стр. 8646
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8646–8685 · переход к 8651.
стр. 8647
ثم قيل للمكاتبة: مساجلة؛ لأنَّ المبتدئ يكتب مرة والمجيب أخرى، ولما قيل للكاتبة مساجلة قيل للكتاب: سِجل، وسَجَّل أي: كتب السجل.
هذه أربعة أقوال في السجل. وعلى الأقوال الثلاثة المتقدمة (١) قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ﴾ المصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد بالكتاب وبالكتب علي اختلاف القراءتين (٢): الصحائف كما تقول: كطي زيد الكتب، ومن أفرد فإنه واحد يراد به الكثرة. وتكود اللام (٣) في (للكتاب) زائدة كالتي في: ﴿رَدِفَ لَكُم﴾ [النمل: ٧٢]. هذا كلام أبي علي (٤).
وعلى القول الرابع (٥) المصدر مضاف إلى المفعول، والفاعل (٦) محذوف عن (٧) اللفظ كقوله: ﴿بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ [ص: ٢٤] والتقدير: كطي الطاوي السجل، فحذف الطاوي وأضيف المصدر إلى المفعول، كما أن المعنى في سؤال نعجتك: بسؤاله نعجتك. وقوله تعالى: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ أي: لدرج (٨) الكتب، فحذف المضاف، والمراد بالكتب والكتاب: المكتوب. هذا كله قول أبي علي (٩).
стр. 8648
وقال المبرد: يجوز أن يكون الكتاب بدلاً من السجل، كأنه قيل: كطي الكتاب (١)، واللام مؤكدة. هذا كلامه (٢).
ويجوز تقدير آخر وهو أن (٣) السجل يكون بمنزلة الفاعل لما كان بانطوائه ينطوي المكتوب فيه، جعل كأنه يطوي الكتاب.
وتم الكلام (٤)، ثم قال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ (٥) وفيه ثلاثة أقوال:
أحدها: كما بدأناهم في بطون أمهاتهم (٦) حفاة عراة غُرلاً (٧)، كذلك نعيدهم يوم القيامة.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا (٨) بموعظة (٩)، فقال: "إنَّكم مَحشورون حفاة عراة كما
стр. 8649
بدأكم (١) أول خلق نعيده" (٢)
ونحو هذا روت عائشة عن رسول الله ﷺ (٣).
القول الثاني: ما ذكره الفراء والزجاج، قال الفراء: ثم استأنف فقال: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ أي: نعيد الخلق كما بدأناهم (٤).
وقال الزجاج: نبعث الخلق كما ابتدأناه، أي: قدرتنا على الابتداء (٥).
وقال أبو علي: المعنى نعيد الخلق إعادة كابتدائه، أي كابتداء الخلق والخلق هاهنا اسم الحدث لا الذي يراد به المخلوق (٦).
القول الثالث: ما روي عن ابن عباس أنه قال: نهلك كل شيء كما كان أول مرة (٧). وهذا معنى قوله في رواية عطاء.
وعلى هذا المعنى: كما بدأنا أول خلق نعيده إلى الفناء والهلاك. وعلى هذا ليس الكلام بمستأنف بل هو متصل بالأول يقول: نطوي السماء ثم نعيده (٨) إلى الفناء. قال ابن عباس: كما بدأ خلقها ثم يذهب فلا يكون شيء.
стр. 8650
وقوله تعالى: ﴿وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ قال الزجاج: منصوب على المصدر؛ لأن قوله: ﴿نُعِيدُهُ﴾ بمعنى وعدنا هذا وعدا (١).
وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ قال ابن عباس: يريد الفعل بعينه.
ومعنى هذا ما ذكره الزجاج: أي قادرين على فعل ما نشاء (٢).
وقال الآخرون (٣): يعني البدء والإعادة. والمعنى إنا كنا فاعلين (٤) ما وعدناكم من ذلك والموعود هو الإعادة.
١٠٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ﴾ الزبور: جميع (٥) الكتب المنزلة من السماء، والمراد بالذكر أم الكتاب الذي عند الله.
هذا قول سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد (٦)، واختيار أبي إسحاق، قال: الزبور جميع الكتب: التوراة والإنجيل والقرآن (٧)، زبور
стр. 8651
لأنّ الزبور والكتاب في معنى واحد، يقال: زبرت وكتبت، والمعنى: ولقد كتبنا في الكتب من بعد ذكرنا في السماء (١).
قال ابن عباس في رواية الكلبي، والضحاك، والسدي: الذكر: التوراة، والزبور: الكتب المنزلة بعد التوراة (٢).
وقال في رواية عطاء: يريد زبور داود من بعد التوراة. وهذا قول عامر الشعبي (٣).
والمختار قول سعيد لأنَّه الأجمع (٤)، وتأويل الكلام: لقد حكمنا فأثبتنا حكمنا في الكتب من بعد أم الكتاب.
﴿أَنَّ الْأَرْضَ﴾ يعني أرض الجنة. قاله ابن عباس -في رواية عطاء- ومجاهد والسدي، وأبو صالحِ، وأبو العالية، وسعيد بن جبير، وابن زيد (٥)، واحتجوا بقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ﴾ [الزمر: ٧٤] الآية، ﴿يَرِثُهَا
стр. 8652
عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ قالوا: المؤمنون العاملون بطاعة الله (١).
وروي عن ابن عباس أنه قال: يعني الدنيا تصير للمؤمنين من هذه الأمة، وهذا حكم من الله بإظهار الدين وقهر الكافرين (٢).
١٠٦ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا﴾ يعني القرآن في قول الجميع (٣). ﴿لَبَلَاغًا﴾ لكفاية. يقال: في هذا الشيء بلاغٌ وبُلْغةٌ وتَبَلُّغ (٤)، أي: كفاية (٥).
والبلوغ: الوصول، والبلاغ: سبب الوصول، وهو ما يوصل به إلى
стр. 8653
الشيء كبلاغ المسافر (١).
والمعنى: أن من اتبع القرآن وعمل به كان القرآن بلاغه إلى الجنة (٢).
قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ قال ابن عباس: مطيعين (٣).
وقال كعب: هم أمة محمد ﷺ الذين يصلون الصلوات الخمس ويصومون شهر رمضان سماهم الله عابدين (٤).
وذكر (٥) بعضهم: البلاغ في هذه الآية بمعني التبليغ، على معنى: إنّ في القرآن تبليغًا من الله إلى خلقه، فلا يبقى لأحد بعده عذر. وهذا بعيد؛ لتخصيص العابدين بالذكر، ولأنه قال "بلاغًا لقوم" فوجب أن يكون البلاغ لهم، ولو كان بمعنى التبليغ لم يوصل باللام.
١٠٧ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ قال ابن عباس: في رواية عطاء: يريد للبر والفاجر؛ لأن كل نبي غير محمد ﷺ إذا كُذِّب أهلك الله من كذَّبه، ومحمد أُخر من كذّبه إلى موت أو قيامة، والذي صدقه عُجلت له الرحمة في الدنيا والآخرة.
стр. 8654
стр. 8655
١٠٨ - قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قال الكلبي: يعني مخلصون العبادة (١).
ومعناه: فهل أنتم مسلمون (٢) لهذا (٣) الوحي (٤) الذي يوحى (٥) إليَّ من إخلاص الإلهية والتوحيد لله.
والمراد بهذا الاستفهام الأمر (٦)، كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ (٧). وقد مرَّ.
١٠٩ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ قال ابن عباس: يريد فإن لم يسلموا ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ﴾ قال: يريد للحرب ﴿عَلَى سَوَاءٍ﴾ يريد على بيان (٨).
والمعنى: أعلمتكم أنّي حرب لكم إعلامًا ظاهرًا، أستوي أنا وأنتم في العلم به، فاستوينا في العلم (٩).
وقال أبو إسحاق: أعلمتكم بما يوحى إلى لتستووا في الإيمان به (١٠).
стр. 8656
ومعنى هذا على سواء. وقد مرَّ.
وقال أبو علي الفارسي: سواء تحتمل ضربين: أحدهما: أن يكون صفة لمصدر محذوف، التقدير: آذنتكم إيذانا على سواء، كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ﴾ [البقرة: ١٨١] التقدير: كتابة كما كتب، فحذف المصدر. ومعنى إيذانا على سواء: إعلامًا نستوي في علمه لا أستبد أنا به (١) دونكم؛ لتتأهبوا لما يراد منكم. والثاني: أن يكون حالاً. فإذا جعلته حالاً أمكن فيه ثلاثة أضرب: أحدها: أن يكون حالاً من الفاعل (٢). والآخر: أن يكون حالاً من المفعول به (٣). والثالث: أن يكون منهما جميعًا، على قياس ما جاء في قول عنترة:
متى ما نلتقي فردين ترجف ... روادف إليتيك وتستطارا (٤) (٥)
стр. 8657
١١١ - وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَدْرِي﴾ ما أدري ﴿أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد أجل القيامة لا يدريه أحد لا نبي ولا ملك (١).
﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ﴾ قال الزجاج: ما أدرى لعل ما آذنتكم به ﴿فِتْنَةٌ لَكُمْ﴾ أي: اختبار (٢).
يعني: ما أخبرهم (٣) به من أنه لا يدري وقت عذابهم وهو القيامة، وكأنه قيل: لعل تأخير العذاب عنكم اختبار لكم ليرى كيف صنيعكم.
وهذا معنى قول سعيد ابن جبير والأكثرين: أن الفتنة هاهنا بمعنى الاختبار (٤).
وقال ابن عباس -في رواية عطاء-: لعله هلاككم (٥). يعني: أنهم يزدادون طغيانًا وتماديًا في الشر بتأخير العقوبة عنهم (٦).
وقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾ أي: تتمتعون إلى (٧) إنقضاء آجالكم.
١١٢ - قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ قال قتادة: كانت الأنبياء
стр. 8658
يقولون ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق. فأمر الله نبيه ﷺ أن يقول: ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ (١).
فعلى هذا معنى ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بعذاب كفار قومي الذي هو حق نازل بهم. ويدل على هذا ما روي أن النبي ﷺ كان إذا شهد قتالاً قال: رب احكم بالحق (٢).
قال الكلبي: فحكم عليهم بالقتل (٣) يوم [بدر، ويوم] (٤) أحد، ويوم الأحزاب، ويوم خيبر، ويوم الخندق.
فدل على أن المسئول بقوله: ﴿احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ عذاب قومه، والمعنى على هذا القول: افصل بيني وبين المشركين بما يظهر به الحق للجميع.
وقال أبو عبيدة: معناه: رب احكم بحكمك [الحق] (٥)، فأقيم الحق (٦) مقامه؛ لأن حكمه لا يكون إلا حقًّا (٧).
стр. 8659
وقال أهل المعاني: هذا الدعاء مما تُعبّد النبي ﷺ أن يقوله، ويدعو به، وإن كان الله لا يفعل غيره، لما في ذلك من التضرع (١)، والعبودية كقوله (٢): ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: ١٩٤] والله منجز وعده، وإن لم يسأل ذلك، وقوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾ [غافر: ٧، ٨] الآيتان (٣).
وقرأ حفص (٤) ﴿رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾ يعني قال الرسول ذلك (٥).
وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم النبي وخلافكم إياه، واتخاذكم الحجارة أربابًا.
وقال غيره (٦): على ما تكذبون في قوله ﴿هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣] وقولكم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا﴾ [الأنبياء: ٢٦]. والمعنى ﴿عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ من كذبكم وباطلكم.
والوصف بمعنى الكذب -على الوجه الذي ذكرنا- قد ذكر في مواضع من التنزيل كقوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]، وقوله: ﴿وَلَكُمُ
стр. 8660
стр. 8661
سورة الحج
стр. 8662
تفسير سورة الحج
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
١ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (١) ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ﴾ احذروا عقابه بطاعته (٢).
قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ الزلزلة: شدة الحركة على الحال الهائلة، وكأنَّ أصله من قولهم: زلَّت (٣) قدمه، إذا (٤) زالت عن الجهة بسرعة، ثم ضُوعف فقيل: زَلْزَل الله قدمه، كما قيل: دكَّه ودَكْدَكَه (٥) (٦).
واختلفوا في هذه الزلزلة:
فقال علقمة، والشعبي: هي من أشراط (٧) الساعة، وهي في (٨) الدنيا
стр. 8663
قبل (١) يوم القيامة (٢).
وهذا معنى قول ابن عباس في رواية عطاء لأنه قال: يريد النفخة الأولى (٣). يعني أن هذه الزلزلة تكون معها.
وقال الحسن والسدي: هذه الزلزلة تكون يوم القيامة (٤). ورويا بإسناديهما أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية والتي بعدها، فقال له الناس: يا رسول الله أي يوم هذا؟ قال: "هذا يوم يقول الله لآدم يا آدم قم فأبعث بعث النار" (٥).
والحديث مشهور (٦).
стр. 8664
وقال أبو إسحاق: وقيل إنّها الزلزلة التي تكون معها الساعة (١).
وهذا قول الكلبي، قال (٢): إن زلزلة الساعة قيام الساعة (٣) (٤).
يعني أن هذه الزلزلة تقارن قيام الساعة وتكون معها.
وهذا كما روي عن ابن عباس أنه قال في ﴿زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ﴾ قيام الساعة (٥).
قوله ﴿شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ يعني أنه لا يوصف لعظمه.
وهذه الآية بيانٌ عما يوجبه شدة أهوال القيامة من التأهّب لها.
٢ - قوله تعالى ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ يعني (٦): ترون (٧) تلك الزلزلة (٨).
стр. 8665
وانتصب ﴿يَوْمَ﴾ لأنه ظرف لقوله ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي في ذلك اليوم تذهل (١).
قال الفرَّاء: ذَهَلْتُ عن كذا. وَذَهِلْتُ قليلة (٢) تذهل فيها جميعًا بفتح الهاء ليس غيره، وأذهلتُه: أنسيته (٣) إذْهالاً (٤).
ويقال: ذَهَلَ ذَهلاً وذُهولاً، إذا ترك الشيء وتناساه (٥) على عمد أو شغله عنه شغل. هذا معنى الذهول في اللغة (٦).
فأما تفسير قوله (٧) ﴿تَذْهَلُ﴾ فقال الليث (٨) والضحاك (٩) وابن قتيبة (١٠) وأبو عبيدة (١١): تَسْلو. وأنشدوا قول كثير (١٢):
стр. 8666
صحا قلبه يا عَزَّ أو كادَ يَذْهَلُ (١)
وقال الزجاج: تحير (٢).
وقال الكلبي: تلهى فلا تحرف ولدها صغيرًا كان أو كبيرًا، اشتغالًا بنفسها (٣).
وقال المفسرون: تنسى وتترك ولدها للكرب الذي نزل بها (٤).
وهذا قول مقاتل بن حيان (٥).
وقال ابن عباس: تُشْغل (٦).
وقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ قال أبو إسحاق: مرضعة جاءت على الفعل على أرضعت، ويقال: امرأة موضع أي: ذات رضاع (٧).
стр. 8667
وهذا (١) معنى قول الأخفش: إنما أراد -والله أعل - الفعل ولو أراد الصفة لقال: موضع (٢).
قال المبرد: ولما (٣) قال ﵎ ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ كان حق هذا مرضعه.
قوله: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ قال الحسن في هذه الآية: تذهل المرضعة عن ولدها لغير فطام، وتضع الحامل ما في بطنها لغير تمام (٤).
وعلى هذا -وهو قول جميع المفسرين (٥) - يكون التقدير: عمن أرضعت (ما) يكون بمعنى (من) (٦).
وقال المبرد: (ما) بمعنى المصدر أي: تذهل عن الإرضاع (٧). يعني لا ترضع ولدها الصغير. والأول الوجه (٨).
стр. 8668
وقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ قال الكلبي: كل حبلى تضع ولدها لتمام أو غير تمام.
يعني: من هول ذلك اليوم، وهذا يدل على أن هذه الزلزلة تكون في الدنيا؛ لأنَّ بعد البعث لا يكون حبلى. وعند شدة الفزع تلقي المرأة جنينها، وقد ذكرت العرب هذا في أشعارها (١)، ووصفوا شدة [الفزع به قال مُزَرِّدُ (٢) أخو (٣) الشَّمَّاحْ في] (٤) مرثيّة عمر ﵁:
تضل [الحصان البكر تُلقي جنينها ... نثا خبر فوق المُطيّ مُعلّق] (٥) (٦)
стр. 8669
أي: لهول ما تسمع من نعي [عمر تلقي جنينها.
وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ﴾ قال صاحب النظم: خاطب] (١) جماعة الناس بقوله ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ ثم أفرد وترك مذهب الجمع في قوله ﴿وَتَرَى﴾ وذلك (٢) من فنون الخطاب كما جاز (٣) أن يخاطب عينًا ثم يترك مخاطبته إلى الحكاية عن غائب كقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] جاز أن ينادي جميعًا ويخاطبه (٤) ثم يرجع (٥) إلى واحد، ويجوز على الضد من هذا كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ (٦) [الطلاق: ١].
قال الحسن: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾
стр. 8670
وما هم بسكارى من الشراب (١). وهذا قول ابن عباس (٢)، وجميع المفسرين (٣).
وقال أهل المعاني: وترى (٤) الناس كأنهم سكارى من ذهول عقولهم لشدة ما يمر بهم فيضطربون اضطراب السكران من (٥) الشراب (٦). يدل على صحة هذا قراءة من قرأ "وتُرَى (٧) الناس" بضم التاء (٨). أي: تَظُنّهم.
قال الفرّاء -في هذه القراءة-: وهو وجه جيّد (٩).
وحكى صاحب النظم عن بعض النحويين: أن قوله (ترى) كلمة موضوعة على الإفراد وتأويلها التشبيه، كأنَّه قال: وكأنَّ الناس سكارى. واحتج بقول: ﴿أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى﴾ [العلق: ١١] معنى ﴿أَرَأَيْتَ﴾ هاهنا للتنبيه على السؤال والإجابة، وكذلك قوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: ٦٢] وقد مرَّ. قال: ولا ينكر أن تكون "ترى" كلمة ضمنت
стр. 8671
معنى لا يظهر في بنية صورتها (١) ولذلك تركت على حال واحدة بعد العطف بها على مخاطبة جماعة.
و ﴿سُكَارَى﴾ جمع سكران. وقرئ (سكرى) (٢).
قال أبو الهيثم: النعت (٣) [الذي على فعلان يجمع] (٤) على فُعالى (٥) وفَعالى مثل: غَيْرانَ وغُيَارَى وغَيارى (٦)، وسكران [وسكارى. وإنما قالوا سكرى، وأكثر] (٧) ما يجيء فَعلى جمعًا لفعيل بمعنى مفعول, [مثل قتيل وقتلى وجريح وجرحى وصريع وصرعى] (٨)؛ لأنه شبه بالنَّوكى (٩) والجمعى [والهلكى لزوال عقل السكران (١٠).
стр. 8672
وقال سيبريه: قالوا رجل سكران] (١) وقوم سكرى. قال: وذلك أنهم جعلوه كالرضى (٢).
قال أبو علي: ويجوز "سكرى" من وجه آخر وهو أن سيبويه حكى رسول سَكِرٌ (٣)، وقد جمعوا هذا البناء على فَعْلَى (٤) فقالوا: هَرِمٌ وهَرْمى وزَمِنٌ وزَمْنى وضَمِنٌ وضَمْنى (٥)؛ لأنه من باب الأدواء والأمراض التي ورصاب بها، فَفَعلى في هذا الجمع -وإن كان كعطشى- فليس يراد بها المفرد، إنّما يراد بها تأنيث الجمع كما أن الباضعة (٦) والطَّائفة (٧) وإن كان على لفظ الضّاربة والقائمة فإنّما لتأنيث الجمع دون تأنيث الواحد من المؤنث (٨).
стр. 8673
ونحو هذا قال الفراء في قراءة من قرأ (سكرى) قال: وهو وجه جيد في العربية؛ لأنه بمنزلة الهلكى والجرحى، والعرب تجعل فَعَلى علامة لجمع كل ذي زمانة وضرر وهلاك، ولا يبالون أكان واحده فاعلاً أم فحيلاً أم فعلان. قال: ولو قيل "سكرى" على أن (١) الجمع يقع عليه التأنيث فيكون كالواحدة كان وجها، كما قال الله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف: ١٨٠] و ﴿الْقُرُونِ الْأُولَى﴾ (٢) و ﴿النَّاسَ﴾ جماعة فجائز (٣): أن يقع ذلك عليهم، وأنشد:
أضحت بنو عامر غَضْبَى أنُوفُهم ... أنَّى عفوت (٤) فلا عارٌ ولا باس
فقال غضبى للأنوف على ما فسَّرت لك (٥).
وقوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ﴾ دليل على سكرهم من خوف العذاب.
٣ - قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ قال المفسرون: نزلت في النَّضْر بن الحارث، كان كثير (٦) الجدال، وكان ينكر أن الله قادرٌ على إحياء من بَلِيَ وصار ترابًا (٧).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الوليد بن المغيرة وعتبة بن
стр. 8674
ربيعة (١).
والمعني: أنه يخاصم (٢) في الله فيزعم أنه غير قادر على البعث.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني أنه لا علم له في ذلك إنما (٣) [يقوله بإغراء من الشيطان وطاعته إياه] (٤). وهو قوله ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ﴾ أي يتبع ما يسول له الشيطان قال ابن عباس] (٥): والمريد الذي يتمرد على الله (٦).
وقال (٧) أهل اللغة في المريد قولين (٨):
أحدهما: أنه المتجرد للفساد.
والثاني: أنَّه العاري من الخير.
وذلك أن أصله في اللغة: الإملاس، والمريد (٩): المتملس من
стр. 8675
الخير، ومنه قوله: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ﴾ [النمل: ٤ ٤] وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ [التوبة: ١٠١].
٤ - قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾.
قال ابن عباس: قضى الله تعالى أن من أطاع إبليس أضله ولم يرشده وصيره إلى عذاب السعير (١).
والكناية في قوله ﴿عَلَيْهِ﴾ (٢) عائدة على (٣) الشيطان، وكذلك في قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ﴾ (٤) (٥).
وهذه الآية دليل على أنَّ (٦) الله قد كتب في الأزل وقضى على الشيطان إضلال من تولاه، وأنَّ ذلك من الله تعالى حكم (٧) لا نكير (٨) عليه فيه.
стр. 8676
وفيه تكذيب للقدرية في امتناعهم عن إضافة القدر إلى الله تعالى في الضلال والكفر، وعندهم أن شيئًا من اللطف لم يبق إلا وقد فعله الله بعباده فلم يؤمنوا, ولو منع شيئًا من اللطف خرج عن الإلهية، فإلاههم بزعمهم في صورة عاجز على الحقيقة لا يقدر أن يفعل ما يصير الناس به (١) مؤمنين وهم أبدا يقولون (٢): إضلاله إياهم وقضاؤه عليهم بالكفر سفه. فيقال (٣) ففي خلقه إيّاهم مع علمه بما سيكون منهم مثل ذلك السفه فلم خلقهم وهو يعلم أنهم لا يتعاطون سوى الكفر؟ وفي خلق القدرة لهم حتى يكفروا بها!.
فبان بهذا أن الدين كله في الاستسلام للقدرة وتفويض الأمر إلى المشيئة من غير تحكم، يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.
قال (٤) أبو إسحاق: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنَّه) في] (٥) موضع أرفع (فأنَّه] (٦) يضله) عطف عليه، والفاء الأجود فيها أن تكون [في معنى الجزاء، وجائز كسر إنَّ مع الفاء وتكون (٧) جزاءً] (٨) لا غير. والتأويل: كتب على الشيطان [إضلال متوليه (٩) وهدايتهم إلى عذاب السعير. وحقيقة
стр. 8677
"أن"] (١) الثانية أنها مكررة على جهة التوكيد؛ لأن المعنى: كتب عليه أنه من تولاه أضله. انتهى كلامه (٢).
قال أبو علي: إعراب هذه الآية مشكل، وأنا أشرحه -إن شاء الله- وأبيّن موضع السَّهو فيه.
قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ (أنه) في موضع رفع وهي توصل من الجمل (٣) بالابتداء والخبر. وخبر الابتداء معلومٌ وجوهه. وقوله ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ لا تخلو "مَن" مِن أن تكون (٤) بمنزلة "الذي" وتكون بمعنى الجزاء. [فإن كان بمعنى الجزاء] (٥) فالفاء في "فأنَّه" إنّما هو جواب الجزاء، ولا تكون العاطفة [لأنَّها إذا كانت جوابًا للجزاء لم يجز أن تكون العاطفة] (٦) كما أنها إذا كانت داخلة على خبر المبتدأ إذا كان المبتدأ موصولاً، وكانت جملته بمعنى الجزاء لم تكن العاطفة نحو قوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤] فـ"من" على هذا الوجه في موضع رفع، و ﴿تَوَلَّاهُ﴾ في موضع جزم لكونه شرطًا، والفاء وما بعدها في موضع جزم لوقوعه موقع جزاء الشرط، و"أن" من قوله "فأنه يضله" موضعه رفع بإضمار مبتدأ بين الفاء و"إنّ"، لترتفع "أنَّ" على أنَّه (٧)
стр. 8678
خبرُ مبتدأ (١) محذوف تقديره: فشأنه أنَّه يُضلّه، أو أمره، أو نحو ذلك مما يصلح أن يكون مبتدأ لهذا الخبر، إذ كانت "أنَّ" لا تكون مبتدأة وإنَّما تكون مبنية على شيء، ومثل هذا قوله ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ [التوبة: ٦٣] فارتفاع "أنَّ" بما ارتفع به "أنّ" في قوله ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ وقوله] (٢) ﴿مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ في موضع رفع لوقوع جميع ذلك خبرًا لـ"أنّ". كما أنَّ ﴿مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ﴾ إلى قوله ﴿خَالِدًا فِيهَا﴾ (٣) في موضع رفع لوقوعها خبرًا لـ"أنَّ"، فالفاء في "فإنه" ليست بعاطفة في (٤) هذا الوجه.
وإن كان "من" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ بمعنى "الذي" (٥) فالتقدير: كتب على الشيطان أن الشيطان الذي تولاه. فاسم "أنَّ" الهاء التي هي ضمير الشيطان و"من" اسم مبتدأ وخبره ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾ فالقول في ارتفاع "أنَّ" من قوله "فأنه" على هذا الوجه كالقول في الوجه الأول وما يقدر فيه من الإضمار الذي يكون "أنَّ" مبنيًّا عليه، وتقديره: الذي تولاه ﴿فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ﴾] (٦) فله إضلاله [أو"فشأنه إضلاله] (٧) وهدايته إياه إلى عذاب
стр. 8679
السعير. فالفاء في هذا الوجه أيضًا داخلة لمعنى الجزاء، ولا يجوز أن تكون العاطفة. ألا ترى أنك لا تقول: زيد فمنطلق. فتعطف الخبر على مبتدأه، وإنّما دخلت هنا لما في الصلة من معنى الجزاء كقوله: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٤]، وقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. ومثله في التنزيل كثير.
فإذا لم يخل من الوجهين اللذين ذكرنا، وكانت الفاء في كلا الوجهين متعلقة بها لا على جهة العطف لما بينا ثبت أنَّ قول أبي إسحاق: أنّ (١) "فأنه" عطف على "أنَّ" خطأ؛ إذ كانت الفاء لا تخلو: إما أن تكون مع ما بعدها في موضع جزم لوقوعه جزاء للشرط، واما أن تكون مع ما بعدها في موضع رفع لوقوعها خبرًا لمبتدأ واقع مع خبره موقع خبر "أنَّ" من قوله ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾.
وإذا بطل أن تكون الفاء للعطف بطل قول أبي إسحاق في "أنَّ" من قوله "فأنّه يضله" موضعها رفع أيضًا أن يكون مرفوعًا من الجهة التي ذكر وهو خطأ (٢) ثانٍ (٣) لزمه لجعله الفاء عاطفة و"أن" من قوله "فأنّه يضله" لا يجوز أن تكون معطوفة على الأولى (٤)؛ لأنه لا يخلو من أن يكون خبر مبتدأ، أو يكون جواب شرط، ومحال أن يعطف خبر المبتدأ على المبتدأ
стр. 8680
بحرف (١) عطف أو يعطف جواب الشرط على شىء قبل الشرط (٢).
٥ - قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ قال ابن عباس: يريد أهل مكة (٣) ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ قال: يريد إن كنتم في شك من القيامة ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ زيد آدم (٤).
قال أبو إسحاق: قيل للذين جحدوا البعث وهم المشركون إن كنتم في شك من (٥) أن الله يبعث الموتى فتدبَّروا أمر خلقكم وابتدائكم فإنكم (٦) لا تجدون في القدرة فرقًا بين ابتداء الخلق وبين إعادته.
ثم بين لهم ابتداء خلقهم فأعلمهم (٧) أنَّهم خلقوا من تراب، وهو خلق آدم ﵇، ثم خُلِقَ ولده من نطفة، ثم من علقة ثم من مضغة، فأعلمهم أحوال خلقهم (٨).
وقال (٩): صاحب النظم: معنى الآية إن كنتم في ريب من البعث فإنا نخبركم أنا خلقناكم من تراب.
стр. 8681
وقوله ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم (١)، خلقه من مني الأب.
ومعنى النطفة في اللغة: الماء القليل.
يقال: في الغدير نطفة زرقاء، أي بقية ماء صاف. وأصلها من النَّطف (٢) وهو: القطر، يقال: نطفت السحابة وهي تُنْطُفُ -بالضم- نَطْفًا. وليلةٌ نَطُوف: تمطر حتى الصباح، والذي يخلق منه الولد يسمى نطفة، لأنه ماء يقطر (٣).
وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلق الدم الجامد قبل أن ييبس، والقطعة علقة منه (٤) (٥)، ومنه قول القُطامي:
تَمجُّ عُروقُها عَلَقًا مُتَاعا (٦)
وذلك أن النطفة المخلوق منها الولد تصير دمًا غليظًا.
وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة قطعة لحم، وقلب الإنسان مضغة من جسده وإذا صارت العلقة لحمة فهي مضغة.
стр. 8682
قال ابن عباس. يريد من (١) لحم.
وهذا كله في الأطوار أربعة أشهر، وهذا معنى ما روي في الحديث: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الملك فينفخ فيها الروح" (٢).
قال ابن عباس: [ثم يصوّر] (٣) في العشر بعد الأربعة الأشهر، ثم ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المُتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، فإذا تحرَّك في جوفها علمت أن فيه ولدًا (٤) (٥).
قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قد بدا خلقه ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بعد (٦) لم يصور (٧) (٨).
هذا الذي ذكره ابن الأعرابي: مخلقة قدرًا (٩) هو معنى المخلقة في اللغة.
وأما أهل التفسير: فإن مجاهدًا والسدي اتفقا (١٠) على أنَّ المخلقة
стр. 8683
وغير المخلقة: يعني بهما السقط.
قال (١) مجاهد -في رواية ابن نجيح- ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق (٢).
وقد كشف السدي عن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد فقال: هذا في السقط، المرأة تسقط النطفة بيضاء والعلقة، وتسقط اللحم لم يخلق، وتسقط قد صور [بعضه، وتسقط قد صور] (٣) كله (٤).
ويدل على أن هذا (٥) في السقط قوله ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ يعني ما يولد لتمام المدة ولم تسقطه (٦) المرأة (٧).
وذهب آخرون إلى أنَّ المخلقة في غير السقط، وغير المخلقة: هو السقط.
قال (٨) ابن عباس -في رواية عكرمة-: المخلقة ما (٩) كان حيًّا، وغير المخلقة ما كان من سقط (١٠).
ونحو هذا قال مجاهد -في رواية خُصَيف- قال: المخلقة: الولد،
стр. 8684
وغير مخلقة: السقط (١)
وقال ابن عباس في رواية عطاء: المخلقة: ما أخذ منه الميثاق، وغير المخلقة: ما لم يؤخذ منه الميثاق ولا يكون مخلوقًا.
ويدل على صحة هذا التفسير ما روى علقمة، عن عبد الله بن مسعود (٢): إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؛ فإن قال غير مخلقة مجّتها (٣) الأرحام، وإن قال مخلقة، قال: يا رب ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه (٤) صفة هذه النطفة (٥).
وعلى هذا القول معنى (المخلقة): المخلوقة كما ذكره ابن عباس -في رواية عطاء- وهو: أنه أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، فما أكمل خلقه بالروح ولد لتمام حيًّا، وما سقط كان غير مخلقة، أي: غير حي بإكمال خلقه بالروح (٦).
стр. 8685