← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8716–8755 · переход к 8721.

стр. 8716

يوجب تأخيرها إلى الخبر وهو اجتماع حرفين بمعنى واحد، ففساد هذا التشبية بين. وأما قوله: ولا يجوز إنَّ لزيدا قائم، فتمثيل سوء فيه إيهام (١) أنَّ اللام التقدير بها أن تكون بعد "إنّ" وليس كذلك (٢)؛ لأنَّ تقدير اللام أن (٣) تكون قبل "إن" يدلك على ذلك تعليقه الفعل وَوَقْعُهُ (٤) به عن "إنَّ" في نحو علمت إنَّ زيدًا لمنطلق. ولو (٥) كان التقدير بها (٦) الوقوع بعد "إن" لفتح الفعل [في] "إنَّ" (٧)؛ لأنّه لم يكن له كاف عن "إنّ" وفتحها، ويدل أيضًا (٨) على أن التقدير بها التقديم قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ فلو لم يكن التقدير بها التقديم على "إن" لكفت "إنَّ" عن العمل كما كفت الفعل عن العمل في نحو: علمت لزيد خيرٌ منك. فلما لم تكفّ "إنَّ" عن أن تعمل في اسمها كما كف الفعل ولم يعلقه؛ علمنا أن التقدير بها التقديم على "إن"، ويقوّي ذلك من (٩) السمع

стр. 8717

قولهم: لهنك (١) رجل صدق (٢). فاللام قبل "إنَّ" فتأمَّل هذا الكلام أي على هذا القول (٣). قال أبو إسحاق: وقالوا أيضًا: إنَّ "يدعو" معه هاء مضمرة وأنَّ "ذلك" من قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ﴾ في موضع رفع و"يدعو" في موضع الحال المعنى: ذلك هو الضلال البعيد يدعوه. المعنى في حال دعائه إياه، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا مرفوعًا بالابتداء، وخبره ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ (٤). قال أبو علي: إنْ قال قائل: على هذا القول كيف يجوز هذا التأويل في التنزيل وحذف الهاء إنما يسوغ في الصلة والصفة، وليس هذا بصلة ولا صفة؟ والقول عندي أنَّ ذلك غير ممتنع لمضارعة الحال الصفة. ألا ترى أنَّك إذا قلت: جاء زيد راكبًا، فقد فصل راكب بين مجيئين أو أكثر كما أن قولك: جاءني رجل ظريف يفرق بين رجلين أو رجال والحال في هذا كالصفة، فتقدير قوله "ذلك هو الضلال البعيد" يدعو أشير إليه مدعوا (٥) (٦). وزاد أبو الفتح الموصلي بيانا لهذا القول فقال: في "يدعو" من قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ هاء منصوبة بـ"يدعو" محذوفة، وتكون الجملة في موضع نصب على الحال من "ذلك" في قوله ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ [التقدير: ذلك

стр. 8718

هو الضلال] (١) البعيد مدعوًّا. وغير منكر حذف الهاء من الحال؛ لأنها تضارع الصفة، والصفة يجوز فيها حذف الهاء جوازًا حسنًا، من ذلك قولك: الناس رجلان رجل أكرمت ورجل أهنت. ومن أبيات الكتاب (٢): أبحتَ (٣) حِمَى تهامة بعد نجد ... وما شيء حميت بمستباح (٤) أي حميته. فعلى هذا تقول: نظرت إلى زيد تضرب (٥) هند، [أي: ضربه هند] (٦)، فحذف الهاء من الحال لمضارعتها الصفة. وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" كأنَّه قال: للذي ضره أقرب من نفعه لبئس المولى. واللام التي في "لبئس" هي اللام التي يتلقى بها القسم في نحو: لناموا فما إنْ مِنْ رقيب ولا صالي (٧)

стр. 8719

وهي تدل على يمين محذوفة، فكأنه قال: للذي ضَرُّه أقرب من نفعه والله لبئس المولى. كما تقول: زيد والله لقد قام. هذا كله كلام أبي الفتح (١) في بيان القول الثاني من (٢) الأقوال التي حكاها الزَّجَّاج. قال الزجاج: وفيه وجه ثالث: يكون "يدعو" في معنى يقول. ويكون "من" في موضع رفع، وخبره محذوف. ويكون المعنى: يقول لمن ضره أقرب من نفعه هو مولاي. ومثل يدعو (٣) في معنى يقول قول عنترة: يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان بئر في لبان الأدهم (٤) قال: ويجوز أن يكون يدعو في معنى يسمّى كما قال ابن أحمر (٥):

стр. 8720

أهوى لها مشقصا حشرًا (١) فشبرقها ... وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا (٢) ووجه هذا القول كوجه الذي قبله (٣). انتهت الحكاية عنه. قال أبو علي: أقول إنَّ الدعاء بمعنى القول سائغ، وهذا الوجه الذي أجازه ممكن، أعني أن يصرف يدعو إلى معنى يقول فيحكى (٤) ما بعدها إذا (٥) كان في معنى القول وضربًا منه، واللام في "لمن" لام ابتداء،

стр. 8721

وموضع "من" رفع، والخبر مضمر. ولا يجوز أن يكون الخبر ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أعني خبر "لمن" لأن الكافر المتمسك بعبادة الأصنام لا يقول للصنم لبئس المولى (١). وزاد أبو الفتح لهذا القول بيانًا فقال: "يدعو" بمنزلة (٢) يقول، أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله (٣) أو رب، فتكون "من" (٤) مرفوعة بالابتداء، وخبرها محذوف مقدر، ويدل على أن "يدعو" بمنزلة يقول قول عنترة: يدعون عنترة أي يقولون: يا عنترة، فدل يدعون عليها. فإن قيل: فلم جعلوا خبر "من" محذوفا دون أن يكون قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ كما أجزتم في القول الثاني؟ قيل: إنَّ الكفار ليسوا (٥) يقولون لمن يدعونه إلها: لبئس المولى، ولو قالوا ذلك لما عبدوه. ومعنى ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ ذم لمعبودهم لا على الحكاية عنهم ولكن على الإخبار، أخبر الله تعالى أن من ضره أقرب من نفعه فإنَّه بئس المولى. فإنْ قيل: فإذا كان الأمر كذلك فكيف جاز أن يقول يدعو بمعنى يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، والكافر لا يقول ذلك؟ قيل: إنَّ ذلك على حكاية (٦) قولنا (٧) نحن فيه أي يقول لمن ضره أقرب من نفعه عندنا وفي قولنا إله عنده.

стр. 8722

وقد جاءت هذه الحكاية عنهم مجيئًا واسعًا من ذلك قوله تعالى: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] وقوله: ﴿يَا أَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ [الزخرف: ٤٩] وقالوا هذا بعد إيمانهم وتقديره: يا أيها الساحر عند أولئك الذين يدعونك ساحرًا، فأمَّا نحن فنعلم (١) أنك لست بساحر. انتهى كلامه (٢). وهذا القول -أنَّ "يدعو" بمعنى: يقول- هو قول الأخفش ذكره في كتابه (٣)، واختيار المبرّد. قال المبرد: يدعو بمعنى: يقول، كقول (٤) القائل: ما يدعى فلان فيكم أي: ما يقال له. فمعناه: يقول لمن ضره أقرب من نفعه إله، فالخبر (٥) محذوف لما دل عليه من قوله "يدعو من دون الله". قال أبو علي: فأما قوله: يجوز أن يكون يدعو (٦) في معنى يسمى، فقدل ممتنع غير جائز في الآية وقد أجاز سيبويه فقال: يقول دعوته زيدًا إذا أردت مني سميته فتعديه إلى مفعولين (٧). والذي منع من (إجازة ذلك في الآية دخول لام (٨) الابتداء في الكلام وإذا حمله على هذا التأويل لزمه

стр. 8723

أن] (١) يعلقه, لأنّه لا يعمله في اللفظ. والتعليق (٢) فيه لا (٣) يجوز؛ لأنَّ التعليق إنَّما يجوز فيما (٤) يجوز فيه الإلغاء (٥)، وهو علمت وبابه، ولو جاز التعليق (٦) في سمَّيت لجاز أن تقول: سميت (٧) أخوك زيد، كما تقول: علمت لزيد منطلق. وهذا قول الخليل وسيبويه وجميع البصريين (٨). إذ التعليق لا يجوز فيما عدا علمت وبابه، والبيت الذي أنشده يجوز أن يكون يدعو فيه بمعنى يسمى؛ لأنه لا شيء فيه يمنع من ذلك كما منع منه في الآية دخولُ اللام. ألا ترى أنَّ (٩) قوله: وكنت أدعو قذاها الإثمد القردا أنه بمنزلة (١٠) "كنت أدعو أخاك زيدًا". فلا يجوز أن يكون يدعو

стр. 8724

بمعنى يسمى في الآية كما جاز [في تأويله الذي] (١) في (٢) هذا البيت (٣). قال أبو إسحاق: وفيها وجه رابع -وهو الذي أغفله الناس-: أنَّ "ذلك" في موضع نصب بوقوع "يدعو" عليه، ويكون "ذلك" في تأويل الذي، ويكون المعنى: الذي هو الضلال البعيد يدعو، ويكون ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ مستأنفًا. وذا مثل قوله ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ١٧] على معنى: ما التي بيمينك؟ (٤). قال أبو علي: وهذا الوجه هو الحسن، أعني أن يتأوّل (٥) "ذلك" بمعنى "الذي"، ويجعل قوله "هو الضلالة البعيد" صلته، ويجعل (٦) الموصول في موضع نصب (٧)، فتكون اللام حينئذٍ داخلاً (٨) على اسم مبتدأ موصول، وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ في موضع رفع لوقوعه خبر المبتدأ، واللام التي في (٩) قوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ لام اليمين، وهي التي إذا دخلت على المضارع لزمته النون، وهذا ما يجب أن تحمل الآية عليه (١٠) (١١).

стр. 8725

وتعقَّب الموصلي هذا القول وزاده بيانًا، وقال: وجه هذا القول أن تجعل "ذلك" بمنزلة "الذي" وتجعل الجملة التي هي قوله ﴿هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ صلة له، وتنصب (١) "ذلك" التي بمعنى "الذي" بيدعو، فيصير التقدير: يدعو الذي [هو الضلال البعيد، ثم تقدم المفعول الذي] (٢) هو "الذي"، فصار كما تقول: زيد يضرب (٣)، و"ذلك" قد استعملت بمعنى "الذي" نحو قوله ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢١٩] فيمن رفع الجواب فقال "قل العفو" (٤). وقد ذكرنا هذا فيما تقدَّم. هذا الذي ذكرنا هو الأقوال التي ذكرها أبو إسحاق في كتابه، وكلام الإمامين أبي علي وأبي الفتح عليها. ثم ذكر أبو علي -من عند نفسه- قولاً خامسًا وهو: أن تجعل يدعو في قوله ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ تكرارًا للفعل الأول على جهة تكثير هذا الفعل الذي هو الدعاء من فاعله، ولا تعديه إذ قد عديته مرة. هذا كلامه (٥). وشرحه أبو الفتح فقال: يجعل (٦) "يدعو" تكرارًا و"يدعو" الأولى وهو قوله ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، وترك إعمال الثاني؛ لأنَّها قد أعملت متقدمة، فاستغني فيها عن إعادة العمل، كما تقول: ضربت زيدًا ضربت. حكى ذلك

стр. 8726

سيبويه، وتكون اللام في "لمن" لام الابتداء و"من" مرفوعة بالابتداء، وقوله "لبئس المولى" خبر "من" (١) (٢). على ما بينا في القول الثاني. وقال الفراء -في هذه الآية-: جاء التفسير: يدعو من ضره أقرب من نفعه، وكذا هو في قراءة عبد الله (٣) "يدعو من ضره" وقد حالت اللام بين الفعل والمفعول في قراءة العامة. ولم نجد العرب تقول: ضربت لأخاك، ولا رأيت لزيدًا. وترى أن جواز ذلك في الآية لأن "من" حرفٌ لا يتبين فيه (٤) الإعراب؛ فاستجيز الاعتراض باللام دون الاسم. وذكر عن العرب أنَّهم قالوا: عندي لما غيره خير منه، فحالوا باللام دون الرافع، وموقع اللام كان ينبغي أن يكون في "ضره" (٥) وفي قولك: عندي ما لغيره خير منه. فهذا وجه (٦). واعتمد ابن الأنباري هذا فذكره في كتاب "الوقف والابتداء" (٧). وأما معنى الآية: فقال السدي: ضره في الآخرة بعبادته (٨) إياه أقرب من النفع (٩).

стр. 8727

قال الزَّجَّاج: فإن قال قائل: كيف يقال ﴿أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ولا نفع (١) من قبله ألبَتَّة. فالعرب تقول لما لا يكون: هذا بعيد. والدليل على ذلك قوله ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣] هذا كلامه (٢). ومعنى هذا (٣): أنه لما كان يقال لما لا يكون هذا بعيد، فنفع الصنم بعيد؛ لأنه لا يكون، فلمَّا كان نفعه بعيدًا قيل لضره أنَّه (٤) أقرب من نفعه، على معنى أنَّه كائن (٥).

стр. 8728

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8729

وقوله ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ أي: الناصر ﴿وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ﴾ أي: الصاحب والمخالط. قال المبرد: والعشير: المعاشر وهو المخالط. والعشيرة تأويلها: المجتمعة إلى أب واحد. وقولهم: بُرمة (١) أعشار، إنما هي كسور عن أصل واحد (٢). ولما ذكر الشاك في الدين بالحيرة (٣) والرجوع إلى الكفر، وذمه بالخسران وعبادة ما لا ينفعه، ذكر (٤) ثواب المؤمنين فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. ١٤ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ قال ابن عباس: يريد أوليائه وأهل طاعته. وقال غيره: ﴿يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾ فيعطي ما شاء (٥) من كرامته أهل طاعته،

стр. 8730

وما شاء (١) من الهوان أهل (٢) معصيته (٣). وهذا يدل على تكذيب (٤) من (٥) زعم أن المؤمن يدخل الجنة باستيجابة (٦) ذلك على الله بطاعته (٧). وعلى تصديق قول (٨) الرسول ﷺ : "لن يدخل الجنة أحدٌ إلا برحمة الله" (٩). ورحمته: إرادته الخير (١٠). ١٥ - قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أكثر أهل التفسير على أن الهاء في (ينصره) كناية عن محمد ﷺ (١١).

стр. 8731

قال ابن عباس: يريد أن لن ينصر الله محمدًا (١). وهو قول قتادة (٢)، والسدي، والكلبي (٣)، وابن زيد (٤)، واختيار الفراء والزجاج. قال الزجاج: أي من كان يظن أن لن ينصر الله محمدًا حتى يظهره على الدين كله فليمت غيظًا، وهو تفسير قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ (٥) فليشدد حبلاً في سقفه (٦) ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليمد الحبل حتى ينقطع (٧) فيموت مختنقًا (٨). وقال الفراء: من كان منكم يظن أن الله لن ينصر محمدًا (٩) بالغلبة حتى يظهر دين الله فليجعل في سماء بيته حبلاً ثم ليختنق، فذلك قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (١٠) أي: اختناقًا. وفي قراءة عبد الله (ثم ليقطعه) يعني السبب (١١).

стр. 8732

وعلى هذا القول النصر معناه: حسن المعونة وعون المظلوم والإظهار بالغلبة. ومعنى (فليقطع) فليختنق في قول جميع المفسرين (١). ووجه ما ذكره (٢) الزجاج والفراء أنه يقطعه بجذبه إياه حتى ينقطع، فيموت اختناقًا. وذكر الأزهري وجها آخر فقال: أجمع المفسرون على أن تأويل قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ثم ليختنق، وهو محتاج إلى شرح يزيد في بيانه، ومعنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليمد الحبل مشدودًا على حلقه مدًا شديدًا حتى يقطع (٣) حياته ونفسه خنقًا (٤). وعلى هذا معنى ﴿لْيَقْطَعْ﴾ ليقطع نفسه. والقول هو الأول، ويدل عليه قراءة عبد الله (ليقطعه) بالهاء الراجع إلى السبب. قال الأزهري: والمعنى: فليختنق غيظًا حتى يموت، فإن الله (٥) مظهره ولا ينفعه غيظه (٦).

стр. 8733

قوله تعالى: ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ أي: صنيعه وحيلته ﴿مَا يَغِيظُ﴾ (ما) بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده غيظه؟ ويجوز أن يكون (ما) بمعنى: (الذي)، والمعنى (١): هل يذهبن كيده الذي يغيظه؟ (٢). والأول قول الفراء والزجاج (٣). ويقال: غظتُ فُلانًا أغيظُه غَيْظًا (٤). وروى ثعلب عن ابن الأعرابي: غاظهُ وأغَاظَهُ وغَيَّظه بمعنى واحد (٥). وشرح ابن قتيبة هذه الآية على هذا القول بأبلغ بيان فقال: كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين يستبطؤون ما وعد الله رسوله (٦) من النصر، وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون أن لا يتم له أمره، فقال الله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ يعني محمدًا ﷺ على مذهب العرب في الإضمار لغير مذكور (٧)، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار والتمكين، أو كان (٨) يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل ﴿إِلَى السَّمَاءِ﴾ يعني سقف البيت، وكل شيء علاك (٩) وأظلك فهو سماء، والسحاب: سماء، يقول

стр. 8734

الله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ (١) [ق: ٩]، وقال سلامة بن جندل (٢) يذكر قتل (٣) كسرى النعمان (٤): هُوَ المُدْخِلُ النُّعمانَ بيتًا سماؤه نُحورُ ... الفُيول (٥) بعد بَيْتِ مُسَرْدَق (٦)

стр. 8735

يعني: سقفه، وذلك أنه أدخله بيتًا فيه فيلة فتوطأته حتى قتلته (١). وقوله (٢) ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قال المفسرون: ليختنق. وقوله ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾ (٣) هل يذهب ذلك ما (٤) في قلبه؟. وفعل هذا رجل وَعَدْتَه شيئًا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك الوعد (٥)، وهو يراجعك في ذلك، ولا تسكن نفسه إلى قولك، فتقول له: إن كنت لا تثق بما أقول، فاذهب فاختنق (٦). تريد: اجهد جهدك. هذا معنى قول المفسرين. انتهت الحكاية عنه (٧). ومعنى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ إلي آخر الآية إنما أمر بالخنق لا على وجه الإلزام، ولكن (٨) إشارة إلى أنه لا حيلة له، وليس يتوصل إلى تقديم النصر قبل وقته، وإخراج ما يظن من (٩) أن محمدًا ﵇ لا ينصر عن قلبه فلم يبق له (١٠) إلا الخنق ليستريح (١١) من غيظه بتأخر النصر عن محمد ﷺ كما قال الشاعر:

стр. 8736

إنْ كنت لا ترضى بما قد ترى (١) ... فدونك الحبل به فاختنق (٢) أي: لا سبيل إلى تغييره (٣)، فإنْ غاظك ما تراه ولا ترضاه فخذ الحبل واختنق حتى تستريح. وذُكر أنَّ هذه الآية نزلت في قوم من أسد وغطفان (٤) تباطؤوا عن الإسلام، وقالوا نخاف أن لا ينصر محمد فينقطع الذي بيننا وبين حلفائنا من اليهود فلا يميروننا (٥) ولا يؤوننا، فنزلت هذه الآية ذما لهم على هذا الظن واستعجالهم ما (٦) قد وعدهم (٧) الله (٨). ولابن زيد طريق آخر في تفسير هذه الآية، وهو أن جعل السماء في

стр. 8737

قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ السماء المعروفة، وقال: معناه: من كان يظن (١) أن لن ينصر الله نبيه، ويكايده (٢) في أمره، فليقطع ذلك من أصله من حيث يأتيه، فإن أصله في السماء، فذلك قوله ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ عن النبي ﷺ الوحي الذي يأتيه من الله، فلينظر هل يقدر على إذهاب (٣) غيظه بهذا الفعل؟ (٤). وهذا التفسير لا يوافق معنى قوله ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ (٥) لأن من ظن ذلك لا يقال له: إن كنت تظن أنه غير منصور فاقطع النصر عنه. ولو كان أول الكلام: من يغيظه أن ينصره الله، أو ما أشبه هذا؛ حج (٦) تفسير ابن زيد، وليس في أوائل (٧) الآية: من أراد أن يكايده، أو يقطع النصر عنه، أو شيء من هذا المعنى الذي بني ابن زيد تفسير باقي الآية عليه. هذا الذي ذكرنا كله على قول من يقول الهاء في (ينصره) كناية عن النبي ﷺ . ومذهب مجاهد والضحاك (٨): أن الهاء كناية عن (من) في قوله ﴿مَنْ كَانَ﴾.

стр. 8738

قال مجاهد: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه الله (١). وهذا القول هو اختيار أبي عبيدة، قال: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أن لن يرزقه (٢). قال: ووقف علينا رجل من بني أبي بكر (٣) بن كلاب فقال: من ينصرني نصره الله. أي: من يعطيني أعطاه الله. وأنشد للراعي:

стр. 8739

أبوك الذي أجْدى عليَّ بَنَصْرِهِ ... فأنْصت عنّي بعده كُلَّ قائل (١) وأصل هذا من قولهم: نصرت السماء أرض كذا، إذا سَقَتْها (٢). قال أبو عبيد: نُصَرت البلاد، فهي منصورة. ونُصِرَ القوم، إذا غِيثُوا (٣). وأنشد (٤): من كان أخْطاه الربيع فإنّما ... نُصرَ الحجاز بغَيث عبد الواحد (٥) قال ابن قتيبة -على هذا القول-: كأنه يريد من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك الذي ذكره (٦) من الاختناق، ولينظر هل يذهب كيده -

стр. 8740

أي: حيلته- غيظه لتأخر الرزق عنه؟ (١). وقوله: ﴿مَا يَغِيظُ﴾ يعني حنقه أن لا يرزق. وهذا ذم على سوء الظن بالله. وفي قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ قراءتان: كسر اللام وتسكينها (٢). والأصل (٣) الكسر عند الابتداء، فإذا تقدمها الواو والفاء أو (ثم) (٤) فمن أسكن مع الفاء (٥) والواو فلأنهما (٦) يصيران كشيء من نفس الكلمة؛ لأن كل واحد منهما لا ينفرد بنفسه. فسكن اللام، كما ذكرنا فيمن سكن (وهي) (فهي) (٧) (٨). وأما (ثم) فإنه ينفصل بنفسه ويسكت عليه، فليس في هذا كالفاء والواو [ولهذا لم يسكن أبو عمرو بعد (ثم). ومن سكن بعده شبه الميم من (ثم) بالواو والفاء] (٩) وجعله كقولهم: (أراك (١٠) منتفخًا). وعلى

стр. 8741

هذا قول العجاج: فَبَاتَ مُنْتَصْبًا وما تكَرْدَسا (١) (٢) وهذا مما تقدم الكلام فيه. ومن قرأ بعض هذا بالسكون وبعضه بالحركة (٣) من ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا﴾ ﴿وَلْيُوفُوا﴾ ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا﴾ [الحج: ٢٩] فإنه أخذ بالوجهين لاجتماعهما في الجواز (٤).

стр. 8742

١٦ - وقوله ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: ومثل ذلك. يعني ما تقدم من آيات القرآن (١). وإن شئت قلت: وهكذا. وهو مذهب مقاتل بن سليمان (٢). ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾ أنزلنا القرآن. ﴿آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد لأهل التوحيد. ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يُرِيدُ﴾ أي: وأنزلنا إليك أن الله يهدي. قال ابن عباس: يعني (٣) يرشد إلى دينه ﴿مَنْ يُرِيدُ﴾. وهذا الآية دليل على أن مِلاك الهدى والضلالة منوط بالإرادة تكذيبًا للقدرية. ١٧ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، تقدم الكلام في تفسير هؤلاء الفرق المذكورة (٤) إلى قوله ﴿وَالْمَجُوسَ﴾. قال الأزهري: والمجوس معرب، أصله: منْج كُوش، وكان رجلاً صغير الأذنين، هو أول من دان بدين المجوس، ودعاهم إلى المجوسية، فعربته (٥) العرب فقالت: مجوس، وربما تركت العرب صرف مجوس تشبيهًا بالقبيلة وذلك أنه اجتمع فيه التأنيث والعجمة، ومنه قوله (٦):

стр. 8743

كنَارِ مَجُوس تَسْتَعرُ اسِتْعَارا وقد تمجَّس الرجل إذا دان (١) بدين المجوس، ومَجَّس غَيره إذا علَّمه دين المجوسية (٢). وقال غير الأزهري: المجوس يقال إنهم سموا بذلك لأن الميم جُعلت بدلاً من النون، كان يقال لهم النجوس (٣) لنجاستهم وتدينهم باستعمال النجاسة، وقد تعتقب الميم النون مثل الغيم (٤) والغين والأيم والأين (٥).

стр. 8744

والقول ما ذكره الأزهري. قوله ﴿وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ يعني مشركي العرب. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ قال أبو إسحاق: خبر (إن) الأولى جملة الكلام مع (إن) الثانية (١). يعني قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ﴾. قال الفراء: وربما قالت العرب: إن أخاك إن الدين عليه لكثير. فيجعلون (إن) في خبره. وأنشد: إن الخليفة إن الله سربله ... البيت (٢)

стр. 8745

وهذا كما ذكرنا (١) في قوله ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠]. قال الفراء: وإنما جاز هذا لأن الاسمين قد اختلفا، فحسن رفض الأول وجعل الثاني كأنه هو المبتدأ، فحسن لاختلاف اسمي (٢) (إن)، ولا يجوز: إنك إنك (٣) قائم، ولا: إن أباك إنه قائم؛ لاتفاق الاسمين (٤). قال الزجاج: وليس بين البصريين خلاف في أن (إن) (٥) تدخل على كل ابتداء وخبر، تقول: إن زيدًا إنه قائم (٦). فأجاز أبو إسحاق ما استقبحه الفراء ولم يجزه. وقال صاحب النظم: لما قال ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ وما تبع ذلك (٧) من الكلام وطال صارت (إن) كأنها مُلغاة لتباعدها عن خبرها (٨) فأعاد (٩) ذكرها عند الجواب؛ ليعلم أن الجواب متصل بالابتداء توكيدًا للشرح. قال: ويجوز أن يكون إنما وجب أن يقدم ذكر الله في مبتدأ الخبر (١٠) على نظم: إن الله يفصل (١١) يوم القيامة بين الذين آمنوا والذين

стр. 8746

هادوا. فلما قدم ذكرهم في الابتداء أعاد ذكر اسمه بالتقديم ليدل على أن وضع مبتدأيه (١) على هذا النظم. ومعنى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ﴾ قال ابن عباس: يقضي بينهم يوم القيامة. وفسر الزجاج هذا الفصل والقضاء بين هؤلاء الفرق بإدخال المؤمنين الجنة والآخرين النار، واحتج بقوله بعد هذا ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ من أعمال هؤلاء الفرق. قال ابن عباس: شهيد على ما في قلوبهم عالم به. وقال أهل المعاني: إن الله يفصل بين الخصوم في الدين يوم القيامة بما يضطر إلى العلم بصحة الصحيح فيبيض وجه المحق ويسود وجه المبطل (٢). ومعنى الشهيد: العلم بما شاهده، والله يعلم كل شيء قبل أن يكون بأنه علام الغيوب. ١٨ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَر﴾ ألم تعلم؛ لأن المراد الرؤية بالقلب والفعل. وقد ذكرنا هذا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾ [البقرة: ٢٤٣] الآية. وقوله: ﴿يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ قال الفراء: يعني أهل السموات ﴿وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ قال: يعني كل خلق [من الجبال ومن الجن وأشباه

стр. 8747

ذلك (١). وقوله ﴿وَالشَّمْسُ﴾ إلى قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ وصف الله تعالى هذه الأشياء كلها] (٢) بالسجود واختلفوا في معنى سجود هذه الأشياء، والصحيح أن المراد بسجودها خضوعها وذلتها وانقيادها لمولاها فيما (٣) يريد منها (٤). وهذا القول هو اختيار الزجاج والنحاس. قال الزجاج: السجود هاهنا الخضوع لله، وهو طاعة مما خلق الله من الحيوان والموات فالسجود هاهنا سجود طاعة واحتج بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] (٥). وقال النحاس: هذا القول صحيح بيّن، فكل شيء منقاد لله على ما خلقه، وعلى ما رزقه، وعلى ما أصحه وعلى ما أسقمه، وليس هذا سجود العبادة (٦). وقال قوم: إن السجود من هذه الأشياء التي هو موات ومن الحيوان الذي لا يعقل إنما هو أثر الصنعة فيها والتسخير والتصوير الذي يدعو

стр. 8748

العارفين إلى السجود لله (١) وهذا القول كالأول لأن تسخيرها وأثر الصنعة فيها لخضوعها وذلتها لخالقها ويدل على أن غير العاقل يوسف بسجود الخضوع قول الشاعر (٢): ترى الأكْمَ فيها سُجَّدًا للحَوافِرِ أي: خشعت من وطي الحوافر عليها. هذا الذي ذكرنا مذهب أرباب المعاني (٣).

стр. 8749

وقال مجاهد: سجود الجماد وكل شيء سوى المؤمنين تحول ظلالها كما قال: ﴿وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ [الرعد: ١٥] (١). قال أهل المعاني: كأنه يجعل ذلك لما فيه من العبرة بتصريف الشمس في دورها عليه سجودًا (٢). وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجدا حين يغيب ثم لا ينصرف حتى يؤذن له فيرجع إلى مطلعه (٣). وعلى هذا فكل شيء مما خلقه (٤) الله تعالى يسجد لله حقيقة السجود ويدل عليه قوله : ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] إلا أنا لا نعلم كيفية ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وقال أرباب الأصول: الجمادات لا تعقل ولا يتميز فإن حدثت لها حالة (٥) في التمييز فذلك (٦) بأن الله تعالى يحدث لها في تلك الحالة عقلاً وتمييزًا، وإلا فالتمييز منها محال ما دامت على حقيقة صنعتها الأولى.

стр. 8750

قوله تعالى: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ يعني المؤمنين الذين يسجدون لله تعالى. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ بكفره وهو مع ذلك يسجد لله ظله، قاله مجاهد (١). فعلى هذا قوله ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ من جملة الساجدين. وقال قوم: تم الكلام في وصف الساجدين عند قوله ﴿وَالدَّوَابُّ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ (٢). روى ابن الأنباري عن ابن عباس أنه قال: وكثير من الناس في الجنة (٣). وقال في رواية عطاء: وكثير من الناس يوحده وليس كلهم وكثير حق عليه العذاب ممن لا يوحده (٤). وعلى هذا يصح الوقف على ﴿وَالدَّوَابُّ﴾، ثم ابتدأ بذكر فريقي الجنة والنار والإيمان والكفر. وقال آخرون؛ التمام عند قوله ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ وانقطع ذكر الساجدين ثم ابتدأ فقال ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ أي: بإبائه وامتناعه من السجود وهؤلاء غير داخلين في جملة الساجدين (٥).

стр. 8751

قال الفراء: قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود (١). وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم (٢) وهو أن الوقف على (الناس). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد (٣). وكذا روى عن ابن عباس (٤). وقال في رواية عطاء: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ يريد (٥): من تهاون بعبادة الله (٦). يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] (٧) إياه وطرده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه (٨). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.

стр. 8752

١٩ - وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يعني: الفرق الخمسة الكافرة والمؤمنين، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فالخصم: اسم للواحد وللجميع، فقدله هذان ﴿خَصْمَانِ﴾ كالفئتين، لذلك قال ﴿خَصْمَانِ﴾ لأنهما جمعان. قاله الزجاج (١). وزاد الفراء: وليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صوابًا، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز (٢). وذكرنا معنى الاختصام عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وقوله: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم. قال الكلبي: وذلك أن اليهود والنصارى قالوا نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم وديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى وأحق بالله، آمنا بكتابنا ونبينا ونبيكم، وكفرتم أنتم بنبينا حسدًا. فكان هذا خصومتهم في ربهم (٣). هذا قول مجاهد والحسن (٤)، وابن عباس في رواية عطاء (٥)، وأكثر

стр. 8753

المفسرين (١)، واختيار الزجاج (٢) والفراء (٣)، وقالوا: الخصمان هم المؤمنون والكافرون. وروي عن أبي ذر وعلي ﵄ أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر من الفريقين، وكان من المسلمين حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث (٤)، ومن الكفار عتبة وابنه الوليد وشيبة ابنا ربيعة (٥) وأقسم أبو ذر أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الستة (٦).

стр. 8754

والظاهر هو الأول للإشارة بقوله ﴿هَذَانِ﴾ إلى الفئتين المذكورتين في قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (١). وروي عن عكرمة أنه قال: الخصمان هما الجنة والنار (٢). وهذا ليس بالقوي ولا المرضي (٣). ثم بيّن الله تعالى حال الفريقين فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني أهل الخمسة الأديان (٤). ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهري: أي (٥): خيطت وسويت وجعلت لبوسًا لهم (٦).

стр. 8755

قال ابن عباس: يريد حين صاروا إلى جهنم لبسوا المقطعات مقطعات النيران (١). قال شمر: المقطعات من الثياب كل ثوب يقطع ثم يخاط (٢). وهذا القول هو الصحيح في تفسير المقطعات (٣). قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن الثياب التي من (نار) (٤) من نحاس قد أذيب (٥). وهذا الذي ذكره هو قول سعيد بن جبير (٦). ٢١ - وقوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الحميم (٧) الماء الحار. وأحمَّ نفسه إذا غسلها بالماء الحار، ومثله استحم إذا اغتسل بالحميم. [والحمام مشتق من الحميم. والمحم: الإناء الذي يسخن فيه الماء.] (٨) والحميم عند ابن الأعرابي من الأضداد يكون الماء الحار والبارد (٩).
следующие страницы →