← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8821–8860 · переход к 8826.

стр. 8821

وقال عكرمة (١)، وقتادة (٢)، ومقاتل بن حيان: يعني ذبحًا. وقراءة العامة بفتح السين، وقرأ حمزة والكسائي بكسرها (٣). قال أبو علي (٤): الفتح أولى لأنه لا يخلو من أن يكون مصدرًا أو مكانًا، وكلاهما مفتوح العين إذا كان الفعل على: فَعَل يَفْعُل، نحو: قَتَل يَقْتُلُ مَقْتَلا، وهذا مَقْتَلُه. ووجه الكسر: أنه قد يجيء اسم المكان على المَفْعِل من هذا النحو، نحو: المَطْلِع من طَلَع يَطْلُع، والمسجد من سجد يسجد، فيمكن أن يكون هذا بما شذَّ عن قياس الجمهور، فجاء اسم المكان على غير القياس، ولا يقدم على هذا إلا بالسمع، ولعل الكسائي سمع ذلك. هذا كلامه (٥).

стр. 8822

والذي يدل على أن الكسائي سمع ذلك أنه قال في كتابه (١): (منسكًا). و"منسكا" لغتان، كل (٢) قد قرئ بها (٣). وقال عطاء عن ابن عباس: ﴿مَنْسَكًا﴾ يريد شريعة. يعني الذبح لأنه من جملة ما شرع. وقال الكلبي: عيدًا (٤). يعني وقتًا للذبح. فعلى هذا المنسك، اسم لزمان الذبح. قال (٥) أبو إسحاق: المنسك في هذا الموضع يدل على معنى النحر، فكأنه قال: لكل أمة أن تتقرب بأن تذبح الذبائح لله، ويدل على ذلك قوله ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ المعنى: ليذكروا اسم الله على نحو ما رزقهم من بهيمة الأنعام (٦). وخص بهيمة الأنعام، لأنَّ البهيمة من غير الأنعام لا يحل ذبحها وأكلها كالخيل والبغال والحمير (٧)، فالبهيمة من الأنعام هي التي يجوز أن تُذبح في المناسك. في هذه الآية دليل على أنَّ الذبائح ليست من خصائص هذه الأمة بل

стр. 8823

كانت لكل أمة، وعلى أنَّ الضحايا لم تزل من الأنعام، وأنَّ التسمية على الذبح كانت مشروعة. قوله تعالى: ﴿فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال أبو إسحاق: أي لا ينبغي أن تذكروا على ذبائحكم (١) إلا الله وحده (٢). وقوله ﴿أَسْلِمُوا﴾ أي: انقادوا وأطيعوا. وقال ابن عباس: أخلصوا (٣). وقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾ قال ابن عباس، وقتادة، والضحاك: المتواضعين (٤). وقال مجاهد: المطمئنين إلى الله سبحانه (٥). وقال الأخفش: الخاشعين (٦). وقال ابن جرير: الخاضعين (٧).

стр. 8824

قال الزَّجَّاج: اشتقاقه من الخَبْت (١)، وهو المنخفض من الأرض. فكل مخبت (٢) متواضع (٣). وذكرنا معنى الإخبات عند قوله ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ٢٣]. ٣٥ - قوله تعالى ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد: خافت. قال مقاتل بن حيان: ﴿وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ عندما يخوّفون (٤). وهذا على أنهم إنما توجل قلبوهم إذا خوفوا بالله، ليس (٥) أنهم يخافونه حتى لا يرجونه. وقوله ﴿وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾ يعني من البلاء والمصائب في طاعة الله. قاله ابن عباس ومقاتل (٦). ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ في أوقاتها، يؤدونها كما استحفظهم الله. قال أبو إسحاق في قوله] (٧) ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾: القراءة الخفض وإسقاط النون، والخفض على الإضافة. [ويجوز: والمقيمين الصلاة (٨)، إلا أنه بخلاف المصحف] (٩). ويجوز أيضًا -على بعد-: والمقيمي

стр. 8825

الصلاةَ (١)، على حذف النون ونصب الصلاة لطول الاسم (٢)، وأنشد سيبويه (٣).

стр. 8826

والحافظو عورة العشيرة لا ... يأتيهم من ورائهم وكف وزعم أنه شاذ. انتهت الحكاية عن أبي إسحاق (١). ويحتاج هاهنا إلى أن نذكر طرفًا (٢) من شرح باب الإضافة مع الألف واللام. قال أبو علي في كتاب "الإيضاح": إذا ألحقت الألف واللام اسم الفاعل قلت: هذا الضارب زيدًا، ولا يجوز إضافة الضارب إلى زيد. فإن ثنيت (٣) قلت: الضاربان زيدًا، فإن حذفت النون قلت: الضاربا زيد، وكذلك الجميع، وقد يجوز إذا حذفت النون من اسم الفاعل في الاثنين والجميع إذا ألحقته (٤) الألف واللام أنْ تنصب فتقول: الضاربو زيدًا، وهكذا أنشدوا: الحافظو عورة العشيرة قال: والأكثر الجر كما قال تعالى: ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾ هذا كلامه (٥). ومعنى الضارب زيدًا أي: الذي ضرب زيدًا، ولا تجوز الإضافة في هذا، ويجوز في التثنية والجمع (٦) نحو: الضاربا زيد والضاربو زيد، وذلك لأنَّ زيدًا في التثنية والجمع يعاقب نون التثنية والجمع، والنون قد تكون مع الألف واللام، وزيد في الضارب زيد لا يعاقب تنوينًا، لأنه لا يكون

стр. 8827

التنوين مع الألف واللام، فلا يكون في الإضافة فائدة، وذلك أن الغرض في الإضافة اللفظية أن يحذف التنوين، فيحصل في اللفظ اختصار وتخفيف بسقوط التنوين ويعاقبه المفعول المنصوب فينجرّ (١) لقيامه مقام التنوين في اللفظ، وليس في الضارب تنوين فيحذف لذلك، فإذا قلت: "الضارب زيد" كنت قد عدلت عن الأصل الذي هو النصب لغير غرض لفظي ولا حقيقي، وفي التثنية والجمع جاز الإضافة في اللفظ وعلى هذا قوله ﴿وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ﴾، كما قال: الفاتحو باب الأمير المبهم، وأما من قال الضاربا زيدا والضاربو زيدا فإنه لم (٢) يحذف النون لأجل الإضافة، ولكنه يحذفه لطول الاسم، ولا يجعل لحذفه تأثيرًا (٣) في الحكم، ويبقى النصب على أصله كالبيت الذي أنشده سيبويه، والأصل (٤) في حذف النون لامتداد الاسم في بيت الكتاب (٥):

стр. 8828

أبني كليب إن (١) عمي اللذا قتلا ... الملوك وفككا الأغلالا أراد اللذان فحذف النون لطول الاسم بالصلة، إذ قد اجتمع الذي والفعل والفاعل والمفعول، لأن جميع ما يتعلق بالموصول واصل في جملته وجار مجرى الجزء (٢) من الاسم، ألا ترى أن تقديمه ممتنع، والأحسن إذا حذفت النون الكسر، لأجل أن النون إذا حذف وجب أن يكون له أثر في اللفظ، وإذا قصد النصب وجب أن تبقى النون لفظًا، غير أن الذي ينصب مع الحذف لا يعتد بالحذف (٣) حرصًا على إبقاء لفظ (٤) النصب. هذا الذي ذكرنا شرح ما ذكره أبو إسحاق مجملًا وهو مذهب البصريين (٥). وقال الفراء: إنَّما جاز النصب مع حذف النون؛ لأنَّ العرب لا تقول في الواحد إلا بالنصب. فيقولون: هو الآخذ حقه، ينصبون الحق، لا يقولون إلا

стр. 8829

ذلك، والنون مفقودة، فبنوا الاثنين والجميع على الواحد، فنصبوا بحذف النون، والوجه في الاثنين والجميع الخفض؛ لأنَّ نونهما قد تظهر إذا شئت وتحذف إذا شئت، وهي في الواحد لا تظهر، فلذلك نصبوا، ولو خفض في الواحد لجاز ذلك، ولم أسمعه إلا في قولهم: الضّارب الرجل، فإنّهم يخفضون الرجل وينصبونه، فمن خفضه شَبَّهَه بمذهب قولهم: مررت بالحسن الوجه، فإذا أضافُوه إلى مكنّى قالوا: أنْت (١) الضَّارِبُهُ، وأنتما (٢) الضَّارِبَاهُ (٣)، وأنتم الضَّاربوه. والهاء في القضاء عليها خفض في الواحد والاثنين والجمع، ولو نويت بها النصب كان وجهًا. وكان ينبغي لمن نصب أن يقول: هو الضارب إيّاه، ولم أسمع ذلك. هذا كلامه (٤). وهو كما ذكرنا من مذهب البصريين إلا في إضافة الواحد، فإنه يجوزه وعندهم لا يجوز ذلك. وقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ قال ابن عباس والكلبي: يريد يتصدقون من الواجب وغيره. وقال مقاتل: يؤذون الزكاة في طاعة ربهم (٥). ٣٦ - قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ﴾ قال الزجاج: البدن بتسكين الدال وضمها، بَدَنَةٌ وبُدْنٌ وبُدُنٌ، مثل قولك: ثَمَرَةٌ وثُمْر وثُمُرٌ قال: وإنما سميت بدنة لأنها تبدن أي: تسمن (٦).

стр. 8830

وقال الليث وغيره: البدنة بالهاء تقع على الناقة والبقرة والبعير مما يجوز في الهدي والأضاحي، ولا تقع على الشاة، وسميت بدنة لعظمها (١). قال ابن السكيت: يقال: بدن (٢) الرجل يبدن بَدْنًا وبدانة فهو بادن إذا ضخم، وهو رجل بَدَنٌ إذا كان كبيرًا، وأنشد (٣): أمْ (٤) ما بكاءُ البدن الأشيب (٥) وقال ابن الأنباري: يجوز أن يكون سميت بدنة لعظمها وضخامتها. ويجوز أن يكون سميت لسنّها، رجل بدن إذا كان كبير السنن، وبدنت أي أسنت، وبدنت أي: سمنت وضخمت (٦). والمفسرون يقولون في تفسير البدنة: إنّها الإبل والبقر. وهو قول عطاء

стр. 8831

والسدي (١). وقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي: من أعلام دينه. والمعنى: جعلنا لكم فيها عبادة لله ، من سوقها إلى البيت، وتقليدها، وإشعارها، ونحرها، والإطعام منها. ومضى الكلام في تفسير الشعائر (٢).

стр. 8832

وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾ قال ابن عباس: يريد في الدنيا والآخرة (١). قال المفسرون: يعني النفع في الدنيا والأجر في العقبى (٢). وذكرنا هذا (٣) المعنى (٤) مستقصىً عند قوله ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلا أن المراد بتلك المنافع الدنيا لقوله ﴿إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ والمراد بالخير هاهنا خير الدنيا والآخرة، كما ذكر ابن عباس. قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي: على نحرها، لأنَّ السنة أن يذكر الله عند نحرها. قال ابن عباس: هو أن يقول: بسم الله، والله أكبر لا إله إلا الله، اللهم منك ولك (٥). وقوله ﴿صَوَافَّ﴾ جمع صافّة، وهي فاعلة من الصَفّ، وهو جعل الأجسام يلي أحدها الآخر على منهاج واحد (٦). قال ابن عباس في رواية ابن أبي مليكة: قيامًا (٧). وقال ابن عمر: قيامًا مقيدة، سنة محمد ﷺ (٨).

стр. 8833

وقال مجاهد: الصَّواف: إذا عُقلت (١) إحدى يديها وقامت على ثلاث (٢)، وتنحر كذلك (٣). وعلى هذا هي صواف، لأنها قد صفت أيديها وأرجلها إذا وقفن على منهاج واحد، كما روى ليث، عن مجاهد قال (٤): يسوى بين أوظافها (٥) (٦). يعني لئلا يتقدم بعضها على بعض فلا تكون صواف. وفي هذا دليل على أنها تُنْحر قائمة واقفة مصفوفة، لأنها إن كانت باركة أو ماشية لا تكون صافة، ولا يتصور الصف في البدنة الواحدة إلا أن يقال إنها إذا وقفت صفت يديها أو رجليها (٧) إذا لم يعقل إحداهما، ولكن يتصور في البدن إذا وقفن فصففن أيديهن معقولة وغير معقولة، والدليل على أنها تعقل إحدى يديها قراءة عبد الله: "صوافن" (٨) وهي القائمة على ثلاث

стр. 8834

قوائم، ونذكر تفسيرها عند قوله ﴿الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١]. وقال أبو إسحاق -في قوله: ﴿صَوَافَّ﴾ -: أي قد صفت قوائمها (١). وقال أبو عبيدة: تصفّ بين أيديها (٢). وقال ابن قتيبة: أي: قد صُفَّت أيديها (٣). وقال ابن عباس في رواية أبي ظبيان في قوله ﴿صَوَافَّ﴾ قال: معقولة (٤). ونحوه قال عطاء، والفرَّاء (٥). وهو معنى وليس بتفسير، وذلك أنها إذا عقلت إحدى يديها وقفت فصفت يدها مع يد التي إلى جنبها. وكثير من الصحابة قرؤوا "صوافي" (٦) على معنى: خالصة لله، جمع صافية، أي: لا يشركوا في التسمية على (٧) نحرها أحدًا. وإلى هذا ذهب كثير من المفسرين (٨). ويدل من الآية على أنها تُنْحر قيامًا.

стр. 8835

قوله تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ قال أبو عبيدة (١)، والزَّجَّاج (٢)، وجميع أهل اللغة (٣): سقطت إلى الأرض. يقال: وجب الحائط يجب وَجْبَةَ إذا سقط، وسمعت له وجْبَةً، أي. وقعة، ووجبت الشمس إذا وقعت للغروب في المغيب، ووجب الشيء إذا (وقع لازمًا، ووجب القلب وجيبًا إذا] (٤) وقع وتحرك باضطراب (٥)، وأنشدوا لأوس بن حجر يرثي (٦): ألم تكسف الشمس والبدر ... والكواكب للجبل الواجب (٧) وقال الكميت: ألم ترني لقيت ضباء (٨) أنس ... بخيف مني ولم تجب الجنوب (٩) (١٠)

стр. 8836

وقال آخر: حلفت برب مكة والهدايا ... غداة النحر واجبة الجنوب (١) قال ابن عباس ومجاهد، والضحاك: خرت لجنوبها (٢). وذلك عند نزف دمها وخروج الروح منها، ولذلك قال ابن زيد في تفسيرها: فإذا ماتت (٣). لأنها تقف ما دامت الروح تبقى فيها، فإذا سقطت إلى الأرض فذلك حين تهدأ (٤) وتسكن حركتها، وهو وقت الأكل منها، ولذلك عقَّب الله تعالى هذه الحالة بالأمر بالأكل منها فقال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ وهذا يدل على أنّه لا ينبغي للمرء أن يعجل فيقطع منها ليأكل قبل أن يتم نحرها، ولكن يصبر حتى تسكن حركتها وكذلك السلخ يُبْتدأ بعد السكون، وهذا معنى قول عمر ﵁: لا تعجلوا الأنفس أن تزهق (٥) (٦).

стр. 8837

ولهذا ايضا نُهي عن النَّخْع (١)، وهو أن يقطع الحلقوم والمريء بعد الذبح وفري الأوداج (٢)، وذلك غير جائز؛ لأنه زيادة جراحة بعد تمام الذبح. ومعنى النخع: قطع النخاع، وهو العرق الذي في الفقار (٣). وذكرنا وجه هذا الأمر فيما تقدم من هذه السورة. قوله تعالى: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ القانع في الآية بمعنيين: أحدهما: أنه من القُنُوع بمعنى المسألة. يقال: قنع (٤) يقنع قنوعًا، إذا سأل. والقانع: السائل. ومنه الحديث في ذكر من لا تجوز شهادته: "ولا شهادة القانع مع أهل البيت" (٥).

стр. 8838

قال أبو عبيد (١): هو الرجل يكون مع القوم يطلب فضلهم ويسأل معروفَهُم، وأنشد (٢): لمالُ المرء يُصلِحُه فيغني ... مَفَاقِرَةُ أعفُّ من القُنُوع أي: من المسألة (٣). ومن هذا قول لبيد: وإعطائي المَوْلَى على حين فقره ... إذا قال أبْصِرْ خَلَّتي وقُنُوعي (٤) المعنى الثاني: أن القانع الذي لا يسأل وهو من القناعة. يقال: قَنِعَ يقنع

стр. 8839

قناعة وَقَنعًا (١) وقُنعَانًا (٢)، إذا رضي بما قُسم له وترك المسألة والتعرض (٣) قال ابن السكيت: ومن العرب من أجاز القُنُوع بمعنى القناعة، وكلام العرب الجيد هو الأول (٤). قال أبو زيد: قال بعضهم: القانع: السائل، وقال بعضهم: المتعفف؛ وكلُّ يصلح (٥). فذكر الوجهين. وكقول أبي زيد ذكر أبو عبيدة (٦) والزَّجَّاج (٧) الوجهين. وأما المعتر: فقال الأزهري: قال أهل اللغة: المعتر: الذي يُطِيف بك يطلب ما عندك سألك أو سكت عن السؤال (٨). وقال ابن الأعرابي: عررت (٩) فلانًا واعتررته وعروته (١٠) واعتريته (١١)، إذا أتيته تطلب معروفه (١٢).

стр. 8840

ونحو هذا قال أبو عبيدة (١)، وأنشد لحسان: لعمرك ما المعتر يأتي بيوتنا ... لنمنعه بالضّايع المتهضم (٢) فحصل من هذا أن القانع يجوز أن يكون السائل وغير السائل، وكذا المعتر إلا أنه لا ينفك من تعرض ونوع طلب. وعلى هذين الوجهين كلام المفسرين. منهم من يقول: القانع: الذي يسأل والمعتر الذي يأتيك بالسلام ويريك وجهه ولا يسأل، وهذا قول ابن عباس في رواية عطاء (٣)، وزيد بن أسلم (٤)، وابنه (٥)، وسعيد بن جبير (٦)، والكلبي (٧)، والحسن (٨)، وبكر بن عبد الله.

стр. 8841

ومنهم من يقول بعكس هذا فيقول: القانع: المتعفف الجالس في بيته، والمعترّ: السائل الذي يعتريك ويسأل. وهو قول ابن عباس في رواية الوالبي (١)، وعكرمة، وقتادة (٢)، وإبراهيم، ومجاهد (٣)، قالوا: القانع الذي يقنع ويجلس، والمعتر الذي يعتريك ويسأل. وروي عن ابن عباس قول ثالث وهو: أن كلاهما الذي لا يسأل، وهو رواية العوفي عنه، قال: القانع الذي يرضى بما عنده ولا يسأل، والمعتر الذي يتعرض لك ولا يسألك (٤). ونحو هذا روى ليث عن مجاهد قال: القانع: جارك وإن كان موسرًا، والمعتر: الذي يعتريك ولا يسألك (٥). وهذا أيضًا رواية خصيف عنه (٦). وعلى هذا إنما يُطْعم القانع بأن يرسل إليه، كما روى قابوس، عن أبيه (٧)، عن ابن عباس قال: القانع من أرسلت إليه في بيته (٨).

стр. 8842

والمستحب للمُهْدي أن يطلب القانع والمعتر، فيعطيهما جميعًا، قيامًا بالأمر وامتثالًا له. قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ كذلك أي: مثل ما وصفنا من نحرها قيامًا، والإطعام منها ﴿سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ﴾ نعمة منا عليكم لتتمكنوا من نحرها على الوجه المسنون. ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد لكي تطيعوني. وشكر الله طاعة له واعتراف بإنعامه. ٣٧ - قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾ قال الكلبي: كان أهل الجاهلية إذا نحروا البدن نضحوا دماءها حول البيت قربة إلى الله، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك، فأنزل الله هذه الآية (١).

стр. 8843

وقال الزَّجَّاج: كانوا إذا ذبحوا لطَّخُوا البيت بالدم (١). والمعنى: لن يصل إلى الله اللحوم ولا الدماء أي: لن يتقرب إليه بها. وقال مقاتل بن حيّان: لن يُرفع إلى الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يرفع إلى الله منكم الأعمال الصالحة والتقوى (٢). والمعنى لن يتقبل الله اللحوم ولا الدّماء، ولكن يتقبل التقوى فيها وفي غيرها بإيجاب الثواب عليها. وقيل: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها، ولكن يبلغه التقوى منكم (٣). وقال الأزهري: لن يصل إلى الله ما يُنيلكم به ثوابه غير التقوى، دون اللحوم والدماء (٤). قوله: ﴿وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد النيّات. وقال إبراهيم: التقوى ما أُريد به وجهه (٥).

стр. 8844

وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذي يصل إليه تقواه وطاعته فيما يأمر به (١). وحقيقة معنى هذا الكلام يعود إلى القبول. وذلك أنّ (٢) ما يقبله الإنسان يقال: قد ناله ووصل إليه. فخاطب الله تعالى الخلق كعادتهم في تخاطبهم والمعنى. لن يقبل الله اللحوم ولا الدماء إذا كانت من غير تقوى الله، وإنما يقبل منكم ما تتقونه به. وهذا دليل على أن شيئًا من العبادات لا يصح إلا بالنية، وهو أن ينوي بها التقرب إلى الله وأداء (٣) أمره واتقاء عقابه. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ﴾ تقدم تفسيره قبيل. ﴿لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: يريد على ما بين لكم وأرشدكم لمعالم (٤) دينه (٥) ومناسك حجه. وهو أن يقول: الله أكبر على ما هدانا (٦) ﴿وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ﴾ قال: يريد الموحّدين (٧) (٨). ٣٨ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قال المفسرون: يعني غائلة المشركين (٩). وقال أبو إسحاق: هذا يدل على النصر من عنده، أي: فإذا فعلتم هذا

стр. 8845

وخالفتم الجاهلية فيما يفعلونه في نحرهم وإشراكهم بالله، فإنّ الله يدفع عن حزبه (١). وقُرئ: "إنَّ الله يدافع" (٢). من دافع. وهو بمعنى دفع، وإن كان من المفاعلة، مثل: طارقت النعل، وعاقبت اللص، وعافاه الله (٣). قال الأخفش: أكثر الكلام "إن الله يدفع" بغير ألف. قال: ويقولون دفع الله عنك. قال: ودافع عربية إلا أن الأولى (٤) أكثر (٥). وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: خانوا الله، وجعلوا معه شريكًا، وكفروا نعمه (٦). وقال أبو إسحاق: إنَّ من ذكر غير اسم الله، وتقرب إلى الأصنام بذبيحة؛ فهو خوان كفور (٧).

стр. 8846

وقال أهل التفسير: كل خوان في أمانة الله كفور لنعمته (١) (٢). ٣٩ - وقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال ابن عباس فيما روى عنه سعيد بن جبير (٣)، وقتادة (٤)، والزهري (٥): هذه أول آية نزلت في القتال. وقال سعيد بن جبير: لما أخرج النبي ﷺ من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيَّهم ليهلكن. فنزلت هذه الآية. قال أبو بكر: فعرفت أنه سيكون قتال (٦). قال المفسرون: كان مشركو أهل مكة يؤذون أصحاب رسول الله ﷺ فلا يزالون يجيئون من بين مضروب ومشجوج، ويشكون ذلك فيقول لهم النبي ﷺ : "اصبروا فإنّي لم أؤمر بالقتال"، حتى هاجر فأنزل الله هذه الآية (٧).

стр. 8847

وروى ابن أبي نجيح، عن مجاهد -في هذه الآية- قال: ناس مؤمنون مهاجرون خرجوا من مكة إلى المدينة، وكانوا يمنعون، فأدركهم كفار قريش، فأذن الله للمؤمنين بقتال الكفار (١). وعلى هذا القول الآية نازلةٌ في قوم مخصوصين بأعيانهم. والقول الأول عليه أهل التفسير. قال مقاتل بن حيان: إن مشركي مكة كانوا يؤذون المسلمين بمكة، فاستأذنوا النبي ﷺ في قتالهم، فنهاهم فلما خرج إلى المدينة أنزل عليه بالمدينة هذه الآية، وهي أول آية نزلت عليهم (٢) في القتال (٣). وقرئ "أذن" بفتح الألف وبضمها (٤). فمن فتح الألف بني الفعل

стр. 8848

للفاعل لما تقدم (١) من ذكر الله تعالى (٢)، وقوله ﴿لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ﴾ في موضع نصب ومن ضم الألف بني الفعل للمفعول به، والمعنى على أن الله أذن لهم في القتال، والجار والمجرور في موضع رفع لإسناد الفعل المني للمفعول إليهم. والمأذون لهم في القتال أصحاب رسول الله ﷺ (٣). وقوله: "يقاتِلون" أي: الذين يقاتلون عدوهم الظالمين لهم بإخراجهم عن ديارهم. وهم المؤمنون. وقرئ "يقاتَلون" بفتح التاء (٤)، أي: الذين يقاتلهم المشركون، وهم المؤمنون، ويقوي هذه القراءة أن الفعل الذي بعده مسند إلى المفعول به وهو قوله: "ظلموا" (٥).

стр. 8849

وفي الآية محذوف يدل على ظاهر الكلام. قال الفراء (١) والزجاج (٢): المعنى: أذن لهم أن يقاتلوا. وقال أبو علي: المعنى فيه: أذن للذين يقاتَلون بالقتال. قال (٣): وحذف مثل هذه من الكلام للدلالة (٤) عليه حسن كثير (٥). وقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ قال المبّرد: أي من أجل أنّهم ظلموا. وقال أبو إسحاق: بسبب ما ظلموا (٦). قال ابن عباس: اعتدوا عليهم وظاهروا عليهم وأخرجوهم من ديارهم وأموالهم. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ قال مقاتل: يعني نصر أصحاب النبي ﷺ فنصرهم عليهم (٧). وقال أبو إسحاق: هذا وعبد من الله بالنَّصر (٨). ٤٠ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ ["الذين" في

стр. 8850

موضع خفض، المعنى: أذن للذين أخرجوا من ديارهم] (١) (٢). قوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾ قال الفراء (٣)، والزجاج (٤): أي لم يخرجوا إلا بأن وحَّدُوا الله، فأخرجتهم (٥) عبدة الأوثان لتوحيدهم. وعلى هذا: "لم يخرجوا" مضمر في الآية، ودل عليه ذكر الإخراج في أول الآية والاستثناء المذكور (٦).

стр. 8851

وقال سيبويه: هذا من الاستثناء المنقطع، المعنى: لكن بأن يقولوا ربنا الله (١). والمعنى: ولكن أخرجوهم بتوحيدهم. وذكر الفرَّاء هذا القول أيضًا، فقال: وإن شئت جعلت "أنْ" مستثناة كما قال: ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى﴾ [الليل: ٢٠] (٢). وحكى المبرد عن بعضهم قولاً آخر، وهو: أنَّ المعنى أخرجوا من ديارهم بأن جعل الحق في إخراجهم، أي: الذين استحقوا به الإخراج قولهم: ربنا الله، كما تقول: ما غبت علي إلا أنّي منصفٌ، أي: جعلت سبب غضبك إنصافي. أي: عدوانًا وظلمًا (٣). هذا كلامه (٤). وعلى هذا الاستثناء متصل، واستثنى التوحيد من الباطل لضرب من المبالغة كقول النابغة: ولا عيب فيهم غير أنَّ سيوفَهم ... بهن فلول (٥) من قِرَاعِ الكتائب (٦)

стр. 8852

فاستثنى ما ليس بعيب من جملة العيب، وهو ضرب من المبالغة في الكلام، والمعنى على أنَّهم لا يعابون إلا بما ليس بعيب، كذلك هؤلاء ما أخرجوا من ديارهم إلا بما لا يوجب الإخراج. وقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ وقرئ: "ولولا دفاع الله" (١). ومضى الكلام في هذا في الآية السابقة. قال أبو علي: ويجوز أن يكون الدفاع من دفع، كالكتاب من كتب، ولا يراد به مصدر فاعل، ولكن مصدر الثلاثة مثل: الكتاب والقيام والغياث (٢) (٣). وقوله: ﴿لَهُدِّمَتْ﴾ الهَدَم: مصدر هدمت البناء، إذا نقضته. يقال: هدمته فانهدم. والهدم: المهدوم (٤).

стр. 8853

وقرئ "لهدمت" بالتخفيف والتشديد (١). فالتخفيف يكون للكثير والقليل، يدلك على ذلك أنّك تقول: ضربت زيدًا ضربة، وضربته ألف ضربة. فاللفظ في الكثرة والقلة على حال واحدة. والتشديد يختص به الكثير (٢). وقوله: ﴿صَوَامِعُ﴾ جمع صومعة، وهي مُتَعبّد الراهب. قال الأزهري: الصومعة من البناء سميت صومعة لتلطيف أعلاها. يقال: صَمَّع الثريدة، إذا رفع رأسها وحدَّده (٣)، وكذلك صعنبها (٤). وسُميت الثريدة إذا سويت كذلك صومعة. ومن هذا يقال: رجل أصمع إذا كان حادّ الفطنة (٥). قال مجاهد، والضحاك (٦): يعني صوامع الرهبان.

стр. 8854

وقال قتادة: الصوامع للصابئين (١). وقال مقاتل بن حيان: هي البيوت التي على الطرق (٢). وقوله: ﴿وَبِيَعٌ﴾ [جمع بِيعة] (٣)، وهي كنيسة النصارى في قول أهل اللغة (٤) والمفسرين (٥). وقوله: ﴿وَصَلَوَاتٌ﴾ قال أبو إسحاق وأبو العباس (٦). هي كنائس اليهود، وهي بالعبرانية صلوتا (٧). وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والضحاك (٨)،

стр. 8855

ومقاتل (١). وقوله: ﴿وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾ يعني مساجد المسلمين من أمة محمد ﷺ في قول ابن عباس وغيره (٢). وأما معنى الآية: فقال أبو إسحاق: تأويل هذا: لولا أن الله دفع بعض الناس ببعض لهُدّم في كل شريعة نبي (٣) المكان الذي يصلى فيه، فكان لولا الدفع لهدم في زمن موسى ﵇ الكنائس التي كان يصلى فيها في شريعته، وفي زمن عيسى (٤) ﵇ الصوامع والبيع، وفي زمن محمد ﷺ المساجد (٥). وقال الأزهري: أخبر الله جل ثناؤه أنه لولا دفعه الناس (٦) عن الفساد

стр. 8856

ببعض الناس لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر البيع لأن صلوات من تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم (١) كانت فيها قبل نزول القرآن، وأحدثت المساجد وسمّيت بهذا الاسم بدهم. فبدأ جلَّ ثناؤه بذكر الأقدم، وأخَّرَ ذكر الأحدث (٢) وهذا مذهب أكثر أهل التأويل في هذه الآية. وقال ابن زيد: الصَّلوات: صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو (٣). وقال الأخفش: وعلى هذا فالصلوات لا تهدم، ولكن يحمل على فعل آخر كأنه قال: وتركت صلوات (٤). وقال أبو عبيدة: إنَّما يعني مواضع الصلوات (٥). والقول هو الأول. وقال الحسن: يدفع عن هدم (٦) مصليات أهل الذمة بالمؤمنين (٧). وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التفسير (٨) الذي ذكرنا في القول

стр. 8857

الأول، غير أن الأول (١) أولى؛ لأنهم قبل أن صاروا أهل الذمة حين كانوا على الحق كانت متعبداتهم مدفوعًا عنها، وأيضَّا فإنه يلزم أن يبدأ بدكر المساجد لفضلها، إذ بطلت البيع والكنائس في الإسلام. وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ينصر (٢) دينه وشريعته ونبيه. قال ابن عباس: يريد ينصر محمدًا ﷺ . قال مقاتل: وقد فعل، نَصر محمدًا (٣) ونَصر أهل دينه (٤). وقال أبو إسحاق: أي: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك (٥). وهذا وعد من الله بنصر من ينصر دينه وشريعته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ منيع في سلطانه وقدرته (٦). وقال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامه من عدوه (٧). ٤١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ ذهب بعض النحويين (٨) إلى أن هذا بدل من قوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾

стр. 8858

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ كل هذا من وصف قوم واحد (١). وعلى هذا ذكر الله تعالى المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، ثم ذكر أنه كان ينصر في كل زمان أهل دينه، ويدفع عنهم بالغزاة، ولولا ذلك لغلب عدوهم حتى تخرب (٢) متعبداتهم، وكذا يفعل بهذه الأمة، ينصرهم حتى يأمنوا في مساجدهم وديارهم، ثم عاد إلى وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾. وقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ من صفة ناصِريه (٣). يعني قوله ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وعلى هذا هو في محل النصب (٤). ومعنى ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين. وقوله: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ

стр. 8859

الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١). وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣). وقال محمد بن كعب: هم الولاة (٤). وقال أبو العالية: هم هذه الأمة (٥). وهذا قول الحسن (٦). وعكرمة: أهل الصلوات الخمس (٧). وهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ قرنا بالصلاة والزكاة. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. والمعنى: أنه يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مُدَّع. ٤٢ - ٤٤ - ثم عزى نبيه ﷺ عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك (٨) بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾

стр. 8860

[قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] (١) ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر (٢) قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه (٣). وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم (٤). يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله (٥). وأصل هذا من المَلَوين (٦). وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم (٧). ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة،
следующие страницы →