← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8681–8720 · переход к 8686.

стр. 8681

وقوله ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ يعني ولد آدم (١)، خلقه من مني الأب. ومعنى النطفة في اللغة: الماء القليل. يقال: في الغدير نطفة زرقاء، أي بقية ماء صاف. وأصلها من النَّطف (٢) وهو: القطر، يقال: نطفت السحابة وهي تُنْطُفُ -بالضم- نَطْفًا. وليلةٌ نَطُوف: تمطر حتى الصباح، والذي يخلق منه الولد يسمى نطفة، لأنه ماء يقطر (٣). وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ العلق الدم الجامد قبل أن ييبس، والقطعة علقة منه (٤) (٥)، ومنه قول القُطامي: تَمجُّ عُروقُها عَلَقًا مُتَاعا (٦) وذلك أن النطفة المخلوق منها الولد تصير دمًا غليظًا. وقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ المضغة قطعة لحم، وقلب الإنسان مضغة من جسده وإذا صارت العلقة لحمة فهي مضغة.

стр. 8682

قال ابن عباس. يريد من (١) لحم. وهذا كله في الأطوار أربعة أشهر، وهذا معنى ما روي في الحديث: "إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم أربعين يومًا مضغة، ثم يبعث الملك فينفخ فيها الروح" (٢). قال ابن عباس: [ثم يصوّر] (٣) في العشر بعد الأربعة الأشهر، ثم ينفخ فيه الروح، فذلك عدة المُتوفَّى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرًا، فإذا تحرَّك في جوفها علمت أن فيه ولدًا (٤) (٥). قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال ابن الأعرابي: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ قد بدا خلقه ﴿وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بعد (٦) لم يصور (٧) (٨). هذا الذي ذكره ابن الأعرابي: مخلقة قدرًا (٩) هو معنى المخلقة في اللغة. وأما أهل التفسير: فإن مجاهدًا والسدي اتفقا (١٠) على أنَّ المخلقة

стр. 8683

وغير المخلقة: يعني بهما السقط. قال (١) مجاهد -في رواية ابن نجيح- ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ قال: السقط مخلوق وغير مخلوق (٢). وقد كشف السدي عن هذا المعنى الذي ذكره مجاهد فقال: هذا في السقط، المرأة تسقط النطفة بيضاء والعلقة، وتسقط اللحم لم يخلق، وتسقط قد صور [بعضه، وتسقط قد صور] (٣) كله (٤). ويدل على أن هذا (٥) في السقط قوله ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ يعني ما يولد لتمام المدة ولم تسقطه (٦) المرأة (٧). وذهب آخرون إلى أنَّ المخلقة في غير السقط، وغير المخلقة: هو السقط. قال (٨) ابن عباس -في رواية عكرمة-: المخلقة ما (٩) كان حيًّا، وغير المخلقة ما كان من سقط (١٠). ونحو هذا قال مجاهد -في رواية خُصَيف- قال: المخلقة: الولد،

стр. 8684

وغير مخلقة: السقط (١) وقال ابن عباس في رواية عطاء: المخلقة: ما أخذ منه الميثاق، وغير المخلقة: ما لم يؤخذ منه الميثاق ولا يكون مخلوقًا. ويدل على صحة هذا التفسير ما روى علقمة، عن عبد الله بن مسعود (٢): إذا وقعت النطفة في الرحم بعث الله ملكًا فقال: يا رب مخلقة أم غير مخلقة؛ فإن قال غير مخلقة مجّتها (٣) الأرحام، وإن قال مخلقة، قال: يا رب ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقيٌّ أم سعيدٌ؟ فيقال له: انطلق إلى أم الكتاب فاستنسخ منه (٤) صفة هذه النطفة (٥). وعلى هذا القول معنى (المخلقة): المخلوقة كما ذكره ابن عباس -في رواية عطاء- وهو: أنه أكمل خلقه بنفخ الروح فيه، فما أكمل خلقه بالروح ولد لتمام حيًّا، وما سقط كان غير مخلقة، أي: غير حي بإكمال خلقه بالروح (٦).

стр. 8685

وقال (١) الكلبي: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ يقول مخلوق وغير مخلوق، فالمخلوق: هو التمام من الولد، وغير المخلوق: هو السقط. وهذا القول مذهب أكثر أهل التفسير (٢)، وهو قول أبي عبيدة في

стр. 8686

المخلقة: أنها المخلوقة (١). وفي هذا مذهب ثالث وهو: أن المخلقة وغير المخلقة كلاهما (٢) من صفة الولد الذي يولد، وليسا ولا أحدهما من صفة السقط. وهو مذهب قتادة، واختيار أبي إسحاق وثعلب. قال قتادة في قوله ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾: تامة وغير تامة (٣). وقال (٤) أبو إسحاق: وصف أحوال الخلق أنَّ منهم من يتم (٥) مضغته فيخلق له الأعضاء التي تكمل آلات الإنسان، ومنهم من لا يتمم الله (٦) خلقه (٧). وقال أبو العباس (٨): الناس خلقوا على ضربين: منهم تام الخلق، ومنهم خَدِيخٌ ناقصٌ غيرُ تام (٩). وعلى هذا القول معنى المخلقة: التام الخلقة والأعضاء (١٠). فحصل

стр. 8687

في المخلقة ثلاثة أقوال في معناها وتفسيرها. قوله تعالى: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ اختلفوا في مفعول (١) التبيين (٢). فقال (٣) ابن عباس: لنبين لكم ما تأتون وما تذرون (٤). يعني أن الله تعالى خلق بني آدم ليبين لهم من أشدهم وما يحتاجون إليه في العبادة. وقال الزجاج: أي. ذكرنا أحوال خلق الإنسان لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء ونعرفكم ابتداءنا (٥) خلقكم (٦).

стр. 8688

وقال (١) صاحب النظم: لنبين لكم أن البعث حق يدل على هذا أن الآية أنزلت دلالة على البعث (٢). وقال ابن مسلم: لنبين لكم كيف نخلقكم في الأرحام (٣). وقال (٤) أهل المعاني: لندلكم على مقدورنا بتصريف ضروب الخلق (٥). قوله تعالى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ أي (٦): نثبت (٧) في الأرحام ما نشاء فلا يكون سقطا ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي إلى أجل الولادة. ويجوز أن يكون المعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ فلا يخرج (٨) الأجل المعتاد ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ سماه الله لذلك (٩) الولد في أم الكتاب،

стр. 8689

وذلك أن مدة الحمل تختلف فيمتد من ستة أشهر إلى أربع سنين. والقراءة في "ونقرُّ" بالرفع، وروى المفضل (١)، عن عاصم: "ونقرَّ" بالنصب (٢). قال أبو إسحاق: ولا يجوز فيه إلا الرفع، ولا يجوز أن يكون معناه فعلنا ذلك لنقر في الأرحام؛ لأنَّ الله لم يخلق الأنام ليقرهم في الأرحام، وإنَّما خلقهم ليدلَّهم على رشدهم وصلاحهم (٣). وقال (٤) صاحب النظم: انقطع الخبر عند قوله ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ ثم ابتدأ خبرًا آخر فقال (٥): ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ﴾ ولذلك ارتفع؛ لأنه منقطع مما قبله. وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ث﴾ قال الزجاج: "طفلًا" في معنى أطفال،

стр. 8690

ودلَّ عليه ذكر الجماعة، وكأنَّ طفلا يدل على معنى: ونُخْرِج (١) كل واحد منكم (٢). طفلاً (٣). وقال المبرد: انتصب "طفلاً" على المصدر الذي هو في موضع الحال. وقد قال قوم: تمييز. والذي قال جائز في هذا الموضع كقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] فهذا لا يكون إلا تمييزا، إلا أنّا قدمنا المصدر؛ لأنَّه قد استعمل مصدرًا كالرّضا والعدل الذي يقع على الواحد والجماعة، قال الله : ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا﴾ [النور: ٣١] فهذا فيه دليل على أنه مصدر (٤). وقال أبو عبيدة: طفلاً في موضع أطفال (٥). وأنشد (٦):

стр. 8691

في حلقكم (١) عظم وقد شجينا وقال أبو الهيثم: الصبي يدعى طفلا حين يسقط من بطن أمه إلى أن يحتلم. قال: والعرب تقول: جاريةٌ طِفْلٌ، وجاريتان طِفْلٌ، وجَوارٍ طفلٌ وغلامٌ طفلٌ، وغلمان طفل (٢). [ويقال: طفل] (٣) وطفلة وطفلان وطفلتان في القياس وأطفال، ولا يقال: طفلات (٤) (٥). وأطفلت المرأةُ والظبيةُ (٦)، إذا صارت ذات طفل (٧). قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ ذكر صاحب النظم منه وجهين:

стр. 8692

أحدهما: أَن يكون فيه إضمار على تأويل: ثم نخرجكم طفلا، ثم نعمركم (١) لتبلغوا أشدكم (٢). والوجه الآخر: أن تكون "ثم" في قوله ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا﴾ مقحمة (٣) [كما تقحم الواو؛ لأنها من حروف النسق ومعناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم (٤)] (٥). قال ابن عباس: يريد ثماني عشرة سنة (٦). قال الزَّجَّاج: وتأويله الكمال والقوة والتمييز وهو ما بين الثلاثين إلى الأربعين (٧). وهذا مما قد تقدم القول فيه. قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ قال ابن عباس: يريد من قبل ذلك. يعني من قبل بلوغ الأشد (٨). ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ أي: أخسّه وأدونه، وهو الخرف،

стр. 8693

يخرف حتى لا يعقل، وبيَّن ذلك بقوله ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. قال ابن عباس: يريد يبلغ من السن ما يتغير (١) عقله حتى لا يعقل شيئًا (٢). قال: وليس ذلك إلا في أهل الشرك (٣). وقال عكرمة: من قرأ القرآن لم يصر بهذه الحالة، واحتجّ بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ [التين: ٥، ٦] قال: إلا الذين قرأوا القرآن (٤). قوله ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً﴾ قال الزَّجَّاج: ثم دلَّهم على إحيائه (٥)

стр. 8694

الموتى بإحيائه الأرض (١). وقال صاحب النظم: هذا فصل منقطع مما قبله؛ لأنَّ الأول مخاطبة جماعة وهذا مخاطبة واحد، وهو معطوف على ما قبله بمثل معناه لأنّه من تبيين وجوب البعث (٢). قال الليث: أرض جامدة مقشعرةٌ لا نبات فيها إلاَّ يبيس (٣) مُتَحطّم (٤)، والهامد (٥) من الشجر: اليابس (٦). وقال شمر: الهامد: الأرض المسنتة (٧)، وهمودها (٨) ألا يكون فيها حياة (٩) والرَّماد (١٠) الهامد: المتلبّد البالي بعضه فوق بعض. وهمد (١١) الثوب يهمد همودًا، إذا تناثر من البِلى (١٢).

стр. 8695

قال (١) الأصمعى: همدت (٢) النار إذا طفئت ألبتة (٣) (٤). قال الأعشى: قالت قُتَيْلةُ ما لجسمك شاحبًا ... وأرى ثيابك باليات هُمَّدا (٥) (٦) قال ابن عباس: هامدة يريد التي قد تلبَّدت وذهب عنها النَّذى. وقال مجاهد: هالكة. يعني جافة (٧) يابسة؛ لأن هلاك الأرض يُبسها. وقال قتادة: غبراء متهشمة (٨). [يعني متهشمة] (٩) النبت. وقال أبو إسحاق: يعني جافة ذات تراب (١٠).

стр. 8696

وقال ابن مسلم: ميتة يابسة كالنار إذا طفئت فذهبت (١). وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ قال المفسرون: تحركت بالنبات (٢). والمعنى على هذا تحركت بالنبات عند وقوع الماء، وذلك أن الأرض ترتفع عن النبات إذا ظهر فذلك تحركها، وهو معنى قوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: ارتفعت وزادت. وقال الليث: يقال اهتزت الأرض (٣) إذا أنبتت (٤). وقال المبرد: أراد (٥) اهتز نباتها (٦). وعلى هذا حذف المضاف الذي هو النبات [فقيل: اهتزت. والاهتزاز في النبات أظهر، ويقال: اهتز النبات] (٧) إذا طال (٨). وقوله ﴿وَرَبَتْ﴾ أي زادت ونمت، أي الأرض أو نباتها على ما ذكرنا. ويقال: ربا الشيء، إذا زاد، ومنه الرَّبوة والرِّبا (٩).

стр. 8697

وقوله ﴿وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ قال ابن عباس: من كل صنف حسن (١). والبهجة: حسن الشيء ونضارته (٢). والبهيج بمعنى المبهج، وهو الحسن الصورة الذي تمتع العين برؤيته. قال المبرّد: هو الشيء المشرق الجميل (٣)، ومنه قوله: ﴿حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ [النمل: ٦٠]. وعلى هذا هو فعيل من بهج (٤)، وهو قول أبي زيد (٥)، قال: بهيج حسن (٦)، وقد (٧) بَهُج بَهاجة وبَهْجة (٨). ويقال: تباهج الروض إذا كثر نواره (٩). وأنشد الليث (١٠):

стр. 8698

نوَّارُهُ مُتَباهج يَتَوَهَّجُ وأكثر أهل (١) النحو على أنَّ بهيج هاهنا (٢) فعيل بمعنى فاعل، وهو قول الأخفش وابن مسلم (٣). ٦ - قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى الأمر ذلك. أي الأمر ما وصف لكم وبين بأن الحق هو الله [قال: ويجوز أن يكون نصبًا علي معنى: فعل الله ذلك بأنه هو الحق] (٤)، والأجود أن يكون موضع "ذلك" رفعًا (٥). قال أبو علي: موضع "ذلك" من الإعراب لا يخلو من أحد وجهين: أحدهما (٦) رفع، أو نصب. أمَّا جهة النصب فعلى أن يكون مفعولاً بفعل مضمر يدل عليه ما قبله من الأفعال المذكورة كما ذكره أبو إسحاق. وأمّا جهة الرفع فلا يخلو من أن يكون مبتدأً أو خبرًا, ولا يجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف وهو الأمر والشأن على ما ذكره أبو إسحاق لأنه إذا قدر كذلك (٧) بقى الجار في (٨) قوله "بأنَّ الله" (٩) غير متعلق بشيء وذلك لأنَّ الجار إنّما يتعلق بقوله "ذلك" إذا قَدَّرته مبتدأ بتوسط (١٠) فعل مقدر

стр. 8699

محذوف لدلالة الجار على، والمعنى: ذلك فعله الله أو بَيَّنَه (١) الله بأن الله هو الحق، ثم حذف الفعل وصار الجار مع المجرور في موضعه خبرًا لـ"ذلك". وإذا قدرت "ذلك" خبر مبتدأ لم يجز أن يتعلق به الجار؛ لأن تعلق حرف الجر بالاسم لا يخلو من أمرين: إما أن يتعلق به على التقدير الذي تقدم، أو يتعلق به (٢) كما يعلق إذا كان الخبر اسم فاعل، نحو: ذاهب وقائم فيتصل الجار به [كما يتصل بالفعل نحو: هذا ذاهب به، أو قائم إلى عَمْرو وليس قولنا ذلك اسم فاعل فيتصل به هذا الاتصال، ولا يجوز أن يكون بتعلق الجار به (٣)] واتصاله بذلك، وهو مقدر خبر مبتدأ من حيث اتصل به وهو مقدر مبتدأ، وذلك أنَّك إذا قدرت مثل الفعل الذي يوصل الجار إلى ذلك وتعلقه به وجب أن يكون ذلك الفعل خبره، وإذا كان خبره كان ذلك مبتدأ، إذ لا متصل للفعْل (٤) بقوله ذلك إلا من هذه الجهة، واتصاله به يخرجه عن أن يكون خبرًا [فإذا لم يجز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على أنه خبر مبتدأ] (٥) وجب أن يكون موضعه رفعًا على أنه مبتدأ، والجار مع المنجر به في موضع خبره لا يجوز غير ذلك (٦). وأما معنى الآية فهو أن يقول: فعل الله ذلك -يعني ما ذكر من ابتداء الخلق وإحياء الأرض، ذلك الذي ذكر فعله (٧) الله بأنه هو (٨) الحق أي: ذو الحق.

стр. 8700

يعني أنَّ جميع ما يأمر به ويفعله هو الحق لا الباطل كما يأمر به الشيطان من الباطل. قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ أي: وبأنه يحي الموتى. والمعنى أحيا الأرض وفعل ما فعل بقدرته على إحياء الموتى وبأنه قادر على ذلك، وقادر على كل (١) ما أراد وهو قوله ﴿وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾. ٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ﴾ موضع "أنَّ" خفض فيِ الظاهر بالعطف على ما قبله من قوله (٢) ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ إلا أنه لا يصح في المعنى حمله بالعطف على ما قبله؛ لأنه لا يمكن أن يقال: فعل الله ما ذكر بأن الساعة آتية، ولكن يضمر لـ"أنَّ" فعلاً ينصبه، ودلَّ عليه ها تقدم، وهو أن يقول: المعنى: ولتعلموا أن الساعة آتية [أي بَدْءُ الخلق وإحياء الأرض بالماء دلالة لكم لتعلموا بها أن القيامة آتية] (٣) وأن البعث حق وهو قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾. ٨ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ أي في قدرة الله على البعث والإعادة. قال عطاء عن ابن عباس: يريد أبا جهل (٤). وقال الكلبي: نزلت في النضر بن الحارث (٥).

стр. 8701

وقوله ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ مضى تفسيره في هذه السورة. ﴿وَلَا هُدًى﴾ قال ابن عباس: ليس معه من ربه رشاد ولا بيان ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ له نور (١). ٩ - وقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ يقال: ثنيت الشيء، إذا حنيته (٢) وعطفته (٣). ذكرنا ذلك في قوله: ﴿يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ [هود: ٥]. والعِطْفُ: الجانب (٤). وعِطْفَا الرجل: ناحيتاه عن يمين وشمال، ومنكب الرجل: عطفه وإبطه. قال ابن الإعرابي: عطف كل إنسان ودابة: شقاه من لَدُنْ رأسه إلى وركيه (٥). وأصله من العطف، وهو: اللي، والعطف: الموضع الذي يعطفه الإنسان، أي: يلويه ويميله عند الإعراض والانحراف عن الشيء (٦).

стр. 8702

واختلفت (١) عبارة المفسرين في تفسير قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾: قال ابن عباس: مستكبرًا في نفسه (٢). وقال الضحاك: شامخًا (٣) بأنفه (٤). وقال مجاهد وقتادة: لاويًا عنقه (٥). وقال ابن زيد والعوفي: معرضًا عما يُدعى إليه كبرًا (٦). ونحوه (٧). قال ابن جريج (٨). وقال السدي: معرضًا من العظمة ينظر في جانب واحد (٩). وهذه الألفاظ تعود إلى معنى واحد وهو الإعراض والتكبر.

стр. 8703

قال أبو إسحاق: وهذا يوصف به المتكبر. والمعنى: ومن الناس من يجادل في الله متكبرًا (١) (٢). وقال المبرد: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ عبارة عن التكبر والتهاون. تقول العرب: أتانا فلان ثاني عطفه وثاني جيده وشماخًا بأنفه. وأنشد (٣): يَهْدِي إلى خَنَاهُ ثاني الجيد (٤) أي: متهاونًا. قال: والعطف ما انعطف من العنق والمنكبين. وسمي الرداء العطاف؛ لأنه يقع في ذلك الموضع (٥). وانتصب "ثاني" على الحال، والتنوين فيه مقدر، والإضافة في تقدير

стр. 8704

الانفصال (١)، كما ذكرنا في قوله: ﴿بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] و ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ [المائدة: ١] ومواضع أخرى (٢). ومثل قوله ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ في المعنى قوله: ﴿لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: ٥] الآية وقوله ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [قال ابن عباس: عن طاعة الله (٣) (٤). والمعنى: يجادل في الله بغير علم مستكبرًا لاويًا عنقه ليضل عن سبيل الله] (٥) ويذهب عنه لا (٦) أنّ له على ما يجادل فيه محجة أو دلالة (٧) أو لديه فيه بيانًا. ومثل هذا في المعنى قوله ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤) لِيَكْفُرُوا﴾ (٨) [النحل: ٥٤. ٥٥] فيمن جعل اللام الجارة، أي أشركوا ليكفروا بما بيناه لهم، لا لأنَّ (٩) لهم على ذلك حجة وبيانًا. وقوله: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الذي (١٠) أصابه يوم بدر (١١).

стр. 8705

١٠ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ قال أبو إسحاق: المعنى: يقال له هذا العذاب بما قدمت يداك، وموضع "ذلك" رفع بالابتداء، وخبره ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾، وموضع "أنَّ" من قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ﴾ خفض؛ لأن المعنى: بما قدمت وبأنّ الله. قال: ويجوز أن يكون موضع "ذلك" رفعًا على خبر الابتداء، المعنى: الأمر ذلك بما قدمت يداك، ويكون موضع "أنَّ" الرفع على معنى: والأمر أنَّ الله ليس بظلام للعبيد (١). وأبطل أبو علي أن يكون "ذلك" خبر الابتداء؛ لأنَّ الجار يبقى غير متعلق بشيء. والقول في هذه الآية كالقول في قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لا فصل بينهما وإذا بطل هذا بطل أن يكون موضع "أنَّ" في قوله ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ رفعًا؛ لأنه إذا لم يجز إضمار الأمر الذي يكون مبتدأ لقوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ لم يجز إضماره هاهنا، وإذا لم يجز ذلك كان موضعه جرًا بالعطف (٢) على "ما" المنجر بالباء (٣). وأما معنى هذه الآية فهو مما ذكرناه في سورة الأنفال عند قوله ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [الأنفال: ٥١]. ١١ - قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أكثر المفسرين على أن المعنى: على شك (٤).

стр. 8706

وهو قول مجاهد (١) والسدي وقتادة (٢)، واختيار أبي إسحاق (٣) وأبي زيد وابن الأعرابي. روى ابن اليزيدي (٤) عن أبي زيد: على حرف على شك (٥). وقال ابن الأعرابي: [الحرف] (٦) الشك في قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ

стр. 8707

يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ أي شك (١). ونحو هذا قال أحمد بن يحيى (٢). وهذا الذي قالوا هو معنى "حرف" في هذه الآية لا تفسيره. وتفسير الحرف في اللغة: الطرف وهو منتهى الجسم، والحرف والطرف والجانب نظائر في اللغة. والانحراف: الانعدال إلى الجانب وقلم محرف قد عدل بقطعة عن الاستواء والحرف منعدل إلى الجانب عن (٣) الوسط (٤). وقال أبو الفتح الموصلي: أما الحرف فالقول فيه أن (ح ر ف) أينما وقعت في الكلام (٥) يراد به حد الشيء وحدته، من ذلك حرف الشيء إنما هو حده وناحيته، وطعام حريف: يراد به (٦) حدته. ورجل محارف: أي محدود عن الكسب والخير، ومثله محرف كأنَّ الخير قد حرف عنه ما يحرف القلم (٧). وقولهم: انحرف فلان عني، من هذا، كأنّه جعل بيني وبينه حدًّا بالبعد والاعتزال. ومنه قولهم لهذه البقلة الحادة: الحُرْف (٨)، سمي بذلك

стр. 8708

لحدته. هذا كلامه (١) وعلى القول الأول أصل الحرف من الميل سمي الطرف حرفًا لميله عن (٢) الوسط, وعلى قول أبي الفتح أصله من الحدّة والطرف حرفٌ لحدته. قال أبو إسحاق: وحقيقته أنه يعبد الله على حرف الطريقة في الدين، لا يدخل فيه دخول متمكن (٣). وقال أبو عبيدة -في قوله: ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ -: أي لا يدوم. قال: وتقول (٤): إنَّما أنت على حرف (٥)، أي لا أثق بك (٦). قال أبو الفتح: وهذا راجع إلى ما قدمناه لأن تأويله أنه قلق في دينه، على غير ثبات ولا طمأنينة ولا استحكام بصيرة، فكأنه معتمد (٧) على حرفٍ دينه غير واسط فيه، كالذي هو على حرف جبل ونحوه، يضطرب اضطرابا ويضعف قيامه، فهو يعرض أن يقع في أحد جانبي الطرف، فقيل للشاك في دينه أنه يعبد الله على حرف؛ لأنه لو عبده على يقين وبصيرة لم يكن في حرف يسقط عنه بأدنى شيء يصيبه. وهذا المعنى ظاهر في قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ الآية (٨).

стр. 8709

وقال بعض أهل المعاني: إنما قيل للشاك في دينه: يعبد الله علي حرف؛ لضعفه واضطرابه في طريق العلم إذْ (١) لم يتمكن في الدلائل المؤدية إلى الحق، فأدنى شبهة تعرض له ينقاد لها ولا يعمل في حلها. وقال المبرد: والعرب تقول: فلان على حرف، إذا كان بين قوم يظهر الميل إلى أحدهم وفي نفسه من الآخرين شيء. ومعناه الشك وأصله من حرف الشيء، نحو: الحيل والدكان والحائط الذي القائم عليه غير مستقر. هذا الذي ذكرناه كله يعود إلى معنى واحد. وقال (٢) ابن قتيبة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ (٣) واحد (٤) أي: على وجه واحد ومذهب واحد (٥). واختار الأزهري هذا القول فقال: كأنَّ الخير والخصب ناحية، والضر والشر والمكروه ناحية أخرى، فهما حرفان، وعلى العبد أن يعبد خالقه على الحالتين (٦). أعني السَّرّاء والضراء، ومن عبد الله على السرَّاء وحدها دون أن

стр. 8710

يعبده على الضراء فقد عبده على حرف، ومن عبده على الحالتين فقد عبده عبادة العبد المقر بأنَّ له خالقًا (١) يصرفه كيف يشاء، وهو في ذلك عادل غير ظالم له (٢). فعلى هذا معنى قوله (٣) ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ على وجه واحد، وهو إذا أصاب خيرًا عبده، وإن أصابه شر ترك عبادته، على ما ذكره الأزهري. وقال الحسن: هو المنافق يعبد الله بلسانه دون قلبه (٤). ويكون معنى ﴿عَلَى حَرْفٍ﴾ في هذا القول: على شك. قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ﴾ إن أصابه رخاء (٥) وعافية وخصب، وكَثُر ماله اطمأن على عبادة الله بذلك الخير الذي أصابه. والكناية في ﴿بِهِ﴾ تعود إلى الخير. ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ﴾ اختبار بجدب وقلة مال ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ قال أبو إسحاق: رجع عن دينه إلى الكفر وعبادة الأوثان (٦). وقال المبرد: تأويله قلب وجهه عمَّا كان عليه من الدين والعبادة. ويجوز أن يكون المعنى انقلب على وجهه الذي توجه (٧) منه، وهو الكفر. ويكون معنى الوجه على هذا: طريقه الذي جاء منه (٨)، وهو الكفر.

стр. 8711

قال الكلبي وغيره من المفسرين: نزلت في أعراب كانوا يقدمون على رسول الله ﷺ المدينة. وكان أحدهم إذا صح جسمه، ونتجت (١) فرسه مهرًا حسنًا، وولدت امرأته غلامًا، وكثر ماله، رضي واطمأن، وقال: ما أصبت منذ دخلت في ديني هذا إلا خيرًا. وإن أصابه وجع في (٢) المدينة، وولدت امرأته جارية وأجهضت رماكه (٣)، وذهب ماله، وتأخرت عنه الصدقة أتاه الشيطان، فقال له (٤): والله ما أصبت منذ دخلت في هذا الدين إلا شرًا. فينقلب عن دينه. وذلك الفتنة (٥).

стр. 8712

وقوله تعالي: ﴿خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾ يعني هذا الشاك خسر دنياه حيث لم يظفر بما طلب من المال، وخسر آخرته بارتداده عن الدين ﴿ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾ أي الضرر الظاهر. يعني ذلك الذي فعل من انقلابه على وجهه وذلك (١) الخسران الذي لحقه هو الخسران المبين. وخسر يدل على الخسران؛ لأنّ الفعل يدل على المصدر. ١٢ - قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: هذا المرتد يدعو (٢) راجعًا إلى الكفر يعبد سوى الله ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ في معاش إن لم يعبده، ولا ينفعه إنْ أطاعه، يعني الحجارة التي كانوا يعبدونها، ذلك الذي فعل ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: عن الحق والرشد. ١٣ - قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هذه الآية كثير (٣) الاختلاف في إعرابها، ووجه دخول اللام في قوله ﴿لَمَنْ﴾، وأذكر الأقوال التي حكاها أبو إسحاق، وأتبع كل قول منها ما ذكر عليه إن شاء الله. قال أبو إسحاق: قد اختلف الناس في تفسير هذه (٤) اللام وفي ﴿يَدْعُو﴾ بأي شيء هي متعلقة، ونحن نفسر (٥) جميع ما قالوه وما أغفلوه

стр. 8713

مما هو أبين من جميع ما قالوه: إنْ شاء الله. قال البصريون والكوفيون: اللام معناها (١) التأخير، المعنى: يدعو من لضره (٢) أقرب من نفعه. ولم يشبعوا الشرح ولا قالوا من أين جاز أن تكون اللام في غير موضعها (٣)؟ وشرح ذلك: أنَّ اللام لليمين والتوكيد، فحقها أن تكون أول الكلام، فقدِّمت لتُجعل في حقها وإن كان أصلها أن تكون في "لضرّه" (٤) كما أنَّ لام "إن" حقها أن تكون في الابتداء، فلمَّا لم يجز أن تلي "إنَّ" جعلت في الخبر في مثل قولك: إن زيدًا لقائم. ولا يجوز: إن لزيدًا قائم، فإذا أمكنك (٥) أن تكون في الاسم كان ذلك أجود في الكلام تقول (٦) إنَّ في ذلك لآية. فهذا قول (٧). قال أبو علي: من زعم أنَّ هذه اللام في قوله "لمن ضره" كان حكمها أن تكون في المبتدأ الذي في صلة "من" وهو الضُرّ ثُمَّ قُدِّم (٨) إلى الموصول -وهو "من"- فهو مخطىء؛ لأنَّا قد أحاط علمنا بهذه اللام والمواضع التي (٩) يستعملونها فيها، وتلك المواضع:

стр. 8714

منها المبتدأ، وهي فيه (١) على ضربين: إمَّا أن تكون للتأكيد مجردًا من تلقّي السم. وإمّا أن يكون لتلقي القسم والتأكيد. ومنها "إنَّ" وهي تستعمل معها على ضربين أيضًا: إمَّا أن تدخل على اسم "أنّ" إذا فصل بينها وبين "إنَّ" نحو: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ (٢)، ولا تمنع "إنَّ" من أن تعمل في اسمها النصب؛ لأنَّ التقدير بها أول الكلام قبل "إنَّ". وإمَّا أنْ تدخل على خبرها، وهي تدخل على جميع أنواع خبر "أنَّ" من المفرد والجملة، نحو: إن زيدًا لأبوه منطلق، والفعل المضارع، ولا تدخل على الفعل الماضي إذا كان خبرًا لإنَّ، ومنها دخولها (٣) على خبر المبتدأ في الشذوذ والضرورة كقوله (٤): أم الحليس لعجوز شهربة (٥)

стр. 8715

وكما حكى أبو الحسن (١) في حكايته نادرة: إنَّ زيدًا وجهه لحسن (٢). فإذا كان حق هذه اللام أنْ تدخل على المبتدأ، أو على اسم "إن" وخبرها من حيث دخلت على المبتدأ، وكان دخولها على خبر المبتدأ ضرورة وشذوذًا (٣) مع أنَّ خبر المبتدأ في المعنى هو المبتدأ، أو راجع [في المعنى إلى ما هو المبتدأ فدخوله في الموصول والمراد به] (٤) الصلة ينبغي أن لا يجوز؛ لأن الصلة ليست بالموصول، كما أن خبر المبتدأ [هو] المبتدأ (٥). فتبين بهذا أن قول من قال التقدير بها في الآية التأخير إلى الصلة خطأ، وأنّه تارك (٦) لمذهب العرب في تأويله إياها هذا (٧) التأويل. ويفسد هذا القول أيضًا أن اللام إذا كان حكمه (٨) أن تكون في الصلة، ثم قدم إلى الموصول فغير سائغ، كما أن سائر ما يكون في الصلة لا يتقدم على الموصول. وأما تشبيهه تقدّم هذه اللام في الآية بتأخرها عن الاسم إلى الخبر في "إنَّ" فلا يشتبهان، وهو بعيد من الصواب؛ لأنه لا شيء يجب ويلزم له أن تقدم هذه اللام إلى الموصول من الصلة، كما كان في اسم "إنّ" سبب

стр. 8716

يوجب تأخيرها إلى الخبر وهو اجتماع حرفين بمعنى واحد، ففساد هذا التشبية بين. وأما قوله: ولا يجوز إنَّ لزيدا قائم، فتمثيل سوء فيه إيهام (١) أنَّ اللام التقدير بها أن تكون بعد "إنّ" وليس كذلك (٢)؛ لأنَّ تقدير اللام أن (٣) تكون قبل "إن" يدلك على ذلك تعليقه الفعل وَوَقْعُهُ (٤) به عن "إنَّ" في نحو علمت إنَّ زيدًا لمنطلق. ولو (٥) كان التقدير بها (٦) الوقوع بعد "إن" لفتح الفعل [في] "إنَّ" (٧)؛ لأنّه لم يكن له كاف عن "إنّ" وفتحها، ويدل أيضًا (٨) على أن التقدير بها التقديم قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فلو لم يكن التقدير بها التقديم على "إن" لكفت "إنَّ" عن العمل كما كفت الفعل عن العمل في نحو: علمت لزيد خيرٌ منك. فلما لم تكفّ "إنَّ" عن أن تعمل في اسمها كما كف الفعل ولم يعلقه؛ علمنا أن التقدير بها التقديم على "إن"، ويقوّي ذلك من (٩) السمع

стр. 8717

قولهم: لهنك (١) رجل صدق (٢). فاللام قبل "إنَّ" فتأمَّل هذا الكلام أي على هذا القول (٣). قال أبو إسحاق: وقالوا أيضًا: إنَّ "يدعو" معه هاء مضمرة وأنَّ "ذلك" من قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ﴾ في موضع رفع و"يدعو" في موضع الحال المعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه. المعنى في حال دعائه إياه، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٤). قال أبو علي: إنْ قال قائل: على هذا القول كيف يجوز هذا التأويل في التنزيل وحذف الهاء إنما يسوغ في الصلة والصفة، وليس هذا بصلة ولا صفة؟ والقول عندي أنَّ ذلك غير ممتنع لمضارعة الحال الصفة. ألا ترى أنَّك إذا قلت: جاء زيد راكبًا، فقد فصل راكب بين مجيئين أو أكثر كما أن قولك: جاءني رجل ظريف يفرق بين رجلين أو رجال والحال في هذا كالصفة، فتقدير قوله "ذلك هو الضلال البعيد" يدعو أشير إليه مدعوا (٥) (٦). وزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في "يدعو" من قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ هاء منصوبة بـ"يدعو" محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من "ذلك" في قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [التقدير: ذلك

стр. 8718

هو الضلال] (١) البعيد مدعوًّا. وغير منكر حذف الهاء من الحال؛ لأنها تضارع الصفة، والصفة يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا، من ذلك قولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. ومن أبيات الكتاب (٢): أبحتَ (٣) حِمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (٤) أي حميته. فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب (٥) هند، [أي: ضربه هند] (٦)، فحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" كأنَّه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى. واللام التي في "لبئس" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو: لناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي (٧)

стр. 8719

وهي تدل على يمين محذوفة، فكأنه قال: للذي ضَرُّه أقرب من نفعه والله لبئس المولى. كما تقول: زيد والله لقد قام. هذا كله كلام أبي الفتح (١) في بيان القول الثاني من (٢) الأقوال التي حكاها الزَّجَّاج. قال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون "يدعو" في معنى يقول. ويكون "من" في موضع رفع، وخبره محذوف. ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي. ومثل يدعو (٣) في معنى يقول قول عنترة: يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم (٤) قال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر (٥):

стр. 8720

أهوى لها مشقصا حشرًا (١) فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا (٢) ووجه هذا القول كوجه الذي قبله (٣). انتهت الحكاية عنه. قال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى (٤) ما بعدها إذا (٥) كان في معنى القول وضربًا منه، واللام في "لمن" لام ابتداء،
следующие страницы →