стр. 8786
← Тафсир следующие страницы →
Тафсир · id 13231
التفسير البسيط
الواحدي
Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8786–8825 · переход к 8791.
стр. 8787
جعل المعدودات والمعلومات واحدة (١). والاختيار قول ابن عباس.
قال أبو إسحاق: لأن الذكر هاهنا يدل على التسمية على ما ينحر لقوله ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢).
[يعني أن هذه الأيام يجب أن تختص بأيام الذبح، لأن قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٣) المراد به التسمية عند الذبح.
قال قتادة: كان (٤) يقال: إذا ذبحت نسيكتك فقل: بسم الله والله أكبر، اللهم منك عن فلان (٥). ونحو هذا ذكر الكلبي.
وأول وقت الذبح يوم النحر إذا طلعت الشمس، ومضى من اليوم مقدار صلاة رسول الله ﷺ ، فمن ذبح قبل هذا لم يحتسب من الضحايا، وآخر أيام الذبح إذا غربت الشمس يوم الثالث عشر، فهي أربعة أيام، والليالي في خلال هذه الأيام وقت (٦) ذبح (٧).
ومن فسر المعلومات بالعشر من ذي الحجة قال: لما كان يقع هذا النوع من الذكر في آخر يوم منها جاز أن يوصف الذكر بأنه فيها كلها، لأن هذا اليوم وهو اليوم العاشر من جملة العشر فالذكر واقع في العشر، والعشر
стр. 8788
ليس تخلو من هذا الذكر.
قوله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام.
قال ابن عباس: يريد البدن من الإبل والبقر والضأن والمعز، كل ذلك يريدون بها الله .
و ﴿بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ هي الأنعام، وذكرنا الكلام في هذا مستقصى في أول سورة المائدة.
وفي هذا دليل على أن الضحايا والهدايا مختصة بالأنعام، وتفسيرها ما ذكره ابن عباس، وذكرناه في مواضع (١).
قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال ابن عباس: أجاز الله تعالى الأكل مما أهديت، وأما الكفارة فلا يأكل منها أصحابُها.
قال أبو إسحاق: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس بأمر لازم، من شاء أكل من أضحيته ومن شاء لم يأكل، وإنما هو إباحة كما قال: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، وإنما قال ﴿فَاصْطَادُوا﴾ لأنه قد كان حظر عليهم الصيد وهم محرمون، فأباح لهم الصيد، وكذلك هذا الأمر هاهنا بعد حظرهم كان (٢) على أنفسهم أكل الأضاحي، لأن أهل الجاهلية كانوا إذا نحروا لم يستحلوا أن يأكلوا من نسائكهم شيئًا، فأعلم الله أن ذلك جائز (٣).
هذا معنى قول ابن عباس: أجاز الله الأكل بما أهديت. وقوله (٤) (أما الكفارة فلا يأكل منها أصحابها): كل هدي كان صاحبه متطوعًا به جاز له
стр. 8789
الأكل، فأما إذا كان كفارة وجبرانًا لنقصان نسك أو ترك نسك، فلا يجوز له أن يأكل منه، وذلك مثل دم القرآن والتمتع (١)؛ لأنه وجب بترك أحد الميقاتين، وكذلك دم الإساءة لأنه وجب بسبب مجاوزة الميقات وكذلك دما (٢) القَلَمِ والحلق وسائر المحظورات (٣)، وإنما أكل رسول الله ﷺ من لحم هديه (٤)، لأنه أفرد الحج فلم يجب عليه في حجه دم (٥).
والذي ذكرنا في قوله ﴿فَكُلُوا﴾ أنه أمر إباحة هو قول جميع المفسرين (٦).
стр. 8790
قال إبراهيم ومجاهد: إن شاء أكل وإن شاء لم يأكل. وكان أهل الجاهلية إذا نحروا لم يستحلوا أكل ذبائحهم (١).
قوله ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ قال ابن عباس: البائس: الذي ظهر بؤسه في ثيابه ووجهه، وبان البؤس عليه. والفقير الذي لم يظهر بؤسه، وثيابه نقيه، ووجهه وجه غني (٢).
وهذا الذي ذكره يوجب الفرق بينهما، وحينئذ فيجب أن يكون (والفقير) بواو العطف، وإذا ذكر معه (٣) بغير حرف العطف فهو من صفة البائس.
والبائس: الذي ناله (٤) بؤس، وهو شدة الفقر. يقال: قد بؤس وبئس، إذا صار ذا بؤس. ذكر ذلك الزجاج (٥).
وروي عن ابن عباس: أنه فسر البائس هاهنا بالزَّمِن (٦).
стр. 8791
وقال عطاء ومجاهد: هو الذي يسألك (١) ويمد إليك يده (٢).
قال أصحابنا: من أهدى أو ضحى فحسن أن يأكل النصف ويتصدق بالنصف لقوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ فتقسم الأضحية على هذين الأمرين (٣)، ومنهم من قال: يقسمها أثلاثًا لما روى أن النبي ﷺ قال: "إنما نهيتكم عن أكل لحوم الأضاحي لأجل الدافة التي دفت، ألا فكلوا (٤) وادخروا (٥) وائتجروا" (٦) أي: اطلبوا الأجر بالإطعام. فيقسمها أثلاثًا على الأوامر الثلاثة (٧).
الدافة: الجماعة التي (٨) يدفون أي: يسيرون سيرًا ليس بالشديد (٩).
стр. 8792
ولعل قومًا وردوا على رسول الله ﷺ ، فنهى أصحاب الضحايا عن أكلها لتشبع الواردة (١).
٢٩ - قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال أبو إسحاق: أهل اللغة لا يعرفون التفث إلا من التفسير (٢).
وقال النضر: التفث: النسك من مناسك الحج، رجل تَفِث: أي: مُغْبرٌّ (٣) شعث، لم يدَّهن ولم يستحد (٤).
قال الأزهري: لم يفسر أحد من اللغويين التفث كما فسره ابن شميل، جعل التفث الشعث، وجعل قضاءه إذهاب الشعث بالحلق وما أشبهه (٥).
وقال ابن الأعرابي في قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: قضاء حوائجهم من الحلق والتنظيف (٦).
وقال المبرد: التفث هاهنا فضول الشعر والأظفار من شعر الإبطين والعانة، وأصل التفث في كلام العرب: فعل قاذورة تلحق الإنسان فيجب عليه نقضها و ﴿لْيَقْضُوا﴾ أي: ليحكموا (٧) الأمر فيه (٨).
стр. 8793
هذا كلام أهل اللغة في التفث، والأمر على ما قاله الزجاج، وليس له أصل في اللغة يسند إليه وإنما عرف ذلك من التفسير. ويشبه أن يكون الأمر على ما ذكره المبرد من (١) أن التفث معناه في اللغة: الوسخ والقذارة من طول الشعر والأظفار. والقلم والحلق من أعمال الحج، ثم سمى أعمال الحج كلها التفث. يدل (٢) على هذا ما روي عن عكرمة أنه قال: التفث. الشعر والظفر (٣). يعني ما طال منهما.
قال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الذبح، وحلق الرأس والشعر كله، وقص الأظفار (٤).
وقال في رواية الوالبي: هو وضع الإحرام بحلق الرأس، وقص الأظفار، ولبس الثياب، ونحوها (٥).
стр. 8794
وقال في رواية عكرمة: قضاء النسك كله (١).
وهو قول ابن عمر (٢)، ومجاهد (٣)، والقرظي (٤) أنه: مناسك الحج: من الوقوف والطواف، والسعي، ورمي الجمار، وأخذ الشارب، ونتف الإبط وحلق العانة، وقص الأظفار.
قال أبو إسحاق: كأنه الخروج من الإحرام إلى الإحلال (٥).
قال أصحابنا: ذكر الله تعالى النحر في الآية الأولى في قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم عقب ذلك بقضاء التفث؛ فدل على أن ترتيب أفعال يوم النحر: أن يبدأ الحاج بنحو الهدي بعد رمي الجمار ثم بالحلق وهذا من طريق الندب بالسنة لا من طريق الوجوب (٦).
وأفعال يوم النحر أربعة: الرمي، والنحر، والحلق، والطواف، وهو طواف القرض. ويسعى بين الصفا والمروة إن لم يكن سعى على إثر طواف
стр. 8795
القدوم، وإن كان قد سعى يحسب له ذلك (١) من فرض حجه؛ لأن السعي يجوز أن يتقدم على الوقوف بعرفة، ولكن لا يصح سعي إلا في إثر طواف (٢). وطواف الفرض لا يصح إلا بعد الوقوف بعرفة. وتقديم أفعال يوم النحر بعضها على بعض يجوز (٣)، وما (٤) سئل رسول الله ﷺ [يوم النحر] (٥) عن شيء (٦) قدم أو أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" (٧).
والقراءة في تسكين لام ﴿لْيَقْضُوا﴾ وتحريكها ذكرنا وجهها عند قوله ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ (٨).
وقوله: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ قال ابن عباس: هو نحو ما نذروا من البدن (٩). وقال مجاهد: يعني نذر الحج والهدي، وما نذر الإنسان من
стр. 8796
شيء يكون في الحج (١). والمعنى: وليوفوا بما (٢) نذروا لله من هدي وبدنة وغير ذلك.
وقال بعضهم: يعني الذين نذروا أعمال البر في أيام حجهم أمرهم الله بالوفاء بها (٣). وربما ينذر الرجل أن يتصدق إن رزقه الله لقاء الكعبة (٤). وإن كان على الرجل نذور مطلقة لا يتقيد بأهل بلدة (٥) مخصوصة فالأفضل (٦) أن يتصدق ويهدي إلى الكعبة وأهلها فذلك قوله ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ أي: وليتموها بقضائها، ولذلك لم يقل بنذورهم كما قال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١١١] وقال ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]؛ لأن المراد به الإتمام. والإتمام لا يقتضي الجارة.
قوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني الطواف الواجب ويسمى (٧) طواف الإفاضة، لأنه يكون بعد الإفاضة من عرفات، ويُسمى طواف الزيارة لأنه يزور البيت (٨) بعد الوقوف (٩). ويكون هذا الطواف في يوم النحر أو بعده.
стр. 8797
قال عطاء عن ابن عباس: إن كانت معك امرأة فإذا رميت (١) جمرة العقبة وزرت البيت حلت لك، وإن لم (٢) تكن معك امرأة فلا (٣) عليك أن تزور البيت حتى تفرغ من جميع أيام الجمار. يعني بالزيارة الطواف.
قال أصحابنا: الآية تدل على وجوب الطواف بالبيت. فلو طاف فدخل (٤) الحجر أو مشى على جدار الحجر لم يحسب طوافه؛ لأنه طاف في البيت (٥)، وذلك أن الحجر من البيت (٦).
وقوله ﴿الْعَتِيقِ﴾ روى (٧) ابن الزبير قال: قال رسول الله ﷺ : "إنما سَمَّى الله (٨) البيت العتيق؛ لأن الله أعتقه من الجبابرة، فلم يظهر عليه جبار قط" (٩).
стр. 8798
وهذا قول مجاهد وقتادة وابن عباس والكلبي (١)، قالوا: أُعتق من الجبابرة، فلم يسلط عليه جبار أراد دخوله، ولكن يذل له ويتواضع.
وهذا القول أكثر ما جاء في التفسير (٢). وقال سفيان بن عيينة: سمي بذلك لأنه لم يملك قط (٣).-هو قول مجاهد- في رواية عبيد المكتب (٤) - قال: ليس لأحد فيه شيء (٥).
فعلى هذا يُسمي العتيق؛ لأنه لم يدعه أحد من الناس.
قال الزجاج: وقيل ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ الذي أعتق من الغرق أيام الطوفان (٦)، ودليل هذا القول ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾
стр. 8799
[الحج: ٢٦] وهذا دليل أن البيت رفع وبقي مكانه (١).
وعلى هذه الأقوال العتيق بمعنى: المعتق.
يقال: أعتقت المملوك فهو معتق وعَتِيقٌ (٢). فالبيت (٣) مُعتقٌ من الجبابرة ومن ملك الناس ومن الغرق.
وقال الحسن: ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾: البيت القديم (٤).
وهو قول ابن زيد (٥) ودليل هذا التأويل قوله ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] الآية. وعلى هذا القول ﴿الْعَتِيقِ﴾: فعيل من عتق يعتق إذا صار عتيقًا قديمًا (٦). وقول من قال إن العتيق: بمعنى الكريم من قولهم: فرس عتيق ليس بشيء؛ لأن معنى العتيق في الخيل: السابق، يقال عتقت الفرس إذا سبقت الخيل فنجت (٧) (٨).
وليس يحسن هذا المعنى في البيت.
٣٠ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: موضع (ذلك) رفع. المعنى: الأمر ذلك (٩).
стр. 8800
يعني ما ذكر من أعمال الحج.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ قال الليث: الحرمة ما لا يحل انتهاكه، وتقول: فلان له حُرمة، أي تحرم منا لصحبة (١) أو حق (٢).
وقال الزجاج: الحرمة: ما وجب القيام به وحرم التفريط فيه (٣).
وأما معنى الحرمات -هاهنا- فقال عطاء: هي معاصي الله (٤).
وعلى هذا الحرمات: هي ما نهي عنها، ومنع من الوقوع فيها وانتهاكها، وتعظيم حرمات الله ترك ما حرمه الله.
وقال مجاهد: الحرمة مكة والحج والعمرة، وما نهى الله عنه من معاصيه (٥).
فزاد مجاهد المناسك والمأمور بقيامها، وقد جمع في هذا القول المأمور به والمنهي عنه [فالمأمور به من مناسك الحج حرم التفريط فيه] (٦) والمنهي عنه من المعاصي حرم ملابستها فهي كلها حرمات.
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد فرائض الله وسننه (٧).
وهذا القول هو أجمع الأقوال لأنه يجمع المأمور به والمنهي عنه.
стр. 8801
وكثير من أهل التأويل اختاروا في معنى الحرمات هاهنا أنها المناسك، لدلالة ما يتصل بها من الآيات عليه، فقال أبو إسحاق: ﴿حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾: الحج والعمرة وسائر المناسك. ثم قال: وكل ما فرضه الله فهو من حرمات الله (١).
يعني أن تفسير الحرمات في هذه الآية ما ذكر، ويجوز أن يسمى الفرائض كلها حرمات الله؛ لأنها مما يحرم التفريط فيها.
وقال ابن قتيبة: يعني رمي (٢) الجمار، والوقوف بجمع، وأشباه ذلك، وهي شعائر الله (٣).
وهذه كلها (٤) من المناسك. وعلى هذا تعظيم المناسك: القيام بها.
وخص ابن زيد الحرمات بما يقع عليه اسم الحرام، فقال: الحرمات: هي خمس: البيت الحرام، والبلد الحرام، والشهر الحرام، والمسجد الحرام، والإحرام (٥) (٦).
ويدل على هذا التأويل قوله تعالى: ﴿وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقد مر.
стр. 8802
وقوله: ﴿فَهُوَ﴾ أي: التعظيم. والفعل يدل على المصدر، فكنى عنه (١). وقوله ﴿خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ يعني في الآخرة.
وقال ابن عباس: فإن ذلك زيادة له في طاعة الله والمخافة منه.
وقوله: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ﴾ يعني: الإبل والبقر والغنم ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: تحريمه يعني في سورة المائدة من الميتة والمنخنقة. الآية (٢).
قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الرجس: الشيء القذر. وكل قذر رجس (٣). وذكرنا الكلام فيه عند قوله: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
والأوثان: جمع وثن. قال شمر: الأوثان عند العرب: كل تمثال من خشب أو حجارة أو ذهب أو فضة أو نحاس ونحوها، وكانت العرب تنصبها وتعبدها، وكانت النصارى تنصب الصليب وتعظمه، وهو كالتمثال، ولذلك سماه الأعشى وثنًا، فقال:
تطوف (٤) العُفاة بأبوابه ... كطوف النصارى ببيت الوثن (٥)
стр. 8803
أراد بالوثن: الصليب. وسمى رسول الله ﷺ الصليب وثنًا كما سماه الأعشى (١)، وهو ما روي أن عدي بن حاتم قال: قدمت على النبي ﷺ ، وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "ألق هذا الوثن عنك" (٢) أراد به الصليب (٣).
واشتقاق هذا اللفظ من قولهم: وَثَن الشيء، إذا قام في مكانه وثبت. والواثن: الشيء المقيم الراكد في مكانه. قال رؤبة:
على أخلاء الصَّفاء الوُثَّن (٤)
стр. 8804
[يعني الدوم (١) على العهد] (٢) (٣).
فسمى الصنم وثنًا، لأنَّه ينصب ويركز في مكان فلا يبرح عنه. والمعنى: كونوا على جانب من الأوثان فإنها رجس.
قال ابن عباس: يريد عبادة الأوثان (٤). وعلى هذا فالرجس عبادة الأوثان، لأنها سبب الرجس، وهو المأثم في قول الكلبي (٥).
وقال عطاء عن ابن عباس: الرجس: العذاب (٦). وهو قول ابن زيد (٧).
وقال الزجاج: الرجس: اللعنة في الدنيا، والعذاب في الآخرة (٨).
وهذا الأقوال ذكروها في قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ﴾ [الأنعام: ١٢٥].
قال الأخفش في هذه الآية: المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي يكون منها. أي: عبادتها (٩).
стр. 8805
وعلى هذا سميت عبادتها رجسًا؛ لأنها تؤدي (١) إلى الرجس الذي هو اللعنة والعذاب. وعلى قول الكلبي هي رجس؛ لأنها مأثم.
وقال أبو إسحاق: (من) هاهنا تخليص (٢) جنس من أجناس (٣)، المعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو وثن (٤).
وهذا قول أكثر أهل التأويل جعلوا (من) هاهنا تبيينًا للجنس. وعلى هذا الرجس: الوثن، سمي رجسًا كما سمي عبادتها (٥) رجسًا في القول الأول. وليس الرجس في هذه الآية من القذارة والاستقذار في شيء.
وقال المبرد: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ والأوثان كلها رجس، وتأويله -والله أعلم: فاجتنبوا الرجس (٦) المضاف إلى هذا الاسم، كما قال في وصف أصحاب نبيه ﷺ ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩] وكلهم مؤمن، ولكن تأويله -والله أعلم-: المضافين إلى هذا الوصف. قال: ومن ذلك قول سيبويه في أول كتابه: هذا باب علم ما الكلم من العربية (٧)، أي: ما الكلم المضاف
стр. 8806
إلى هذه اللغة التي يقال لها العربية؛ لأن الكلم بعضها، كما أن الرجس ليس بعض الأوثان. انتهى كلامه (١).
وهذا هو معنى ما ذكره الزجاج.
قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ الزور (٢): الباطل والكذب (٣).
واختلفوا في معنى قول الزور -هاهنا- فذهب قوم إلى أنه الشرك بالله. وهو أن أهل الجاهلية كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريك (٤) هو لك (٥) يريدون الصنم.
وقال عطاء عن ابن عباس: يريد قولهم: الملائكة بنات الله. وروى خريم بن فاتك (٦): أن النبي ﷺ قام خطيبًا، فقال: "عدلت شهادة الزور بالشرك بالله". مرتين، ثم قرأ هذه الآية (٧). يريد أنه قد جمع في النهي بين
стр. 8807
стр. 8808
وذكر أبو إسحاق قولا آخر، فقال: الآية تدل على أنهم نُهُوا أن يُحرِّمُوا ما حرم أصحابُ الأوثان نحو قولهم ﴿مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] ونحو تحريمهم (١) البحيرة والسائبة (٢)، فأعلمهم الله أن الأنعام محللة إلا ما حرم منها، ونهاهم الله عن قول الزور وهو أن يقولوا: هذا حلال وهذا حرام ليفتروا على الله كذبًا (٣) (٤).
٣١ - وقوله: ﴿حُنَفَاءَ﴾ قال ابن عباس: يريد موحدين. وهذا كقول من قال: مسلمين مستقيمين على الدين (٥). والحنيف: المائل عن الأديان كلهاه
стр. 8809
إلى دين الإسلام (١).
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: تأويله: مسلمين لا يميلون إلى دين غير (٢) الإسلام (٣).
وقال مجاهد: ﴿حُنَفَاءَ﴾ (٤) متبعين (٥). والحنيفية عند مجاهد إتباع الحق. وقال السدي والحسن: حَجَّاجًا (٦).
والحنيفية عند العرب: حج البيت (٧). وذكرنا الكلام في هذا عند قوله ﴿بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [البقرة: ١٣٥].
قوله: ﴿غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ قال الكلبي: غير مشركين بالله في التلبية،
стр. 8810
وذلك أن أهل الجاهلية كانوا يشركون في تلبيتهم بقولهم (١): إلا شريك هو لك.
وقال عبد الله بن القاسم (٢) مولى أبي بكر ﵁: كان الناس يحجون وهم مشركون، وكانوا يُسمون الحنفاء، لأن العرب تسمى الحاج: الحنيف، فلما أسلموا نزلت ﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ (٣).
أي: كما أنهم كانوا حنفاء مشركين فأنتم حنفاء غير مشركين بالله.
ثم ضرب لمن أشرك مثلا، فقال: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ﴾ [أي سقط] (٤) ﴿مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ﴾ يقال: خَطِفَ يَخْطَفُ، إذا أخذ بسرعة (٥). وخَطَفَ يَخْطِفُ أيضًا (٦). وذكرنا الكلام فيه عند قوله ﴿يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
وقرأ نافع (فتخطِّفه الطير) بالتشديد (٧). وإنما هو فتتخطِفه فحذف تاء
стр. 8811
التّفعّل (١)، وكلتا القراءتين حكايته حال تكون (٢). قال ابن عباس: يريد تخطف لحمه.
وقوله: ﴿أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ﴾ أي: تسقطه. يقال: هوى إذا سقط من أعلى إلى أسفل (٣). وقد مر (٤).
قوله ﴿فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ قال ابن عباس وغيره: بعيد (٥).
والسحق: البُعد. يقال: سحقًا له وبعدًا، وأسحقه الله سحقًا، وإنه لسحيق: بعيد (٦). والفعل منه (٧) سَحُقَ يَسْحَقَ (٨).
قال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن أشرك به (٩) في بعده من الهدى
стр. 8812
وهلاكه (١).
وذكر أهل المعاني قول قتادة، فقال الزجاج: هذا مثل ضربه الله للكافر في بُعده من الحق، فأعلم أن بُعد من أشرك به من الحق كبعد من خر من السماء، فذهبت به الطير أو هوت به الريح في مكان بعيد (٢). ونحو هذا قال ابن قتيبة (٣).
وقال غيره: شبه حال المشرك (٤) بحال الهاوي من السماء في أنه لا يملك لنفسه حيلة حتى يقع حيث تسقطه الريح، فهو هالك لا محالة إما باستلاب الطير لحمه وإما بسقوطه في المكان السحيق، كذلك الكافر لا يملك لنفسه شيئًا ولا دفع ضر يوم القيامة حتى يقع في النار، فهو هالك لا محالة (٥).
وقال أبو علي الفارسي: المعنى في هذا (٦) أنه قوبل به قوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ﴾ [البقرة: ٢٥٦] فكما كان المؤمن في إيمانه متمسكًا بالعروة الوثقى] (٧)،
стр. 8813
كان المشرك بعكس ذلك فلم يتمسك لكفره (١) وشركه بشيء يتعلق به، ولم يتمسك بما له فيه أمان من الخُرُور ونجاةٌ من الهُوي واختطاف الطير له، كالمؤمن المتمسك بإيمانه فصار كمن خر من السماء، فهوت به الريح، فلم يكن له في شيء من ذلك مُتعلق ولا معتصم فيكون له ثبات (٢).
٣٢ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الأمر ذلك، كما قلنا في قوله ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ﴾ ذكره المبرد عن سيبويه في هذه الآية (٣).
قوله: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قال مجاهد في رواية الحكم وابن أبي نجيح يعني استعظام البدن، واستسمانها، واستحسانها (٤).
وقال ابن عباس في رواية عطاء: يريد الهدي إذا أشعر وقلد، ثم نحر حتى يسيل دمه، ثم وقف في موقف عرفة.
فعلى هذا يعني بتعظيم شعائر الله: استعظام الهدايا والضحايا.
والشعائر: جمع شعيرة، وهي البدن يقال: أشعر الرجل بدنته، إذا جعل عليها علامة ليعلم أنه أوجبها بدنة (٥) وهو مذهب الشافعي (٦) رحمه
стр. 8814
الله في الإبل والبقر بجرح سنامها من الجانب الأيمن وهي مستقبلة القبلة كما فعل رسول الله ﷺ . وأما الغنم فإنها ضعيفة لا تحتمل الإشعار. والشعيرة بمعنى المُشْعَرة، وذكرنا الكلام في هذا عند قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨].
وعلى هذا القول المُهْدِي مندوب إلى طلب الأسمن والأعظم من الهدايا لقوله تعالى ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ ومن الشعائر التي أريد بها الضحايا قول الكُميت:
نُقَتِّلهُم جيلًا فجيلاً نَرَاهُمُ ... شَعَائِر قُرْبَانٍ بِهِم يُتَقَرَّبُ (١)
وهذا القول اختيار الزجاج؛ لأنه قال: والذي يعني به هاهنا البُدن (٢).
وقوله: ﴿فَإِنَّهَا﴾ قال الفراء: يريد: فإن الفعلة كما قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأعراف: ١٥٣] ومن بعده جائز. ولو قيل: فإنه من تقوى القلوب كان جائزًا. هذا كلامه (٣).
стр. 8815
وليس بقوي ولا ظاهر هاهنا، والصحيح أن المعنى: فإن تعظيمها، فحذف المضاف لدلالة ﴿يُعَظِّمْ﴾ على التعظيم كما قال ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [الحج: ٣٠] فكنى عن التعظيم لما دل يعظم عليه، كذلك هاهنا حذف التعظيم لما كان يعظم يدل عليه، والمعنى: فإن (١) اتخاذ البدن من أعظمها وأسمنها من تقوى القلوب.
قال ابن عباس: يريد من التقوى الذي اتقاه المتقون.
وأضاف التقوى إلى القلوب لأن حقيقة التقوى تقوى القلوب (٢)، كما روي في الحديث أن النبي ﷺ وقال: "التقوى هاهنا" وأشار إلى صدره (٣).
٣٣ - قوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر ﴿مَنَافِعُ﴾ أكثر أهل التفسير على أن المراد بهذا: أن (٤) في الهدايا منافع لصاحبها إلى أن يسميها هديا ويشعرها، فله منافع رسلها (٥) ونسلها وأصوافها وأوبارها وركوب ظهورها (٦) ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وهو أن يسميها هديًا فتنقطع المنافع بعد ذلك.
стр. 8816
وهذا قول مجاهد، وعطاء، والضحاك، وقتادة، ورواية مقسم عن ابن عباس، والكلبي (١)، قال: تُحلب وتركب إلى أن تُقلَّد وتُسمَّى.
وهؤلاء لا يرون الانتفاع بلبنها ولا بوبرها ولا بظهرها بعد أن سُميت هديًا، ويقولون: لا ينتفع بها غير أهل الله (٢)، إلا عند الضرورة المخوف معها الموت.
وروى ابن أبي نجيج، عن عطاء بن أبي رباح في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الهديا منافع، قال: هو ركوبها وشرب لبنها إن احتاج ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن تنحر (٣).
وهذا مذهب الشافعي (٤) ﵀، وعنده أن المُهْدِي لو ركب هديه ركوبًا غير فادح (٥) فلا بأس، لما روي أن النبي ﷺ مر برجل يسوق بدنة،
стр. 8817
فأمره بركوبها، وقال: (اركبها) فقال: إنها هدي فقال: (اركبها)، فقال: إنها هدي فقال: (اركبها ويحك) (١).
وله أن يحلب لبنها، والآية تدل على هذا؛ لأن قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ أي: في الشعائر، فالكناية عنها، ولا تسمى شعائر قبل إيجابها وتسميتها (٢). وهذا يدل على إباحة الانتفاع بها وهي تسمى شعائر (٣).
وعلى هذا القول المراد بالأجل المسمى: نحرها وذبحها.
وقوله ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ أي: حيث يحل [نحرها. وذكرنا هذا عند قوله ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وقوله ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ يعني عند البيت العتيق. وهو] (٤) الحرم كله، قال رسول الله ﷺ : "كلُّ فِجاج مكة منحرٌ ومَذبح، وكلُّ فِجاجِ مِنى مَنْحر ومَذْبح" (٥).
стр. 8818
وكثيرمن المفسرين يقولون: عني بالبيت العتيق: الحرم كله؛ لأن الحرم كله منحر (١).
وهذا وَهْمٌ لا يعبر عن الحرم بالبيت العتيق ولا يفهم ذلك منه؛ لأن البيت اسم للبنية المعروفة، فلا يقع على الحرم كله.
واحتج من قال بهذا بقول ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] يعني الحرم كله.
وهذا لا يُشبه قوله ﴿بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ لأن الحرم كله مسجد، على معنى أنه يجوز الصلاة فيه (٢) كما روي في الحديث: "جُعِلت لي الأرضُ مسجدًا" (٣).
فسماها كلها مسجدًا على المعنى الذي ذكرنا. والبيت لا يقع على الحرم كله، لو كان الأمر على ما قالوا لقيل: ثم محلها البيت العتيق، أي: الحرم، فلما قيل ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ (٤) دل على أن المعنى: عند البيت
стр. 8819
وما يقرب منه؛ لأن (إلى) تضم الشيء إلى الشيء، وتقربه منه (١).
هذا الذي ذكرنا كله على قوله من يقول: الشعائر: الهدايا.
وقال آخرون: الشعائر المناسك (٢) كلها، ومشاهد (٣) مكة. وهي المعالم التي أمر الله بالقيام بها، وندب إليها منها: عرفة، والجمار، والصفا والمروة، والمشعر الحرام.
وهذا قول ابن زيد (٤)، ورواية أبي رزين عن ابن عباس (٥).
وعلى هذا معنى تعظيم الشعائر: توقيرها، وترك الاستهانة بها.
قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ أي: بالتجارة والأسواق، قال ابن عباس: لم يذكر منافع إلا للدنيا (٦) ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أن يخرج من مكة (٧).
وقيل: ﴿مَنَافِعُ﴾ بالأجر والثواب لإقامة المناسك وتعظيم الشعائر ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى انقضاء أيام الحج (٨).
وقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا﴾ المحل (٩) على هذا القول مصدر أضيف إلى
стр. 8820
المفعول أي: الحل من هذه الأعمال إلى البيت العتيق، وهو الطواف به بعد قضاء المناسك. و ﴿إِلَى﴾ هاهنا صلة لفعل محذوف، وهو القصد أو الحج. والمعنى: ثم محلكم أيها المحرمون حجكم وقصدكم ﴿إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ بالزيارة والطواف.
وهذا معنى قول محمد بن أبي (١) موسى (٢): محل المناسك الطواف بالبيت (٣).
٣٤ - قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: جماعة مؤمنة. يعني من الذين سلفوا وتقدموا ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ المنسك هاهنا: المصدر من نَسَك يَنْسُك، إذا ذبح القربان (٤) (٥). وذكرنا معنى النسك في سورة البقرة (٦). قال مجاهد في قوله ﴿مَنْسَكًا﴾: يريد إهراقة الدماء (٧).
стр. 8821
وقال عكرمة (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل بن حيان: يعني ذبحًا.
وقراءة العامة بفتح السين، وقرأ حمزة والكسائي بكسرها (٣).
قال أبو علي (٤): الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا أو مكانًا، وكلاهما مفتوح العين إذا كان الفعل على: فَعَل يَفْعُل، نحو: قَتَل يَقْتُلُ مَقْتَلا، وهذا مَقْتَلُه. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المَفْعِل من هذا النحو، نحو: المَطْلِع من طَلَع يَطْلُع، والمسجد من سجد يسجد، فيمكن أن يكون هذا بما شذَّ عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعل الكسائي سمع ذلك. هذا كلامه (٥).
стр. 8822
والذي يدل على أن الكسائي سمع ذلك أنه قال في كتابه (١): (منسكًا).
و"منسكا" لغتان، كل (٢) قد قرئ بها (٣).
وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مَنْسَكًا﴾ يريد شريعة. يعني الذبح لأنه من جملة ما شرع.
وقال الكلبي: عيدًا (٤).
يعني وقتًا للذبح. فعلى هذا المنسك، اسم لزمان الذبح.
قال (٥) أبو إسحاق: المنسك في هذا الموضع يدل على معنى النحر، فكأنه قال: لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله، ويدل على ذلك قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ المعنى: ليذكروا اسم الله على نحو ما رزقهم من بهيمة الأنعام (٦).
وخص بهيمة الأنعام، لأنَّ البهيمة من غير الأنعام لا يحل ذبحها وأكلها كالخيل والبغال والحمير (٧)، فالبهيمة من الأنعام هي التي يجوز أن تُذبح في المناسك.
في هذه الآية دليل على أنَّ الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة بل
стр. 8823
كانت لكل أمة، وعلى أنَّ الضحايا لم تزل من الأنعام، وأنَّ التسمية على الذبح كانت مشروعة.
قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال أبو إسحاق: أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم (١) إلا الله وحده (٢).
وقوله ﴿أَسْلِمُوا﴾ أي: انقادوا وأطيعوا. وقال ابن عباس: أخلصوا (٣).
وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: المتواضعين (٤). وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله سبحانه (٥). وقال الأخفش: الخاشعين (٦). وقال ابن جرير: الخاضعين (٧).
стр. 8824
قال الزَّجَّاج: اشتقاقه من الخَبْت (١)، وهو المنخفض من الأرض.
فكل مخبت (٢) متواضع (٣). وذكرنا معنى الإخبات عند قوله ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣].
٣٥ - قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: خافت.
قال مقاتل بن حيان: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عندما يخوّفون (٤).
وهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس (٥) أنهم يخافونه حتى لا يرجونه.
وقوله ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله. قاله ابن عباس ومقاتل (٦).
﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله.
قال أبو إسحاق في قوله] (٧) ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾: القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة. [ويجوز: والمقيمين الصلاة (٨)، إلا أنه بخلاف المصحف] (٩). ويجوز أيضًا -على بعد-: والمقيمي
стр. 8825