← Тафсир

Тафсир · id 13231

التفسير البسيط

الواحدي

Полный текст (13 359 стр.). Показаны 8926–8965 · переход к 8931.

стр. 8926

قال مقاتل (١) وغيره (٢): إن الوليد بن المغيرة قال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ (٣) [ص: ٨] فأنزل الله هذه الآية فأخبر بأن الاختيار إليه يختار من يشاء من خلقه فيجعلهم رسله وأنبياءه، ذلك كله بيد الله ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ﴾ لمقالتهم ﴿بَصِيرٌ﴾ بمن يتخذه رسولاً (٤). ٧٦ - قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ قال ابن عباس: يريد ما قدموا، ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ يريد ما خلفوا (٥). وقال الحسن: ﴿مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ما عملوه ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ وما (٦) هم عاملون مما لم يعلموا بعد (٧). وقال مقاتل: يعلم ما كان قبل خلق الملائكة ويعلم ما يكون بعد خلقهم (٨). ٧٧ - قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ قال المفسرون: أي: صلوا، لأن الصلاة لا تكون إلا بالركوع والسجود (٩). ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾ قال مقاتل: يقول: وحّدوا ربكم (١٠).

стр. 8927

يعني: أن من أشرك بعبادته غيره لم (١) يوحده، وعبادته إنما تصح مع التوحيد فجاز أن يسمي التوحيد عبادة؛ لأنه أصل العبادة وأعظمها. وقال أبو إسحاق: أي: اقصدوا بركوعكم وسجودكم الله وحده (٢). ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ قال مقاتل: الخير الذي أمرتم به (٣). كأنه بمعنى (٤) الصلاة. وقال ابن عباس: يريد صلة الرحم ومكارم الأخلاق (٥). وقال الزجاج: الخير كل ما أمر الله به ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ قال: لترجوا أن تكونوا على فلاح (٦). وقال ابن عباس: يريد: كي تسعدوا وتبقوا في الجنة (٧). وذكرنا قديمًا هذين المذهبين في ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ أينما كان في القرآن (٨). ٧٨ - قوله: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ قال ابن عباس -في رواية عطاء: بنية صادقة (٩) - وعلى هذه حق الجهاد أن يكون بنية صادقة خالصة لله تعالى.

стр. 8928

وقال مقاتل بن حيان: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ يعني العمل أن تجتهدوا (١) فيه (٢). وقال السدي: هو أن يطاع فلا يعصى (٣). وقال مقاتل بن سليمان: يقول اعملوا لله بالخير حق عمله، نسختها الآية التي في التغابن ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦] (٤). ونحو هذا قال الضحاك (٥) سواء. واختاره الزجاج (٦).

стр. 8929

وروي عن ابن عباس: جاهدوا في سبيل الله أعداء الله باستفراغ الطاقة فيه (١). وروي عنه (٢) أيضًا: ﴿حَقَّ جِهَادِهِ﴾ أي لا تخافوا (٣) في الله لومة لائم (٤). وقال عبد الله بن المبارك: حق الجهاد مجاهدة النفس والهوى (٥). قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: اختاركم واصطفاكم واستخلصكم لدينه ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ قالوا جميعًا: من ضيق (٦). واختلفوا في وجه رفع الحرج. فروي عن ابن عباس أنه قال: جعل الله (٧) الكفارات مخرجًا (٨). يعني أن (٩) من أذنب ذنبًا جعل له منه مخرجًا (١٠)، إما بالتوبة، أو بالقصاص، أو برد المظلمة، أو بنوع كفارة فلم يُبتل المؤمن بشيء من

стр. 8930

الذنوب إلا جُعل له منه مخرج. وهذا رواية الزهري عنه (١). وروي عنه قول آخر، قال: هذا في هلال شهر رمضان إذا شك فيه الناس، وفي الحج إذا شكوا في الهلال، وفي الفطر (٢) وأشباهه حتى يتيقنوا (٣). وعلى هذا رفع الحرج يعود إلى أنا أمرنا بالأخذ باليقين عند الاشتباه. وروي عن أبي هريرة أنه قال لابن عباس: أما علينا في الدين من حرج أن نسرق أو نزني؟ قال: بلى. قال (٤): قوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي

стр. 8931

الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾؟ قال: ذلك الإصر (١) الذي كان على بني إسرائيل، وضعه الله عنكم (٢). وقال مقاتل بن حيان: يعني إباحة الرخص عند الضرورات، كالقصر في الصلاة، والتيمم، وأكل الميتة، والإفطار عند المرض والسفر (٣). وهو قول الكلبي (٤)، واختيار الزجاج (٥). قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال أكثر النحويين (٦): (ملة) منصوب على الأمر، معناه: اتبعوا ملة أبيكم. وقال المبرد: أي عليكم ملة أبيكم (٧).

стр. 8932

وتأويل عليكم: اتبعوا واحفظوا. وهذا قول الأخفش (١)، والفراء (٢)، والزجاج (٣). قال الفراء: ويجوز أن يكون المعنى كملة أبيكم فإذا ألقيت (٤) الكاف نصبت (٥). وقال أبو إسحاق: وجائز أن يكون منصوبًا بقوله: (٦) ﴿وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ فعل أبيكم إبراهيم (٧).

стр. 8933

وعلى هذا أقيم قوله (ملة) مقام المصدر، وذلك أن فعل إبراهيم هو ملته وشرعه (١). وقوله: ﴿أَبِيكُمْ﴾ إن حمل الكلام على تخصيص العرب (٢) بالخطاب في هذه الآية، فإبراهيم أبو العرب قاطبة، وإن حمل (٣) على التعميم فهو أبو المسلمين كلهم؛ لأن حرمته على المسلمين كحرمة الوالد كما قال ﷺ : "إنما أنا لكم مثل الوالد" (٤). وكقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]. وهذا معنى قول الحسن (٥). قال المفسرون: وإنما أمرنا باتباع ملة إبراهيم، لأنها داخلة في ملة محمد عليهما (٦) السلام (٧).

стр. 8934

وقوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ قال جماعة المفسرين وأهل المعاني: هو كناية عن الله تعالى (١). أي (٢): الله تعالى سماكم المسلمين قبل إنزال القرآن في الكتب التي أنزلت قبله. وقال مقاتل بن حيان: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ وهو يعني [في أم الكتاب (٣). ﴿وَفِي هَذَا﴾ قالوا (٤): يعني القرآن. وقال ابن زيد: هو كناية عن إبراهيم (٥).

стр. 8935

يعني] (١) أن إبراهيم سماكم المسلمين من قبل هذا الوقت، وفي هذا الوقت وهو قوله: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] (٢). وذكر أبو إسحاق القولين، وقال في القول الثاني: أي حكم إبراهيم أن كل من آمن بمحمد موحدًا لله فقد سماه إبراهيم مسلمًا (٣). قوله: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ﴾ أي: اجتباكم وسماكم المسلمين ليكون محمد (٤) ﵇ ﴿شَهِيدًا عَلَيْكُمْ﴾ يوم القيامة بالتبليغ ﴿وَتَكُونُوا﴾ أنتم ﴿شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أن الرسول قد بلغهم. وهذا قول ابن عباس، وقتادة (٥)، وجميع المفسرين (٦). وقد سبق الكلام في هذا عند قوله ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]. الآية. وقوله ﴿وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ﴾ قال ابن عباس: سلوا ربكم أن يعصمكم من كل ما يسخط ويكره (٧). وقال الحسن: تمسكوا بدين الله (٨).

стр. 8936

وقال مقاتل: وثقوا بالله (١). ﴿هُوَ مَوْلَاكُمْ﴾ قال ابن عباس: ناصركم (٢). والمعنى: هو الذي يتولى أموركم. وذكرنا معنى المولى فيما تقدم (٣). ثم مدح نفسه فقال: ﴿فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾ قال مقاتل: يقول: نعم المولى هو لكم، ونعم النصر هو لكم (٤) (٥).

стр. 8937

(٢٣) سورة المؤمنين

стр. 8938

تفسير سورة المؤمنين (١) بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ١ - قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ قال الليث: (قد) حرف يُوجَبُ به الشيء (٢)، كقولك: قد كان كذلك (٣). والخبر (٤) أن تقول: كان كذا، فأدخل (قد) توكيدًا لتصديق ذلك (٥). وقال النحويون (٦): قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه، ألا تراهم يقولون: قد قامت الصلاة. قبل حال قيامها. وعلى هذا قول الشاعر:

стр. 8939

أمّ صَبي قَدْ حَبَا أو دَارِج (١). كأنه قال: حَاب أو دَارج. قال الفراء: الحال (٢) في الفعل الماضي لا يكون إلا بإضمار (قد) أو بإظهارها، كقوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ﴾ [النساء: ٩٠] لا يكون حصرت حالاً إلا بإضمار قد (٣).

стр. 8940

و (قد) هاهنا يجوز أن تكون تأكيدًا لفلاح المؤمنين، ويجوز أن تكون تقريبًا للماضي من الحال، ويكون المعنى: أن الفلاح قد حصل لهم، وأنهم عليه في الحال. قال ابن عباس في هذه الآية: يريد قد سعد المصدقون وبقوا في الجنة (١). وقال أبو إسحاق: أي قد نالوا البقاء الدائم (٢). وروى (٣) حميد، عن أنس، أن رسول الله ﷺ قال: "خلق الله جنة عدن وغرس أشجارها بيده، وقال لها (٤): تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون" (٥).

стр. 8941

[وهذا كما يروى عن كعب أنه قال: إن الله غرس جنة عدن بيده، ثم قال للجنة: تكلمي. فقالت: قد أفلح المؤمنون] (١). لما علمت فيها (٢) من كرامة الله لأهلها (٣). ٢ - وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ قال الزهري (٤): هو سكون المرء في صلاته (٥). وذكرنا أن معنى (٦) الخشوع في اللغة: السكون (٧). وعلى هذا المعنى يدور كلام المفسرين في تفسير الخاشعين في الصلاة. فقال السدي: متواضعون (٨). وقال مجاهد وإبراهيم: ساكنون (٩).

стр. 8942

وقال عمرو بن دينار: هو السكون وحسن الهيئة (١). وقال الحسن وقتادة: خائفون (٢). وهذا معنى؛ لأن (٣) من سكن في صلاته إنما هو لخوفه من الله. فالخوف معنى للخشوع وليس بتفسير له. وكذلك قول من فسره بغض البصر وخفض الجناح (٤). كل ذلك يؤول إلى السكون، يدل عليه ما روي عن ابن عباس -في هذه الآية- قال: خشع (٥) من خوف الله، فلا يعرف مَنْ على يمينه ولا مَنْ على يساره (٦). وروي عن ابن سيرين قال: كان النبي ﷺ إذا صلى نظر في السماء،

стр. 8943

حتى نزلت هذه الآية، وكان بعد ذلك يضع (١) بصره حيث يسجد (٢). ٣ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ﴾ قال ابن عباس في رواية عطاء -وهو قول الضحاك: عن الشرك بالله (٣). وقال الحسن: عن المعاصي (٤). وروي عن ابن عباس: عن الحلف الكاذب (٥). وقال مقاتل: الشتم والأذى إذا سمعوا من كفار مكة (٦). وقال الزجاج (٧) وغيره (٨): هو كل باطل ولهو وهزل، ومعصية وما لا يحمد (٩) في القول والفعل.

стр. 8944

وهؤلاء الذين ذكرهم الله تعالى بالإعراض عن اللغو شغلهم الجدُّ فيما أمرهم الله به عن اللغو. وهذا معنى قوله قتادة: أتاهم والله من أمر الله ما شغلهم عن الباطل (١). وذكرنا الكلام في اللغو عند (٢) قوله: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. ٤ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾ قال ابن عباس: يزكون أموالهم ابتغاء مرضات الله. وقال الكلبي: للصدقة الواجبة مُؤدون (٣). وقال أبو إسحاق: معنى ﴿فَاعِلُونَ﴾: مؤتون (٤). يعني أن الإيتاء فعلٌ، فعبر الله عنه (٥) بلفظ الفعل كما قال أمية: المُطْعمُون الطَّعَام في السَّنَة ... الأزْمَة والفاعلون للزكوات (٦) وحكى الأزهري عن بعضهم: والذين هم للعمل الصالح فاعلون. قال: وكذلك قوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ (٧) [الكهف: ٨١] أي: خير منه عملًا صالحًا (٨).

стр. 8945

٥ - قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ قال الليث: الفرج اسم يجمع سوءات الرجال والنساء. فالقبلان (١) وما حواليهما كله فرج، وكذلك من الدواب (٢). ومعنى الفرج في اللغة: الفرجة بين الشيئين (٣). ولهذا سُمي ما بين قوائم الدابة الفروج. ومنه قول الشاعر (٤): لها ذَنَبٌ مثلُ ذيل العروس ... تَسُدُّ به فرجها من دُبُر والمراد بالفروج هاهنا: فروج الرجال خاصة، لدلالة ما بعدهما عليهما. قال الكلبي: يعني يعفون عما لا يحل لهم. وقال الزجاج: يحفظون فروجهم عن المعاصي (٥). ٦ - قوله: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ قال الفراء: معناه إلا من أزواجهم (٦). وعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ بمعنى: من. وحروف الصفات متعاقبة (٧).

стр. 8946

وقال الزجاج: دخلت ﴿عَلَى﴾ هاهنا لأن المعنى (١): أنهم يلامون (٢) في إطلاق ما حُظر عليهم، إلا على أزواجهم فإنهم لا يلامون، والمعنى: أنهم يلامون على سوى أزواجهم وملك أيمانهم (٣). وعلى هذا القول ﴿عَلَى﴾ من صلة اللوم المضمر، ودل عليه ذكر اللوم في آخر الآية (٤).

стр. 8947

قال مجاهد: يحفظ فرجه إلا من امرأته أو أمته، فإنه لا يلام على ذلك (١). وقال مقاتل: يعني (٢) حلايلهم والولايد، فإنهم لا يلامون على الحلال (٣). وقال أهل المعاني: هذه الآية مخصوصة بالحالة التي تصح (٤) فيها وطء الزوجة والأمة، وهي أن لا تكون حائضًا ولا مُظاهرًا عنها، فلا تكون الأمة مزوجة ولا في عدة زوج. ولم يذكر (٥) هذه الأحوال هاهنا للعلم بها (٦) (٧) . وقيل: المعنى أنهم لا يلامون من جهة وطء زوجة أو ملك يمينه، وإن استحق اللوم من وجه آخر إذا كان وطؤه في إحدى هذه الحالات (٨). ٧ - قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ أي (٩): طلب سوى الأزواج والولائد.

стр. 8948

و ﴿وَرَاء﴾ هاهنا (١) بمعنى: سوى. قاله ابن الأعرابي (٢) وغيره (٣)، كقوله (٤): ﴿وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ﴾ [البقرة: ٩١] وقد مر. [وعلى هذا الوراء مفعول الابتغاء. قال أبو إسحاق: فمن طلب ما بعد ذلك (٥)] (٦). وعلى هذا الوراء ظرف، ومفعول الابتغاء محذوف (٧). وذكره مقاتل فقال: فمن ابتغى الفواحش بعد الأزواج والولائد (٨). وذلك إشارة إلى الأزواج والإماء. وذكرنا قديمًا أن (ذلك) يجوز أن (٩) يشار به إلى كل مذكور مؤنثًا كان أو مذكرًا (١٠). وقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ يعني المبتغين ﴿هُمُ الْعَادُونَ﴾ قال الزجاج: الجائرون الظالمون (١١). وقال المبرد: المتجاوزون إلى ما ليس لهم. يعني: يتعدون الحلال إلى الحرام (١٢). فالأول من عدا أي: جار

стр. 8949

وظلم، والثاني من عدا، أي: جاوز (١). وهما يرجعان إلى أصل واحد؛ لأن الظالم مجاوز ما حُدَّ له. ٨ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنها (٢) أمانات الناس التي ائتمنوا عليها. وهو قول ابن عباس (٣). والثاني: أنها أمانات بين الله وبين عبده مما لا يطلع عليه إلا الله، كالوضوء والغسل من الجنابة والصيام وغير ذلك. وهو قول الكلبي (٤). وأكثر المفسرين على القول الأول (٥). وقرأ ابن كثير (لأمانتهم) واحدة (٦)، ووجهه: أنه مصدر واسم جنس فيقع على الكثرة، وإن كان مفردًا في اللفظ، كقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ (٧)

стр. 8950

[الأنعام:١٠٨] وجمع (١) في قوله: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ﴾ [المؤمنون: ٦٣]. والأمانة تختلف ولها ضروب نحو: الأمانة التي بين الله وبين عبده كالصيام والصلاة والاغتسال، والأمانة التي بين العبيد في حقوقهم كالودائع والبضائع (٢)، ونحو ذلك بما تكون اليد فيه [يد] (٣) أمانة، واسم الجنس يقع عليها كلها (٤). ووجه الجمع قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] (٥). وقد مر. والأمانة مصدر سُمِّي به المفعول. وقوله: ﴿وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾. وقال الكلبي: يقول وحلفهم الذي يؤخذ

стр. 8951

عليهم. وقيل: يعني العقود التي عاقدوا الناس عليها (١). ومعنى ﴿رَاعُونَ﴾ حافظون. قال أبو إسحاق: أصل الرعي (٢) في اللغة: القيام على إصلاح ما يتولاه من كل شيء، تقول: الإمام يرعى رعيته، والقيّم بالغنم يرعى غنمه، وفلان يرعى ما بينه وبين فلان، أي: يقوم على إصلاحه (٣). يقال: رَعَى يَرْعَى رَعْيا وَرعَاية (٤). ٩ - قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ﴾ وقرئ: صلاتهم (٥). فمن أفرد فلأن الصلاة في الأصل مصدر كالعمل والأمانة (٦)، ومن جمع فلأنه قد صار اسمًا شرعيًا لانضمام ما لم يكن في أجل اللغة أن ينضم إليها (٧). قال إبراهيم: عني الصلوات المكتوبة (٨). وقوله: ﴿يُحَافِظُونَ﴾ قال ابن عباس: يريد على مواقيتها (٩). وهو قول

стр. 8952

الكلبي، ومقاتل (١)، ومسروق (٢)، والجميع (٣). قال أبو إسحاق: المحافظة على الصوات أن تُصلى في أول وقتها (٤)، فأما (٥) الترك فداخل في باب الخروج عن الدين (٦). ١٠ - قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني: المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة. ﴿هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ فيه قولان: أحدهما: أنهم يرثون منازل أهل النار من الجنة. روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "ما منكم من أحد إلا له منزلان: منزل في الجنة ومنزل في النار، فإن مات فدخل النار ورث أهل الجنة منزله، قال: فدلك (٧) قوله: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ﴾ " (٨). وهذا تفسير

стр. 8953

النبي ﷺ . القول الثاني: أنهم يرثون بيوتهم ومنازلهم التي بنيت بأسمائهم في الجنة. وهو قول الكلبي ورثوا الجنة دون الكفار خلصت لهم بأعمالهم - واختيار أبي إسحاق (١). والمعنى: أنهم يؤول أمرهم إلى نعيم الجنة (٢). قال المبرد: وأصل الميراث: العاقبة وإن لم يكن للأول منها شيء بسبب نسب، وإنما معناه الانتقال عن (٣) هذا إلى هذا كما قال ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا﴾ [الأعراف: ١٣٧] الآية. وقد مر. فعلى (٤) القول الأول: هم وارثون (٥) ورثوا من (٦) أهل النار منازلهم من الجنة. ويجوز أن يُسمى ميراثًا وإن لم يستحقوا ذلك بنسب. وعلى القول الثاني: صارت عاقبتهم الجنة. فهم وارثون ورثوا منازلهم التي بنيت لهم في الجنة.

стр. 8954

١١ - ثم ذكر ما يرثون فقال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ وهو البستان بلغة الروم (١). وقيل: بلغة الحبشة (٢). ومضى الكلام في تفسير الفردوس في آخر سورة الكهف. قال ابن عباس: يريد خير الجنان. ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يريد خلود (٣) لا موت معه (٤)، ولذة لا انقطاع لها، وملك لا زواله له، وشيء لا يعلمه إلا الله. ١٢ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ السلالة: فعالة من السل، وهو استخراج الشيء من الشيء. يقال: سللت الشعر من العجين فانسل، وسللت السيف من غمده فانسل. ومن هذا يقال للنطفة: سُلَالة، وللولد: سَلِيل (٥) وسلالة (٦). قالت ينت النعمان بن بشير (٧) لزوجها روح بن زنباع (٨):

стр. 8955

وهل كنت إلا مُهرة عربية ... سَلِيلَة أفْراس تَحَلَّلَها بَغْلُ (١) وقال آخر (٢):

стр. 8956

سوى أنهم للحق أهل وأنهم ... إذا نسبوا قالوا: سلالة أحمد واختلفوا في المعنى بالإنسان في هذه الآية: فقال ابن عباس -في رواية عطاء- يريد آدم (١). وهو قول قتادة (٢)، ومقاتل (٣)، واختيار الفراء (٤). قال قتادة: استل (٥) آدم من طين، وخلقت ذريته من ماء مهين. ونحو هذا قال الفراء: السلالة التي تسل من كل تربة (٦). وكذا روي في خلق آدم ﵇ أن طينه استل من الأرض طيبها وسبخها (٧) وجميع أنواعها (٨).

стр. 8957

وقال الكلبي: السلالة: الطين إذا عصرته انسل من بين أصابعك، فذلك الذي يخرج هو السلالة (١). ونحو هذا قال مقاتل (٢). وعلى هذا أريد بالسلالة ذلك الطين الذي يخرج من الأصابع عند العصر. والوجه قول قتادة والفراء (٣). وروي عن ابن عباس ما يدل على أن المراد بالإنسان في هذه الآية: ابن آدم، لا آدم، وهو ما رواه أبو يحيى الأعرج (٤) أنه قال: السلالة صفوة (٥) الماء الرقيق الذي يكون منه الولد (٦). وهذا قول مجاهد وعكرمة.

стр. 8958

قال مجاهد: ﴿سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾: من مني (١) آدم (٢). قال عكرمة: هو الماء يسيل من الظهر (٣) سلًا (٤). وعلى هذا القول أراد بالإنسان: ولد آدم. جعله اسمًا للجنس وهو اختيار الكلبي، لأنه قال في قوله: ﴿خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ﴾ (٥) هو ابن آدم (٦). وقوله: ﴿مِنْ طِينٍ﴾ أراد تولد السلالة من طين خلق آدم منه كما قال الكلبي: يقول من نطفة، سُلت تلك النطفة من طين والطين آدم (٧). ١٣ - ويدل على أن المراد بالإنسان ابن آدم قوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني ابن آدم؛ لأن آدم لم يكن نطفة في رحم. وعلى القول الأول عادت الكناية إلى ابن آدم لا إلى الإنسان المذكور في الآية الأولى (٨)، وجاز ذلك لأنه (٩) لما ذكر (١٠) الإنسان - والمراد به

стр. 8959

آدم- دل (١) ذلك على إنسان مثله (٢)، وعرف ذلك بفحوى الكلام فكُني عنه وهذا قول صاحب النظم. ومثل هذا في القرآن (٣) قوله تعالى: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا﴾ [المائدة: ١٠١] فالكناية في (عنها) ليست (٤) تعود على (أشياء) المذكورة في قوله: ﴿عَنْ أَشْيَاءَ﴾ ولكنها تعود على (٥) أشياء أخر (٦) سواها لا هي، وجاز ذلك لأن المذكورة دلت عليها من حيث اجتمعتا في اللفظ. وقد مر. وقوله: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾ يعني مستقر، وموضع قرار، فسماه بالمصدر. قوله: ﴿مَّكِينٍ﴾ قال المفضل: مطمئن غير مضطرب (٧). يقال: مكين: بين المكانة (٨). قال ابن عباس والمفسرون في قوله: ﴿مَّكِين﴾: يريد الرحم، مُكن فيه بأن هُيىء لاستقراره فيه إلى بلوغ أمده الذي جعل له (٩). ١٤ - قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ﴾ مفسر في سورة الحج إلى قوله:

стр. 8960

﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ﴾ (١). ﴿عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ وقرئ كلاهما (عظمًا) على الواحد (٢). قال الزجاج (٣): التوحيد والجمع هاهنا جائزان؛ لأنه يعلم أن الإنسان ذو عظام، وإذا ذكر على التوحيد فلأنه يدل على الجمع، ولأن معه اللحم ولفظه لفظ الواحد فقد علم أن العظم يراد به العظام. قال: وقد (٤) يجوز من التوحيد إذا (٥) كان في الكلام دليل على الجمع ما هو أشد من هذا. قال الشاعر: في حلقكم عظم (٦) وقد شجينا (٧) يريد في حلوقكم عظام (٨). وقال أبو علي: الجمع أشبه بما جاء في التنزيل في غير هذا الموضع كقوله (٩) ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا﴾ [الإسراء: ٤٩] ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً﴾

стр. 8961

[النازعات: ١١] ﴿قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ﴾ [يس: ٧٨]. والإفراد لأنه اسم (١) جنس، فأفرد كما أفرد (٢) المصادر (٣) وغيرها من الأجناس نحو: الإنسان والدرهم والشاء والبعير (٤). قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾ قال ابن عباس: يعني نفخ الروح فيه (٥). وهو قول السدي، ومجاهد، والشعبي، وعكرمة، والربيع، وأبي العالية (٦)، وابن زيد (٧). واختيار القتيبي (٨). وقال قتادة: هو نبات الشعر والأسنان (٩). وهو قول الضحاك (١٠).

стр. 8962

وروي (١) عن ابن عمر أنه قال: هو استواء الشباب (٢). وهو قوله مجاهد (٣) في بعض الروايات (٤) وحكى الزجاج قولاً آخر وهو: أن جُعل ذكرًا وأنثى (٥). واختار صاحب النظم القول الأول، وقال (٦): قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا﴾ إلى قوله: ﴿لَحْمًا﴾ قصة واحدة، ثم قال ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾ فجاء به على نظم سوى اللفظ الأول الذي درج عليه ما قبله من قوله خلقنا وخلقنا، والإنشاء هو الابتداء، فدل هذا على أنه أراد به نفخ الروح؛ لأنه لا يحتمل أن يكون خلقًا آخر إلا بأن يزول عن كيفيته (٧) الأولى وهي أنه كان لحمًا وعظمًا

стр. 8963

مواتًا، فلما حصل فيه الروح صار خلقًا آخر، حيوانًا بعد أن كان مواتًا. قال: وفي هذا دليل على أن الجنين إذا استوى عظمه ولحمه على العظم فقد صار إنسانًا تكون به الأمة أم ولد، والجنين ولدًا (١) إن شاء الله. قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ أي استحق التعظيم والثناء بأنه (٢) لم يزل ولا يزال. والكلام في هذا مما قد (٣) سبق (٤). قوله: ﴿أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ أي: المصورين والمقدرين. والخلق في اللغة: التقدير. والعرب تقول: قدرت الأديم وخلقته، إذا قسِته (٥) لتقطع منه مزادة أو قربة أو خُفًا (٦) (٧). وقال مجاهد: وتصنعون ويصنع الله، والله خير الصانعين (٨). قال الليث: رجل خالق، أي: صانع. وهن الخالقات، للنساء (٩). وقال مقاتل بن سليمان: يقول: هو أحسن خَلْقًا من الذين يخلقون التماثيل وغيرها التي لا يتحرك منها شيء (١٠).

стр. 8964

ومعنى يخلقون: يصنعون. ١٥ - قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ بعد (١) ما ذكرنا من تمام الخلق. قال مقاتل (٢). ﴿لَمَيِّتُونَ﴾ (٣) عند آجالكم. ١٧ - قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ قال المفسرون (٤) وأهل اللغة (٥) كلهم: يعني: سبع سموات، كل سماء طريقه. قيل: سميت طريقة لتطارقها، وهو أن بعضها فوق بعض (٦). قال الليث: السموات السبع والأرضون السبع طرائق بعضها فوق بعض (٧). يقال: طارق الرجل نعليه، إذا أطبق نعلًا على نعل. وطارق الرجل بين ثوبين، إذا لبس ثوبًا على ثوب، وهو الطِّرَاق (٨). وقال أبو عبيدة: كل شيء فوقه مثله، فهو طريقة (٩).

стр. 8965

وقال ابن قتيبة: إنما سميت طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض، ويقال: ريش طراق (١). قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ﴾ قال مقاتل: يعني خلق السماء وغيره (٢). وقال الزجاج: أي لم يكن ليغفل عن حفظهن. كما قال الله : ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ [الأنبياء: ٣٢] (٣). وهذا معنى قول الفراء: عما خلقنا غافلين: يقول: كنا له حافظين (٤). وهذا الذي ذكراه (٥) هو ما قاله (٦) المفسرون: وما كنا عن (٧) خلقنا غافلين من أن تسقط السموات عليهم، بل أمسكنا السماء بقدرتنا لكيلا (٨) تسقط على الخلق فتهلكهم (٩). قال الزجاج: ويجوز أن يكون المعنى: إنا لِحِفْظِنَا إياهم خلقنا السموات (١٠).
следующие страницы →