← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8751–8790 · переход к 8756.

стр. 8751

قال الفراء: قوله ﴿حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ يدل على أن المعنى: وكثير أبى السجود؛ لأنه لا يحق عليه العذاب إلا بتركه السجود (١). وهذا القول هو اختيار نافع والكسائي وأبي حاتم (٢) وهو أن الوقف على (الناس). وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ قال الفراء: يريد من يُشقْهِ الله فما له من مُسْعد (٣). وكذا روى عن ابن عباس (٤). وقال في رواية عطاء: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ﴾ يريد (٥): من تهاون بعبادة الله (٦). يعني أن تهاونه بعبادة الله [من إهانة الله] (٧) إياه وطرده ﴿فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ يريد أن مصيره إلى النار وليس إلى الكرامة كما يُكْرم أولياؤه (٨). وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ أي: في خلقه من الإهانة والكرامة والشقاء والسعادة.

стр. 8752

١٩ - وقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ يعني: الفرق الخمسة الكافرة والمؤمنين، وهم الذين ذكروا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية. فالخصم: اسم للواحد وللجميع، فقدله هذان ﴿خَصْمَانِ﴾ كالفئتين، لذلك قال ﴿خَصْمَانِ﴾ لأنهما جمعان. قاله الزجاج (١). وزاد الفراء: وليسا برجلين، ولو قيل: اختصما كان صوابًا، ومثله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ [الحجرات: ٩] يذهب إلى الجمع، ولو قيل: اقتتلتا لجاز (٢). وذكرنا معنى الاختصام عند قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]. وقوله: ﴿فِي رَبِّهِمْ﴾ أي: في دين ربهم. قال الكلبي: وذلك أن اليهود والنصارى قالوا نحن أولى بالله منكم يا معشر المسلمين؛ لأن نبينا قبل نبيكم وديننا قبل دينكم وكتابنا قبل كتابكم. فقال المسلمون: بل نحن أولى وأحق بالله، آمنا بكتابنا ونبينا ونبيكم، وكفرتم أنتم بنبينا حسدًا. فكان هذا خصومتهم في ربهم (٣). هذا قول مجاهد والحسن (٤)، وابن عباس في رواية عطاء (٥)، وأكثر

стр. 8753

المفسرين (١)، واختيار الزجاج (٢) والفراء (٣)، وقالوا: الخصمان هم المؤمنون والكافرون. وروي عن أبي ذر وعلي ﵄ أنهما قالا: نزلت هذه الآية في الذين بارزوا يوم بدر من الفريقين، وكان من المسلمين حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث (٤)، ومن الكفار عتبة وابنه الوليد وشيبة ابنا ربيعة (٥) وأقسم أبو ذر أن هذه الآية نزلت في هؤلاء الستة (٦).

стр. 8754

والظاهر هو الأول للإشارة بقوله ﴿هَذَانِ﴾ إلى الفئتين المذكورتين في قول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية (١). وروي عن عكرمة أنه قال: الخصمان هما الجنة والنار (٢). وهذا ليس بالقوي ولا المرضي (٣). ثم بيّن الله تعالى حال الفريقين فقال: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يعني أهل الخمسة الأديان (٤). ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ قال الأزهري: أي (٥): خيطت وسويت وجعلت لبوسًا لهم (٦).

стр. 8755

قال ابن عباس: يريد حين صاروا إلى جهنم لبسوا المقطعات مقطعات النيران (١). قال شمر: المقطعات من الثياب كل ثوب يقطع ثم يخاط (٢). وهذا القول هو الصحيح في تفسير المقطعات (٣). قال أبو إسحاق: وجاء في التفسير أن الثياب التي من (نار) (٤) من نحاس قد أذيب (٥). وهذا الذي ذكره هو قول سعيد بن جبير (٦). ٢١ - وقوله ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ الحميم (٧) الماء الحار. وأحمَّ نفسه إذا غسلها بالماء الحار، ومثله استحم إذا اغتسل بالحميم. [والحمام مشتق من الحميم. والمحم: الإناء الذي يسخن فيه الماء.] (٨) والحميم عند ابن الأعرابي من الأضداد يكون الماء الحار والبارد (٩).

стр. 8756

قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الحميمَ ليصبُّ على رؤوسهم فينفذ (١) الجمجمة، حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت (٢) ما في جوفه، حتى يبلغَ (٣) قدميه، وهو الصهر، ثم يعاد كما كان" (٤). وقال ابن عباس: لو سقطت منه نقطة على جبال الدنيا لأذابها (٥). والذي ذكر في الخبر هو معنى ٢٠ - قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾. قال الليث: الصهر: إذابة الشحم، والصهارة ما ذاب منه، ويقال صهرته فاصطهر، ويقال للحرباء (٦) إذا تلألأ ظهرها (٧) من شدة الحر قد صَهَرَهُ الحر واصطهر الحرباء (٨).

стр. 8757

وقال ابن السكيت: يقال صهرته الشمس إذا اشتد وقعها عليه (١). وأنشد أبو عبيدة (٢) وغيره (٣) لابن أحمر (٤): تروى (٥) لقى ألقي في صفصف ... تصهره الشمس فما ينصهر (٦) وقال أبو زيد في قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ هو الإحراق، صَهَرتُه بالنار (٧) أصهره أنضجه (٨) (٩). ونحو هذا قال الكسائي في تفسير الصهر: أنه الإحراق

стр. 8758

والإنضاج (١). قال قتادة: يُذاب (٢) بذلك الحميم ما في بطونهم (٣). وهذا عبارة الفراء (٤)، وهو معنى الحديث الذي ذكرنا. وهو قول جاهد (٥). ولفظ ابن عباس في رواية نافع بن الأزرق (٦). وقال ابن عباس في رواية عطاء: ينضج. وذكر (٧) الأزهري عن أهل التفسير: يُغلي به ما في بطونهم حتى يخرج من أدبارهم (٨). وهذا هو اختيار الزجاج (٩). وهو من قولهم صهرته الشمس، إذا اشتد وقعها عليه. فمعنى ﴿يُصْهَرُ﴾: يُنضج، وُيحرَّق، وُيذَاب، وُيغْلى. كل هذا صحيح مروي. والمعنى: أن أمعاءهم وشحومهم تذاب وتحرق بهذا الحميم، وتنشوي جلودهم فتتساقط من حره (١٠).

стр. 8759

٢١ - وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾ قال الليث: المقمعة: شبه الجُرز (ا) من الحديد والعمد يضرب بها الرأس وجمعها المقامع (٢) (٣). وأنشد (٤): ويمشي معد حوله بالمقامع وأصله من قولهم: قمعت رأسه إذا ضربته ضربًا عنيفًا. قال أبو عبيد: يقال: قمعت الرجل وأقمعته، بمعنى واحد (٥). قال الضحاك في قوله (٦) ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾: هي المطارق (٧). وقال ابن عباس: يريد أن زبانية جهنم تقمعهم بمقامع الحديد يضربونهم بها كلما أرادوا أن يخرجوا منها (٨).

стр. 8760

وقال الحسن: إن (ا) النار ترميهم بلهبها، إذا كانوا في أعلاها ضربوا بمقامع فهووا فيها سبعين خريفا، فإذا انتهوا إلى أسفلها ضربهم زفير لهبها فلا يستقرون ساعة (٢) ٢٢ - فذلك قوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ﴾ يعني: كلما حاولوا الخروج من النار لما يلحقهم من الغم والكرب الذي أخذ بأنفاسهم، حتى ليس لها مخرج ردوا إليها بالمقامع. قال المفسرون: إن جهنم لتجيش (٣) بهم، فتلقيهم إلى أعلاها، فيريدون الخروج، فيردهم الخزان فيها (٤). وهذا كما قال الحسن. ويقول لهم الخزنة: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ والحريق: الاسم من الإحتراق. قال أبو إسحاق: وهذا لأحد الخصمين. ٢٣ - وقال في الخصم الذين هم المؤمنون: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ (٥) وهي مفسرة في سورة الكهف إلى قوله ﴿وَلُؤْلُؤًا﴾ وهو ما يستخرج من البحر من جوف الصدف، واللؤلؤ (٦) كباره، والمرجان صغاره. ويجوز فيه تخفيف الهمزتين (٧) ويجوز تخفيف إحداهما وتحقيق

стр. 8761

الثانية (١). والمعنى: أنهم يحلون أساور من ذهب ومن لؤلؤ. أي منهما؛ بأن يُرصع اللؤلؤ في الذهب. وقرئ (ولؤلؤا) بالنصب (٢) على: ويحلون لؤلؤا. ويجوز أن يحمل على موضع الجار والمجرور؛ لأن موضعهما نصب، ألا ترى أن معنى ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ﴾ [يحلون فيها أساور] (٣). فحمله على الموضع (٤). وقوله ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ يعني أنهم يلبسون في الجنة ثياب (٥) الإبريسم (٦)، وهو الذي حرم لبسه في الدنيا على الرجال. قال رسول الله ﷺ : "من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة" (٧).

стр. 8762

٢٤ - قوله تعالى: ﴿وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ أي: أرشدوا إلى الطيب من القول. قال ابن عباس: يريد لا إله إلا الله والحمد لله (١). وزاد ابن زيد: والله أكبر (٢). وقال السدي: إلى القرآن (٣). ﴿وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ﴾ إلى الإسلام، وهو دين الله وطريقه (٤). والحميد: المحمود في أفعاله (٥).

стр. 8763

٢٥ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الفراء: رد يفعلون على فعلوا (١)؛ لأن المعنى: أن الصد منهم كالدائم فاختير له يفعلون، كأنك قلت: إن الذين كفروا (٢) من شأنهم الصد، ومثله قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ [الرعد: ٢٨] قال: وإن شئت (٣) قلت: رد (٤) يفعلون على فعلوا، لأن معناهما كالواحد فلو قيل: إن الذين كفروا وصدوا لم يكن فيه ما يسأل عنه (٥). وهذا معنى قول الكسائي: إن الذين كفروا ويصدون ولم يقل وصدوا وهي هيئة (٦) يعني أنه بمعنى الماضي. ونحو هذا قال الزجاج: لفظ المستقبل عطف به (٧) على الماضي، لأن معنى ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الذين هم كافرون، وكأنه قال: إن الكافرين والصادين (٨). فهؤلاء جعلوا لفظ المستقبل هاهنا بمنزلة الماضي. قال أبو علي: المعنى عندي إن الذين كفروا وصدوا [فلما كان

стр. 8764

المعطوف عليه ماضيًا بل على أن المراد بالمضارع أيضًا الماضي، ويقوي هذا قوله ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ [محمد: ١]. قال: ويجوز أن يكون المضارع على بأبه كأنه قال: إن الذين كفروا فيما مضى وهم الآن يصدون مع ما تقدم من كفرهم. والأول كأنه أقوى. والإرادة بمثال المضارع الماضي مذهب سيبويه لأنه قال (١): ويقع يفعل في موضع فعل في بعض المواضع وأنشد الشاعر (٢) فقال: ولقد أمرُّ على اللئيم يسبني ... فمضيت ثمت قلت: لا يعنيني (٣) على معنى: ولقد مررت. انتهت الحكاية عن أبي علي (٤). وذكرنا هذا وبيانه عند قوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ﴾ [قال أبو إسحاق: ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ (٥)] وقف التمام، ومعنى ﴿جَعَلْنَاهُ

стр. 8765

لِلنَّاسِ﴾ كما قال ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] ويكون ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ رفعا على الابتداء والخبر (١). وهذا معنى قول الفراء: جعل الفعل -يعني جعلناه- واقعًا على الهاء واللام التي في الناس، ثم استأنف وقال: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾. قال: ومن شأنِ العرب أن يستأنفوا بسواء (٢) إذا جاءت بعد حرف قد تم به الكلام، فيقولون: مررت برجل سواءٌ عنده الخير والشر. والخفض جائز. وإنما اختاروا الرفع لأن سواء بمعنى واحد. ولو قلت: مررت على رجل واحد عنده الخير والشر لرفعت (٣). قال أبو علي: قوله ﴿جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي مستقرًا ومنسكًا (٤) ومتعبدًا. والمعنى على أنه نصبه لهم منسكًا ومتعبدًا (٥) كما قال ﴿وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾، وقوله ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ﴾ رفع على أنه خبر ابتداء مقدم، المعنى: العاكف والبادي فيه سواء. ومن نصب فقال (سواء (٦)) أعمل المصدر عمل (٧) اسم الفاعل فرفع (العاكف) (٨) [به كما يرفع بمستواه لو قال: مستويًا فيه العاكف

стр. 8766

والباد. فرفع العاكف] (١) بمستوٍ كذلك يرفعه بسواء. والأكثر الرفع في نحو هذا وأن لا تجعل هذا النحو من المصدر بمنزلة اسم الفاعل في الإعمال. ووجه إعماله أن المصدر قد يقام مُقَام اسم الفاعل في الصفة في نحو: رجل عدل. فيصير عدل كعادل (٢). قال المفسرون في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ﴾ خلقناه وبنيناه (٣) للناس كلهم لم يخص به منهم بعضا دون بعض (٤). ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قال ابن عباس: يريد الحاضر، والبادي: الذي يأتيه من البلاد، هم فيه سواء (٥). وقال سفيان: العاكف فيه: المقيم، والبادي: الذي ينتابه (٦).

стр. 8767

[وقال قتادة: العاكف: أهله، والبادي: غيرهم (١). وقال السدي: العاكف المقيم فيه من أهل البلد، والبادي الذي ينتابه] (٢) من غير أهله. وقال عطاء: العاكف أهل مكة، والبادي من أتاه من أرض غربة (٣) وقال الفراء: العاكف من كان من أهل مكة، والبادي من نزع إليه بحج أو عمرة (٤). وقال الزجاج: العاكف المقيم بها، والبادي النازع إليها من أي بلد كان (٥). وقال ابن قتيبة: البادي الطارئ من البدو (٦). ومعنى البادي: النازع إليه من غربة. من قولهم: قد بدا القوم إذا خرجوا من الحضر إلى الصحراء والمسافر باد وهو خلاف الحاضر (٧). واختلفوا في أن العاكف والباد في إيش (٨) يستويان؟. فذهب (٩) الأكثرون إلى أنهما يستويان في سكنى مكة والنزول بها، فليس أحدهما بأحق بالمنزل يكون فيه من الآخر.

стр. 8768

وقال عبد الرحمن بن سابط: العاكف فيه ومن يجيء من الحجاج والمعتمرين سواء في المنازل غير أن لا يخرج أحد من بيته (١). وهذا قول ابن عباس، وقتادة، وسعيد بن جبير، وابن زيد، وأبي صالح (٢). ومن مذهب هؤلاء: أن كراء دور مكة وبيعها حرام لقوله تعالى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ فجعل الطارئ كالمقيم فيه فليس أحد أحق بمنزلة من أحد إلا أن يكون سبق إلى منزل. قال أبو علي: واستواء العاكف والبادي فيه دلالة على أن (٣) أرض الحرم لا تملك، ولو ملكت لم يستويا فيه وصار العاكف فيها (٤) أولى بها من البادي لحق ملكه، ولكن سبيلها كسبيل المساجد الذي من سبق إليها كان أولى [بالمكان لسبقه، وسبيل المباح الذي من سبق إليه كان أولى] (٥) به (٦). وهذا مذهب ابن عمر، قال: سواء أكلت مُحرّمًا أو كراء دار مكة (٧). وعلى قول هؤلاء المسجد الحرام في هذه الآية معناه الحرم كله كقوله: ﴿الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ١] وقد مر. وقال آخرون (٨): معنى ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ في تفضيله وتعظيم

стр. 8769

حرمته وإقامة المناسك به (١). وهو مذهب مجاهد (٢) والحسن (٣)، وقول من أجاز بيع (٤) دور مكة. وعلى قول هؤلاء المراد بالمسجد الحرام عين المسجد الذي يصلي فيه اليوم. قال إسماعيل بن إسحاق القاضي: فظاهر القرآن يدل على أن المسجد الذي يكون فيه قضاء النسك وقضاء الصلاة، وكان المشركون يمنعون المسلمين عن الصلاة في المسجد الحرام والطواف فيه، ويدعون أنهم أربابه وولاته (٥)، وفي هذا نزل قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [التوبة: ١٩] الآية. فأما المنازل فلم تزل (٦) لأهل مكة الدور والمساكن، غير أن المواساة تجب في أيام الموسم. وجرت في هذه المسألة مناظرة بين الشافعي وإسحاق الحنظلي -رحمهما الله- بمكة (٧)، وكان إسحاق (٨) لا يرخص في كراء بيوت مكة، فاحتج الشافعي عليه بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [الحج: ٤٠] فنسب الديار إلى مالكيها، وقال النبي ﷺ يوم فتح مكة: "من أغلق بابه فهو

стр. 8770

آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (١) وقال ﷺ : "وهل ترك لنا عقيل من رِباع؟ " (٢). قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ جميع أهل المعاني قالوا في (بإلحاد) زيادة (٣)، معناه: ومن يُرِدْ فيه إلحادًا بظلم، وهو قول الفراء (٤)، والأخفش (٥)، والمبرد (٦)،

стр. 8771

والزجاج (١). قال الفراء: سمعت أعرابيًّا من ربيعة (٢) -وسألته عن شيء- فقال: أرجو بذاك (٣). يريد أرجو ذاك (٤) قال: ودخلت الباء في ﴿بِإِلْحَادٍ﴾ لأن تأويله: ومن يرد بأن (٥) يلحد فيه. ودخول الباء في (أن) أسهل منه في الإلحاد؛ لأن (أن) تُضمر (٦) الخافض (٧) معها كثيرًا، فاجتمعت (٨) [دخول

стр. 8772

الخافض وخروجه؛ لأن الإعراب لا يتبين فيها وقل] (١) دخولها في المصادر لتبين الإعراب (٢) فيها وأنشد (٣): ألا هل أتاها والحوادث جَمَّة ... بأنَّ أمرأ القيس بن تَمْلِك بيقرا (٤) فأدخل الباء على (أن) وهي في موضع رفع (٥). وقال المبرد: قال آخرون: إنما يحمل هذا على مصدره. والمعنى: من كانت إرادته واقعة بالإلحاد (٦)، فدخلت الباء للمصدر.

стр. 8773

وأنشد الزجاج (١) على هذا المذهب قول كثير: أُريد لأنْسى ذكرها ... البيت قال: والمعنى: إرادتي لهذا، ومعنى الإلحاد في اللغة: العدول عن القصد (٢). وذكرنا ذلك في سورة النحل (٣). واختلفوا في المراد بالإلحاد بالظلم المتوعد عليه بالعذاب الأليم: فقال مجاهد وقتادة: هو الشرك وعبادة غير الله (٤). وهو قول عطاء (٥)، وهو قول حبيب بن أبي ثابت، والكلبي. وذكر هو سبب نزوله قال (٦): نزل في عبد الله بن خطل (٧) حين قتل

стр. 8774

الأنصاري، وارتد وهرب إلى مكة (١)، فنزل فيه ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ يعني يميل عن الإسلام، ثم يظلم، فيدخل الحرم بشرك (٢). وقال آخرون: هو كل شيء كان منهيا عنه، حتى قال ابن مسعود: لو أن رجلًا بـ (عدن أبين) (٣) همَّ أن (٤) يعمل بسيئة عند البيت أذاقه الله عذابًا أليما (٥). وقال الضحاك: إن الرجل ليهم بالخطيئة بمكة وهو بأرض أخرى،

стр. 8775

فتكتب عليه ولم يعلمها (١). وهذا قول السدي (٢)، وابن زيد (٣)، ومجاهد في رواية عثمان بن الأسود (٤). وقال ابن عباس: هو استحلال ما حرم الله (٥). وهذا قول ابن جريج (٦).

стр. 8776

وقال في رواية عطاء: هو قتل ما نهى الله عنه من الصيد، ودخول مكة بغير إحرام، وأخذ حمام مكة، وأشياء كثيرة لا يجوز للمحرم أن يفعلها (١). وعلى هذا القول هذا الإلحاد والظلم يختص باستحلال محظورات الإحرام وركوبها (٢). وقوله ﴿نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ قال أبو إسحاق (٣): هو خبر (إن) للمذكور في أول الآية. قال: والمعنى أن الكافرين والملحدين (٤) في المسجد الحرام نذيقهم (٥) من عذاب أليم. قال: ويجوز أن يكون محذوفا فيكون المعنى: إن الذين هذه صفتهم هلكوا (٦). والعرب ربما تحذف الخبر إيجازا واختصارا كما روي أن النبي ﷺ

стр. 8777

رأى عبد الله بن عمر، فقال: "إن عبد الله" (١). ولم يزد على هذا كأنه أراد: إن عبد الله رجل صالح، أو ما أشبهه. قال أبو إسحاق: والأول الوجه (٢) (٣). ٢٦ - قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الكلام في (بوأنا) قد سبق في مواضع منها قوله: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٢١] وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٩٣]. وقوله ﴿لِإِبْرَاهِيمَ﴾ أدخل اللام ولم يدخلها في ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (٤). وذكر الفراء فيه وجهين:

стр. 8778

أحدهما: أن اللام دخلت (١)؛ لأن المعنى: جعلنا (٢) [وكذلك (٣) فسره ابن عباس (٤). قال أبو إسحاق: جعلنا] (٥) مكان البيت مُبوَأً لإبراهيم (٦). وقال مقاتل بن حيان: هيأنا (٧). وعلى هذا اللام من صلة معنى (بوأنا) لا من صلة لفظه (٨). الوجه الثاني (٩): أن اللام صلة للتأكيد كقوله: ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [النمل: ٧٢] (١٠). وقال بعض أهل اللغة: تفسير ﴿بَوَّأْنَا﴾ هاهنا: بيّنا له مكان البيت، يدل على هذا ما ذكره السدي: أن الله لما أمره ببناء البيت لم يدر أين يبنى، فبعث الله ريحا خجوجا (١١)، فكنست له ما حول الكعبة عن الأساس الأول

стр. 8779

الذي كان البيت عليه قبل أن رفع (١) أيام الطوفان (٢). وقال الكلبي: بعث الله سحابة على قدر البيت في العرض والطول فيها رأسٌ يتكلم له لسان وعينان، فقامت بحيال (٣) البيت، وقالت: يا إبراهيم ابن علي قدري. فذلك قوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ (٤). وقال بعض أهل المعاني: ﴿بَوَّأْنَا﴾ أصله من (باء) إذا رجع (٥)، وتفسير ﴿بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ جعلنا مكان البيت له مبوأ يرجع إليه بعلامة، [وتلك العلامة] (٦) ما ذكره السدي والكلبي. قوله تعالى ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [قال الكلبي: لما فرغ إبراهيم من البيت، وطاف به أسبوعًا، أوحى الله إليه: أن يا إبراهيم لا تشرك بي شيئًا] (٧). وعلى هذا في الكلام محذوف وهو: وأوحينا إليه، أو: وعهدنا إليه. ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ أي لا تعبد معي غيري. قال ابن عباس:

стр. 8780

وفي هذا رد على مشركي مكة؛ لأنهم كانوا يَدّعون أنهم (١) على دين إبراهيم، فأخبر الله تعالى أنهم قد كَذَبُوا؛ لأن إبراهيم كان موحدًا قد أوحى (٢) إليه: أن لا تشرك باللهِ شيئًا. وقال المبرد: معنى لا تشرك باللهِ شيئًا: وحد الله كأنه قيل له (٣): وحدني في هذا البيت. قوله ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ﴾ قال قتادة: من الشرك وعبادة الأوثان (٤). وقال عبيد بين عمير: من الآفات والريب (٥). وهذا مما سبق تفسيره في سورة البقرة (٦). قوله: ﴿وَالْقَائِمِين﴾ يعني: المصلين (٧) الذين هم قيام في صلاتهم. ٢٧ - قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ معنى التأذين: النداء والتصويت للإعلام (٨) وذكرنا ذلك عند قوله: ﴿فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٤٤] وقوله: ﴿ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ﴾ [يوسف: ٧٠] وقوله: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣].

стр. 8781

قال جماعة المفسرين: لما فرغ إبراهيم من بناء البيت قيل له: أذن (١) في الناس بالحج. قال: يا رب وما يبلغ صوتي؟ قال: أذن وعلي البلاغ. فصعد إبراهيم على أبي قبيس والمقام معه، ثم صاح: يا أيها الناس إن الله يدعوكم إلى حج بيته الحرام، ليثيبكم به الجنة ويجيركم (٢) من عذاب النار. نادى ما شاء الله من ذلك، فأجابه من كان في أصلاب الرجال وأرحام النساء: لبيك اللهم لبيك. من (٣) أجاب يومئذ حج على قدر الإجابة، إن أجاب مرة فمرة، وإن أجاب مرتين فمرتين على قدر ذلك. فذلك (٤) قوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ (٥). هذا الذي ذكرنا هو (٦) قول جماعة المفسرين إلا الحسن، فإنه قال: هذا الأمر بالتاذين للنبي ﷺ أمر أن يفعل ذلك في حجة الوداع، ففعل ذلك حيث قال: يا أيها الناس كتب عليكم الحج (٧). وإنما قال: ﴿يَأْتُوكَ﴾ (٨) وإن كانوا يأتون الكعبة، لأن المنادي كان

стр. 8782

إبراهيم فمن أتى الكعبة حاجًا فكأنه قد أتى إبراهيم ﵇، لأنه مجيب نداه. وفيه أيضا تشريف لإبراهيم حين خوطب بالإتيان. ورجال: جمع راجل، مثل: صَاحِب وصِحَاب، وقَائِم (١) وقِيَام (٢). وبُدئ بذكرهم تشريفًا لهم لزيادة تعبهم. وقوله: ﴿وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ أي: وركبانًا. والضمور: الهزال، ومثله الضُّمْرُ (٣)، ضَمُرَ يَضْمُرُ ضُمُورًا (٤). قال ابن عباس: يريد الإبل وغيره (٥). قال الكلبي: لا يدخل بعير ولا غيره الحرم إلا وقد ضمر. وقوله ﴿يَأْتِينَ﴾ جمع الفعل لمعنى (٦) كل، ولو قال يأتي على اللفظ صح (٧). قوله ﴿مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ أي: طريق بعيد. قاله الجميع (٨). وذكرنا الكلام في الفج عند قوله: ميه ﴿فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١]. والعميق: البعيد. قال الليث: الفج: المضرب البعيد (٩).

стр. 8783

وقال غيره (١): هو الشعب الواسع بين جبلين. قال (٢): ويقال: مَعِيق وعَميق، العميق في الطريق أكثر. قال الفراء لغة أهل الحجاز عميق، وبنو تميم تقول (٣): معيق (٤). وتقول العرب (٥): بئر عميقة ومعيقة، [وقد] (٦) أعمقتها وأمعقتها، وقد عمُقَت ومَعُقَت مَعَاقَةَ، وإنها لبعيدة العَمْق والمَعْق (٧). والأمْعَاق والأعْمَاق: أطراف المفازة البعيدة (٨). قال رؤبة (٩):

стр. 8784

وقاتم الأعماق خاوي المخترق ٢٨ - قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ أي: ليحضروا مشاهد مكة ومشاعرها. يعني: الناس الذين ذكروا في قوله ﴿يَأْتُوكَ﴾. قولى: ﴿مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ قال ابن عباس في رواية أبي رزين: هي الأسواق (١). وهو قول سعيد بن جبير والسدي: يعني التجارة (٢). واختيار ابن قتيبة (٣). وعلى هذا المنافع تختص بمنافع الدنيا. وقال في رواية عطاء: منافع لهم في الدنيا والآخرة (٤). وهو قول مجاهد: يعني التجارة، وما يرضي الله سبحانه من عمل الدنيا والآخرة (٥). والمنافع على هذا القول شائعة في الأجر والتجارة (٦).

стр. 8785

وقال العوفي، وسعيد بن المسيب، والباقر (١): هي العفو والمغفرة (٢). فخصوا المنافع بمنافع الآخرة. وهذا القول اختيار أبي إسحاق، قال: ليشهدوا ما ندبهم الله إليه مما فيه النفع لهم في آخرتهم (٣). قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد أيام الحج، وهي يوم عرفة والنحر وأيام التشريق (٤).

стр. 8786

وهذا القول اختيار أبي إسحاق (١). وقال الحسن وقتادة: الأيام المعلومات أيام عشر ذي الحجة، والمعدودات أيام التشريق (٢). وإنما قيل لهذه معدودات لأنها قليلة، وقيل لتلك معلومات للحرص على علمها (٣) بحسابها من أجل وقت الحج في آخرها (٤). وقال مقاتل: المعلومات: أيام التشريق (٥). وهذا قول القرظي، لأنه

стр. 8787

جعل المعدودات والمعلومات واحدة (١). والاختيار قول ابن عباس. قال أبو إسحاق: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢). [يعني أن هذه الأيام يجب أن تختص بأيام الذبح، لأن قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣) المراد به التسمية عند الذبح. قال قتادة: كان (٤) يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل: بسم الله والله أكبر، اللهم منك عن فلان (٥). ونحو هذا ذكر الكلبي. وأول وقت الذبح يوم النحر إذا طلعت الشمس، ومضى من اليوم مقدار صلاة رسول الله ﷺ ، فمن ذبح قبل هذا لم يحتسب من الضحايا، وآخر أيام الذبح إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام، والليالي في خلال هذه الأيام وقت (٦) ذبح (٧). ومن فسر المعلومات بالعشر من ذي الحجة قال: لما كان يقع هذا النوع من الذكر في آخر يوم منها جاز أن يوصف الذكر بأنه فيها كلها، لأن هذا اليوم وهو اليوم العاشر من جملة العشر فالذكر واقع في العشر، والعشر

стр. 8788

ليس تخلو من هذا الذكر. قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام. قال ابن عباس: يريد البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، كل ذلك يريدون بها الله . و ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الأنعام، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة المائدة. وفي هذا دليل على أن الضحايا والهدايا مختصة بالأنعام، وتفسيرها ما ذكره ابن عباس، وذكرناه في مواضع (١). قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: أجاز الله تعالى الأكل مما أهديت، وأما الكفارة فلا يأكل منها أصحابُها. قال أبو إسحاق: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس بأمر لازم، من شاء أكل من أضحيته ومن شاء لم يأكل، وإنما هو إباحة كما قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وإنما قال ﴿فَاصْطَادُوا﴾ لأنه قد كان حظر عليهم الصيد وهم محرمون، فأباح لهم الصيد، وكذلك هذا الأمر هاهنا بعد حظرهم كان (٢) على أنفسهم أكل الأضاحي، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لم يستحلوا أن يأكلوا من نسائكهم شيئًا، فأعلم الله أن ذلك جائز (٣). هذا معنى قول ابن عباس: أجاز الله الأكل بما أهديت. وقوله (٤) (أما الكفارة فلا يأكل منها أصحابها): كل هدي كان صاحبه متطوعًا به جاز له

стр. 8789

الأكل، فأما إذا كان كفارة وجبرانًا لنقصان نسك أو ترك نسك، فلا يجوز له أن يأكل منه، وذلك مثل دم القرآن والتمتع (١)؛ لأنه وجب بترك أحد الميقاتين، وكذلك دم الإساءة لأنه وجب بسبب مجاوزة الميقات وكذلك دما (٢) القَلَمِ والحلق وسائر المحظورات (٣)، وإنما أكل رسول الله ﷺ من لحم هديه (٤)، لأنه أفرد الحج فلم يجب عليه في حجه دم (٥). والذي ذكرنا في قوله ﴿فَكُلُوا﴾ أنه أمر إباحة هو قول جميع المفسرين (٦).

стр. 8790

قال إبراهيم ومجاهد: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وكان أهل الجاهلية إذا نحروا لم يستحلوا أكل ذبائحهم (١). قوله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال ابن عباس: البائس: الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه، وبان البؤس عليه. والفقير الذي لم يظهر بؤسه، وثيابه نقيه، ووجهه وجه غني (٢). وهذا الذي ذكره يوجب الفرق بينهما، وحينئذ فيجب أن يكون (والفقير) بواو العطف، وإذا ذكر معه (٣) بغير حرف العطف فهو من صفة البائس. والبائس: الذي ناله (٤) بؤس، وهو شدة الفقر. يقال: قد بؤس وبئس، إذا صار ذا بؤس. ذكر ذلك الزجاج (٥). وروي عن ابن عباس: أنه فسر البائس هاهنا بالزَّمِن (٦).
следующие страницы →