← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8856–8895 · переход к 8861.

стр. 8856

ببعض الناس لهدمت متعبدات كل فريق من أهل دينه وطاعته في كل زمان. فبدأ بذكر البيع لأن صلوات من تقدَّم من أنبياء بني إسرائيل وأصحابهم (١) كانت فيها قبل نزول القرآن، وأحدثت المساجد وسمّيت بهذا الاسم بدهم. فبدأ جلَّ ثناؤه بذكر الأقدم، وأخَّرَ ذكر الأحدث (٢) وهذا مذهب أكثر أهل التأويل في هذه الآية. وقال ابن زيد: الصَّلوات: صلوات أهل الإسلام تنقطع إذا دخل عليهم العدو (٣). وقال الأخفش: وعلى هذا فالصلوات لا تهدم، ولكن يحمل على فعل آخر كأنه قال: وتركت صلوات (٤). وقال أبو عبيدة: إنَّما يعني مواضع الصلوات (٥). والقول هو الأول. وقال الحسن: يدفع عن هدم (٦) مصليات أهل الذمة بالمؤمنين (٧). وعلى هذا القول لا يحتاج إلى التفسير (٨) الذي ذكرنا في القول

стр. 8857

الأول، غير أن الأول (١) أولى؛ لأنهم قبل أن صاروا أهل الذمة حين كانوا على الحق كانت متعبداتهم مدفوعًا عنها، وأيضَّا فإنه يلزم أن يبدأ بدكر المساجد لفضلها، إذ بطلت البيع والكنائس في الإسلام. وقوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ينصر (٢) دينه وشريعته ونبيه. قال ابن عباس: يريد ينصر محمدًا ﷺ . قال مقاتل: وقد فعل، نَصر محمدًا (٣) ونَصر أهل دينه (٤). وقال أبو إسحاق: أي: من أقام شريعة من شرائعه نصر على إقامة ذلك (٥). وهذا وعد من الله بنصر من ينصر دينه وشريعته. وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ منيع في سلطانه وقدرته (٦). وقال مقاتل: ﴿عَزِيزٌ﴾ في انتقامه من عدوه (٧). ٤١ - قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ ذهب بعض النحويين (٨) إلى أن هذا بدل من قوله ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾

стр. 8858

﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ كل هذا من وصف قوم واحد (١). وعلى هذا ذكر الله تعالى المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم، ثم ذكر أنه كان ينصر في كل زمان أهل دينه، ويدفع عنهم بالغزاة، ولولا ذلك لغلب عدوهم حتى تخرب (٢) متعبداتهم، وكذا يفعل بهذه الأمة، ينصرهم حتى يأمنوا في مساجدهم وديارهم، ثم عاد إلى وصفهم فقال: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾. وقال أبو إسحاق: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ﴾ من صفة ناصِريه (٣). يعني قوله ﴿مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ وعلى هذا هو في محل النصب (٤). ومعنى ﴿مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ نصرناهم على عدوهم حتى يتمكنوا من البلاد غير مقهورين. وقوله: ﴿أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ

стр. 8859

الْمُنْكَرِ﴾ قال ابن عباس: يريد المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان (١). وقال قتادة: هم أصحاب محمد ﷺ (٢). ونحو هذا قال مقاتل (٣). وقال محمد بن كعب: هم الولاة (٤). وقال أبو العالية: هم هذه الأمة (٥). وهذا قول الحسن (٦). وعكرمة: أهل الصلوات الخمس (٧). وهذه الآية تدل على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ إذ قرنا بالصلاة والزكاة. وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ كقوله: ﴿وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ [البقرة: ٢١٠]. والمعنى: أنه يبطل كل ملك سوى ملكه، فتصير الأمور إليه بلا منازع ولا مُدَّع. ٤٢ - ٤٤ - ثم عزى نبيه ﷺ عن تكذيبهم إياه، وخوف مخالفيه بذكر من كذَّب نبيه فأُهلك (٨) بقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾

стр. 8860

[قال بعض أهل المعاني. إنما قال: ﴿وَكُذِّبَ مُوسَى﴾،] (١) ولم يقل: وقوم موسى كما ذكر (٢) قوم غيره من الأنبياء؛ لأن قوم موسى كانوا بني إسرائيل وهم آمنوا به، وإنما كذّبه فرعون وقومه، وغيره من الأنبياء كذَّبه قومه الذين كانوا من نسبه (٣). وقوله: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخَّرت العقوبة عنهم وأمهلتهم (٤). يقال: أمْلى الله لفلان في العمر، إذا أخَّر عنه أجله (٥). وأصل هذا من المَلَوين (٦). وذكرنا هذا عنِد قوله ﴿وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ [مريم: ٤٦]. وقوله: ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب. قال ابن عباس: يريد: فعذبتهم (٧). ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ استفهام معناه التقرير، والنكير اسم من الإنكار. يقول: كيف أنكرت عليهم بالعقوبة. ألم أبدلهم بالنعمة نقمة،

стр. 8861

وبالكثرة (١) قلة، وبالحياة هلاكًا، وبالعمارة خرابًا؟ (٢). وقال أبو إسحاق: أي: ثم أخذتهم، فأنكرت أبلغ إنكار (٣). ٤٥ - ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٤) أي: وكم من قرية. ومعنى وكم من قرية: عدد كثير (٥). يعني القرى المهلكة بظلم أهلها حين كذبوا نبيهم. وذكرنا الكلام في "كأين" في سورة آل عمران (٦). وقوله (٧): "أهلكتها" وقرئ "أهلكناها" (٨) والاختيار التاء؛ لقوله ﴿فَأَمْلَيْتُ﴾ ﴿ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ (٩). ومن قرأ بالنون ذهب إلى أمثاله مما ذكر بلفظ الجمع كقوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ﴾ [الأنبياء: ١١] و ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا﴾ [الأعراف: ٤] و ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ﴾ [يونس: ١٣] (١٠).

стр. 8862

وقوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: أهلها ظالمون بالتكذيب والكفر ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ مضى تفسيره مستقصى في سورة البقرة (١). وقوله: ﴿وَبِئْرٍ﴾ ذكر الفراء في كسره ثلاثة أوجه: أحدها: العطف على العروش (٢). والثاني: الإتباع كقراءة من قرأ ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: ٢٢] بالخفض. الثالث: العطف على ﴿مِنْ قَرْيَةٍ﴾ (٣). وهذا هو المختار (٤)، والأولان خلفٌ (٥)؛ لأن المعنى وكم من بئر معطلة وقصر مشيد تركوها بعد إهلاكهم (٦). قوله تعالى: ﴿مُعَطَّلَةٍ﴾ أي: متروكة من العمل والاستقاء. ومعنى

стр. 8863

التعطيل: الترك من العمل. قال الليث: وإذا (١) ترك الثغر بلا حام يحميه فقد عطل، وبئر معطلة: لا يستقى منها، ولا ينتفع بمائها (٢). قال المبرد: والمعطل: المتروك على هيئته، وأصله مأخوذ من العطل، وهو: الجسم. وكأنها متروكة كما هي (٣). قل ابن عباس: يريد: بئر لا يستقى منها (٤). قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنه بمعنى المشيَّد، وهو المطول (٥) المرفوع، وذكرنا ذلك في قوله: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: ٧٨]. وهو قول قتادة، والضحاك، ومقاتل (٦). والثاني: أنه المجصص يقال: شاده يشيده، إذا بناه بالشِّيد وهو

стр. 8864

الجص والنورة (١) وأنشد أبو عبيدة (٢) لعدي بن زيد: شماده مرمرًا وجلله كِلْسًا ... فللطير في ذراه وكور (٣) وقال أبو إسحاق: أصل الشيد: الجص والنورة، وكل ما بني بهما أو

стр. 8865

بأحدهما فهو مَشِيد (١) بفتح الميم وكسر الشين. وهذا قول عطاء، وعكرمة، وأبي صالح، والسّدي، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأكثر المفسرين (٢). ومن المفسرين من يخصص البئر المذكورة في هذه الآية -وهو قول الضحاك، والسدي- قالا: كانت هذه البئر باليمن (٣). وليس بالوجه. ٤٦ - ثم حث على الاعتبار بحال من مضى من الأمم المكذبة فقال: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد: أفلم يسر قومك في أرض

стр. 8866

الشام وأرض اليمن ﴿فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ أي يعلمون بها مدلول ما يرون من العبر. (والمعنى: أفلم يسيروا فيعقلوا بقلوبهم ما نزل بمن كذب قبلهم. والتأويل: فتكون لهم قلوبٌ عاقلة [عالمة؛ لأن قوله) (١) ﴿يَعْقِلُونَ بِهَا﴾ صفة للنكرة، وقبل أن يسيروا لهم قلوب ولكن غير عاقلة، فإذا ساروا واعتبروا كانت لهم قلوب عاقلة] (٢) وعلى هذا النحو قوله ﴿أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾. قال ابن عباس: يريد من يسمع فلم يجب فلم يسمع. يعني أنهم غير سامعين إذا صمُّوا عن دعائك، أفلا يسيرون فيسمعوا (٣) أخبار الأمم المكذبة فيعتبروا. قال ابن قتيبة -في هذه الآية والتي قبلها-: وهل شيء أبلغ في العظة والعبرة من هذه الآية؟ لأن الله تعالى أراد (٤): أفلم يسيروا في الأرض، فينظروا إلى آثار قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتًا خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرًا لشُرب أهلها قد عُطّلت (٥) (٦)، وقصرًا بناه ملكها (٧) بالشيد قد خلا من السكن وتداعى

стр. 8867

بالخراب؛ فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي (١) نزل بهم. ونحو هذا قوله ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥]. انتهى كلامه (٢). ثم ذكر الله تعالى أنَّ (٣) أبصارهم الظاهرة لم تعم عن النظر، وإنما عميت أبصار (٤) قلوبهم فقال: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ﴾. قال الفراء: الهاء هاء عماد يوفى (٥) بها "إنَّ" ويجوز مكانها "إنَّه"، وكذلك هي في قراءة عبد الله (٦). وقال غيره: هي إضمار على شريطة التفسير. والمعنى: فإنَّ الأبْصار لا تعمى. ويجوز أن تكون الهاء لإضمار القصة. وذكرنا هذه الأقوال مشروحة في تفسير قوله ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الأنبياء: ٩٧]. وقوله: ﴿الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ذكر الفراء وأبو إسحاق (٧): أن هذا من التوكيد الذي تزيده العرب في الكلام، كقوله ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦]. وقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٧]، وقوله ﴿يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. والتوكيد جار في الكلام مبالغ في الإفهام. وقال غيرهما: هذا التوكيد فائدته أنه يمنع من ذهاب الوهم إلى غير

стр. 8868

معنى القلب المعروف، لأنَّه قد يذهب إلى أنَّ فيه اشتراكًا كقلب النَّخلة، فإذا (١) أكد كان أنس للبس بتجويز الاشتراك. ٤٧ - قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ قال ابن عباس: كانوا يقولون للنبي ﷺ : ائتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين، فأنزل الله هذه الآية (٢). والمعنى: يسألونك أن تأتي بعذابهم عاجلًا غير مؤخّر. وقوله: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ أي: في أن ينزل بهم العذاب (٣) في الدنيا. قاله الفراء (٤). وقال ابن عبَّاس: يريد بهذا يوم بدر (٥). قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ قال مجاهد وعكرمة وابن زيد: هو من أيَّام الآخرة (٦). ويدل على هذا ما روي في الحديث: "أن الفقراء يدخلون الجنة قبل

стр. 8869

الأغنياء بنصف يوم: خمس مائة عام" (١). وعلى هذا معنى الآية أنَّهم يستعجلون بالعذاب (٢) وإنّ يومًا من أيّام عذابهم في الآخرة ألف سنة. قال الفراء: ففي هذه الآية وعبد لهم بالعذاب في الدنيا والآخرة (٣) وقال (٤) أبو إسحاق: الذي تدل عليه الآية (٥) أنهم استعجلوا العذاب، فأعلم الله أنه لا يفوته شيء، وأن يومًا عنده وألف سنة في قدرته واحد، ولا فرق بين وقوع ما يستعلجون به (٦) من العذاب وتأخره في القدرة، إلا أنَّ الله تفضَّل بالإمهال، فالفرق بين التأخير والتقديم تفضل الله بالنَّظرة (٧) (٨). وهذا الذي ذكره معنى قول ابن عباس في رواية عطاء (٩).

стр. 8870

والمعنى: إنَّ يومًا عنده في الإمهال وألف سنة سواء؛ لأنَّه قادرٌ عليهم متى شاء (١) أخذهم. وقد كشف أبو إسحاق عن هذا بأبلغ بيان (٢). وذُكر وجه ثالث (٣) في تفسير هذه الآية وهو: أنَّ المعنى: وإنَّ يومًا عند ربك من أيَّام عذابهم في الآخرة كألف سنة في الثِّقل والاستطالة، فكيف يستعجلون بالعذاب لولا جهالتهم. وهذا الوجه لأصحاب المعاني، ذكره الأخفش وغيره (٤). قال أبو علي: وقد جاء في كلامهم وصف اليوم ذي الشدائد والجهد بالطول، وجاء وصف (٥) خلافه بالقصر. أنشد أبو زيد (٦): تطاولت أيام معن بنا ... فيومٌ كشهرين إذ يُسْتَهل (٧) وقال آخر: يطول اليوم لا ألْقاك فيه ... وحَوْلٌ (٨) نلتقي فيه (٩) قصير (١٠)

стр. 8871

وقال جرير: ويومٌ كإبْهام الحُبارى لَهَوتُه (١) (٢) وهذا كما يقال: أيّام الهُموم طوال، وأيام السرور قصار (٣). فهذه أوجه ثلاثة (٤) في تأويل هذه الآية. وروي عن ابن عباس أنه قال -في قوله ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ﴾ الآية: هو من الأيَّام التي خلق الله فيها السَّموات والأرض (٥). وهذا لا يتوجّه في معنى الآية؛ لأن تلك الأيام قد مضت، إلا أن يُحمل على أن (٦) المراد أنّ أيّام الآخرة بمقدار هذه المدة فيعود المعنى إلى القول الأول. روى (٧) ابن أبي مليكة: أنّ ابن عباس سئل عن هذا وعن قوله (٨) ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [المعارج: ٤] فقال: يومان ذكرهما الله

стр. 8872

تعالى في كتابه أكره أنْ أقول في كتاب الله ما لا (١) أعلم (٢). وقرئ "مما يعدّون" و"تعدّون" (٣). فمن قرأ بالياء فوجهه قوله ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ فيكون الكلام من وجه واحد، ومن قرأ بالتاء فوجهه أنه أعمّ، ألا ترى أنه يجوز أن يُعنى به المستعجلون وغيرهم من المسلمين (٤). ٤٨ - ٥١ - ثم أعلم الله أنه قد أخذ قومًا بعد الإملاء والتأخير فقال: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ الآية وهي مفسرة فيما سبق قبيل. وما بعدها ظاهر التفسير إلى قوله ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: عملوا في إبطالها ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ قال ابن عباس: مشاقين معاندين مغالبين (٥). وقال الأخفش: مسابقين (٦). ومعنى المعاجزة في اللغة: محاولة عجز المغالب (٧). قال أبو أسحاق وأبو علي: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾ ظانين ومُقدرين أن

стр. 8873

يعجزوننا (١)، لأنهم ظنوا أن لا بعث ولا نشور، وأنه لا جنة ولا نار (٢) وهذا معنى قول قتادة: ظنوا أنهم يعجزون الله فلا يقدر عليه، ولن يعجزوه (٣). وهذا [في المعنى] (٤) كقوله: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا﴾ [العنكبوت: ٤]. ومن قرأ "مُعجِّزين" (٥) فالمعنى أنهم كانوا يُعجزون من اتبع النبي ﷺ ، أي: ينسبونهم إلى العجز، كقولهم: جهلته وفسقته. وهذه قراءة مجاهد، وزعم (٦) في تفسير معجزين: مثبطين، أي: يئبطون الناس عن الإيمان بالنبي ﷺ (٧) (٨).

стр. 8874

وعلى هذا ليس المراد بالتعجيز النسبة إلى العجز، والمراد به طلب عجزهم (١) وجعلهم عاجزين بالتثبيط وأسبابه؛ كي يعجزوا فلا يؤمنوا. ثم أخبر عن هؤلاء أنّهم أصحاب النار بقوله: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾. ٥٢ - قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الرسول: الذي أرسل إلى الخلق بإرسال جبريل إليه عيانًا، ومحاورته إيَّاه (٢) شفاهًا. والنبي: الذي (٣) تكون نبوته إلهامًا أو منامًا. فكلّ رسول نبيّ، وليس كل نبي رسولاً (٤).

стр. 8875

وهذا معنى قول الفراء: الرسول: النبي المرسل، والنبي: المحدَّث (١) الذي لم يرسل (٢). قوله: ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء- إلا إذا قرأ (٣) وهذا معنى قول المفسرين: تلا (٤) وقال مجاهد: إذا قال (٥). وذكرنا التَّمنّي بمعنى التلاوة والقراءة مستقصى بذكر الحجج (٦) في سورة البقرة عند قوله: ﴿إِلَّا أَمَانِيَّ﴾ [البقرة: ٧٨]. قوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: تلاوته. قال المفسرون -بألفاظ مختلفة ومعاني متفقة-: إنَّ رسول الله ﷺ كان حريصًا على إيمان قومه أشد الحرص، فجلس يومًا في ناد من أنديتهم (٧)، وقرأ عليهم سورة النجم (٨)، فلما أتى على قوله ﴿أَفَرَأَيْتُمُ

стр. 8876

اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ [النجم: ١٩، ٢٠] ألقى الشيطان في أمنيته حتى وصل به "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجي" ثم قرأ السورة كلها حتى بلغ آخرها، فسجد رسول الله ﷺ ، وسجد أصحابه معه، وسجد المشركون لذكره (١) آلهتهم، وفرحوا بذلك، وقالوا: قد ذكر محمد آلهتنا بأحسن الذكر، فأتاه (٢) جبريل ﵇، وأخبره بما جرى من الغلط على لسانه، وقال: معاذ الله أن أكون أقرأتك هذا. فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ ، فأنزل الله هذه الآية، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه، فقال المشركون: قد ندم محمد على ما ذكر من منزلة آلهتنا عند الله، وازدادوا شرًّا إلى ما كانوا عليه، وأما المؤمنون فقالوا -حين نسخ الأولى-: آمنا بما قال محمد ﷺ ، وهذا قول ابن عباس (٣)،

стр. 8877

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8878

والسدي (١)، ومجاهد (٢)، وقتادة (٣)، والزهري (٤)،

стр. 8879

والضحاك (١)، وسعيد بن جبير (٢)، ومحمد بن كعب (٣) وغيرهم (٤).

стр. 8880

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8881

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8882

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8883

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8884

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8885

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8886

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8889

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 8890

وأما وجه جواز هذا الغلط على رسول الله ﷺ فقال ابن عباس في رواية عطاء: إن شيطانًا يقال له الأبيض كان قد أتى النبي ﷺ في صورة جبردل وألقى في قراءة النبي ﷺ فإنهن (١) الغرانقة العلى وإن شفاعتهن لترتجى (٢).

стр. 8891

وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر (١) أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي (٢) قط إلا تمنى (٣) أن يؤمن قومه ولم (٤) يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه (٥) ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٦). وعلى هذا (تمنى) في قوله ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته. وهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك (٧).

стр. 8892

وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي ﷺ إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ الآية (١). قال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله ، وله أن يمتحن بما شاء (٢)، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض (٣). وروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد (٤) بالغرانيق العلى الملائكة (٥). وهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [أن (٦) يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] (٧) بهذا (٨) فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي ﷺ قد سمع منه ما ليس بقرآن (٩).

стр. 8893

وذهب بعض المتأولين (١) إلى أنَّ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك. وهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي ﷺ فيما بين القرآن. فإذًا (٢) الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله (٣) عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا. وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [إن قلنا] (٤) أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط (٥)؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي ﷺ ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا. وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه

стр. 8894

النبي ﷺ على ذلك ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ينسخ ما ليس منها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه نبيه ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. قاله ابن عباس (١). ٥٣ - قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) أي: ليجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض. قال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا (٣)، وهو قوله ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله (٤). وهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم (٥).

стр. 8895

قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة. ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد (١). وقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة (٢). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذه اللام تتعلق بقول ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ في المعنى لقوله (٣): ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: نسخ ذلك وإبطاله ورفعه وأحكام الله آياته من الباطل حق من الله. والمراد بالذين أوتوا العلم المؤمنون، الذين أوتوا التوحيد والقرآن. قاله ابن عباس، والكلبي، وغيره (٤). وقال السدي: صدقوا بما نسخ الله (٥). وهو معنى قوله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾. وقوله: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ قال الكلبي: ترق (٦) للقرآن قلوبهم. ثم بين أنَّ (٧) هذا (٨) الإيمان والتصديق والإخبات إنما هو بلطف الله
следующие страницы →