه القراءة واختارها أبو عبيد، فقال (٦): وإنما (٧) قرأها عاصم كذلك اتباعًا للخط، وله مخرجان في العربية:
أحدهما: أن يريد (نُنَجّي) (٨) مشددة لقوله: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ ثم تدغم النون الثانية في الجيم (٩).
стр. 8596
стр. 8597
وأما تسكين الياء من (نُجّيْ) على قراءة عاصم فقال ابن الأنباري: سكنت الياء من (نجي) وهو فعل ماض؛ لأن جماعة من العرب يستثقلون تحريك الياء فيقولون: بقي فلان، ورضي فلان. وإلى هذا ذهب الحسن فقرأ (١): (وذروا ما بقيْ من الربا)، قال الشاعر:
ليت شِعْري إذا القيامةُ قامَتْ ... وَدُعِي بالحسابِ أين المصيرا (٢) (٣)
стр. 8598
стр. 8599
стр. 8600
وهذا وجه قول من أجاز هذه القراءة.
والذين لم يجيزوها أبطلوا هذا، قال الزجاج: لا يجوز ضرب زيدا. تريد: ضرب الضرب؛ لأنك إذا قلت: ضرب زيد، فقد علم أن (١) الذي ضُرِبَهُ ضَرْبٌ، فلا فائدة من إضماره وإقامته مقام (٢) الفاعل (٣).
وقال أبو علي: قول من قال إنه يسند الفعل إلى المصدر ويضمره لأن الفعل دل عليه فذلك مما يجوز في ضرورة الشعر والبيت الذي أنشد (٤):
ولو ولدت قفيره ...
لا يكون حجة في هذه القراءة (٥).
وأما ما ذكره أبو عبيد (٦) أنه (ننجي) من التنجيه فادغم النون في الجيم [هذا لا وجه له؛ لأنه لا يجوز إدغام النون في الجيم] (٧) سيما والنون متحركة والجيم مشددة بالتضعيف (٨).
стр. 8601
وحمل أبو علي وجه هذه القراءة على أن الراوي عن (١) عاصم غلط في (٢) روايته وأن الغلط جاءه (٣) من جهة الراوي لا من جهة عاصم، فقال إن عاصمًا ينبغي أن يكون قرأ (ننجي المؤمنين) بنونين وأخفى (٤) الثانية؛ لأن هذه النون (٥) تخفى مع حروف الفم وتبيينها لحن، فلما أخفى عاصم ظن السامع أنه إدغام، فالتبس على السامع الإخفاء بالإدغام من حيث كان كل (٦) واحد غير مبين (٧) ويدل على هذا إسكانه الياء من (نجي) والفعل إذا
стр. 8602
كان مبنيًّا للمفعول به وكان ماضيًا لم يسكن آخره فإسكان الياء يدل على أنه قد قرأ (ننجي) كما روى حفص عنه (١)، ومما يمنع أن يظن ذلك به نصب قوله (المؤمنين) ولو كان على ما لم يسم فاعله لوجب أن يرتفع لأن الفعل إذا بني للمفعول ينبغي أن يسند إليه كما يسند المبني للفاعل إليه (٢).
٨٩ - قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ قال ابن عباس: يريد وحيدا بلا ولد (٣).
وهذا كقوله: ﴿مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٥ - ٦]، الآية.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ قال ابن عباس: أفضل الوارثين.
وقال المفسرون: رد الأمر إلى الله (٤).
ومعنى هذا: إنه أثنى على الله بأنه الباقي بعد فناء خلقه، وأنه أفضل من بقي حيًّا بعد ميت، وأن الخلق كلهم يموتون ويبقى هو، هذا معنى قولهم رد الأمر إلى الله (٥).
стр. 8603
٩٥ - وقوله تعالى: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ قال قتادة: كانت عاقرًا فجعلها الله وَلودًا (١).
وقال الكلبي: كانت عقيمًا لم تلد شيئًا قط، فأُصلحت بالولد فولدت وهي بنت تسع وتسعين سنة (٢).
وهذا قول أكثر المفسرين أن إصلاح زوجه (٣) إزالة عقرها (٤).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: كان في لسان امرأة زكريا طول فأصلحه الله، فلم تكن تخالفه ولا تعصيه، وانقطع لسانها عنه (٥).
والأول أشبه (٦).
стр. 8604
وقوله: ﴿إِنَّهُمْ﴾ الظاهر أن الكناية تعود إلى زكريا ويحيى وامرأة زكريا (١). ويدل على هذا ما روي أن أبا بكر ﵁ خطب فقال في خطبته: (وإن الله أثنى على زكريا وأهل بيته فقال: (إنهم كانوا يسارعون) الآية (٢).
وقال بعض المفسرين: ﴿إِنَّهُمْ﴾ (٣) يعني الأنبياء الذين سماهم في هذه السورة (٤).
ومعنى ﴿يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ قال ابن عباس: يبادرون في طاعة الله (٥) وأداء فرائضه، ويتنافسون (٦) في المعروف على عباد الله (٧).
وقوله تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ الرَّغَبُ والرَّغْبُ والرَّغْبَةُ كلها
стр. 8605
مصادر (١)، وكذلك في الرَّهَب (٢).
والرغباء والرهباء اسمان منهما، يقال: الرهباء من الله والرغباء إليه (٣).
وانتصابها على المصدر على معنى: يرغبون رغبًا، ويرهبون رهبًا، أو على المفعول له أي: للرغب (٤) والرهب (٥).
قال ابن عباس: يريد راغبين في الجنة وخائفين من النار (٦).
﴿وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ قال مجاهد: متواضعين (٧).
وقال قتادة: ذُلُلَ لأمر الله (٨).
٩١ - قوله تعالى ﴿وَالَّتِي﴾: يعني مريم بنت عمران. ﴿وَالَّتِي﴾ في
стр. 8606
محل النصب بالعطف على ما قبلها (١).
﴿أَحْصَنَتْ﴾ أحرزت ومنعت عن الفساد. ﴿فَرْجَهَا﴾ ذكر الفراء والزجاج أنه يعني: جيبها (٢).
قال الفراء: ذكر المفسرون أنه جيب درعها (٣).
وهذا محتمل؛ لأن الفرج معناه في اللغة: كل فرجة بين شيئين، ولذلك (٤) يقال [لما بين قوائم الدابة: الفروج. ومنه قوله:
تَسُدُّ به فرجها من دبر (٥).
أراد ما بين] (٦) فخذيها ورجليها (٧).
стр. 8607
وموضع جيب درع المرأة مشقوق فهو فرج. وهذا أبلغ في الثناء عليها من أن يجعل فرجها بمعنى الفرج المعروف للنساء؛ لأنها إذا منعت حبيب يرعها فهي لنفسها أمنع وأشد إحصانًا.
وقد قيل: ﴿أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ حفظت فرج نفسها (١).
وقوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ قال المفسرون: أمرنا جبريل حتى نفخ في درعها (٢).
وعلى هذا المراد: فنفخنا في درعها. فحذف المضاف (٣) ويجوز أن
стр. 8608
يكون المراد في نفسها. والمعنى: وأجرينا (١) فيها روح المسيح كما تجري الربح بالنفخ، وذلك أن الله تعالى أجرى فيها روح عيسى بنفخ جبريل، وأحدث بذلك النفخ المسيح في رحمها (٢).
وقوله تعالى: ﴿مِنْ رُوحِنَا﴾ يريد من روح عيسى. وأضاف الروح إليه إضافة الملك على معنى التشريف والتخصيص (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال الفراء، والزجاج، والكسائي: وحد الآية بعد ذكرهما جميعًا لمّا كان شأنهما
стр. 8609
واحدًا، وكانت الآية فيهما آية واحدة، وهي ولادة من غير فحل (١).
وهذا معنى قول ابن عباس في هذه الآية وذلك أنه لم يكن امرأة وَلَدْت بلا رجل، ولا رجل وُلِدَ بلا ذكر غير عيسى وأمه. هذا كلامه (٢).
والمعني: أن الآية فيهما واحدة وهي كون عيسى من غير أب وولادة أمه من غير ذكر. ومعنى كونهما آية للعالمين ما ظهر فيهما من التي دلت على قدرة الله.
٩٢ - قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد دينكم (٣). وهو قول الحسن (٤)، ومجاهد (٥)، وجميع المفسرين (٦).
وقال الكلبي: ملتكم (٧). ومضى الكلام في معاني الأمة.
وقال ابن قتيبة: الأمة: الدين. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] أي: على دين. وقال النابغة:
стр. 8610
وهَلْ يَأثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهُوَ طَائِعُ؟ (١)
أي: ذو دين. والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمه، فتقام الأمة مقام الدين (٢).
قوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ قال ابن عباس: يريد دينًا واحدًا (٣).
قال الفراء وأبو عبيد: نصب ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ على القطع، لمجيء النكرة بعد تمام الكلام (٤).
والمعنى: أن هذه الشريعة التي بيّنتها لكم في كتابكم دينًا واحدًا.
قال الحسن: بيّن لهم ما يتقون وما يأتون (٥).
ثم قال: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إبطالًا لما سواها من الأديان (٦).
стр. 8611
وعند الزجاج (أمة) نصب على الحال والمعنى: أن هذه أمتكم في حال اجتماعها على الحق، فإذا افترقت فليس من خالف الحق داخلًا فيها (١). هذا كلامه (٢).
والمعني: هذه أمتكم ما دامت واحدة واجتمعتم عليها، فإذا خالفتم (٣) فليس من خالف [الحق من] (٤) حملة أهل الدين الحق (٥)، ومثله في الكلام أن تقول: فلا صديقي عفيفا، أي: ما دام عفيفا، وما بقي على العفة، فإذا خالف العفة لم يكن صديقك.
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ قال ابن عباس: فاطيعون (٦). أي: لا دين سوى ديني، ولا رب غيري.
وفي هذا حث على الاجتماع، وتجنب الاختلاف (٧).
стр. 8612
ولما حث المؤمنين على الاجتماع ذم غيرهم من المشركين واليهود والنصارى بالاختلاف فقال:
٩٣ - قوله تعالى: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين اتخذوا من دونه آلهة (١). هذا كلامه في رواية عطاء.
والصحيح أن هذا إخبار عن جميع مخالفي شريعة محمد ﷺ يقول: اختلفوا في الدين فصاروا فيه فرقًا وأحزابًا. ويجوز أن يكون هذا الاختلاف راجعا إلى اختلاف أهل كل ملة كاختلاف اليهود فيما بينهم واختلاف النصارى وهذا هو الظاهر. ويجوز أن يرجع إلى مخالفتهم دين الحق.
وعلى هذا معنى ﴿أَمْرَهُمْ﴾ أي: الأمر الذي شرع لهم ودعوا إليه. والمعنى الأول من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٩] والمعنى الثاني من قراءة من قرأ: (فارقوا دينهم) (٢).
قال الكلبي: يقول فرقوا دينهم فيما بينهم يلعن بعضهم بعضًا، ويتبرأ بعضهم من بعض، كل فرقة يرون أنهم على الحق (٣).
стр. 8613
والتقطع في هذه الآية واقع بمنزلة التقطيع.
قال أبو عبيدة والزجاج: أي اختلفوا وتفرقوا؛ لأن تقطعهم أمرهم بينهم تفرقة (١).
قال الأزهري (٢): ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم [ونَصَبَ أمرهم] (٣) بحذف (في) قال: وهذا القول أصوب (٤).
وعلى هذا التقطع (٥) لازم (٦).
ثم أخبر- أن مرجع جميع أهل الأديان إليه، وأنه مُجازٍ جميعهم فقال: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد الذين عبدوا غيري، والذين وحدوني وأطاعوني.
وقال أهل المعاني: كل إلينا راجعون أي: إلى حكمنا في الوقت الذي لا يقدر على الحكم سوانا. كما يقال رجع أمرهم إلى القاضي أي:
стр. 8614
إلى حكمه (١).
٩٤ - قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ﴾ قال صاحب النظم: (من) هاهنا للتبعيض. أي: ومن يعمل شيئًا من الصالحات. أي من أداء الفرائض، وغيرها من صلة الرحم، ونصر المظلوم، ومعونة الضعيف، ونحو ذلك من أعمال البر.
﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ قال ابن عباس: وهو مصدق بمحمد ﷺ وبما جاء به (٢).
﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾ أي لا جحود لعمله (٣). يعني: أنه يقبل ويشكر بالثواب عليه ولا يبطل (٤).
والكُفْران والكُفُور والكُفْر مصادر مثل الشُّكْران والشُّكُور والشُّكْرُ (٥).
قال ابن مسلم: أي: لا يُجْحد ما عمل (٦).
стр. 8615
وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾ قال صاحب النظم: الهاء كناية للسعي على معنى: وإنا كاتبون لسعيه.
وهذا وهم. الهاء كناية لـ (من) في قوله (فمن يعمل) والمعني (١): وإنا كاتبون لمن يعمل عمله. ولو كان على ما قال لقيل: وإنا وإياه كاتبون؛ لأنه يقال: كتب عمله، ولا يقال: كتب لعمله، ولكن يقال: كتب له عمله (٢). والمعنى: نأمر الحفظة بأن يكتبوا لذلك العامل ما عمل من الخير لنجازيه به.
٩٥ - قوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ هذه آية كثرت فيها الأقوال وتقسمت فيها الخواطر والآراء ولم يقع لها شرح شاف، ولا بيان لتفسيرها كاف. والذي يدل عليه (٣) ظاهر اللفظ- وبه قال كثير من المفسرين: أن الحرام هاهنا بمعنى الواجب.
قال قتادة (٤)، عن ابن عباس [: معناه: واجب عليها ألا ترجع إلى دنياها إذا هلكت (٥).