← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8891–8930 · переход к 8896.

стр. 8891

وقال السدي عن أصحابه: لما وقع من هذا ما وقع أنزل الله هذه الآية يطيب نفس محمد ويخبر (١) أن الأنبياء قبله قد كانوا مثله ولم يبعث نبي (٢) قط إلا تمنى (٣) أن يؤمن قومه ولم (٤) يتمن ذلك نبي قط إلا ألقى الشيطان عليه ما يرضي قومه (٥) ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ (٦). وعلى هذا (تمنى) في قوله ﴿إِلَّا إِذَا تَمَنَّى﴾ من الأمنية، لا بمعنى قرأ، ويكون المعنى إذا أحب شيئًا ألقى الشيطان في محبته. وهذا دليل على جواز الخطأ والنسيان على الرسل، ثم لا يقارُّون على ذلك (٧).

стр. 8892

وعلى ما قال ابن عباس إنما قاله الشيطان على لسان رسول الله ﷺ في أثناء قراءته، وأوهم أنَّه من القرآن، ولم يكن للنبي ﷺ إحساس بذلك، بل كان فتنة من الله لعباده المؤمنين والمشركين، وعلى هذا يدل قوله ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً﴾ الآية (١). قال أبو إسحاق: وذلك محنة من الله ، وله أن يمتحن بما شاء (٢)، فألقى الشيطان على لسان النبي ﷺ شيئًا من صفة الأصنام فافتتن بذلك أهل الشقاق والنفاق ومن في قلبه مرض (٣). وروي عن الحسن أنه قال في هذه الآية: أراد (٤) بالغرانيق العلى الملائكة (٥). وهذا غير مرضي من القول؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ [أن (٦) يبطله، وشفاعة الملائكة غير باطلة، ثم وإنْ أُخذَ] (٧) بهذا (٨) فليس يمنع هذا القول من أن يكون النبي ﷺ قد سمع منه ما ليس بقرآن (٩).

стр. 8893

وذهب بعض المتأولين (١) إلى أنَّ "تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى" ليس بثناء على آلهة المشركين ولا مدح لها، ولكن يكون التقدير فيه: تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهن لترتجى عندكم وفيما تذهبون إليه، لا أنَّها في الحقيقة كذلك، كما قال ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: ٤٩] أي عند نفسك. وهذا في البعد، كما روي عن الحسن؛ لأن هذا التأويل لا يمنع من سماع هذا عن النبي ﷺ فيما بين القرآن. فإذًا (٢) الصحيح في هذا أن يقال: إنّه من السهو الذي لا يعرى منه بشر، ثم لا يلبث أن ينبهه الله (٣) عليه، وإما أن يقال إنَّه كان من الشيطان فتنة للناس كما ذكرنا. وقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ [إن قلنا] (٤) أن الشيطان تكلم بهذا على لسانه فهو ظاهر، وإن قلنا إنّه سهى وغلط (٥)؛ فإن ذلك السهو من جهة الشيطان ووسوسته فهو من إلقائه. ومفعول ﴿أَلْقَى﴾ غير مذكور في اللفظ لأنه كان معلومًا للنبي ﷺ ولأصحابه حين نبه على غلطه ألا ترى أنه نقل نقلًا مستفيضًا. وقوله ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ أي: يرفعه ويبطله بتنبيه

стр. 8894

النبي ﷺ على ذلك ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ ينسخ ما ليس منها. ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بما أوحى إليه نبيه ﴿حَكِيمٌ﴾ في خلقه. قاله ابن عباس (١). ٥٣ - قوله تعالى: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ هذه اللام تتعلق بقوله: ﴿أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ﴾ (٢) أي: ليجعل الله ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض. قال ابن عباس: شك ونفاق، وذلك أنهم افتتنوا لما سمعوا ذلك، ثم نسخ ورفع، وازدادوا تحيرًا، وظنوا أن محمدًا يقول الشيء من عند نفسه ثم يندم فيبطله، وكذلك المشركون ازدادوا شرًّا وضلالة وتكذيبًا (٣)، وهو قوله ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾. قال ابن عباس: يريد المشركين، وهم الذين لا تلين قلوبهم لأمر الله (٤). وهذا صريح في أن الله تعالى أراد فتنتهم وضلالتهم (٥).

стр. 8895

قوله: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة. ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ قال ابن عباس: لفي اختلاف شديد (١). وقال الزجاج: الشقاق غاية العداوة (٢). ٥٤ - قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ هذه اللام تتعلق بقول ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ﴾ في المعنى لقوله (٣): ﴿أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ يعني: نسخ ذلك وإبطاله ورفعه وأحكام الله آياته من الباطل حق من الله. والمراد بالذين أوتوا العلم المؤمنون، الذين أوتوا التوحيد والقرآن. قاله ابن عباس، والكلبي، وغيره (٤). وقال السدي: صدقوا بما نسخ الله (٥). وهو معنى قوله ﴿فَيُؤْمِنُوا بِهِ﴾. وقوله: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ قال الكلبي: ترق (٦) للقرآن قلوبهم. ثم بين أنَّ (٧) هذا (٨) الإيمان والتصديق والإخبات إنما هو بلطف الله

стр. 8896

وهدايته إيّاهم فقال: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. ٥٥ - قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قال ابن عباس: يريد المشركين. ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ المِرية والمُرية -بالكسر والضم- لغتان (١) (٢) معناها: الشك. ومنه الامتراء والتماري (٣). وقوله ﴿مِنْهُ﴾ أي: مما ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ . يقولون: ما باله ذكرها بخير ثم ارتد عنها؟ قاله السدي عن أصحابه (٤). وقال ابن جريج: من القرآن (٥). ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ﴾ يعني: القيامة ﴿بَغْتَةً﴾ فجأة. وهذا وعيد لهم بالقيامة، وهم لم يدركوها (٦) في حياتهم، ولكن الله تعالى أوعدهم وذكر

стр. 8897

أنَّهم يترددون في حيرتهم (١) وشكّهم إلى أن تفجأهم الساعة أو يقتّلوا، وهو قوله ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾. قال أبو إسحاق: أصل [العقم] (٢). العقم في الولادة. قال: هذه امرأة عقيم، كما قال الله : ﴿عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات: ٢٩] وكذلك: رجل عقيم، إذا كان لا يولد له (٣). الأصمعي: يقال: عَقَامٌ وعَقيم (٤) مثل بَجَال وبَجيل (٥). وجمعها: عقمٌ، ويقال: عقمت المرأة فهي معقومة وقد عقم الله رحمها وأعقمها (٦). وروى عمرو (٧)، عن أبيه: عَقِمَت المرأة تَعْقَمُ عَقْمًا، وعَقَمَت تَعْقُم عُقْمًا، وعَقُمَت تَعْقُم عَقَمًا (٨)، وهي عقيم إذا كانت لا تحمل (٩).

стр. 8898

وقال أبو العباس: عقمت المرأة إذا لم تحمل، وهي عقيم (١). وأنشد أبو إسحاق (٢): عقم النساء فما يلدن ... شبيهه إن النساء بمثله عُقْم وأصل هذا من العقم، وهو القطع. ومنه يقال: المُلْك عقيم؛ لأنه تقطّع فيه الأرحام بالقتل والعقوق. هذا قول أبي عمرو (٣). وعلى هذا العقيم: التي قطعت ولادتها. وقال أبو عبيد: العقم: الشَّد (٤). يقال للمرأة: معقومة الرحم كأنَّها مشدودتها، ومنه الحديث: "وتعقم أصلاب المنافقين فلا يقدرون على السجود" (٥) أي: تشد وتيبس مفاصلهم.

стр. 8899

هذا هو الكلام في أصل العقيم في اللغة. ثم يقال: "يوم عقيم" للذي لا يأتي فيه خير. ويوم القيامة عقيم على الكفّار؛ لأنّه لا يأتي لهم بخير كما

стр. 8900

يأتي للمؤمنين. والريح العقيم: التي لا تأتي بمطر ولا سحاب ولا تلقح (١) شجرًا (٢). وأما التفسير: فقال ابن عباس: يريد يوم بدر (٣). وهو قول قتادة (٤)، ومجاهد (٥)، والسدي (٦)، وأبيّ بن كعب (٧). واختلفوا: لم سُمِّي يوم بدر عقيمًا. فقال ابن عباس: لأنّه ليس ليوم بدر نظير من الأيام لا قبله ولا بعده، لم تقاتل الملائكة مع نبيّ قط إلاّ مع محمد ﷺ ، ولم تقاتل مع محمد إلا يوم بدر. وعلى هذا سمي عقيمًا، لأنه لا نظير له في عِظَمِه بقتال الملائكة فيه، فكأنَّ الدهر عقيم عن مثل ذلك اليوم. وقال الكلبي: يوم عقيم لا فرج (٨) فيه وهو يوم بدر.

стр. 8901

وهذا اختيار الزَّجَّاج، قال: اليوم العقيم هو الذي لا يأتي فيه خير كالريح العقيم (١). وقال ابن جريج: لأنهم لم ينظروا فيه إلى الليل، بل قتلوا قبل المساء (٢). وعلى هذا القول سُمّي عقيمًا لانقطاع أعمارهم وفناء آجالهم، فلم يروا بعد ذلك اليوم ليلاً ولا نهارًا، فكأنَّ ذلك اليوم عليهم يومًا لا ليل لهم بعده. وروي عن عكرمة والضحاك في قوله ﴿عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾: إنه القيامة (٣). والوجه القول الأول (٤)؛ لأن ذكر القيامة قد تقدّم في قوله ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً﴾. ٥٦ - ٥٧ - قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ يعني يوم القيامة لله وحده يحكم بينهم بما ذكر من قوله ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلى قوله ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾. ٥٨ - ثم ذكر فضل المهاجرين وقال: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: من مكة إلى المدينة في طاعة الله.

стр. 8902

﴿ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا﴾ تسوية بين حالتهم من القتل أو الموت على الفراش. ولهذا قال فضالة بن عبيد (١) ورأى جنازتين أحدهما قتيل والآخر متوفى-: ما أبالي من أي حفرتيهما بعثتُ. وقرأ هذه الآية (٢). قوله تعالى: ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ قال ابن عباس: يريد لا انقطاع له (٣). وقال السدي: هو رزق الجنة (٤). وقرئ قوله ﴿ثُمَّ قُتِلُوا﴾ بالتخفيف والتشديد (٥). فالتخفيف يكون للكثير (٦) والقليل، والتشديد حسن؛ لأنهم قد أكثر فيهم القتل في وجوه توجهوا إليها (٧).

стр. 8903

٥٩ - قوله تعالى: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: يريد الجنة. وقرىء: ﴿مُدْخَلًا﴾ بضم الميم وفتحها (١)، فالضمّ (٢) يجوز أن يراد به الإدخال، ويكون المعنى أنهم إذا أدخلوا أكرموا، فلم يكونوا كمن ذكر في قوله ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [الفرقان: ٣٤]. ويجوز أن يعني به الموضع، ويرضونه لأن لهم فيه ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، فهو خلاف المدخل الذي قيل فيه ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ [غافر: ٧١] الآية. والفتح يجوز أن يكون الدخول (٣)، ويجوز أن يكون موضعه كالمدخل. ودل ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ﴾ على الدخول؛ لأنَّهم إذا أدخلوا دخلوا، فكأنه قال: ليُدْخلنهم فيَدخلون مَدْخلًا (٤). وقوله: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ قال ابن عباس: عليم بنياتهم، حليم عن عقابهم (٥). ٦٠ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ قال أبو إسحاق: "ذلك" في موضع رفع،

стр. 8904

المعنى: الأمر ذلك، أي (١): الأمر ما قصصنا عليكم (٢). ثم قال: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ أي: من جازى الظالم بمثل ما ظلمه. وسمي جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين في جنس المكروه كقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠]، فالأول سيئة والمجازاة عليها سميت سيئة بأنها وقعت إساءة بالمفعول به، لأنه فعل [به] (٣) ما يسوؤه (٤). وذكرنا هذا في قوله ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥]. قال الحسن: ﴿وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ﴾ يعني: قاتل المشركين كما قاتلوه (٥). ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ أي: ظلم بإخراجه من منزله. قيل: إنها نزلت في قوم من المسلمين قاتلوا قومًا من المشركين غير مبتدئين بالقتال بل دفعًا لهم عن أنفسهم، ثم أخرجوا من ديارهم (٦). قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله ﴿ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾: يعني ما أتاه المشركون من البغي على المسلمين حين أحوجوا (٧) إلى مفارقة أوطانهم (٨).

стр. 8905

قوله: ﴿لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ يعني: هذا المظلوم الذي بغي عليه وعده الله النَّصر. قال ابن جريج: يعني نصرته محمدًا ﷺ وأصحابه (١). ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ قال ابن عباس: يريد عفى عن المؤمنين مساوءهم، وغفر لهم ذنوبهم (٢). وذكر مقاتل بن سليمان السَّبب في نزول هذه الآية وتفسيرها فقال: إنَّ مشركي مكة لقوا المسلمين في ليلتين بقيتا من المحرم، فقال بعضهم لبعض: إنَّ أصحاب محمد يكرهون القتال في الشهر الحرام فاحملوا عليهم، فناشدهم المسلمون ألا يقاتلوهم في الشهر الحرام، فأبى المشركون إلا القتال، فبغوا على المسلمين، فقاتلوهم وحملوا عليهم، وثبت المسلمون فنصر الله المسلمين عليهم، فوقع في أنفس المسلمين من القتال في الشهر الحرام فأنزل الله هذه الآية (٣). فالمعني بـ"من" (٤) في قوله ﴿وَمَنْ عَاقَبَ﴾ المؤمنون، جازوا الكفار وقاتلوهم كما قاتلوهم، وبغيهم عليهم: أنَّهم لم يرتدعوا ولم يكفوا عن القتال بمناشدتهم إياهم. ٥٩ - وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ﴾ قال مقاتل: عنهم ﴿غَفُورٌ﴾ لقتالهم في الشهر الحرام (٥).

стр. 8906

٦١ - قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك النصر الذي أنصره من بُغي عليه بأنّي القادر على ما أشاء، فمن قدرته أنَّه ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية (١). ومن قدر على ذلك قدر على نصرة من شاء ومعنى ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ قد سبق فيما مضى. قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ قال ابن عباس: ﴿سَمِيعٌ﴾ لدعاء محمد ومن معه من المؤمنين ﴿بَصِيرٌ﴾ بهم حيث جعل فيهم البرَّ (٢) والتقوى والدين (٣). ٦٢ - قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ﴾ أي: ذلك الذي فعل من نصر المؤمنين بأنّه (٤) ﴿هُوَ الْحَقُّ﴾ أي: ذو الحق في قوله وفعله، فدينه حق وعبادته حق، كل ما يصدر عنه من أمر ونهي حق، والمؤمنون الذين آمنوا به وصدقوا رسوله هم المحقون؛ فيستحقون من الله النصر. ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ أي: الذي ليس بشيء ولا ينفع عبادته. قاله مقاتل (٥). ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ العالي على كل شيء بقدرته، والعالي عن الأشباه والأشكال (٦) ﴿الْكَبِيرُ﴾ الذي كل شيء سواه يصغر مقداره.

стр. 8907

٦٣ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية. حكى المبرد (١) والزجاج (٢) عن سيبويه (٣): أنه سأل الخليل عن هذه الآية ورفع قوله ﴿فَتُصْبِحُ﴾ وهو جواب الاستفهام بالفاء ووجهة النصب؟ فقال: هذا ليس بجواب لقوله ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، لأنه (٤) لو كان كذلك لكان التقدير: ألم تر فتصبح، بل هذا واجب و ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تنبيه، وكأنَّه في التقدير-والله أعلم-: اسمع يا فلان: أنزل الله من السماء ماء فكان (٥) كذا وكذا. وأنشد الخليل للنّابغة (٦):

стр. 8908

فلا زال قبرٌ بين بصرى وجاسم ... عليه من الوسمي سح ووابل فينبتُ حوذانًا وعوفًا مُنورًا ... سأتبعه من خير ما قال قائل [وقال: لم يرد لا زال فينبت، ولكنَّه لما دَعَى بالغيث] (١) قال: فينبت أي: فهو ينبت كأنَّه خبرٌ لقصة تكون عن هذا الغيث. ونحو هذا قال الفراء -في هذه الآية- فقال: (ألم تر) معناه خبر، كأنَّك قلت في الكلام: اعلم أنَّ الله يُنزل من السماء ماء فتصبح الأرض. وهو مثل قول الشاعر (٢): ألم تسأل الربع القديم فينطقُ (٣)

стр. 8909

قال الخليل: المعنى فهو مما ينطق (١). هذا كلامهم. وعند النحويين (٢) يجوز الرفع في الجواب بالفاء على تقدير الاستئناف، كقراءة من قرأ ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] بالرفع (٣)، أي: فهو يضاعفه (٤) وكما رفع في هذه الآيات. وذكرنا عند قوله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣] أن (٥) ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تكون بمعنى التنبيه. فحصل في هذه الآية وجهان: أحدهما: أن قوله [فتصبح] ليس بجواب الاستفهام؛ لأنَّ هذا استفهام معناه التنبيه. والثاني: أنه جواب الاستفهام بالرفع على ما ذكره النحويون. قال ابن عباس وغيره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ يعني المطر (٦) ﴿فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ بالنبات (٧) ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ﴾

стр. 8910

بأرزاق عباده (١). وقال مقاتل: باستخراج النبات من الأرض (٢). ﴿خَبِيرٌ﴾ قال ابيت عباس: خبير بما في قلوب العباد من القنوط (٣). يعني عند تأخر المطر. وقال غيره: خبير بما يحدث من ذلك الماء ومن ذلك النبت (٤) (٥). ٦٤ - قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال مقاتل: عبيده وفي ملكه (٦). ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ﴾ عن عباده ﴿الْحَمِيدُ﴾ إلى أوليائه وأهل طاعته. قاله ابن عباس. ٦٥ - قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ﴾ قال ابن عباس: يريد البهائم التي تركب وتؤكل (٧). قوله: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ "الفلك" بالنصب نسق على "ما"

стр. 8911

و"تجري" حال أي: وسخر لكم الفلك في حال جريها (١). ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ قال الزجاج: المعنى: كراهة (٢) أن تقع، [وموضع "أنْ" نصب بيمسك، وهو مفعول له، المعنى: لكراهة أن تقع] (٣) (٤). وقال مقاتل: لئلا تقع (٥). وهذا على مذهب الكوفيين (٦). وذكرنا الكلام في هذه المسألة في مواضع (٧). قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ قال مقاتل: يعني لرفيق رحيم بهم فيما سخر لهم وحبس عنهم السماء فلا تقع عليهم فيهلكوا (٨). ٦٦ - قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ بعد أن كنتم نطفًا ميتة. ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ عند آجالكم.

стр. 8912

﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ للبعث والحساب والثواب والعقاب (١). ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ قال ابن عباس: يعني جماعة من المشركين (٢). قال الكلبي: هو الكافر (٣). ﴿لَكَفُورٌ﴾ قال مقاتل: لكفور لنعم الله في حسن خلقه حين لا يوحده (٤). ٦٧ - قوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أي: لكل قرن مضى ﴿جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ قال ابن عباس: يريد شريعة هم عاملون بها (٥). وقال مقاتل وغيره: يعني ذبيحة في عيدهم هم ذابحوه (٦). وهذا ممَّا (٧) تقدم الكلام فيه في هذه السورة (٨).

стр. 8913

﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ﴾ يعني في أمر الذبائح. قال الكلبي ومقاتل: نزلت في بديل بن ورقاء الخزاعي (١) وبشر بن سفيان الخزاعي (٢)، ويزيد بن خنيس وغيرهم من كفار قريش وخزاعة، خاصموا النبي ﷺ والمؤمنين في أمر الذبيحة، فقالوا: ما قتل الله لكم أحق أن تأكلوه أو ما قتلتم أنتم بسكاكينم؟ (٣). قال أبو إسحاق: معنى قوله ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ﴾ لا تنازعهم ولا تجادلهم، والدليل على ذلك قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾، وكان هذا قبل القتال. فإن قيل (٤): فلم قيل: فلا ينازعنك في الأمر وهم قد نازعوه؟ فالمعنى: إنَّ هذا نهيٌ للنبي ﷺ عن منازعتهم كما تقول: لا يخاصمنّك فلان في هذا أبدًا، أي: لا تخاصمه. وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين؛ لأنَّ المجادلة

стр. 8914

والمخاصمة لا تتم إلا باثنين، فإذا (١) قلت: لا يجادلنّك فلان، فهو بمنزلة لا تُجادلنَّه. ولا يجوز هذا في قولك: لا يضربنك فلان، وأنت تريد لا تضربه. ولكن لو قلت: لا يضاربنّك فلان، لكان (٢) كقولك: لا تضاربن فلانًا. هذا كلام أبي إسحاق (٣). وقوله: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ﴾ قال مقاتل بن سليمان: يعني إلى معرفة ربك وهو التوحيد (٤). وقال ابن عباس: يريد قم بشرائع الحنيفية. والمعنى على هذا: ادع إلى الإيمان به وإعمال ما شرع من الشريعة. قوله: ﴿إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى﴾ دين ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ وهو قال ابن عباس: لم يخلق دينًا أقوم ولا أفضل منه ولا أحب إلى الله ٦٨، ٦٩ - قوله: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ﴾ قال الكلبي: خاصموك في أمر الذبيحة (٥). وقال مقاتل: جادلوك في أمر الذبائح (٦). يعني هؤلاء النفر. ﴿فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد من تكذيبهم

стр. 8915

النبي ﷺ (١). وقال مقاتل: الله أعلم بما تعملون وما نعمل، فذلك قوله: ﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ (٢). وعلى هذا في الآية محذوف حذف لدلالة الباقي عليه. والمعنى: أيضًا يحكم بيننا وبينكم. يعني: أنَّه عالم بأعمالنا فهو يحكم بيننا وبينكم يوم القيامة ﴿فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ أي: تذهبون فيه إلى خلاف ما نذهب. وهو معنى قول ابن عباس: يريد في خلافكم إيّاي (٣). قال الكلبي ومقاتل: نسختها آية السيف (٤). وهذا النسخ الذي قالا لا يرجع إلى الحكم، لأنَّ الله يحكم يوم القيامة بين المحق والمبطل فيدخل المحق الجنة والمبطل النار، ولكن النسخ يعود إلى النبي ﷺ لما أمر بالقتال كان يقاتل من خالفه ولم يصدقه، ولا يدفع بالقول والمداراة كما أمر في هذه الآية بأن يقول إذا جادلوه:

стр. 8916

﴿اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾. ٧٠ - قوله: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحج: ٧٠]. [قال ابن عباس] (١): يريد قد علمت وأيقنت أني أعلم ما في السماء والأرض. وهذا استفهام يراد (٢) به التقرير كقوله: ألستم خير من ركب المطايا قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ﴾ يعني ما يجري في السماء والأرض، كلّ ذلك مكتوب في اللوح المحفوظ، وذلك أن الله تعالى خلق القلم واللوح، فجرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة (٣). قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ أي: علمه بجميع ذلك ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ أي: سهل. فلا يخفى عليه شيء يتعذر العلم به. وقال ابن جريج: إنَّ الحكم بين المختلفين في الدنيا يوم القيامة على

стр. 8917

الله يسير (١). ٧١ - قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال الكلبي: يعني أهل مكة (٢). ﴿مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ قال ابن عباس: يريد حجة (٣). ﴿وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ أنها آلهة ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾ وما للمشركين من مانع من العذاب. ٧٢ - قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ﴾ قال ابن عباس: يريد: بان لهم ما هم فيه من الضلالة وما جاء به محمد ﷺ من الهدى. ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ قال مقاتل: ينكرون القرآن أن يكون من الله (٤). والمنكر بمعنى: الإنكار، والتأويل: أثر الإنكار من الكراهية والعبوس. وذهب بعضهم (٥) إلى أنَّ المنكر هاهنا مفعول الإنكار وليس بمعنى المصدر وقال: وتأويله: يتبين في وجوههم ما ينكره أهل الإيمان من تغيّرها (٦) عند سماع القرآن.

стр. 8918

قوله: ﴿يَكَادُونَ يَسْطُونَ﴾ قال الليث: السطو: شدة البطش. والفحل يسطو على طروقته (١). وقال أبو زيد والفراء: كادوا يبطشون بهم (٢). ومنه يقال: الأيدي السواطي، التي تتناول الشيء. والساطي من الرجال الذي يسطو بقرنه فيبطش به ويتناوله. والله ذو سطوات أي: أخذات شديدة. ويقال: سطوت به وسطوت عليه (٣). وقال المبرد: يقال سطا زيد على عمرو وبعمرو. إذا تطاول عليه ليضع منه. وقال أبو إسحاق: يكادون يبطشون (٤). وقال مجاهد (٥) ومقاتل (٦): يكادون يقعون بمحمد ﷺ وأصحابه، وهو قوله: ﴿بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ أي: يبسطون إليهم أيديهم بالسوء. قوله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ قال المفسرون: قل يا محمد لهم: أفأنبئكم بشر لكم وأكره إليكم من هذا القرآن الذي تسمعون (٧). ثم

стр. 8919

ذكر (١) ذلك فقال: ﴿النَّارُ﴾. قال أبو إسحاق: أي هو النار أو هي النار، كأنهم (٢) قالوا: ما ذلك الذي هو شر؟ فقيل: النارُ. قال: ويجوز الخفض على البدل من (شر) والنصب على أعني (٣). قال: والرفع أثبت في النحو (٤). ونحو هذا قال الفراء: سواء ترفع (النار) لأنها معرفة فسرت الشر وهو نكرة، كما تقول: مررت برجلين: أبوك وأخوك. ولو نصبتها بما عاد من ذكرها ونويت بها الاتصال بما قبلها كان وجهًا. ولو خفضتها على الباء: أنبئكم بشر من ذلكم [بالنار، كان صوابًا. والوجه الرفع (٥). وذهب مقاتل في تفسير قوله: ﴿بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾] (٦) إلى غير ما ذكرنا وهو أنه قال: إن المشركين لما سمعوا القرآن قالوا: ما شأن محمد وأصحابه أحق بهذا الأمر منا والله إنهم لشر خلق الله، فأنزل الله ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ﴾ من النبي وأصحابه من وعده الله النار وصار إليها يعني الكافر فهم أشرار الخلق (٧). وهذا تعسف وتفسير لا يساعده اللفظ. وقال بعض أهل المعاني: معنى الآية: بشر عليكم مما يلحق التالي

стр. 8920

منكم، أوعدهم الله تعالى على سطوتهم بأهل الحق عقوبة هي شر من سطوتهم بالذي يتلو القرآن (١). ٧٣ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ قال أبو إسحاق: لما عبدوا من دون الله ما لا يسمع ولا يبصر وما لم ينزل به حجة، أعلمهم الله الجواب فيما جعلوه له مثلاً، فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ يعني الأصنام (٢). قال ابن عباس، والكلبي، ومقاتل (٣): ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ وهو يعني كفار مكة ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾ يعني ذكر شبه الصنم ﴿فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾. ثم أخبر عنه فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ يعني: تعبدون من دون الله من الأصنام، وكانت ثلاثمائة وستين صنمًا حول الكعبة ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ لن يستطيعوا أن يخلقوا ذبابًا في صغره وقلته. وقال الأخفش في هذه الآية: إن قيل فأين (٤) المثل الذي ذكره الله في قوله ﴿ضُرِبَ مَثَلٌ﴾؟ قلت: ليس هاهنا مثل؛ لأن المعنى أن الله تعالى قال: ضرب لي مثل، أي: شبه بي الأوثان، ثم قال: فاستمعوا لهذا المثل الذي جعلوه مثلي في قولهم، إنهم لن يقدروا على خلق ذباب ولو اجتمعوا له، أي: فكيف تُضرب هذه الآلهة في ضعفها وعجزها مثلاً لله وهو رب كل شيء ليس له شبه ولا مثل (٥).

стр. 8921

وتأويل الآية: جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي، فاستمعوا حالها وصفتها، ثم بين ذلك فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾. الآية. والذُّبَاب اسم واحد للذكر والأنثى، وجمعه القليل: أذِبَّة، والكثير: ذِبَّان مثل غُراب وأغْرِبَة وغِرْبان (١). قال الزجاجي (٢): وسُمي هذا الطائر ذبابًا لكثرة حركته واضطرابه وسرعة انتقاله إلى الموضع الذي يُذَبّ عنه وينحى (٣).

стр. 8922

وأصل (ذب ب) (١) على هذا الترتيب موضوع (٢) في كلامهم لسرعته في (٣) الحركة والانتقال والاضطراب والمجيء والذهاب، ومنه قولهم: ذبب الرجل وذبذب، إذا أخذ في السير وأسرع. وذباذبُ الهودج: ما تعلق منه فيتردد في الهواء. والذَّبْذَبُ: ذكر الرجل، سُمّي بذلك لتردده. الذبّ: الرجل الخفيف الحركة (٤). قوله: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ أي: إن سلبهم الذباب شيئًا مما عليهم لا يقدرون أن يستردوا وينزعوا ذلك من الذباب. ومعنى الاستنقاذ والإنقاذ: التخليص (٥). وذكرنا ذلك عند قوله ﴿فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال ابن عباس: كانوا يطلون أصنامهم الزعفران فيجف، ويأتي الذباب فيختلسه (٦)، فقال الله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا﴾ يريد من العطر ﴿لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ يريد الذباب. وقال السدي عن أصحابه: كانوا يجعلون للأصنام طعامًا فيقع عليه

стр. 8923

الذباب فيأكل، فلا يستطيع أن يستنقذه منه (١). وقال مقاتل: أي فكيف (٢) يعبدون من لا يخلق ذبابًا، ولا يمتنع من الذباب (٣). وقال أبو إسحاق: أعلم الله أن الذين عُبدوا من دونه لا يقدرون على خلق واحد قليل ضعيف من خلقه ولا على استنقاذ تافه حقير منه (٤). قوله: ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ قال ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الصنم، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الذباب. هذا قوله في رواية عطاء (٥). وهو قول الكلبي، وابن زيد (٦)، ومقاتل (٧)، قالوا: ﴿الطَّالِبُ﴾ هو (٨) الصنم الذي سلبه الذباب ولم يمتنع منه، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾ هو الذباب. وعلى هذا معنى الآية: ضعف ﴿الطَّالِبُ﴾ الذي هو الصنم فلم يطلب ما سلب منه، وضعف المطلوب منه وهو الذباب السالب. وهذا القول اختيار الفراء، فقال: ﴿الطَّالِبُ﴾: الآلهة، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾

стр. 8924

الذباب، وفيه معنى المثل (١). وروى عن ابن عباس: ﴿الطَّالِبُ﴾: الذباب، ﴿وَالْمَطْلُوبُ﴾: الصنم (٢). وذلك أن الذباب يطلب ما يسلب الصنم من طيب أو طعام والصنم المطلوب منه السلب. وقال الضحاك: يعني العابد والمعبود (٣). وهذا معنى قول السدي: الطالب: الذي يطلب إلى هذا الصنم بالتقرب إليه، والصنم المطلوب إليه (٤) (٥). ٧٤ - قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس (٦)، ومقاتل (٧)، والزجاج (٨): ما عظموا الله حق عظمته حيث جعلوا هذه الأصنام شركاء له. وقال أبو عبيدة: ما عرفوا الله حق معرفته ولا وصفوه حق صفته (٩).

стр. 8925

وهذا مما قد تقدم (١) فيه الكلام (٢). ثم أعلم الله -بعد ذكره ضعف المعبودين- قوته فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ قال ابن عباس: على خلقه ﴿عَزِيزٌ﴾ في ملكه. وقال مقاتل: إن الله لقوي في أمره منيع في ملكه، والصنم لا قوة له ولا منعة (٣). وقال الكلبي: نزلت هذه الآية في جماعة من يهود المدينة قالوا: فرغ الله من خلق السموات والأرض فأعيا فاستلقى فاستراح، ووضع إحدى رجليه على الأخرى، وكذب أعداء الله فنزل قوله: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ (٤). ٧٥ - قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قال ابن عباس والمفسرون: يريد إسرافيل وجبريل وميكائيل وملك الموت ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ يريد النبيين (٥).

стр. 8926

قال مقاتل (١) وغيره (٢): إن الوليد بن المغيرة قال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) [ص: ٨] فأنزل الله هذه الآية فأخبر بأن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه فيجعلهم رسله وأنبياءه، ذلك كله بيد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يتخذه رسولاً (٤). ٧٦ - قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قدموا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما خلفوا (٥). وقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما (٦) هم عاملون مما لم يعلموا بعد (٧). وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل خلق الملائكة ويعلم ما يكون بعد خلقهم (٨). ٧٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود (٩). ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم (١٠).

стр. 8927

يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم (١) يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها. وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله وحده (٢). ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به (٣). كأنه بمعنى (٤) الصلاة. وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق (٥). وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح (٦). وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة (٧). وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أينما كان في القرآن (٨). ٧٨ - قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة (٩) - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى.

стр. 8928

وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا (١) فيه (٢). وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى (٣). وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٤). ونحو هذا قال الضحاك (٥) سواء. واختاره الزجاج (٦).

стр. 8929

وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه (١). وروي عنه (٢) أيضًا: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي لا تخافوا (٣) في الله لومة لائم (٤). وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى (٥). قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق (٦). واختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله (٧) الكفارات مخرجًا (٨). يعني أن (٩) من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا (١٠)، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من

стр. 8930

الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه (١). وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر (٢) وأشباهه حتى يتيقنوا (٣). وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه. وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال (٤): قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي
следующие страницы →